عرفها بعضهم بكل عين حرم تناولها مطلقا في حالة الاختيار مع سهولة تمييزها، وإمكان تناولها (^١) لا لحرمتها، ولا لاستقذارها (^٢)، ولا لضررها في بدن أو عقل فاحترز بمطلقا عما يباح قليله كبعض النباتات السمية، الاختيار عن حالة الضرورة فيباح فيها تناول النجاسة بسهولة تمييزها عن دود الفاكهة، ونحوها فيباح تناوله معها، وهذان القيدان للإدخال لا للإخراج، وبإمكان تناولها عن الأشياء الصلبة كالحجر، وبالبقية عن الآدمي، وعن المخاط، ونحوه، وعن الحشيشة المسكرة، والسم الذي يضر قليله، وكثيره، والتراب فإنه لم يحرم تناولها لنجاستها بل لحرمة الآدمي، واستقذار المخاط، ونحوه، وضرر البقية (^٣)، وعرفها المصنف كأصله بالعد فقال مبتدئا بتقسيم ما يشملها، وغيرها.
"الأعيان جماد، وحيوان فالجماد طاهر" على الأصل فيها إذ الأصل فيها الطهارة لأنها خلقت لمنافع العباد، ولو من بعض الوجوه قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة "لا خمر"، وهي المشتد من ماء العنب "ولو محترمة، وبباطن" حبات "عنقود" فنجسة تغليظا، وزجرا عنها كالكلب، ولأنها رجس بنص القرآن (^٤)، والرجس النجس، والمحترمة قال الشيخان في. . . . . . . . . . .
_________________
(١) "قوله: وبإمكان تناولها إلخ" قال السبكي ولا يحتاج إليه لأن ما لا يمكن تناوله لا يوصف بتحريم ولا تحليل ع وأيضا يبقى الحد غير جامع لخروج عظم الخنزير ونحوه مما يتعذر تناوله.
(٢) "قوله: ولا لاستقذارها" قال في الخادم وهذا القيد مضر فإنه يخرج غالب النجاسات من العذرة والبول والقيح والقيء فإنها مستقذرة وحرمت لاستقذارها وكلها نجسة.
(٣) "قوله: وضرر البقية" فعلى هذا لا يحرم أكل قليل الحشيش والبنج والأفيون وجوز الطيب لأنه طاهر لا ضرر فيه وقد صرح بجواز أكل قليل هذه الأشياء القرافي في القواعد وصرح النووي في شرح المهذب بجواز أكل قليل الحشيش ونقله عن المتولي ت.
(٤) "قوله: بنص القرآن" قال في المجموع ولا دلالة ظاهرة في الآية لأن الرجس لغة القذر ولا يلزم منه النجاسة ولا من الأمر بالاجتناب انتهى وقد يجاب بأن الأدلة الشرعية جارية على العرف الشرعي والرجس فيه هو النجس ش.
[ ١ / ٢٥ ]
الغصب (^١) هي ما عصر لا بقصد الخمرية، وفي الرهن ما عصر بقصد الخلية، وعليه اقتصر النووي في مجموعه هنا والمصنف في الرهن، والأول أعم، وأوجه (^٢).
"و" لا "نبيذ مسكر"، وهو المشتد من ماء الزبيب أو نحوه فنجس كالخمر بخلاف الجامد المسكر كالحشيشة فإنه، وإن أسكر طاهر كما صرح به النووي في دقائقه (^٣) "ولو" كان الخمر "مثلثا"، وهو المغلي من ماء العنب حتى صار على الثلث فإنه نجس، والتصريح بهذا من زيادته على الروضة، وجرى فيه على لغة تذكير الخمر، وهي ضعيفة أو أنه أراد ولو كان كل من الخمر، والنبيذ مثلثا فيكون قد غلب.
"والحيوان طاهر" لما مر"لا كلب"، ولو معلما لخبر مسلم طهور إناء أحدكم (^٤) إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، وجه الدلالة أن الطهارة إما لحدث أو خبث أو تكرمة، ولا حدث على الإناء، ولا تكرمة فتعينت طهارة الخبث فثبت نجاسة فمه، وهو أطيب أجزائه بل هو أطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث فبقيتها أولى.
"و" لا "خنزير" لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه لا يقتنى (^٥). قال النووي، وليس لنا دليل، واضح على نجاسته"و" لا"فرع كل" منهما مع الآخر
_________________
(١) يعني الإمام الرافعي والنووي، قالا ذلك في باب الغصب من الروضة.
(٢) "قوله: والأول أعم وأوجه" لأن العنب كان محترما قبل العصر ولم يوجد من مالكه قصد فاسد يخرجه عن الاحترام ولهذا كانت الخمر التي في باطن العنقود محترمة.
(٣) "قوله: كما صرح به النووي في دقائقه" وصرح أيضا في مجموعه بأن البنج والحشيشة مسكران وممن صرح بأن الحشيشة مسكرة الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قال الزركشي ولا يعرف فيه خلاف عندنا فالصواب أنها مسكرة كما أجمع عليه العارفون بالنبات ويجب الرجوع إليهم فيها كما رجع إليهم في غيرها.
(٤) "قوله: لخبر طهور إناء أحدكم إلخ"، وفي الحديث أنه ﷺ دعي إلى دار قوم فأجاب ثم دعي إلى دار أخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال: "إن في دار فلان كلبا قيل وإن في دار فلان هرة فقال: "الهرة ليست بنجسة". رواه الدارقطني والحاكم.
(٥) "قوله: لأنه لا يقتنى" ولا ينتقض بالحشرات ونحوها إذ لا تقبل الانتفاع والاقتناء.
[ ١ / ٢٦ ]
أو غيره تغليبا للنجاسة، ولتولده منها (^١)، والفرع يتبع الأب في النسب، والأم في الرق، والحرية، وأشرفهما في الدين، وإيجاب البدل، وتقرير الجزية، وأخفهما في عدم وجوب الزكاة، وأخسهما في النجاسة، وتحريم الذبيحة، والمناكحة"و" لا"ميتة"، وإن لم يسل دمها لحرمة تناولها قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وتحريم ما ليس بمحترم، ولا بمستقذر، ولا ضرر فيه يدل على نجاسته، والميتة مازال حياته لا بذكاة شرعية"و" لا"شعرها" (^٢)، وعظمها لأن كلا منهما تحله الحياة لأنه ينمو، والعظم يحس، ويألم، وفي معناه الصوف، والوبر، والريش، والشعر بفتح العين أفصح من إسكانها"غير" ميتة"آدمي، وسمك (^٣)، وجراد، وصيد لم تدرك ذكاته"، وإن مات بالضغطة"وجنين مذكاة" لحل تناولها في غير الآدمي على أن الأخيرين ليسا ميتة بل جعل الشارع هذا ذكاتهما، ولهذا صرح في خبر الجنين بأنه مذكى، وإن لم تباشره السكين ذكره في المجموع (^٤).
وأما الآدمي فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاستهم بالموت، وسواء المسلم، والكافر، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد به نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان (^٥)، وأما خبر الحاكم لا تنجسوا موتاكم
_________________
(١) "قوله: ولتولده منها فكان مثلها" قال في شرح المهذب ولا ينتقض بالدود المتولد منها لأنا نمنع أنه خلق من نفسها وإنما تولد فيها كدود الخل لا يخلق من نفس الخل بل يتولد فيه قال ولو ارتضع جدي كلبة أو خنزيرة فنبت لحمه على لبنها لم ينجس على الأصح ش.
(٢) "قوله: ولا شعرها" شمل الشعر على العضو المبان من الحيوان المأكول حال حياته.
(٣) "قوله: وسمك" أي ما يؤكل من حيوان البحر وإن لم يسم عرفا سمكا.
(٤) يشير إلى ما رواه أبو داود في سننه ٣/ ١٠٣ حديث ٢٨٢٨ عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" والدارمي ٢/ ١١٥ حديث ١٩٧٩، وابن حبان في صحيحه ١٣/ ٢٠٦ حديث ٥٨٨٩، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٢٧ حديث ٧١٠٨. ورواه الترمذي ٤/ ٧٢ حديث ١٤٧٦ مرفوعا عن أبي سعيد الخدري، وابن ماجه ٢/ ١٠٦٧ حديث ٣١٩٩، وأحمد في مسنده ٣/ ٣١، حديث ١١٢٧٨، وهو حديث صحيح.
