"يجوز الجمع في سفر القصر" للأخبار الآتية "لا" في السفر "القصير" فلا يجوز "ولو للمكي"; لأن الجمع للسفر لا للنسك، والجمع يكون "بين الظهر، والعصر و" بين "المغرب، والعشاء في وقت إحداهما وتكون" المجموعة في وقت الأخرى "أداء" كالأخرى; لأن وقتيهما صارا واحدا وخرج بما ذكر الصبح مع غيرها، والعصر مع المغرب فلا جمع فيهما; لأنه لم يرد ويجوز جمع الجمعة، والعصر تقديما كما نقله الزركشي (^١) واعتمده كجمعهما بالمطر بل أولى ويمتنع تأخيرا; لأن الجمعة لا يتأتى تأخيرها عن وقتها وتقدم في الحيض أن المتحيرة لا تجمع تقديما (^٢) قال الزركشي ومثلها فاقد الطهورين (^٣) وكل من لم تسقط صلاته بالتيمم ولو حذف بالتيمم كان أولى. "والأفضل التأخير" (^٤) أي تأخير الأولى "إلى الثانية للسائر" وقت الأولى "ولمن
_________________
(١) "قوله: كما نقله الزركشي" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله: أن المتحيرة لا تجمع تقديما" قال في المهمات ووجه امتناعه أن الجمع في وقت الأولى شرطه تقدم الأولى صحيحة يقينا، أو ظنا وهو منتف بخلاف الجمع في وقت الثانية
(٣) "قوله: قال الزركشي ومثلها فاقد الطهورين" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله: والأفضل التأخير إلخ" سكتوا عما إذا كان سائرا فيهما فيحتمل أن التقديم أفضل رعاية لفضيلة أول الوقت ويحتمل وهو ظاهر كلام كثير عكسه لظاهر الأخبار السابقة ولانتفاء سهولة جمع التقديم مع الخروج من خلاف من منعه س ومثله ما إذا كان نازلا فيهما وقوله ويحتمل وهو ظاهر إلخ أشار إلى تصحيحه.
[ ٢ / ٩٦ ]
بات بمزدلفة و" الأفضل "التقديم" أي تقديم الثانية "إلى الأولى للنازل" في وقتها "والواقف بعرفة" روى الشيخان عن أنس أن النبي ﷺ "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، والعصر، ثم ركب" (^١)، وعن ابن عمر قال "كان النبي ﷺ إذا جد به السير جمع بين المغرب، والعشاء" يعني في وقت العشاء، وعن أسامة "أنه ﷺ جمع بين المغرب، والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء" وروى معاذ "أنه ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب" رواه الترمذي وحسنه، والبيهقي وصححه (^٢). وروى مسلم عن جابر أنه ﷺ "جمع بين الظهر، والعصر بعرفة في وقت الظهر" وروى الشيخان أنه "جمع بين المغرب، والعشاء في وقت العشاء" (^٣)، والمراد بالسفر فيها الطويل كما دل عليه بعضها; ولأن ذلك إخراج عبادة عن وقتها فاختص بالطويل كالفطر قال الأذرعي: واستثني من أفضلية التقديم والتأخير فيما ذكر ما لو خشي من التأخير الفوات لبعد المنزل، أو خوف عدو، أو غيره، فالجمع تقديما أفضل، وما لو كان إذا جمع تقديما صلى جماعة، أو خلا عن حدثه الدائم، أو عن كشف عورته وإذا جمع تأخيرا كان بخلاف ذلك، أو بالعكس، فالجمع بالجماعة وبالخلو عما ذكر أفضل "فرع: وإذا جمع في وقت الأولى (^٤) اشترط" ثلاثة شروط "تقديمها" على الثانية للاتباع
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، حديث "١١١١"، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، حديث "٧٠٣".
(٢) صحيح: رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، حديث "١٢٢٠"، والترمذي حديث "٥٥٣".
(٣) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر، حديث "١٠٩٢"، ومسلم حديث "٧٠٣".
(٤) "قوله: وإن جمع في وقت الأولى إلخ" قال البلقيني لم يصرحوا بما إذا خرج وقت الأولى وهو في الثانية والذي يظهر أنه يبطل الجمع وتبطل صلاة العصر وتنقلب نفلا على الخلاف في نظائره، وكذلك لو شك في أثناء صلاة العصر في بقاء وقت الظهر فإنه يبطل الجمع وصلاة العصر ويعيدها بعد دخول وقتها وقوله والذي يظهر أشار إلى تصحيحه.
