جمع إناء كسقاء، وأسقية، وجمع الآنية أوان، وهي ظروف المياه فلذا عقبها بها"يجوز استعمال كل إناء طاهر" أي من حيث إنه طاهر فلا يرد تحريم استعمال جلد أو غيره من آدمي، ولا مغصوب لأن تحريمهما لا من هذه الحيثية بل من حيث حرمة الآدمي، والاستيلاء على حق الغير، وخرج بالطاهر النجس فلا يجوز استعماله إلا في جاف أو ماء كثير كما مر بيانه (^١) "إلا" إناء ولو ملعقة"من ذهب أو فضة فإنه يحرم استعماله" في الطهارة، وغيرها لخبر "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها" (^٢) رواه الشيخان، وقيس غير الأكل والشرب بهما، ولأن علة التحريم وجود عين الذهب والفضة مراعى فيها الخيلاء (^٣)، وقد يعللونه بالخيلاء مراعين فيه العين، ولا فرق في التحريم بين الرجال والخناثى والنساء والصبيان ونحوهم حتى يحرم على الولي سقي الصبي، ونحوه بمسعط الفضة"إلا لضرورة" (^٤) فلا يحرم استعماله"ولوضوء" منه"صحيح" لأن التحريم للاستعمال لا لخصوص الوضوء"والمأكول" كالمشروب"حلال" إذ لا مقتضى للتحريم. وإنما يحرم الفعل لما مر"فيحرم الاكتحال والتجمر" أي التبخر"بالاحتواء" (^٥) على المجمرة أو
_________________
(١) "قوله أو ماء كثير كما مر بيانه" أو في ماء قليل لما يجوز استعمال النجاسة فيه كطفي النار والبناء غ وسقي الكلب وتكميل الماء القليل.
(٢) رواه البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء منخفض حديث ٥٤٢٦، ورواه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال الذهب والفضة على الرجال، حديث ٢٠٦٧.
(٣) "قوله: وقد يعللونه بالخيلاء مراعين فيه العين" الفرق بين شطر العلة وشرطها أن شطر العلة الوصف المناسب أو المتضمن لمعنى مناسب وما يقف عليه الحكم ولا يناسب هو الشرط قاله الغزالي في شفاء العليل.
(٤) "قوله: إلا لضرورة" كأن لم يجد غيره قال بعضهم ويتجه أنه إذا وجدهما أنه يستعمل الفضة لا الذهب ويقرب ذلك من ميتة مأكول وغيره.
(٥) "قوله: والتجمر بالاحتواء إلخ" لو نصب فاه لميزاب الكعبة مثلا فهل يحرم أو يفرق بين القريب والبعيد كما في التجمر فيه نظر واحتمال وقوله أو يفرق إلخ قال شيخنا هو الأصح بشرط أن يعد مستعملا له عرفا.
[ ١ / ٧٦ ]
بإتيان رائحتها من قرب (^١) كما فهم من الأصل بأن يكون بحيث يعد متطيبا بها"والتطيب" بماء الورد أو غيره"منهما" أي من إناءي الذهب والفضة، وفي نسخة منها أي من آنيتهما ولو قال منه أي من إناء أحدهما كان أولى لعطفه بأو وليناسب قوله"فليفرغه" أي الإناء بأن يصب ما فيه ولو"في يده" التي لا يستعمله بها فيصبه أولا في يده اليسرى ثم في اليمنى"ثم يستعمله" ليندفع عنه ارتكاب المعصية.
"ويحرم اتخاذه" بغير استعمال أيضا لأن اتخاذه يجر إلى استعماله كآلة اللهو"و" يحرم"تزيين به" لوجود العين، والخيلاء"فلا أجرة لصنعته، ولا أرش لكسره" كآلة اللهو"ويكره إناء من جوهر نفيس" كفيروزج، وياقوت، وبلور، وزبرجد لما فيه من الخيلاء، والتصريح بالكراهة من زيادته، ومثله الإناء المتخذ من طيب مرتفع كمسك، وعنبر، وعود، وكافور فلو حذف الجوهر كان أولى ليكون المعنى من نفيس بالذات"لا نفيس صنعة" كزجاج وخشب محكم الخرط فلا يكره كنفيس الكتان وألحق به في المجموع فصا اتخذه من جوهر نفيس لخاتمه.
"وإن موه" أي طلي"إناء نحاس" بضم النون أو غيره"بذهب أو فضة يتحصل" منه شيء بالنار"حرم" لما مر"أو لا يتحصل" منه شيء بها"فلا" يحرم لقلة المموه به فكأنه معدوم (^٢) "وحكم عكسه" بأن موه إناء ذهب أو فضة بنحاس أو غيره"عكس حكمه" فلا يحرم إن حصل من ذلك شيء بالنار،
_________________
(١) "قوله: أو بإتيان رائحتها من قرب إلخ" ولا حرج في إتيان الرائحة من بعد قلت المراد أنه لا يأثم بمجرد إتيان الرائحة من بعد أما لو وضع هو البخور فيها أو وضع بأمره فهو آثم لا محالة وإن تباعد ولم يشتمل عليها ت وقوله فهو آثم قال شيخنا أي لأنه مستعمل لها بالوضع أو قصد محرما وقصد المحرم محرم.
(٢) "قوله: فلا يحرم" لقلة المموه فكأنه معدوم أما الفعل فحرام وعليه يحمل قول المجموع لو موه خاتما أو آلة حرب أو غيرها بذهب إن حصل منه شيء بالنار حرم وإلا فكذا على المذهب وقوله أيضا يحرم تمويه سقف البيت وجدرانه بالإجماع بذهب أو فضة ثم إن حصل منه شيء بالنار حرمت استدامته وإلا فلا.