(٥) "قوله: لا نجاسة الأبدان" أو أنهم لا يتطهرون أو لا يجتنبون النجاسات فهم ملابسون لها=
[ ١ / ٢٧ ]
فإن المسلم لا ينجس حيا، ولا ميتا (^١) فجرى على الغالب (^٢).
وإذا ثبت أن الميتة غير ما ذكر نجسة"فميتة دود نحو خل، وتفاح نجسة لكن لا تنجسه (^٣) لعسر الاحتراز عنها"ويجوز أكله معه" (^٤) لعسر تمييزه بخلاف أكله منفردا، وأكله مع ما لم يتولد منه"، ولا ينجس ماء و" لا"مائع" غيره"بميتة لا نفس لها سائلة" (^٥) بفتحها، ونصبها، ورفعها بالتنوين فيهما على ما في المجموع أي لا دم لها يسيل عند شق جزء منها في حياتها"وإن طرحت" فيه"كزنبور" بضم أوله"وعقرب"، ووزغ، وذباب، ونحل، وقمل، وبرغوث لخبر البخاري إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء (^٦) زاد أبو داود، وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء (^٧)، وقد يفضي غمسه إلى موته فلو نجس لما أمر به. وقيس بالذباب
_________________
(١) = غالبا.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٤٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأورده البخاري تعليقا عن ابن عباس من قوله بلفظ: المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا.
(٣) "قوله: فجرى على الغالب" ولأنه لو تنجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات ولو كان كذلك لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان النجسة وعورض بأنه لو كان طاهرا لم يؤمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة وأجيب بأنه عهد غسل الطاهر بدليل المحدث والجنب بخلاف نجس العين.
(٤) "قوله: لكن لا تنجسه" إذا لم تغيره.
(٥) "قوله: ويجوز أكله معه" قيد البلقيني وغيره حل أكله معه بأن لا ينقله أو ينحيه من الطعام إلى آخر فإن فعل فكالمنفرد فتحرم في الأصح. ا هـ.
(٦) "قوله: بميتة لا نفس لها سائلة" ههنا تنبيه يجب الاعتناء بمعرفته وهو أن ما لا نفس له سائلة إذا اغتذى بالدم كالحلم الكبار التي توجد في الإبل ثم وقع في الماء لا ينجس الماء بمجرد الوقوع فإن مكث في الماء حتى انشق جوفه وخرج منه الدم ينجس لأنه إنما عفي عن الحيوان دون الدم ويحتمل أن يعفى عنه مطلقا كما يعفى عما في بطنه من الروث إذا ذاب واختلط بالماء ولم يغير وكذلك ما على منفذه من النجاسة ت.
(٧) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، حديث ٣٣٢٠.
(٨) صحيح: رواه أبو داود ٣/ ٣٦٥، كتاب الأطعمة، باب في الذباب يقع في الطعام، =
[ ١ / ٢٨ ]
ما في معناه من ميتة لا يسيل دمها، والأصل (^١) مثل بالذباب فأبدله المصنف بما ذكره"لا" نحو"حية"، وفأرة، وسلحفاة"وضفدع" بكسر أوله، وثالثه على الأشهر فيتنجس بها ما ذكر لسيلان دمها بخلاف تلك لا يتنجس بها"ما لم يتغير" بها فإن تغير بها لكثرتها تنجس لتغيره بنجاسة، ولأنه لا يشق الاحتراز عنها حينئذ (^٢).
وقوله: وإن طرحت ظاهره أن طرحها ميتة لا يضر، وليس كذلك بل إن كانت أجنبية من المائع ضر طرحها جزما كما في الشرح الصغير، وإن كان نشؤها فيه (^٣) فظاهر كلام الشيخين أنه لا يضر (^٤)، وعبارة الرافعي فلو أخرج منه، وطرح فيه عاد الخلاف أي في الحيوان الأجنبي الذي وقع بنفسه، وعبر النووي عن هذا بقوله فلو أخرج منه، وطرح في غيره أو رد إليه عاد القولان (^٥). وقال الإسنوي الصواب فيما ألقي في غيره أنه يضر، ويتجه ترجيحه أيضا فيما ألقي فيه فاعتمده انتهى، ويؤيده تصوير البغوي (^٦) ذلك بما إذ ألقي حيا ثم مات، ويجاب عن تعبير الشيخين بعود الخلاف بأنه لا يلزم منه الاتحاد في الترجيح أو بأن كلامهما مصور بما صور به البغوي (^٧) لكن كلام
_________________
(١) = حديث ٣٨٤٤.
(٢) يعني كتاب روضة الطالبين.
(٣) "قوله: ولأنه لا يشق الاحتراز عنها حينئذ" فعلى هذا يحرم الغمس إذا غلب على ظنه التغير به لما فيه من إضاعة المال ت.
(٤) "قوله: وإن كان نشؤها فيه إلخ" في كلام بعضهم أن الأجنبي في ذلك كالناشئ كما أشار إلى نقله ابن الرفعة.
(٥) "قوله: فظاهر كلام الشيخين أنه لا يضر" ورجح الزركشي خلافه ش.
(٦) "قوله: عاد القولان" قال ابن العماد الذي يتجه أن يقيد بما إذا أعاده إليه حيا فمات فيه فإن أعاده بعد موته نجس قولا واحدا والفرق أنه في حال الحياة مأمور برده أو قتله لأنه إذا لم يرده مات جوعا وتعذيب الحيوان لا يجوز ورده إليه بعد موته عبث.
(٧) "قوله: ويؤيده تصوير البغوي إلخ" بل صوره في الشرح الصغير بما إذا وقع حيا ثم مات وقضيته أنه إذا ألقي فيه كذلك ضر والأوجه تصويره بما قاله البغوي س.
(٨) "قوله: بما صور به البغوي" وقال ابن العماد أنه الذي يتجه.
[ ١ / ٢٩ ]
المجموع ينافيه (^١)، وتوجيه البلقيني لكلامهما بأنه لما اغتفر بلا طرح اغتفر مع الطرح منتقض بطرح الميتة الأجنبية فلو شككنا في سيل دمها امتحن بجنسها فتخرج للحاجة قاله الغزالي (^٢) في فتاويه، ولو كانت مما يسيل دمها لكن لا دم فيها أو فيها دم لا يسيل لصغرها فلها حكم ما يسيل دمها قاله القاضي أبو الطيب، والتصريح بقوله تبعا للمجموع لا حية، وضفدع من زيادته.
"فرع" الفرع ما اندرج تحت أصل كلي الجزء"المبان من حي، ومشيمته"، وهي غلاف الولد، وعطفها على المبان من عطف الخاص على العام"كميتته" أي كميتة ذلك الحي طهارة، ونجاسة لخبر ما قطع من حي فهو ميت رواه الحاكم، وصححه على شرط الشيخين (^٣) فاليد من الآدمي طاهرة، ومن البقر نجسة، وسواء في المشيمة مشيمة الآدمي، وغيره"لا شعر مأكول (^٤)، وريشه" فطاهران.
"ولو انتتف" كل منهما أو نتف، وما في معناهما من صوف، ووبر، قال
_________________
(١) "قوله: لكن كلام المجموع ينافيه" عبارته قال أصحابنا فإن أخرج هذا الحيوان مما مات فيه وألقي في مائع غيره أو رد إليه فهل ينجسه فيه القولان في الحيوان الأجنبي وهذا متفق عليه في الطريقين ا هـ.
(٢) محمد بن محمد بن محمد الإمام حجة الإسلام زين الدين أبو حامد الطوسي الغزالي ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة أخذ عن الإمام أبو المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين ولازمه حتى صار أنظر أهل زمانه، وجلس للإقراء في حياة إمامه، وصنف وبعد وفاة الإمام حضر مجلس نظام الملك فأقبل عليه وحل منه محلا عظيما فولاه نظامية بغداد فدرس بها مدة ثم تركها وحج ورجع إلى دمشق وأقام بها عشر سنين، وصنف فيها كتبا يقال: إن الإحياء منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه بطوس مقبلا على التصنيف والعبادة ونشر العلم ودرس بنظامية نيسابور مدة ثم تركها وبنى خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين وأقبل على النظر في الأحاديث خصوصا البخاري. توفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٩٣.