[ ٢ / ٩٧ ]
وقال ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (^١) ; ولأن الوقت لها، والثانية تبع فلا تتقدم على متبوعها فلو قدمها لم تصح، أو الأولى وبان فسادها فسدت الثانية أيضا لعدم الترتيب "وأن ينوي الجمع فيها" أي الأولى تمييزا للتقديم المشروع (^٢) عن التقديم سهوا، أو عبثا "ولو" نواه "مع السلام وبعد نية الترك" كأن نوى الجمع، ثم نوى تركه ثم نواه; لأن الجمع ضم الثانية للأولى (^٣) فيكفي سبق النية حالة الجمع ويفارق القصر بأنه لو تأخرت نيته عن الإحرام لتأدى جزء على التمام فيمتنع القصر قال في المجموع. قال المتولي ولو شرع في الظهر بالبلد في سفينة فسارت فنوى الجمع، فإن لم يشترط النية مع التحرم صح لوجود السفر وقتها وإلا فلا ويفرق بينها وبين حدوث المطر في أثناء الأولى حيث لا يجمع به كما سيأتي بأن السفر باختياره (^٤) فنزل اختياره له في ذلك منزلته بخلاف المطر حتى لو لم يكن اختاره، فالوجه امتناع الجمع على أن ما قاله المتولي (^٥) هنا ذكر مثله ثم، فعليه لا فرق "ويشترط أن يوالي بينهما"; لأن الجمع بجعلهما
_________________
(١) صحيح سبق تخريجه.
(٢) "قوله: تمييزا للتقديم المشروع إلخ"; ولأنه لما لم يجز تأخير الأولى إلا بالنية مع صحتها في وقت الثانية فاشتراطها في تقديم الثانية مع أنها لا تصح في وقت الأولى أولى
(٣) "قوله: لأن الجمع ضم الثانية للأولى" وهو وقت السلام فإذا صحت نيته في غير وقت الضم وهو حال الإحرام ففي وقته وهو وقت السلام أو ما قاربه أولى
(٤) "قوله بأن السفر باختياره" قال شيخنا يحمل القول بأن السفر باختياره أنه من شأنه أن يكون كذلك، بخلاف المطر فلا إيراد.
(٥) "قوله: على أن ما قاله المتولي إلخ" ظاهر كلام المجموع اعتماد كلام المتولي ويمكن أن يفرق بين السفر، والمطر بأن الجمع بالمطر أضعف للخلاف فيه; ولأن فيه طريقا باشتراط نية الجمع في الإحرام; لأن استدامة المطر في أثناء الصلاة ليست بشرط للجمع فلم تكن محلا للنية وفي السفر تجوز النية قبل الفراغ من الأولى; لأن استدامته شرط فكانت محلا للنية
[ ٢ / ٩٨ ]
كصلاة واحدة فوجب الولاء كركعات الصلاة; ولأنه ﷺ "لما جمع بين الصلاتين بنمرة، والى بينهما وترك الرواتب وأقام الصلاة بينهما" رواه الشيخان (^١) ولولا اشتراط الولاء لما ترك الرواتب (^٢). وقد يمنع بأنه تركها لكونها سنة لا شرطا ولو ترك لفظ يشترط كان أخصر "ولا يضر فصل يسير (^٣) في العرف فللمتيمم الفصل" بينهما "به" أي بالتيمم "وبالطلب الخفيف وإقامة الصلاة" للاتباع في الأخيرة كما مر وقياسا عليه في الأوليين بجامع أن كلا منها فصل يسير لمصلحة الصلاة بل ولو لم يكن الفصل اليسير لمصلحتها لم يضر أما الطويل فيضر ولو بعذر كسهو وإغماء "وإن جمع وتذكر" بعد فراغه، أو في أثناء الثانية وطال الفصل بين سلام الأولى (^٤)، والتذكر "ترك ركن من الأولى أعادهما" الأولى لترك الركن وتعذر التدارك بطول الفصل، والثانية لفقد الترتيب (^٥) "وله الجمع" تقديما أو تأخيرا لوجود المرخص "أو" تذكر تركه "من الثانية". فإن كان "قبل طول الفصل تداركه وصحتا وإلا" أي، وإن كان بعد طوله "تعذر الجمع" لفقد الولاء بتخلل الباطلة فيلزمه إعادتها في وقتها "وإن لم يدر من أيهما هو" أي الركن
