أي كيفيته، وهو من الوضاءة، وهي الحسن، وفي الشرع استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحا بنية، وهو بضم الواو الفعل وهو المراد هنا، وبفتحها ما يتوضأ به وقيل بفتحها فيهما وقيل بضمها كذلك، وله فروض، وسنن، وشروط فشروطه ماء مطلق، والعلم بأنه مطلق، وإسلام، وتمييز، ومعرفة كيفية الوضوء كنظيره الآتي في الصلاة، وعدم الحائل، وجري الماء على العضو، ودخول الوقت في وضوء دائم الحدث، والعلم بدخوله، وعدم المنافي من نحو حيض، ونفاس، ومس ذكر، وعدم الصارف، ويعبر عنه بدوام النية لو قطعها في أثناء الوضوء احتاج في بقية الأعضاء إلى نية جديدة".
وفروضه ستة الأول النية" لخبر الصحيحين "نما الأعمال بالنيات" (^٢) أي الأعمال المعتد بها شرعا وحقيقتها لغة (^٣) القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، وحكمها الوجوب كما علم، ومحلها القلب، والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة أو تمييز رتبها، وشرطها إسلام الناوي، وتمييزه، وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكما، ووقتها أول الفروض (^٤) كأول غسل جزء من الوجه هنا كما سيأتي، وإنما لم يوجبوا المقارنة
_________________
(١) "باب صفة الوضوء" قال الإمام وابن عبد السلام وهو تعبد لا يعقل معناه لأن فيه مسحا ولا تنظيف فيه وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه وذلك قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرا ش والأصح أنه ليس من خصوصية هذه الأمة وإنما الذي يختص بها الغرة والتحجيل في الآخرة.
(٢) "قوله: لخبر الصحيحين إنما الأعمال إلخ" ولأن الوضوء عبادة فعلية محضة فاعتبر فيه النية كالصلاة فخرج بالعبادة الأكل ونحوه وبالفعلية الآذان والخطبة ونحوهما وبالمحضة العدة وستر العورة ونحوهما ش ولأنه طهارة موجبها في غير محل موجبها فأشبهت التيمم وبه خرج إزالة النجاسة.
(٣) "قوله: وحقيقتها لغة إلخ" جمعها بعضهم في قوله حقيقة حكم محل وزمن كيفية شرط ومقصود حسن.
(٤) "قوله: ووقتها أول الفروض" قال الزركشي في قواعده كل عبادة يجب أن تكون النية =
[ ١ / ٨٠ ]
في الصوم لعسر مراقبة الفجر، وتطبيق النية عليه، وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب كأن ينوي هنا رفع الحدث أو التطهر عنه كما سيأتي"، وتجب عند غسل أول جزء من الوجه" قيل تبع في هذه العبارة الروضة.
وعبارة الرافعي أول غسل الوجه، وهي أصح لإيهام تلك اشتراط غسل الوجه من أوله لمقارنة النية أو جواز خلو غسل آخره عن النية إن غسل آخره أولا، وكلاهما فاسد، ويرد بأن هذا إنما يرد على التعبير بغسل أول الوجه لا على التعبير بغسل أول جزء من الوجه كما عبر في الروضة والروض لمساواته في المعنى لعبارة الرافعي فالعبرة بأول غسل جزء منه فلا يكفي قرنها بما بعده لخلو أول المغسولات وجوبا عنها، ولا بما قبله لأنه سنة تابعة للواجب الذي هو المقصود، ولو وجدت النية في أثناء غسل الوجه كفت، ووجب إعادة المغسول منه قبلها"وتجزئ" عند غسل ذلك"ولو مع مضمضة" (^١)، وإن عزبت النية بعده سواء أغسله بنية الوجه، وهو ظاهر أم لا لوجود غسل جزء من الوجه مقرونا بالنية لكن تجب إعادة غسل الجزء مع الوجه على الأصح في الروضة لوجود الصارف، ولا تجزئ المضمضة في الشق الأول (^٢) لعدم تقدمها على غسل لوجه قاله القاضي مجلي (^٣) فالنية لم تقترن فيه بمضمضة حقيقية.