(٣) رواه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٣٧ حديث ٧١٥٠، بلفظ: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت. ورواه أيضا بلفظ المصنف ٤/ ١٣٨ حديث ٧١٥١.
(٤) "قوله: لا شعر مأكول وريشه إلخ" واعترض بعضهم بأن الشعر إن تناول الريش فذكره معه حشو وإلا وجب ذكره معه فيما مر أيضا وأجاب بأنه لا يتناوله لكن اتصاله أقوى =
[ ١ / ٣٠ ]
تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] (^١) وهو محمول على ما أخذ بعد التذكية أو في الحياة كما هو المعهود، وذلك مخصص للخبر السابق، ولا هنا لكونها لا يعطف بها ما شمله ما قبلها اسم بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها لكونها بصورة الحرف، وهي معه حال مما قبلها أو صفة له بجعل أل للجنس"ولا مشكوك فيه" أي في أن الشعر، ونحوه من مأكول أو غيره لأن الأصل الطهارة" (^٢) و" لا"مسك" لخبر مسلم "المسك أطيب الطيب (^٣) "وكذا فأرته" بالهمز، وتركه لانفصالها بالطبع كالجنين.
قال الرافعي، ولأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة لكان المظروف،
_________________
(١) = اتصال الشعر فعلم نجاسته من نجاسته بالأولى ولا يعلم طهارته من طهارته ويؤخذ منه أن الريش يغني عن الشعر هنا كعكسه ثمة ش.
(٢) "قوله: قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ إلخ" للحاجة إليها في الملابس ولو قصر الانتفاع على ما يكون على المذكى لضاع معظم الشعور والأصواف قال بعضهم وهذا أحد موضعين خصصت السنة فيهما بالكتاب فإن عموم قوله ﷺ: "ما قطع من بهيمة وهي حية فهو ميت" رواه أبو داود والترمذي، وفي رواية ما قطع من حي فهو ميت خص بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ الآية. الموضع، الثاني قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم" الحديث فهذا عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ الآية ويلحق بهما مواضع منها قوله ﷺ "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" فإنه مخصوص بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية ومنها قوله ﷺ: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" فإنه عام في الحر والعبد مخصوص بقوله تعالى: في الإماء ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية ومنها قوله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ومنها قوله ﷺ: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" فهذا يعم الوالدين وهو مخصوص بقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه يقتضي بمفهومه تحريم أنواع الأذى ولهذا كان الأصح عدم حبس الوالد بدين الولد.
(٣) "قوله: لأن الأصل الطهارة" فكأنا تيقناها في حياته ولم يعارضها أصل ولا ظاهر واحتمال كونه من كلب أو خنزير ضعيف لأنه في غاية الندور.
(٤) رواه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب حديث ٢٢٥٢.
[ ١ / ٣١ ]
وهي خراج بجانب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حتى تلقيها هذا"إن انفصلت من" ظبية"حية" فإن انفصلت من ميتة فنجسة كاللبن بخلاف البيض المتصلب لنموه بخلافها، وظاهر كلامه كالأصل أن المسك طاهر مطلقا، وجرى عليه الزركشي، والأوجه أنه كالإنفحة كما (^١) جرى عليه جماعة منهم الطاوسي والبارزي جريا على الأصل في أن المبان من الميتة النجسة نجس، ويؤيده تعليل الرافعي السابق.
"وله" أي للشخص"إيقاد" في التنور، وغيره"بعظم ميتة" غير آدمي"وإن نجس دخانه" لعدم مباشرته للنجاسة"، والإناء النجس الجاف يكره استعماله" في جاف، وفي ماء كثير، ويحرم فيما عداهما للتنجس به، وظاهر كلامهم جريان الكراهة في جلد الكلب، ونحوه، وهو ظاهر، ولا يشكل بتحريم لبسه لأنه هناك ملابس للبدن بخلافه هنا، وتعبيره بما قاله أعم من كلام الروضة.
"فرع: للمترشح" أي لما يغلب ترشيحه"حكم حيوانه" طهارة، ونجاسة"وهو كدمع"، ومخاط، وعرق"ولعاب" لخبر مسلم أنه ﷺ ركب فرسا معرورا، وركضه فلم يجتنب عرقه (^٢)، ويقاس به غيره مما في معناه"فإن سال من فم نائم فكان من المعدة" كأن خرج منتنا بصفرة"فنجس لا إن" كان من غيرها أو"شك" في أنه منها أولا فإنه طاهر، وقيل إن كان متغيرا فنجس، وإلا فطاهر (^٣)، والتصريح بالترجيح من زيادته، وبه صرح في المجموع، والشرح الصغير".
ويحتاط" في صورة الشك فيغسله ندبا"فإن ابتلي به شخص" لكثرته منه
_________________
(١) "قوله: والأوجه أنه كالإنفحة" أشار إلى تصحيحه وقال شيخنا قوله كالإنفحة أي من حيث الطهارة وليس المراد أنه كهي مطلقا لأنها لا تنفصل من حي.
(٢) ركوب النبي ﷺ للفرس فيه أحاديث كثيرة، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه ٤/ ١٨٠٣ حديث ٢٣٠٧.
(٣) "قوله وقيل إن كان متغيرا فنجس وإلا فطاهر إلخ" قال في المهمات هي مقالة واحدة فإن الخارج من المعدة يكون متغيرا بخلاف الخارج من غيرها.
[ ١ / ٣٢ ]
"فالظاهر العفو" كدم البراغيث"والزباد طاهر" (^١) قال في المجموع لأنه إما لبن سنور بحري كما قاله الماوردي أو عرق سنور بري كما سمعته من ثقات من أهل الخبرة (^٢) بهذا لكنه يغلب اختلاطه بما يتساقط من شعره فليحترز عما وجد فيه فإن الأصح منع أكل السنور البري، وظاهر قول المصنف"لا شعر"، وفي نسخة لا شعور"سنوره" اعتماد الثاني، وقوله، والزباد إلخ من زيادته.
"فرع المستحيل في الباطن نجس كدم (^٣)، ولو تحلب من كبد" أو طحال لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ولخبر فاغسلي عنك الدم، وصلي (^٤) "وقيح، وماء قرح تغير" بفتح القاف، وضمها أي جرح لأن كلا منهما دم مستحيل فإن لم يتغير ماء القرح فطاهر كالعرق خلافا للرافعي "وقيء"، وإن لم يتغير، وقيل غير المتغير متنجس لا نجس قال الأذرعي، وهو حق"، وجرة" بكسر الجيم، وهي ما يخرجه البعير أو غيره للاجترار، وتعبيره أولى من تعبير الروضة بجرة البعير إذ لا فرق بين جرته وجرة غيره.
"ومرة" بكسر الميم ما في المرارة قياسا للثلاثة على الدم بجامع الاستحالة في الباطن على ما مر في القيء (^٥) "وعذرة" بفتح العين، وكسر المعجمة
_________________
(١) "قوله: والزباد طاهر" العنبر طاهر كما نص عليه في الأم وغيرها لأنه ينبت في البحر ويلفظه ش وأشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: كما سمعته من ثقات من أهل الخبرة" قال الزركشي وهو الصواب.
(٣) "قوله: كدم" الدم الباقي على لحم المذكاة وعظمها نجس معفو عنه فقد قال الحليمي وأما ما بقي من الدم اليسير في بعض العروق الدقيقة خلال اللحم فهو عفو.
(٤) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب الاستحاضة، حديث ٣٠٦، ورواه مسلم، كتاب الحيض باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، الحديث ٣٣٣.
(٥) "قوله: على ما مر في القيء" قال في الخادم وأما الخرزة التي توجد داخل المرارة وتستعمل في الأدوية فينبغي نجاستها لأنها تجسد من النجاسة فأشبهت الماء النجس إذا انعقد ملحا انتهى قال الدميري والمرارة الصفراء نجسة وما فيها ولا يجوز بيع خرزتها الصفراء التي توجد في بعض الأبقار وقوله قال في. الخادم إلخ أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ٣٣ ]
بالإجماع"وبول" للأمر بصب الماء عليه في بول الأعرابي في المسجد رواه الشيخان (^١)، وقيس به سائر الأبوال، وأما أمره ﷺ (^٢) العرنيين بشرب أبوال الإبل فكان للتداوي"وروث" (^٣) بالمثلثة"ولو من سمك، وجراد" لأنه ﷺ لما جيء له بحجرين، وروثة ليستنجي بها أخذ الحجرين، ورد الروثة، وقال هذا ركس رواه البخاري (^٤).