_________________
(١) البخاري كتاب الحج، باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، حديث "١٥١٦" ومسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، حديث "١٢١٨"
(٢) "قوله: ولولا اشتراط الولاء لما ترك الرواتب"; لأنها تفعل تبعا فلو فرقت لم تكن تبعا; ولأن الجمع يكون بالمقارنة، أو بالمتابعة، والمقارنة متعذرة فتعينت المتابعة
(٣) "قوله: ولا يضر فصل يسير" لو جمع تقديما وارتد بعد فراغه من الأولى ففي بطلان الجمع احتمالان لوالد الروياني انتهى. إذا أسلم ولم يطل الفصل عرفا بين سلامه من الأولى وتحرمه بالثانية جاز له الجمع وإلا فلا يجوز
(٤) "قوله: وطال الفصل بين سلام الأولى إلخ"، فإن لم يطل لم يصح إحرامه بالثانية ويبني على الأولى
(٥) "قوله: والثانية لفقد الترتيب" وتقع نافلة كمن أحرم بالفرض قبل وقته جاهلا بالحال وجد بهامش الأصل بخطه ما نصه "فرع" في التجريد عن حكاية الروياني عن والده من جملة كلام طويل، وإن كان قد بقي من الوقت أي وقت المغرب ما يسع المغرب ودون ركعة من العشاء يحتمل أن يقال لا يصلي العشاء; لأن ما دون ركعة يجعلها قضاء قال الروياني وعندي أنه يجوز الجمع; لأن وقت المغرب يمتد إلى طلوع الفجر عند العذر إلخ. ا هـ. ووافق م ر على أنه ينبغي جواز الجمع أيضا ا هـ. ابن قاسم
[ ٢ / ٩٩ ]
المتروك "لزمه إعادتهما" لاحتمال أنه من الأولى "وامتنع الجمع تقديما" لاحتمال أنه من الثانية فيطول الفصل بها وبالأولى المعادة بعدها فيعيد كلا منهما في وقتها أخذا بالأسوإ في الطرفين ولو شك بين الصلاتين في نية الجمع، ثم تذكر أنه نواه نقل الروياني عن والده أنه ليس له الجمع قال: وعندي أن له الجمع (^١) قال الزركشي وهو الوجه إن تذكره عن قرب "وأما إن جمع في وقت الثانية (^٢) فلا تشترط إلا نية التأخير (^٣) للجمع في وقت الأولى" ما بقي قدر ركعة "فإن أخر" ها "حتى فات الأداء" أي وقته "بلا نية" للجمع "عصى وقضى" هذا ما في الروضة كأصلها عن الأصحاب وفي المجموع (^٤) وغيره عنهم وتشترط هذه النية في وقت الأولى بحيث يبقى من وقتها ما يسعها، أو أكثر، فإن ضاق وقتها بحيث لا يسعها عصى وصارت قضاء وجزم البارزي وغيره بالأول وصححه ابن الرفعة وغيره، وهو المناسب لما مر من جواز قصر صلاة من سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة ولا يضر فيه تحريم تأخيرها بحيث يخرج جزء منها عن وقتها ويمكن حمل كلام المجموع على كلام الروضة بأن يقال معنى ما يسعها أي يسعها أداء، فإن قلت بل كلامها (^٥) محمول على كلامه ويكون مرادها الأداء الحقيقي، وهو الإتيان بجميع الصلاة في وقتها لا الأداء المجازي
_________________
(١) قوله: وعندي أن له الجمع" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله: وأما إن جمع في وقت الثانية" إذا جمع تأخيرا ثم تيقن في تشهد العصر أنه ترك سجدة لا يعلم أنها من الظهر، أو العصر فعليه أن يصلي ركعة أخرى وعليه إعادة الظهر ويكون جامعا، فإن أحرم بالعصر عقب فراغه من الظهر فلا تجوز النيابة بل يعيد الصلاتين; لأن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يصح إحرامه بالعصر قاله في البحر قال شيخنا علم من كلامه أنه قدم الظهر قبل العصر في الشقين وأن محل التفصيل في المبادرة في العصر بعد الأولى، فإن بادر بها استأنفهما وإلا بنى على ما هو فيه واستأنف الأولى.