"ولا تصح نية من كافر"، ولو أصليا لأنه ليس أهلا لها فلا يصح تطهره"فغسل الذمية من الحيض" أو النفاس"والمجنونة، والمسلمة المكرهة"
_________________
(١) = مقارنة لأولها إلا الصوم والزكاة والكفارة انتهى أي والأضحية.
(٢) "قوله: ولو مع مضمضة" أي أو استنشاق.
(٣) "قوله: ولا تجزئ المضمضة في الشق الأول" قال شيخنا وكذا في الثاني أيضا.
(٤) "قوله: قاله القاضي مجلي" أشار إلى تصحيحه. قلت: والقاضي مجلي هو: مجلي بن جميع بن نجا، القرشي المخزومي الأرسوفي الأصل، المصري المسكن والوفاة، أبو المعالي: قاض، فقيه، تولى قضاء الديار المصرية سنة ٥٤٧ هـ استمر نحو سنتين، وعزل لتغيير الملوك، وله العمدة في أدب القضاء والذخائر في فقه الشافعية، قال الإسنوي: كثير الفروع والغرائب إلا أن ترتيبه غيرمعهود، متعب لمن يريد استخراج المسائل منه، وفيه أيضا أوهام انظر شذرات الذهب ٤/ ١٥٧، ووفاته كانت في سنة ٥٥٠ هـ وفيات الأعيان ٣/ ٣٠٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٤/ ٣٠٠.
[ ١ / ٨١ ]
ولو بغسل حليلهن لهن عند امتناعهن منه ليس بصحيح، وإنما"يبيحهن للزوج"، وللسيد لضرورة حقهما"فعليها" أي الأخيرة الإعادة مطلقا"وعليهما" أي الأوليين"الإعادة عند الكمال" (^١) بالإسلام، والإفاقة، ولو أخر من الحيض عن المجنونة، والمكرهة كان أولى، ويشترط أن تنوي الذمية، ومن يغسل المجنونة، والممتنعة استباحة التمتع كما صححه النووي في تحقيقه في الأوليين، واقتضاه كلامه فيه مع مجموعه في الثالثة، وما في تحقيقه في الذمية محله في المطاوعة فلا ينافي ما في الروضة كأصلها من عدم اشتراط نيتها لأنه في الممتنعة المغتسلة، وظاهر أن اغتسال المجنونة، والمسلمة المكرهة لا يشترط فيه نية للضرورة كما اقتضاه كلام المصنف في موانع النكاح فيهما، وكلام أصله ثم في الأولى، وذكر المجنونة التي غسلها زوجها مع ذكر المسلمة المكرهة، والإعادة من زيادته، وقد أعاد إباحة الذمية، وتاليتيها في موانع النكاح.
"ويبطل بردة تيمم ووضوء نحو مستحاضة" لأنهما لإباحة ما امتنع بالحدث، ولا إباحة مع الردة، والثانية من زيادته تبع فيها بحث الإسنوي (^٢) أخذا من تعليل الأولى بما ذكر، ويجاب بأن الماء الأصل فيه أن يرفع الحدث (^٣) فكان أقوى من التراب الذي لا يرفعه أصلا، وسيأتي نظيره في باب الاستنجاء،
_________________
(١) "قوله: وعليهما الإعادة عند الكمال" وما أفتى به القفال من حل وطئها بعد إسلامها قبل إعادتها الغسل ضعيف وينبغي أن يستثنى منه ما إذا أسلمت بالتبعية وهي مجنونة فإنه يجوز له وطؤها بذلك الغسل لأن غايته أنها انتقلت من ضرورة إلى ضرورة قال الأذرعي الظاهر أن كون الزوج والسيد مسلما ليس بقيد للصحة بل الخلية إذ نوت الغسل من الحيض صح في حق ما يطرأ من نكاح أو ملك يمين.
(٢) "قوله: تبع فيها بحث الإسنوي" أي وغيره.
(٣) "قوله: ويجاب بأن الماء الأصل فيه أن يرفع الحدث" المعتمد ما جرى عليه المصنف والجواب لا يجدي شيئا.