والعذرة، والروث (^٥) قيل مترادفان، وقال النووي في دقائقه العذرة مختصة بفضلة الآدمي، والروث أعم قال الزركشي، وقد يمنع بل هو مختص بغير الآدمي ثم نقل عن صاحب المحكم، وابن الأثير ما يقتضي أنه مختص بذي الحافر قال، وعليه فاستعمال الفقهاء له في سائر البهائم توسع انتهى.
وعلى قول الترادف فأحدهما يغني عن الآخر، وعلى قول النووي الروث يغني عن العذرة"ومذي" (^٦) بالمعجمة للأمر بغسل الذكر منه في خبر الصحيحين في قصة علي ﵁ (^٧)، وهو ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند ثورانها"، وودي" بالمهملة إجماعا، وقياسا على ما قبله، وهو ماء أبيض كدر
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) "قوله: وأما أمره ﷺ إلخ" وأما خبر ابن عمر كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمن رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك فأجيب عنه بأنه كان قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب وبأن بولها خفي مكانه فمن تيقنه لزمه غسله وبأنها كانت تبول في غير المسجد وتقبل وتدبر فيه ش.
(٣) "قوله: وروث" هل العسل خارج من دبر النحل أو من فيها فيه خلاف ولم أر فيه ترجيحا وإلا شبه الثاني فعلى الأول يستثنى ذلك من الضابط في الخارج ت.
(٤) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث، حديث ١٥٦.
(٥) "قوله: أيضا وروث" فلو عمت البلوى بذرق الطيور وتعذر الاحتراز عنها ففي شرح المهذب يعفى عنها د وقوله ففي شرح المهذب إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٦) "قوله: ومذي" في تعليق ابن الصلاح أن المذي يكون في الشتاء أبيض ثخينا، وفي الصيف أصفر رقيقا.
(٧) يشير إلى ما رواه البخاري، كتاب الغسل، باب غسل المذي والوضوء منه، حديث ٢٦٩ بإسناده عن علي قال: قال: كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فسأل فقال: " توضأ واغسل ذكرك.
[ ١ / ٣٤ ]
ثخين يخرج عقب البول أو عند حمل شيء ثقيل، والتصريح به، وبالمذي من زيادته، والجمهور كما في الأصل على نجاسة هذه الفضلات عن النبي ﷺ وصححه الرافعي في شرحه الصغير، والنووي في تحقيقه، وجزم البغوي، وغيره بطهارتها (^١)، وصححه القاضي، وغيره (^٢).
"ولبن ما لا يؤكل" كلبن الأتان لأنه يستحيل في الباطن كالدم"إلا" لبن"الآدمي" فطاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤه نجسا"فإن مات ففي لبنه وجهان" لم يذكر هذا في الأصل بل ظاهر كلامه تصحيح طهارته (^٣)، وبه صرح في المجموع نقلا عن الروياني قال لأنه في إناء طاهر، وكلامهم شامل للبن الذكر، والصغيرة، وهو المختار الموافق لتعبير الصيمري (^٤) بقوله ألبان الآدميين، والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها، وجواز بيعها، وصوبه
_________________
(١) "قوله: وجزم البغوي وغيره بطهارتها" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: وصححه القاضي وغيره" ونقله العمراني عن الخراسانيين وقال ابن الرفعة إنه الذي أعتقده وألقى الله به وصححه البارزي والسبكي ونجم الدين الإسفراييني وغيرهم قال البلقيني وبه ألقى الله وجزم به في الشامل الصغير وتبعه الزركشي قال وينبغي طرده في سائر الأنبياء ش قال في التوشيح، وفيما علقته من خط الشيخ زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي أنه استفتي عن واعظ قال للمحاضرين بول النبي ﷺ خير من صلاتكم فأفتى بتصويبه وقال شيخ الإسلام ابن حجر تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته وعد الأئمة ذلك في خصائصه فلا يلتفت إلى ما وقع في كتب كثير من الشافعية مما يخالف ذلك فقد استقر الأمر من أئمتهم على القول بالطهارة.
(٣) "قوله: بل ظاهر كلامه تصحيح طهارته إلخ" وهو المذهب لأنه كان طاهرا حال الحياة وميتة الآدمي طاهرة والجزء المبان منه ولو في حياته طاهر، وقوله ظاهر كلامه أشار إلى تصحيحه.
(٤) الصميري: هو القاضي أبو القاسم، عبد الواحد بن الحسين الصميري، كان حافظا للمذهب سكن البصرة، وحضر مجلس القاضي أبي حامد المروزي، وارتحل الناس إليه من البلاد، وكان حافظا للمذهب، حسن التصانيف. له تصانيف: منها الإيضاح في المذهب، والكفاية وكتاب في القياس والعلل وكتاب في الشروط. توفي ﵀ سنة ٣٨٦ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٦٥، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٣٣٩، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١/١٨٤، وطبقات ابن هداية الله ص ١٢٩.
[ ١ / ٣٥ ]
الزركشي، وقول القاضي أبي الطيب وابن الصباغ (^١) لبن الميتة، والرجل نجس مفرع على نجاسة ميتة الآدمي كما أفاده الروياني. أما لبن ما يؤكل لحمه كلبن الفرس، وإن، ولدت بغلا فطاهر (^٢) قال تعالى: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
"والإنفحة" بكسر الهمزة، وفتح الفاء، وتخفيف الحاء على الأفصح، وهي لبن في جوف نحو سخلة في جلدة تسمى إنفحة أيضا إن أخذت"من سخلة" مثلا"مذبوحة، وهي" أي، والحال أنها"من" السخلة"التي لم تطعم غير اللبن طاهرة" (^٣) لما زاده بقوله"للحاجة" إليها في عمل الجبن بخلاف ما إذا أخذت من ميتة، وهو ظاهر أو مذبوحة أكلت غير اللبن على الأصل في المستحيلات في الباطن قال الزركشي أو أكلت لبنا نجسا كلبن أتان، وفيما قاله نظر (^٤).
"والبيض" المأخوذ من حيوان طاهر"ولو من غير مأكول، وكذا" (^٥) المأخوذ"من ميتة أن تصلب، وبزر القز" بكسر الباء أفصح من فتحها، وهو
_________________
(١) ابن الصباغ: أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي والمعروف بابن الصباغ من أكابر فقهاء الشافعية في عصره. ولد سنة ٤٠٠ هـ تفقه على القاضي أبي الطيب، وبرع حتى رجحوه في المذهب على الشيخ أبي إسحاق، درس بالنظامية أول ما فتحت وكان ورعا نزها صالحا زاهدا فقيها أصوليا محققا. توفي ﵀ سنة ٤٧٧ هـ وقد عمي في آخر حياته. من تصانيفه: الشامل، والكامل، وتذكرة العامل. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٩٩، والبداية والنهاية ٦/ ٦١٣ وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١/٢٥١، وطبقات ابن هداية الله ص ١٧٣ والأعلام ٤/ ١٠.
(٢) "قوله: وإن ولدت بغلا فطاهر" وكذا لبن الشاة أو البقرة إذا أولدها كلب أو خنزير فيما يظهر ع قال في الخادم يجب تقييده بغير الكلب والخنزير أما هما فاللبن الحاصل من إحبالهما نجس قطعا لا يحل أكله كفرعه، وقوله فيما يظهر أشار إلى تصحيحه، وقوله قال في الخادم إلخ أشار إلى تضعيفه.
(٣) "قوله: التي لم تطعم غير اللبن طاهرة" وإن طال الزمن بحيث يغتذي أمثالها بالحشيش وغيره.
(٤) "قوله: وفيما قاله نظر" أشار إلى تصحيحه.
(٥) "قوله: ولو من غير المأكول إلخ" "تنبيه" إن قلنا بطهارته جاز أكله قاله في شرح المهذب والله أعلم.
[ ١ / ٣٦ ]
البيض الذي يخرج منه دود القز"، ومني غير الكلب، والخنزير"، وفرع أحدهما أي كل منها"طاهر" خلافا للرافعي في مني غير الآدمي لأنه أصل حيوان طاهر نعم يسن كما في المجموع غسله للأخبار الصحيحة فيه، وخروجا من الخلاف، وخرج بما ذكر بيض الميتة غير المتصلب، ومني الكلب، وما بعده، وشمل إطلاقه البيض إذا استحال دما، وهو ما صححه النووي هنا في تنقيحه (^١) لكن الذي صححه في شروط الصلاة منه، وفي التحقيق، وغيره أنه نجس، وهو ظاهر على القول بنجاسة مني غير الآدمي، وأما على غيره فالأوجه حمله على ما إذا لم يستحل حيوانا (^٢)، والأول على خلافه.