(٣) "قوله: فلا يشترط إلا نية التأخير" لو نسي النية حتى خرج الوقت لم يبطل الجمع; لأنه معذور قاله الغزالي في الإحياء قال شيخنا ظاهر إطلاقهم يخالفه
(٤) "قوله: وفي المجموع إلخ" قال الأذرعي وهو حق، وكذلك الإسنوي
(٥) "قوله: فإن قلت بل كلامها إلخ" قال شيخنا السؤال هو الأصح
[ ٢ / ١٠٠ ]
الحاصل بتبعية ما بعد الوقت لما فيه قلت ينافيه (^١) قوله إنها صارت قضاء وعلم من كلام المصنف (^٢) أنه لا يشترط الترتيب ولا الولاء ولا نية الجمع في الأولى، وهو كذلك وفارق جمع التقديم أما في الأولى; فلأن الوقت هنا للثانية، والأولى تبع لها بخلافه ثم، وأما في الثانية; فلأن الأولى شبيهة بالفائتة لخروج وقتها; "ولأنه ﷺ صلى المغرب بمزدلفة، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها" رواه الشيخان (^٣) وأما في الثالثة فلما مر في الأولى; ولأن نية الجمع هنا تقدمت في وقت الأولى فاكتفي بها بخلاف جمع التقديم.
"فرع" لو "جمع تقديما ونوى الإقامة"، أو وصلت سفينته دار إقامته كما صرح به الأصل، أو شك في صيرورته مقيما "قبل الإحرام بالثانية بطل الجمع" لزوال سببه فيؤخرها لوقتها، والأولى صحيحة "أو في أثنائها" أي الثانية "لم يبطل" جمعه صيانة لصلاته عن البطلان بعد الانعقاد بخلاف القصر فإن وجوب الإتمام لا يبطل ما مضى من صلاته "وإن جمع في وقت الثانية ثم أقام في أثنائها"، أو قبل الإحرام بها المفهوم بالأولى "صارت الأولى قضاء"; لأنها تابعة للثانية (^٤) في
_________________
(١) "قوله: قلت ينافيه إلخ" قد مر أن كلا التعبيرين منقول عن الأصحاب، فالمراد بهما واحد، والمعول عليه في الجمع بينهما هو ما أورده الشارح سؤالا كما جرى عليه بعض المحققين، والفرق بينه وبين جواز القصر لمن سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة واضح، فإن المعتبر ثم كونها مؤداة، والمعتبر هنا أن تميز النية هذا التأخير عن التأخير تعديا، ولا يحصل إلا وقد بقي من الوقت ما يسع الصلاة ولا ينافيه قولهم: إنها صارت قضاء; لأنها فعلت خارج وقتها الأصلي، وقد انتهى شرط التبعية في الوقت.
(٢) "قوله: وعلم من كلام المصنف إلخ" قول الرافعي وتعليله أنه لا يشترط الترتيب; لأنه لو أخر الظهر عمدا من غير عذر كان له تقديم العصر عليها، فإذا له مع القدرة أولى مخالف لما قرره في الحج من أن الصلاة المتروكة من غير عذر يجب فعلها على الفور على الأصح.
(٣) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، حديث "١٦٧٢"، ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، واستحباب صلاة المغرب والعشاء جمعا بالمزدلفة في هذه الليلة، حديث "١٢٨٠".