[ ١ / ٧٧ ]
وإلا حرم لأن المموه به لقلته كالمعدوم، وهذا ما صرح به ابن الرفعة وغيره أخذا من كلام الإمام (^١)، وهو حسن، وإن خالف مقتضى ما في الرافعي من أنه يحرم مطلقا، وما في الروضة من أنه لا يحرم مطلقا، وذكرا مع التمويه في الثانية التغشية. واكتفى المصنف عنها بالتمويه".
وتضبيب الإناء بذهب حرام" مطلقا لأن الخيلاء فيه أشد من الفضة"وكذا كبيرة" أي، وكذا تضبيبه بضبة كبيرة"في العرف بفضة لغير حاجة" بأن كانت لزينة أو بعضها لزينة، وبعضها لحاجة.
"فإن كانت صغيرة لحاجة الإناء" إلى الإصلاح"لم تكره" لصغرها مع الحاجة، ولما روى البخاري أن قدح النبي ﷺ الذي كان يشرب فيه كان مسلسلا بفضة (^٢) لانصداعه أي مشبعا بخيط فضة لانشقاقه"أو" صغيرة"فوق حاجته" بأن كانت لزينته أو بعضها لزينته، وبعضها لحاجته"أو كبيرة لحاجته كرهت"، ولم تحرم لصغرها في الأول، وللحاجة إليها في الثاني فإن شك في كبرها فالأصل الإباحة قاله في المجموع، وأصل ضبة الإناء ما يصلح به خلله من صفيحة أو غيرها، وإطلاقها على ما هو للزينة توسع.
_________________
(١) "قوله: أخذا من كلام الإمام" وهو حسن وقال الأذرعي الوجه الجزم به انتهى. وعبارة الإمام لأن الإناء من رصاص أدرج فيه ذهب مستور قال ابن الرفعة والأظهر أن يفصل، فإن كان للرصاص جرم يمكن أن ينفصل فلا يحرم وإليه يرشد قول الإمام أنه إناء رصاص أدرج فيه ذهب انتهى وكان المصنف أخذه من قوة كلام الروضة والذي في العزيز لو اتخذ إناء من ذهب أو فضة وموهه بنحاس أو غيره، فإن قلنا التحريم لعين الذهب والفضة حرم وإن قلنا لمعنى الخيلاء فلا فترجيح زيادة الروضة أنه لا يحرم لا بد من تقييده بانتفاء ظهور الخيلاء الذي هو شرط للتعليل بالعين، وفي ضبط انتفاء ظهور الخيلاء بالتحصل نظر إذ التمويه بنحاس يتحصل منه قدر يسير بالعرض على النار قد لا يمنع ظهور الخيلاء قوله كالإناء المهيأ منهما للبول فيه" فإن الاستنجاء بأحجار الذهب والفضة ليس باستعمال لأنه ليس في الأواني ولا في اللبس ونحوه بخلاف البول في آنية الذهب والفضة فإنه يعد مستعملا لها بل الخيلاء فيه أكثر من الأكل والشرب ولو مسح الإنسان شيئا من بدنه بسبيكة ذهب أو فضة لم يحرم عليه لأنه مسح والاستنجاء مثله.
(٢) رواه البخاري، كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي ﷺ، حديث ٣١٠٩.
[ ١ / ٧٨ ]
ومعنى الحاجة غرض إصلاح موضع الكسر كما نبه عليه بقوله لحاجة الإناء فيؤخذ منه ما صرح به الأصل أنه لا يعتبر العجز عن غير الذهب، والفضة لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله ذهب أو فضة فضلا عن المضبب به، وفي معنى الإناء فيما ذكر الباب، والخلال، ونحوهما، واستشكل حرمة الذهب، والفضة فيما ذكر بحل الاستنجاء بهما الآتي في بابه، وأجيب بأن الكلام ثم في قطعة ذهب أو فضة لا فيما هيئ منهما لذلك كالإناء المهيأ منهما للبول فيه"وسمر الدراهم" في الإناء"لا طرحها فيه كالتضبيب" فيأتي فيه التفصيل السابق بخلاف طرحها فيه لا يحرم به استعمال الإناء مطلقا، ولا يكره، وكذا لو شرب بكفه، وفي أصبعه خاتم أو في فمه دراهم كما صرح بذلك في الروضة وكذا لو شرب بكفه وفيها دراهم.
"فإن جعل له" أي للإناء"حلقة" من فضة بإسكان اللام أشهر من فتحها"أو سلسلة فضة أو رأسا" (^١) منها"جاز" لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمل قال الرافعي، ولك منعه بأنه مستعمل بحسبه، وإن سلم فليكن فيه خلاف الاتخاذ، وخرج بالفضة، والذهب فلا يجوز منه ذلك.
_________________
(١) "قوله: أو رأسا منها جاز إلخ" مراده به الصفحة من الفضة فلو كان على هيئة الإناء حرم قطعا وبهذا يندفع قول بعضهم ينبغي أن يلحق بالضبة أو يبني على الاتخاذ ع قال شيخنا لا يقال يلحق بجواز تغطية الإناء بفضة جواز تغطية العمامة بحرير بجامع أن استعمال كل منهما محرم لأنا نقول تغطية الإناء مستحب في الجملة بخلاف العمامة.
[ ١ / ٧٩ ]