"وكذا رطوبة فرج المرأة" بل، وغيرها من كل حيوان طاهر"والعلقة"، والمضغة منه فإنها طاهرة كعرقه، ومنيه، والمضغة مفهومة من كلامه بالأولى، ومصرح بها في الروضة قال في المجموع، ورطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي، والعرق، وأما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فتنجسه، والعلقة دم غليظ يستحيل إليه المني، والمضغة لحمة منعقدة من ذلك.
وينجس مني من لم يستنج بماء" لاتصاله بنجس"كدود ميتة رحب رجيع" أي روث"فيه قوة الإنبات" فإن لم يكن فيه ذلك فنجس العين كما عرف مما مر (^٣)، ويقاس بحب الرجيع حب القيء كما أفاده كلام الروضة.
_________________
(١) "قوله: وهو ما صححه النووي هنا في تنقيحه" وكأنه سبق قلم د وأشار إلى تصحيح ما صححه النووي هنا في تنقيحه.
(٢) "قوله: فالأوجه حمله على ما إذا لم يستحل حيوانا إلخ" جرى على هذا التفصيل صاحب البيان.
(٣) "قوله: فإن لم يكن فيه ذلك فنجس العين كما عرف مما مر"، قال في المهمات: وقياسه في القيء كذلك فتفطن له حتى لو ابتلع ماء ثم ألقاه غير متغير، وفرعنا على أنه نجس صحح الرافعي وغيره طهر بالمكاثرة انتهى. واعترض عليه من وجهين: الأول: أن ما ذكره من القياس غير مستقيم لخروج القيء عن مسمى الماء بطرق المكاثرة بخلاف الحب، ومستقيم على التفريع على طهارة القيء. الثاني: أن هذا الذي ذكره مخالف ما نقله عن الشرح الصغير فإن ظاهره أن الأصح أنه نجس سواء تغير أم لا، والتفصيل بين المتغير وغيره إنما هو وجه كذا ذكره في الخادم.
[ ١ / ٣٧ ]
"ويعفى عن روث سمك" فلا ينجس الماء لتعذر الاحتراز عنه"ما لم يغيره" فإن غيره نجسه، وهذه من زيادته، وذكرها الشيخ أبو حامد"و" يعفى"عن اليسير عرفا من شعر نجس" (^١) بقيد زاده كالزركشي تبعا لصاحب الاستقصاء بقوله"من غير كلب، وخنزير"، وفرع كل منها بخلاف شعر الثلاثة لغلظ نجاستها، وسيأتي بيان حكم الزرع النابت في النجاسة في باب الاجتهاد، وبيان حكم حباته في كتاب الأطعمة.
"و" يعفى"عن كثيره" أي الشعر النجس"من مركوب" لعسر الاحتراز عنه، وهذا ما ذكره الأصل في شروط الصلاة، وخالف فيه القاضي فقال لو ركب حمارا فانتتف منه شعر، والتصق بثيابه فلا يعفى إلا عن اليسير.
"ولا يجب غسل البيضة"، والولد إذا خرجا من فرج، والتصريح بهذا من زيادته، وذكره في المجموع، وظاهر أن محله إذا لم يكن معهما رطوبة نجسة"ولوسخ انفصل من حيوان حكم عرقه" طهارة، ونجاسة لأنه عرق جامد، وهذا ما ذكره النووي تفقها بعد نقله عن المتولي أن لذلك حكم ميتته، وحمل الإسنوي كلام المتولي على قطع تخرج من الجلد الخشن.
"فصل كثير الماء قلتان"، والقلة لغة الجرة العظيمة سميت بذلك لأن الرجل العظيم يقلها بيديه أي يرفعها "وهما" أي القلتان"خمسمائة رطل" بكسر الراء أفصح من فتحها"بغدادي تقريبا" روى الشافعي خبر إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه شيء ثم روي عن ابن جريج أنه قال رأيت قلال هجر فإذا القلة منها تسع قربتين أو قربتين، وشيئا أي من قرب الحجاز (^٢) فاحتاط الشافعي ﵁ فحسب الشيء نصفا إذ لو كان فوقه لقال تسع ثلاث قرب الأشياء على عادة العرب فتكون القلتان خمس قرب.
والغالب أن القربة لا تزيد على مائة رطل بالبغدادي فالمجموع به خمسمائة رطل تقريبا"فيعفى عن" نقصر"رطل، ورطلين" هذا ما صححه في الروضة،
_________________
(١) "قوله: ويعفى عن اليسير عرفا من شعر نجس" الريش النجس كالشعر النجس ت.
(٢) انظر الأم.
[ ١ / ٣٨ ]
وصحح في التحقيق ما جزم به الرافعي أنه لا يضر (^١) نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير بقدر معين من الأشياء المغيرة.
"و" مقدار القلتين"بالمساحة" بكسر الميم في المربع"ذراع، وربع طولا، وعرضا، وعمقا"، وفي المدور ذراعان طولا، وذراع عرضا قاله العجلي، والمراد فيه بالطول العمق، وبالعرض ما بين حائطي البئر من سائر الجوانب، والمراد بالذراع في المربع ذراع الآدمي المذكور في قصر الصلاة كما قاله الإسنوي، وغيره، وهو شبران تقريبا، وقال الأذرعي الظاهر أن المراد ذراع النجار لأن التقدير بالذراع محكي عند المهندسين، وأما في المدور فالمراد في الطول ذراع النجار الذي هو بذراع الآدمي ذراع، وربع تقريبا إذ لو كان الذراع في طوله، وطول المربع، واحدا مما مر لاقتضى ذلك أن يكون الطول في المدور ذراعين، ونصفا تقريبا إذا كان العرض ذراعا.
ووجهه أن يبسط كل من العرض، ومحيطه، وهو ثلاثة أمثاله، وسبع، والطول أرباعا لوجود مخرجها في مقدار القلتين في المربع ثم يضرب نصف العرض، وهو اثنان في نصف المحيط، وهو ستة، وسبعان يبلغ اثني عشر، وأربعة أسباع، وهو بسط المسطح فيضرب في بسط الطول، وهو عشرة يبلغ مائة، وخمسة، وعشرين ربعا يبلغ مقدار مسح القلتين في المربع، وهو مائة، وخمسة، وعشرون ربعا مع زيادة خمسة أسباع ربع، وبها حصل التقريب فلو كان الذراع في طول المدور، والمربع، واحد، وطول المدور ذراعين لكان الحاصل مائة ربع، وأربعة أسباع ربع، وهي أنقص من مقدار مسح القلتين بخمس تقريبا"ودونهما" أي، ودون القلتين من ماء"قليل فينجس" هو"ورطب غيره" كزيت، وإن كثر"بملاقاة نجاسة مؤثرة" في التنجيس"وإن لم يتغير" (^٢) بها أما الماء فلخبر مسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا
_________________
(١) "قوله وصحح في التحقيق ما جزم به الرافعي أنه لا يضر إلخ" فإن قلت القول بالأول فيه رجوع للتحديد كما أشار إليه الغزالي قلت أجاب ابن الصلاح والنووي بأن هذا تحديد غير التحديد المختلف فيه ش.
(٢) "قوله: وإن لم يتغير بها" أو عفي عنها في الصلاة.
[ ١ / ٣٩ ]
يدري أين باتت يده (^١) نهاه عن الغمس خشية النجاسة. ومعلوم أنها إذا خفيت لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بوصولها لم ينهه، ولمفهوم خبر أبي داود، والحاكم، وصححه إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا (^٢)، وفي رواية صحيحة لم ينجس (^٣) فمعنى لم يحمل خبثا (^٤) لم يقبله، ومفهوم الخبر مخصص لما رواه الترمذي، وقال أنه حسن صحيح الماء طهور لا ينجسه شيء (^٥)، وأما غير الماء فبالأولى، وفارق كثير الماء كثير غيره بأن كثيره قوي، ويشق حفظه من النجس بخلاف غيره، وإن كثر، وخرج بالرطب الجامد الخالي عن رطوبة عند الملاقاة، وبالمؤثرة غيرها مما يأتي، ومما مر.