(٤) "قوله: لأنها تابعة للثانية إلخ" قال الرافعي: لأن الأولى تبع للثانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في الجميع
[ ٢ / ١٠١ ]
الأداء للعذر، وقد زال قبل تمامها وفي المجموع إذا أقام في أثناء الثانية ينبغي أن تكون الأولى أداء بلا خلاف وما بحثه مخالف لإطلاقهم قال السبكي وتبعه الإسنوي وتعليلهم منطبق على تقديم الأولى فلو عكس وأقام في أثناء الظهر فقد وجد العذر في جميع المتبوعة وأول التابعة، وقياس ما مر في جمع التقديم أنها أداء على الأصح أي كما أفهمه تعليلهم وأجرى الطاووسي (^١) الكلام على إطلاقه فقال وإنما اكتفي في جمع التقديم بدوام السفر إلى عقد الثانية ولم يكتف به في جمع التأخير بل شرط دوامه إلى تمامهما; لأن وقت الظهر ليس وقت العصر إلا في السفر (^٢)، وقد وجد عند عقد الثانية فيحصل الجمع وأما وقت العصر فيجوز فيه الظهر بعذر السفر وغيره فلا ينصرف فيه الظهر إلى السفر إلا إذا وجد السفر فيهما وإلا جاز أن ينصرف إليه لوقوع بعضها فيه وأن ينصرف إلى غيره لوقوع بعضها في غيره الذي هو الأصل.
"فصل: المطر" ولو ضعيفا إن كان بحيث يبل الثياب "يبيح الجمع" لما يجمع بالسفر "في وقت الأولى" لخبر الصحيحين عن ابن عباس "صلى رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر، والعصر جميعا، والمغرب، والعشاء جميعا" زاد مسلم "من غير خوف ولا سفر" (^٣) قال الشافعي كمالك أرى ذلك في المطر قال في المجموع، وهذا التأويل مردود برواية مسلم "من غير خوف ولا مطر" قال وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور فهي أولى قال يعني. البيهقي، وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع بالمطر، وهو يؤيد التأويل، وأجاب غيره بأن المراد ولا مطر (^٤) كثير، أو لا مطر مستدام، فلعله انقطع في أثناء الثانية "لا" في وقت
_________________
(١) "قوله: وأجرى الطاووسي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله: لأن وقت الظهر ليس وقت العصر إلا في السفر" قال شيخنا كلامه فيما يجوز جمعه تقديما وتأخيرا فلا يرد عليه الجمع بالمطر كاتبه.
(٣) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تأخير زالظهر إلى العصر، حديث "٥٤٣"، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، حديث "٧٠٥".
(٤) قوله: وأجاب غيره بأن المراد ولا مطر إلخ"، أو أراد بالجمع التأخير بأن أخر الأولى إلى آخر وقتها وأوقع الثانية في أول وقتها.
[ ٢ / ١٠٢ ]
"الثانية"; لأن استدامة المطر ليست إلى الجامع بخلاف السفر وإنما يباح الجمع بشروطه السابقة في جمعه بالسفر "لمن صلى" أي لمن أراد أن يصلي "جماعة في مكان" مقصود لها من مسجد، أو غيره فتعبيره بمكان أولى من تعبير أصله بمسجد "يتأذى في طريقه" إليه "بالمطر" لبعده كما قيد به الأصل كغيره "فلو صلى" ولو "جماعة في بيته"، أو في مكان للجماعة قريب "أو مشى في كن، أو صلوا فرادى في المسجد" أو نحوه "فلا جمع" لانتفاء التأذي. وأما جمعه ﷺ بالمطر مع أن بيوت أزواجه كانت بجنب المسجد فأجابوا عنه أن بيوتهن كانت مختلفة وأكثرها كان بعيدا فلعله حين جمع لم يكن بالقريب ويجاب أيضا بأن للإمام أن يجمع بالمأمومين (^١)، وإن لم يتأذ بالمطر صرح به ابن أبي هريرة (^٢) وغيره على أن جماعة منهم الأذرعي والزركشي أنكروا اشتراط البعد ونقلوا عن نص الأم أنه لا فرق بين القرب، والبعد وكلام المصنف يوافقه قال المحب الطبري ولمن خرج إلى المسجد قبل وجود المطر