"لا إن شك في قلته" أي الماء فلا ينجس بذلك لأن الأصل طهارته، وشككنا في نجاسة منجسة، ولا يلزم من النجاسة التنجيس (^٦) هذا ما اختاره، وصوبه في الروضة، وغيرها بعد نقله عن الماوردي، وآخرين أنه نجس، وعن
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك …، حديث ٢٧٨.
(٢) صحيح: رواه أبو داود ١/ ١٧، كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء، حديث ٦٣. ورواه النسائي، كتاب الطهارة، باب التوقيت في الماء، حديث ٥٢ بلفظ: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث.
(٣) رواه ابن ماجه ١/ ١٧٢، كتاب الطهارة وسننها، باب مقدار الماء الذي لا ينجس، حديث ٥١٧ بلفظ: لم ينجسه.
(٤) "قوله: فمعنى لم يحمل خبثا لم يقبله" أي لهذه الرواية قال في المجموع ولأن ذلك من باب حمل المعنى نحو فلان لا يحمل الضيم أي لا يقبله ولا يلتزمه ولا يصبر عليه قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي لم يقبلوا أحكامها ولم يلتزموها بخلاف حمل الجسم نحو فلان لا يحمل الحجر أي لا يطيقه لثقله ولو حمل الخبر على هذا لم يبق للتقييد بالقلتين فائدة ش.
(٥) صحيح: رواه الترمذي ١/ ٩٥، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، حديث ٦٦.
(٦) "قوله: ولا يلزم من النجاسة التنجيس" يعضده اتفاقهم على أن من تحقق النوم وشك في تمكنه لم ينتقض والنوم ثم كالنجاسة هنا والتمكين كالكثرة.
[ ١ / ٤٠ ]
الإمام أن فيه احتمالين فالمنقول أنه نجس لأن (^١) الأصل فيه القلة والقول بأنه طاهر احتمال للإمام لكن مدركه قوي.
"ولا ينجس" الماء، ولا غيره"بما لا يدركه طرف" (^٢) أي بصر لقلته (^٣) "كما" أي كنجس"يحمله ذباب" برجله أو غيرها لمشقة الاحتراز عنه، وقضيته أنه لا فرق بين وقوعه في محل، واحد، ووقوعه في محال، وهو قوي لكن قال الجبلي صورته أن يقع في محل، واحد، وإلا فله حكم ما يدركه الطرف (^٤) على الأصح قال ابن الرفعة، وفي كلام الإمام إشارة إليه كذا نقله الزركشي، وأقره، وهو غريب، والأوجه تصويره باليسير عرفا لا بوقوعه في محل، واحد، وكلام الأصحاب جار على الغالب بقرينة تعليلهم السابق قال، وقياس استثناء دم الكلب من يسير الدم (^٥) المعفو عنه أن يكون هنا مثله.
_________________
(١) "قوله: فالمنقول أنه نجس إلخ" ما ذكره هو وغيره من إطلاق المسألة ليس بجيد بل الصواب أن يقال إن جمع شيئا فشيئا وشك في وصوله قلتين فالأصل القلة، وإن كان كثيرا وأخذ منه شيئا فالأصل بقاء الكثرة، وإن ورد شيء على ما يحتمل القلة والكثرة فهذا موضع التردد قلت هذا الذي ذكره خلاف الصواب، وكيف يحكم بالنجاسة مع الشك، وكيف وقد تحققنا طهورية الماء وشككنا في زوالها وهل ذلك إلا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث وما تمسك به أخذه من مقالة ذكرها للأصحاب فيما إذا شك المأموم في أنه متقدم على الإمام أو متأخر فالمذهب صحة الاقتداء وقال القاضي إن جاء من خلف الإمام صحت القدوة وإن جاء من قدامه لم تصح استصحابا للأصل في الموضعين وما قاله القاضي ضعفوه وهو يؤكد ما قاله النووي وتضعيف ما ادعاه المعترض صوابا فوضح بذلك خطأ ما ادعاه.
(٢) "قوله: ولا بما لا يدركه طرف"، قال في التنبيه وإن وقع فيما دون القلتين من نجاسة لا يدركها الطرف لم تنجسه انتهى، قال ابن الملقن قوله وقع يفهم منه الجزم بالتنجيس عند الطرح وهو قياس نظيره في ميتة لا نفس لها سائلة إذا طرحت.
(٣) "قوله: لقلته" أي بحيث لو خالفت لونه ما وقع عليه لم ير.
(٤) "قوله: وإلا فله حكم ما يدركه الطرف" ولو رأى قوي النظر ما لا يراه غيره، قال الزركشي فالظاهر العفو كما في سماع نداء الجمعة ش. ٩١ "قوله: لقلته" أي بحيث لو خالفت لونه ما وقع عليه لم ير.
(٥) "قوله: وقياس استثناء دم الكلب من يسير الدم إلخ" الفرق بينهما واضح وهو مشقة الاحتراز هنا بخلافه ثم.
[ ١ / ٤١ ]
"ولو تنجس فم حيوان" طاهر، وإن لم يعم اختلاطه بالناس كسبع"وغاب" غيبة"وأمكن" فيها"وروده ماء كثيرا (^١) ثم، ولغ في طاهر" ماء أو غيره"لم ينجسه" مع الحكم بنجاسة فمه لأنا لا ننجس بالشك، وفي ذلك عمل بالأصلين فإن لم يمكن وروده ماء كثيرا تنجس ما ولغ فيه لتيقن نجاسة فمه، والاحتراز، وإن عسر إنما يعسر عن مطلق الولوغ لا عن ولوغ بعد تيقن النجاسة، وتعبيره بالحيوان أعم من تعبير الأصل بالهرة فغير الهرة من كل حيوان طاهر مثلها كما قدمته خلافا للغزالي، ولما أفتى به السبكي من تخصيص الحكم بها.
"ولا ينجس" الماء"الكثير إلا بتغير (^٢)، وإن قل" التغير"بنجاسة ملاقية" له للإجماع المخصص لخبر الترمذي الماء طهور لا ينجسه شيء كما خصصه مفهوم خبر القلتين كما مر، وإنما أثر التغير القليل بالنجاسة بخلافه في الطاهر لغلظ أمرها، وخرج بالملاقية ما صرح به في قوله"لا بجيفة بقربه" فلا ينجس بتغيره بها"وإن تغير بعضه فالمتغير كنجاسة جامدة لا يجب التباعد عنها بقلتين"، والباقي إن قل فنجس، وإلا فطاهر، وفرع على حكم المشبه به من زيادته تبعا للمجموع.
قوله"فإن غرف دلوا من" ماء"قلتين فقط، وفيه نجاسة جامدة" لم يغرفها مع الماء"فباطن الدلو طاهر" لانفصال ما فيه عن الباقي قبل أن ينقص عن قلتين"لا ظاهرها"، وفي نسخة لا ظاهره لتنجسه بالباقي المتنجس
_________________
(١) "قوله: وأمكن وروده ماء كثيرا إلخ" واستشكل إمكان طهر فمها بإمكان مطلق ولوغها بأنها لا تعب الماء بل تلعقه بلسانها وهو قليل فيتنجس وأجيب بمنع تنجسه لوروده على لسانها كوروده على جوانب الإناء النجس ش وكتب الشيخ واحتمال طهارة فم الهرة بأن تكون وضعت جميع فمها في الماء أو نحو ذلك أو بأن الذي يلاقي الماء من فمها ولسانها يطهر بالملاقاة وما يلاقيه يطهر بإجراء الماء عليه ولا يضرنا قلته لأنه وارد فهو كالصب من إبريق ونحوه.
(٢) "قوله: ولا ينجس الماء الكثير إلا بتغير إلخ" فلو وقعت نجاسة في ماء كثير متغير بالمكث ولو تؤثر تغييرا قدر زوال أثر المكث فإن فرض تغيره بها حكم بنجاسته وإلا فلا قاله في الذخائر.
[ ١ / ٤٢ ]
بالنجاسة لقلته فإن غرفها مع الماء بأن دخلت معه أو قبله في الدلو انعكس الحكم (^١)، والدلو يؤنث ويذكر لكن التأنيث أفصح.