فاتفق وجوده، وهو في المسجد أن يجمع; لأنه لو لم يجمع لاحتاج إلى صلاة العصر أيضا، أي: أو العشاء في جماعة وفيه مشقة في رجوعه إلى بيته ثم عوده، أو في إقامته في المسجد، وكلام غيره يقتضيه (^٣). "وإنما يشترط" في إباحة المطر الجمع زيادة على ما مر "وجود المطر (^٤) في أول الصلاتين" ليقارن الجمع "وعند التحلل من الأولى" ليتصل بأول الثانية فيؤخذ منه اعتبار امتداده بينهما، وهو ظاهر ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك لعسر انضباطه "والشفان كالمطر" فيما ذكر لتضمنه القدر المبيح "وهو" بفتح الشين المعجمة لا بضمها كما وقع في بعض نسخ الروضة ولا بكسرها كما وقع للقمولي وبتشديد الفاء "برد ريح فيه ندوة" أي بلل "وكذا ثلج وبرد يذوبان"
_________________
(١) "قوله: ويجاب أيضا بأن للإمام أن يجمع بالمأمومين إلخ" قال شيخنا تقييده بما إذا كان إماما راتبا، أو يلزم من عدم إمامته تعطيل الجماعة
(٢) "قوله: وصرح به ابن أبي هريرة" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله: وكلام غيره يقتضيه" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله: وإنما يشترط وجود المطر إلخ" قال الماوردي لو افتتح الأولى، والمطر قائم، ثم انقطع في خلالها، ثم اتصل إلى أن دخل في الثانية صح له الجمع لوجود العذر في الطرفين
[ ٢ / ١٠٣ ]
لما مر بخلاف ما إذا لم يذوبا لانتفاء التأذي نعم إن كان الثلج قطعا كبارا جاز الجمع به كما في الشامل وغيره وفي معناه البرد وبه صرح في الذخائر "فرع: يجمع العصر مع الجمعة في المطر، وإن لم يكن" موجودا "حال الخطبة"; لأنها ليست من الصلاة، وقد علم مما مر أنه لا جمع بغير السفر والمطر; كمرض وريح وظلمة وخوف ووحل، وهو المشهور; لأنه لم ينقل ولخبر المواقيت فلا يخالف إلا بصريح وحكى في المجموع عن جماعة من أصحابنا جوازه بالمذكورات قال: وهو قوي جدا في المرض، والوحل لخبر مسلم أنه ﷺ "جمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر" واختاره في الروضة، لكنه فرضه في المرض وجرى عليه المصنف
"فرع" من "المختار جواز الجمع بالمرض" (^١) قال في المهمات، وقد ظفرت بنقله عن الشافعي وعلى المشهور قال في المجموع وإنما لم يلحقوا الوحل بالمطر كما في عذر الجمعة، والجماعة; لأن تاركهما يأتي ببدلهما، والجامع يترك الوقت بلا بدل; ولأن العذر فيهما ليس مخصوصا بل كل ما تلحق به مشقة شديدة، والوحل منه، وعذر الجمع مضبوط بما جاءت به السنة ولم تجئ بالوحل وعلى المختار في المرض يستحب أن يراعي الأرفق بنفسه "فمن يحم" مثلا "في وقت الثانية قدمها" إلى الأولى "بشرائط جمع التقديم، أو في" وقت "الأولى أخرها" إلى الثانية، وأسقط في نسخة قوله بشرائط جمع التقديم وأثبت فيها بعد قوله أخرها ويشترط في التقديم وجود الحمى كالمطر أي فيشترط وجودها في أول الصلاتين وعند التحلل من الأولى وتلك النسخة أكثر فائدة "وإن جمع تقديما" بل أو تأخيرا في الظهر، والعصر "صلى سنة الظهر التي قبلها، ثم الفريضتين" الظهر، ثم العصر "ثم باقي السنن مرتبة" أي سنة الظهر التي بعدها، ثم سنة العصر "وفي المغرب، والعشاء يصلي الفريضتين، ثم السنن مرتبة" سنة المغرب، ثم سنة العشاء "ثم الوتر" وتحرير المسألة أنه إذا جمع الظهر، والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها وله تأخيرها سواء أجمع تقديما أم تأخيرا وتوسيطها إن
_________________
(١) "قوله: المختار جواز الجمع بالمرض" قال شيخنا ضعيف.
[ ٢ / ١٠٤ ]
جمع تأخيرا سواء أقدم الظهر أم العصر وأخر سنتها التي بعدها وله توسيطها إن جمع تأخيرا وقدم الظهر وأخر عنهما سنة العصر وله توسيطها وتقديمها إن جمع تأخيرا سواء أقدم الظهر أم العصر وإذا جمع المغرب والعشاء أخر سنتيهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيرا أو قدم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيرا وقدم العشاء، وما سوى ذلك ممنوع. وعلى ما مر من أن للمغرب، والعشاء سنة مقدمة فلا يخفى الحكم مما تقرر في جمعي الظهر، والعصر، والأولى من ذلك كله ما تقرر في كلام المصنف "فرع" قد جمع في أصل الروضة ما يختص بالسفر الطويل وما لا يختص فقال: الرخص المتعلقة بالسفر الطويل أربع: القصر، والفطر، والمسح على الخف ثلاثة أيام، والجمع على الأظهر والذي يجوز في القصير أيضا أربع: ترك الجمعة وأكل الميتة وليس مختصا بالسفر، والتنفل على الراحلة على المشهور، والتيمم وإسقاط الفرض به على الصحيح فيهما. ولا يختص هذا بالسفر أيضا كما مر في باب التيمم نبه عليه الرافعي وزيد على ذلك صور منها ما لو سافر المودع ولم يجد المالك ولا وكيله ولا الحاكم ولا الأمين فله أخذها معه على الصحيح ومنها ما لو استصحب معه ضرة زوجته بقرعة فلا قضاء عليه ولا يختص بالطويل على الصحيح ووقع في المهمات تصحيح عكسه، وهو سهو نبه عليه الزركشي.
"فصل إذا بلغ السفر ثلاثة أيام (^١)، فالقصر أفضل" للاتباع رواه الشيخان وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة ويخالف الصوم في السفر، وإن منعه أهل الظاهر; لأن محققي العلماء لا يقيمون لمذهبهم وزنا (^٢)
_________________
(١) قوله: إذا بلغ السفر ثلاثة أيام إلخ"، فإن لم يبلغها، فالإتمام أفضل إلا لمن إذا أتم جرى حدثه الدائم في بعض صلاته، أو فاته خلاص أسير، أو خاف فوت عرفة أو لماسح خف لا ماء معه، وقد بقي من مدته ما لا يسع الصلاة إلا مقصورة أو لعبد أمره سيده بعمل شيء في يوم لا يكمله فيه إلا إن صلى قاصرا، أو لجمع تناوبوا مكانا طاهرا للصلاة فيه ولو أتموا لوقعت صلاة بعضهم بعد الوقت
(٢) "قوله: لأن محققي العلماء لا يقيمون لمذهبهم وزنا إلخ" قال الشيخ تاج الدين السبكي: محمله عندي ابن حزم وأمثاله. وأما داود فمعاذ الله أن يقول إمام الحرمين أو غيره إن خلافه لا يعتبر فلقد كان جبلا من جبال العلم، والدين له من سداد النظر وسعة العلم ونور البصيرة، والإحاطة بأقوال الصحابة، والتابعين، والقدرة على الاستنباط ما يعظم وقعه، وقد دونت كتبه وكثرت أتباعه وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الأئمة المتبوعين في الفروع، وقد كان مشهورا في زمن الشيخ وبعده بكثير لا سيما في بلاد فارس شيراز وما والاها إلى ناحية العراق وفي بلاد المغرب.
[ ٢ / ١٠٥ ]
قاله الإمام ولبقاء شغل الذمة إذا أفطر (^١) "إلا لملاح يسافر" في البحر "بأهله ومن لا يزال مسافرا بلا وطن"، فالإتمام لهما أفضل خروجا من خلاف من أوجبه عليهما كالإمام أحمد وروعي فيهما خلافه دون خلاف أبي حنيفة (^٢) لاعتضاده بالأصل "والغسل" للرجل "وترك الجمع أفضل من مسح الخف و" من "الجمع" لأصالتهما وفارقا القصر بأن الأول لم يؤت فيه بجنس الواجب، والثاني فيه إخلاء أحد الوقتين عن وظيفته بخلاف القصر فيهما نعم يستثنى منهما من وجد في نفسه كراهة ذلك كما سيأتي. ومن الثانية الحاج بعرفة ومزدلفة; لأن الجمع أرفق له في الدعاء في الأول وفي السير في الثاني ومن إذا جمع صلى جماعة أو خلا عن حدثه الدائم، أو كشف عورته (^٣) "وكره ترك الترخص"
_________________
(١) "قوله: ولبقاء شغل الذمة إذا أفطر" وفيه تغرير بالعبادة فإنه لا يدري أيعيش حتى يقضيه أم لا؟ وأيضا المفطر لم يأت في محل الرخصة بشيء من الأصل، وكذا ماسح الخف بخلاف القاصر.