"ولو زال التغير" الحسي أو التقديري يرى للماء"بنفسه" بأن لم يحدث فيه شيء كأن زال (^٢) بطول مكث"أو بماء" انضم إليه أو نقص منه، وهذا من زيادته، وصرح به المنهاج كأصله"طهر" لزوال سبب التنجس (^٣)، ولا يضر عود تغيره إن خلا عن نجس جامد قال بعضهم، ويعرف زوال تغيره التقديري بأن يمضي عليه زمن لو كان تغيره حسيا لزال عادة أو يضم إليه ماء لو ضم إلى المتغير حسا لزال تغيره. وذلك كأن يكون بجنبه غدير فيه ماء متغير فزال تغيره بنفسه بعد مدة أو بماء صب عليه فيعلم أن هذا أيضا زال تغيره (^٤) "لا" إن زال حسا"بعين ساترة" له"كالتراب"، والجص فلا يطهر للشك في أن التغير زال أو استتر بل الظاهر أنه استتر، وفي ذلك تنبيه على أنه إن صفا الماء (^٥)، ولم يبق تغير أو زال تغيره بمجاور طهر، وبالأول صرح في المجموع، وبالثاني القفال في فتاويه (^٦).
_________________
(١) "قوله: انعكس الحكم" فإن قطر في الباقي من باطنه قطرة تنجس أو من ظاهره أو شك فلا وإن نزلت بعد الماء فالماءان نجسان.
(٢) "قوله: كأن زال" بطول مكث أو هبوب ريح.
(٣) "قوله: لزوال سبب التنجس" وأفهم كلامه العلة والعلة أن القليل لا يطهر بانتفاء تغيره وهو ظاهر ويحتمل أنه يطهر بذلك فيما إذا كان تغيره بميت لا يسيل دمه أو نحوه مما يعفى عنه ش وقوله وهو ظاهر أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله: فيعلم أن هذا أيضا زال تغيره" قيل ما أطلقوه ومن عود الطهورية بزوال التغير ليس على إطلاقه بل لا بد من تقدير الواقع مخالفا فإن غير بالتقدير ضر وإلا فلا لأنه لا يزيد على الواقع من غير تغير وقد ذكروا فيه هذا التفصيل وهذا أولى ورد بأن المخالفة كانت موجودة بخلاف الواقع من غير تغير فاحتيج هناك إلى التقدير بخلاف ما نحن فيه.
(٥) "قوله:، وفي ذلك تنبيه على أنه إن أصفى الماء إلخ" وكذلك لو زالت رائحة المسك والزعفران وزال تغير الماء بالنجاسة ت.
(٦) "قوله: وبالثاني القفال في فتاويه" لكنه ضعيف ويرده تعليل الأصحاب فإنهم عللوا ذلك بأن الرائحة تستر النجاسة وهذا موجود في المخالط والمجاور فلا معنى لما ذكره القفال وغايته أن يكون اختيارا له فلا يترك المذهب على اختياره اللهم إلا أن يحمل كلام القفال على ما إذا =
[ ١ / ٤٣ ]
"فرع: لو كثر"، ولو بإيراد طهور ماء"قليل" أي دون قلتين متنجس"لم يطهر حتى يبلغهما بالماء" لأنه قليل فيه نجاسة، ولمفهوم خبر القلتين فإن بلغهما بالماء" (^١) ولو مستعملا، ومتنجسا" طهر"لا" إن بلغهما "بمائع" آخر فلا يطهر"وإن استهلك" فيه لأنه لم يبلغهما بالماء المعلوم اعتبارا من خبر القلتين، وإباحة التطهر بالجميع حيث لا نجاسة لاستهلاك المائع فيه لا لأنه صار ماء.
فإن قلت: لم جعل المستهلك كالماء في إباحة التطهر به، ولم يجعل كذلك في دفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ قلتين قلت لأن هذا من باب الدفع (^٢)، والأول من باب الرفع، والدفع أقوى من الرفع فيجب أن يكون الدافع أقوى من الرافع ويشهد لذلك أن الماء القليل يجوز التطهر به، ولا يدفع عن نفسه النجاسة إذا وقعت فيه، ويؤخذ من الحكم بتنجسه أنه لو انغمس فيه جنب صار مستعملا لأنه كما لا يدفع النجاسة لا يدفع الاستعمال نبه على ذلك الزركشي"ويكفي الضم، وإن لم يمتزج صاف بكدر" لحصول القوة بالضم لكن إن انضما بفتح حاجز اعتبر اتساعه، ومكثه زمنا يزول فيه التغير لو كان،
_________________
(١) = لم يتروح الماء برائحة العود أو كان العود منقطع الرائحة ويلزم على ما فهمه هو عن القفال أنه لو تروح الماء بجيفة بقربه فزالت ريح النجاسة الواقعة فيه أن يطهر وهو بعيد ت. والقفال الشاشي: هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي هو أحد أئمة الإسلام قال العبادي هو أفصح الأصحاب قلما وأمكنهم في دقائق العلوم قدما وأسرعهم بيانا وأرفعهم عمادا وقال الحليمي هو أعلم من لقيته من علماء عصره وقال الحاكم هو الفقيه الأديب إمام عصره بما وراء النهر وأعلمهم بالأصول وأكثرهم رحلة في طلب الحديث وقال الشيخ أبو إسحاق أن مذهب الشافعي عنه انتشر بما وراء النهر. قال السمعاني ولد بشاش وهي مدينة بما وراء النهر سنو إحدى وتسعين ومائتين وتوفي بها في ذي الحجة سنة خمس وستين وثلاثمائة وقيل سنة ست وستين وثلاثمائة.
(٢) "قوله: لم يطهر حتى يبلغهما بالماء" لو وضع في القليل المتنجس ملح مائي فذاب حتى بلغ به قلتين كان كما لو كمل بالماء ذكره البلقيني.
(٣) "قوله: قلت لأن هذا من باب الدفع إلخ" فرق المصنف بينهما بما حاصله مع التوضيح والتنقيح إن دفع النجاسة منوط ببلوغ الماء قلتين ومعرفة بلوغ الماء قلتين ممكنة مع الاختلاط والاستهلاك ورفع الحدث والخبث منوط باستعمال ما يطلق عليه اسم الماء ومع الاستهلاك الإطلاق ثابت واستعمال الخالص غير ممكن فلم يتعلق به تكليف واكتفى بالإطلاق.
[ ١ / ٤٤ ]
أخذا من مسألة الكوز الآتية"ولا يضر تفريق بعده" أي بعد الضم.
"ولو غمس كوز ماء، واسع الرأس في ماء كمله قلتين، وساواه" بأن كان الإناء ممتلئا أو امتلأ بدخول الماء فيه"ومكث قدرا يزول فيه تغير لو كان"، وأحد الماءين نجس أو مستعمل"طهر" لأن تقوي أحد الماءين بالآخر إنما يحصل بذلك"وإلا" بأن كان ضيق الرأس أو (^١)، واسعه بحيث يتحرك ما فيه بتحرك الآخر تحركا عنيفا لكن لم يكمل الماء قلتين أو كمل لكن لم يمكث زمنا يزول فيه التغير لو كان أو مكث لكن لم يساوه الماء"فلا" يطهر فأفاد قوله وساواه أن الماء ما دام يدخل في الإناء لم يطهر كما صرح به الأصل وكلامه أعم من كلام أصله كما يعلم بالوقوف عليه.
"ولا ينجس أسفل ما يفور بتنجس أعلاه" كعكسه، وهذا من زيادته، وذكره الماوردي، وكذا الرافعي في باب الصيد، ولو وضع كوز على نجاسة، وماؤه خارج من أسفله لم ينجس ما فيه ما دام يخرج فإن تراجع تنجس كما لو سد بنجس.
"فرع إذ قل ماء البئر، وتنجس لم يطهر بالنزح بل بالتكثير" كأن يترك أو يصب عليه ماء ليكثر قال في الأصل لا ينبغي أن تنزح لينبع الماء الطهور، بعده لأنه، وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسا، وقد تنجس جدران البئر أيضا بالنزح.