(٢) "قوله: وروعي فيهما خلافه دون خلاف أبي حنيفة إلخ" ذكر المحب الطبري أن الإتمام أفضل أيضا في موضعين أحدهما ما وقع فيه الاختلاف في حرمة القصر الثاني إذا قدم من السفر الطويل وبقي بينه وبين مقصده دون ثلاثة أيام فإن الإتمام أفضل قال الإسنوي: وهذا خطأ مخالف لكلام الأصحاب ولفعله ﵊ ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أنه "لما خرج إلى حجة الوداع لم يزل يقصر حتى رجع إلى المدينة" قال الأذرعي ويظهر أن القصر أفضل مطلقا في دائم الحدث إذا كان لو قصر لخلا زمن صلاته عن جريان حدثه ولو أتم لجرى فيها قال وما ذكره المحب الطبري في الثاني غلط فاحش. ولو رأى جماعة يصلون إتماما فهل الأفضل في حقه أن يصلي قصرا أو يصلي جماعة إتماما؟ قال بعضهم الأفضل أن يصلي جماعة إتماما فإن النووي نقل في شرح المهذب أن أبا حنيفة إنما يوجب القصر إذا لم يقتد بمتم فأما إذا اقتدى به فيجوز له الإتمام، والقصر
(٣) "قوله: أو كشف عورته، أو أدرك عرفة" بل قد يقال بوجوبه، وقد يقال مثله في بعض صور ملاقاة الغزاة، والمجاهدين ومستنقذي الأسرى من أيدي الكفار قاله الأذرعي قال بعضهم: ويلحق بذلك من لو جمع تأخيرا صار مقيما قبل فراغهما فيمتنع حينئذ جمع التأخير، أو صلى بطهارة الماء كلا من الصلاتين، أو أتى بشرط من شروطها، أو صلى قائما
[ ٢ / ١٠٦ ]
بالقصر، والجمع وسائر الرخص "لمن وجد في نفسه كراهته" أي كراهة الترخص فيكاد يكون رغبة عن السنة ويستمر ذلك إلى أن تزول عنه الكراهة ومثلها ما لو كان ممن يقتدى به، أو تركه شكا في جوازه، وهذه الأخيرة ذكرها في الروضة بالنسبة إلى مسح الخف.
"وإن نوى الكافر، أو الصبي مسافة القصر، ثم أسلم" الكافر "أو بلغ" الصبي "في أثنائها" أي المسافة "قصر في البقية منها" وما ذكره كالروضة في الصبي نقل عن الروياني وقضيته أنه لا يصح قصره قبل بلوغه. وهو ممنوع; لأنه من أهل القصر كما صرح به البغوي، والصواب صحته (^١) منه، وقد قالوا لو جمع تقديما، ثم بلغ، والوقت باق لم يحتج إلى إعادتها نبه على ذلك الأذرعي والزركشي ولم ينبه عليه الإسنوي بل نبه على غيره فقال ما ذكر في الصبي متجه إن بعثه وليه، فإن سافر بغير إذنه فلا أثر لما قطعه قبل بلوغه، وإن سافر معه فيتجه أن يجيء فيه ما مر في غيره من التابعين "وإن نوى اثنان إقامة أربعة أيام وأحدهما حنفي يعتقد القصر فاقتدى به الآخر"، وهو لا يعتقده كشافعي "كره ويتم" صلاته "بعد سلامه" أي الحنفي; لأنه مقيم فعلم صحة صلاته. واستشكله في المهمات بأنه خارج عن القواعد لاعتقاده فساد صلاة إمامه. وقدمت في صفة الأئمة جوابه، ثم رأيت صاحب الاستقصاء تبعا للشيخ أبي حامد وغيره صوروا ذلك بما إذا لم يعلم (^٢) أنه نوى القصر، فإن علم أنه نواه فمقتضى المذهب أنه لا تصح صلاته خلفه كمجتهدين اختلفا في القبلة فصلى أحدهما خلف الآخر "ولا قصر" تأكيد لما قبله.
_________________
(١) "قوله:، والصواب صحته منه" أشار إلى تصحيحه.
(٢) قوله: صوروا ذلك بما إذا لم يعلم إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ١٠٧ ]