"وإن كثر" الماء"وتمعط فيه فأرة" مثلا عبارة الأصل، وتفتت فيه شيء نجس كفأرة تمعط شعرها"ولم يتغير فهو طاهر" بمعنى طهور"تعذر"، وفي نسخة لكن يتعذر"استعماله" باغتراف شيء منه بدلو أو نحوها"إذ لا يخلو دلو"، وفي نسخة كل دلو"منه" أي مما تمعط"فلينزح ما غلب على ظنه خروجه فيه" عبارة الأصل فينبغي أن يستقى الماء كله ليخرج الشعر معه، فإن
_________________
(١) "قوله: وإلا بأن كان ضيق الرأس إلخ" ومقتضاه أنه لو مكث الضيق وفيه ماء متغير حتى انتفى تغيره لم يطهر ووجهه عدم تراد الماء وانعطاف بعضه على بعض ويحتمل خلافه لزوال العلة مع وجود الاتصال صورة ش.
[ ١ / ٤٥ ]
كانت العين فوارة، وتعذر نزح الجميع نزح ما يغلب على الظن أن الشعر كله خرج معه"فإن اغترف قبل النزح، ولم يتيقن" فيما اغترفه"شعرا لم يضر"، وإن ظنه كما صرح به الأصل عملا بتقديم الأصل على الظاهر، وبهذا علم أن المراد بالتعذر فيما مر التعسر.
"فصل" الماء"الجاري"، وهو ما يجري في مستو أو منخفض"متفاصل" جريانه حكما، وإن اتصلت حسا إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها"، والمتغير منه بنجاسة" ملاقية له"كنجاسة جامدة" في حكمها"، والجامدة إن جرت بجريه" بهاء الضمير أو بهاء التأنيث أي بجري الماء أو بجريه من جريانه"فما قبلها" أي قبل جرية النجاسة"و" ما"بعدها" من الجريات"طاهر، وجرية النجاسة، وهي قدرها" أي النجاسة"في عرض النهر لها حكم الراكد" فيما مر فينتظر"إن بلغت قلتين فطاهرة" مطهرة"ولا يشترط تباعد" عن النجاسة بقلتين، وإن لم تبلغهما فتنجسه"وللجرية الثانية (^١) و" للجريات"السبع إن كانت" أي النجاسة"كلبية حكم الغسالة" الآتي بيانه في الباب الآتي"لأنها تغسل محل النجاسة في طول النهر" التصريح بهذا من زيادته، وتفسيره الجرية من زيادته بقوله، وهي قدرها في عرض النهر قريب من قول المتولي هي القدر المقابل لحافتي النجاسة إلى حافتي النهر (^٢)، وقد بينته في شرح البهجة (^٣)، وهو مع مخالفته للمشهور قاصر على جرية النجاسة، والمشهور
_________________
(١) "قوله: وللجرية الثانية والسبع إن كانت كلبية حكم الغسالة" وغسالة النجاسة إن كانت قلتين فهي طاهرة مطهرة وإن كانت دونها فهي طاهرة غير مطهرة.
(٢) "قوله: هي القدر المقابل لحافتي النجاسة إلخ" وكذا قال صاحب الوسيط والغاية القصوى والينابيع وصاحب الحاوي الصغير في العجاب وجزم به صاحب الأنوار، وكلام المجموع فيما إذا لم تزد النجاسة على الدفعة بين حافتي النهر وكلام المصنف وغيره فيما إذا زادت عليها فلا خلاف بينهما ثم رأيت الغزي قال عبارة بعضهم الجرية ما يقابل جانبي النجاسة إلى حافتي النهر وهذا في الجامدة أما المائعة فتعتبر الدفعة من الماء. ا هـ.
(٣) "قوله: وقد بينته في شرح البهجة" وبينه قطب الدين الرازي بأن يفرض خطان مستقيمان من حافتي النجاسة ويخرجان إلى حافتي النهر فما بين الخطين هو الجرية، قال وهو غير منضبط لاختلافها بحسب غلظ النجاسة ورقتها ولأنه يلزم منه أن تعود الطهارة لو زيدت النجاسة =
[ ١ / ٤٦ ]
ما في المجموع عن الأصحاب أنها الدفعة بين حافتي النهر عرضا (^١).
"وإن وقعت" أي النجاسة أو كان جري الماء أسرع"والجرية" أي، وكل جرية تمر عليها"قليلة تنجس ما مر عليها" من ذلك"وإن امتد فراسخ"، وبلغ قلالا لما مر أن الجريات متفاصلة حكما فلا يتقوى بعضها ببعض بخلاف الراكد، والجرية إذا بلغ كل منهما قلتين، ويعرف كون الجرية قلتين بطريق ذكرته في شرح البهجة (^٢) "وإن كان أمام الجاري (^٣) ارتفاع يرده فله حكم الراكد" هذا من زيادته، وذكره في المجموع، وفيه، ولو كان في، وسط النهر حفرة قال صاحب التقريب نقلا عن النص لها حكم الراكد، وإن جرى الماء فوقها قال الغزالي، والوجه أن يقال إن كان الجاري يغلب ماءها، ويبدله فله حكم الجاري أيضا، وإن كان يلبث فيها قليلا ثم يزايلها فله في وقت اللبث حكم الراكد، وكذا إن كان لا يلبث، ولكن تتثاقل حركته فله في وقت التثاقل حكم
_________________
(١) = وما قاله من اللزوم لا محذور فيه فإن الماء إذا زاد بزيادة النجاسة حتى بلغ قلتين عادت طهارته ش.
(٢) "قوله: أنها الدفعة بين حافتي النهر عرضا" والمراد بها ما يرتفع وينخفض من الماء عند تموجه ش.
(٣) "قوله: بطريق ذكرته في شرح البهجة" بأن يمسحا ويجعل الحاصل ميزانا ثم يؤخذ قدر عمق الجرية ويضرب في قدر طولها ثم الحاصل في قدر عرضها بعد بسط الأقدار من مخرج الربع لوجوده في مقدار القلتين في المربع فمسح القلتين بأن تضرب ذراعا وربعا طولا في مثلهما عرضا في مثلهما عمقا يحصل مائة وخمسة وعشرون وهي الميزان فلو كان عمق الجرية ذراعا ونصفا وطولها كذلك فابسط كلا منهما أرباعا تكن ستة واضرب أحدهما في الآخر يحصل ستة وثلاثون اضربها في قدر عرضها بعد بسطه أرباعا فإن كان ذراعا فالحاصل مائة وأربعة وأربعون فالجرية قلتان وأكثر وإن كان ثلاثة أرباع ذراع فالحاصل مائة وثمانية فليست الجرية قلتين ش.
(٤) "قوله: وإن كان أمام الجاري إلخ"، قال في الوسيط الحوض إذا كان يجري الماء في وسطه وطرفاه راكدان فللطرفين حكم الراكد وللمتحرك حكم الجاري فلو وقعت نجاسة في الجاري فلا ينجس الراكد إذا لم نوجب التباعد وإن كان الجاري قليلا فإن وقعت في الراكد وهو أقل من قلتين فهو نجس والجاري تلاقى جريانه ماء نجسا فإن كان يختلط به ما يغيره لو خالفه لونه نجسه. ا هـ.
[ ١ / ٤٧ ]
الماء الذي بين يديه ارتفاع.
"وإن كان يتوضأ من بئر" ماؤها قليل"فخرج منها دجاجة" مثلا ميتة"منتفخة"، ودالها مثلثة (^١)، والفتح أفصح"أعاد" من صلاته"ما تيقن أنه صلاه بالنجس" قال الزركشي، وقضيته أنه لو غلب على ظنه استعمال النجس لا تلزمه الإعادة، وفيه نظر قلت الأوجه عدم لزومها أخذا مما قدمته قبيل الفصل، ووصفت الدجاجة بالانتفاخ لأنه يدل على تقادم موتها مع أن ذكره مثال لا تقييد.
"فرع" لو، وقعت نجاسة في ماء كثير فلم تغيره في الحال، وتغير بعد مدة قال ابن كج رجعنا إلى أهل الخبرة فإن قالوا تغير بها حكم بنجاسته، وإلا فلا قال الأذرعي، ولم أر ما يوافقه، ولا ما يخالفه قلت نقل في المجموع عن الدارمي ما يخالفه لكنه نظر فيه، وبينته في شرح البهجة قال أعني الأذرعي، وإذا كان أهل الخبرة يعرفون التغير الناشئ عن النجاسة، وغيرها فينبغي أن يرجع إليهم فيما سيأتي في بول الظبية.
_________________
(١) يعني أن الدال من كلمة دجاجة يمكن قراتها بالفتح أو بالضم أو بالكسر.
[ ١ / ٤٨ ]