[ ١ / ٨٢ ]
"و" يبطل بها"نية وضوء"، وغسل فلو ارتد في أثنائهما لم يعتد بما أتى به في الردة، وهذا من زيادته، وبه صرح ابن الرفعة"لا وضوء، وغسل" فلا يبطلان بها حتى لا تجب إعادتهما بعد العود إلى الإسلام كالصوم، وغيره"وهل يقطع النية نوم ممكن" مقعدته"وجهان" كالوجهين فيما إذا فرق تفريقا كثيرا نقله في المجموع عن الروياني مقيدا بالنوم اليسير (^١)، ومقتضاه ترجيح عدم قطعها في اليسير، وأن الكثير يقطعها.
"ولو تيمم صبي فبلغ صلى به" (^٢) مع النفل"الفرض" كالوضوء كذا نقله في المجموع عن تصحيح صاحبي التهذيب والعدة ثم نقل فيه عن الماوردي والروياني عن أهل العراق أنه لا يصلي به الفرض لأن صلاته نفل، وصححه في التحقيق (^٣) "والحدث الأصغر لا يحل كل البدن" بل أعضاء الوضوء خاصة كما صححه في التحقيق، والمجموع لأن وجوب الغسل مختص بها، وإنما لم يجز مس المصحف بغيرها لأن شرط الماس أن يكون متطهرا، ولا تكفيه طهارة محل المس، وحده، ولهذا لو غسل، وجهه، ويديه لم يجز مسه بهما مع قولنا بالمذهب أن الحدث يرتفع عن العضو بمجرد غسله، وقوله وهل يقطع إلى هنا من زيادته.
ثم أخذ في بيان كيفية نية الوضوء، وهو ضربان وضوء رفاهية، ووضوء ضرورة، وهو وضوء دائم الحدث فقال"ولينو المتوضئ" غير دائم الحدث"أحد" أمور"ثلاثة: الأول: رفع الحدث" أي: رفع حكمه، ولو لماسح الخف لأن القصد من الوضوء رفع المانع فإذا نواه فقد تعرض للمقصود"أو الطهارة عن الحدث" أو للصلاة أو غيرها (^٤) مما لا يباح إلا بالوضوء"لا مطلقا" بأن نوى الطهارة فقط لأن الطهارة تكون عن حدث، وعن خبث
_________________
(١) "قوله: مقيدا بالنوم اليسير" جرى فيه على الغالب قال شيخنا فالأصح عدم قطعها بالكثير أيضا.
(٢) "قوله: ولو تيمم صبي فبلغ صلى به" في بعض النسخ لم يصل به.
(٣) "قوله: وصححه في التحقيق" قال شيخنا أي وغيره وهو الأصح.
(٤) "قوله: أو للصلاة أو غيرهما إلخ" أو أداء فرض الطهارة أو الطهارة الواجبة.
[ ١ / ٨٣ ]
فاعتبر التمييز، وقيل تصح، وهو ظاهر كلام الرافعي، وقواه في المجموع بأن نية الطهارة لأعضاء الوضوء على الوجه الخاص لا يكون عن خبث قال، وهذا ظاهر نص البويطي (^١) لكن حمله الأصحاب على إرادة نية الحدث.
"فإن فرق النية على أعضائه" كأن نوى عند غسل الوجه رفع الحدث عنه، وهكذا جاز، وإن نفى غيره من بقية الأعضاء كما يجوز تفريق أفعال الوضوء"أو نوى غير حدثه" (^٢) كأن نوى رفع حدث المس، وليس عليه إلا حدث البول"غالطا" جاز (^٣)، وإن نفى غيره الصادق بما عليه لأن التعرض لسبب الحدث لا يجب فلا يضر الغلط فيه بخلاف ما إذا تعمد ذلك لتلاعبه (^٤)
_________________
(١) يعني النص الذي نقله البويطي عن الشافعي، وهذا الكتاب المشار إليه سمي باسمه، فيقولون وفي البويطي كذا. والإمام البويطي هو أبو يعقوب يوسف بن يحي البويطي ﵁ مات ببغداد في السجن، والقيد في رجله وكان قد حمل من مصر في فتنة القرآن فأبى أن يقول بخلقه فسجن وقيد حتى مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. قال الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه: كان أبو يعقوب إذا سمع المؤذن وهو في السجن يوم الجمعة اغتسل ولبس ثيابه ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟ يقول أجيب داعي الله فيقول: ارجع عافاك الله. فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني. وقال أبو الوليد بن أبي الجارود: كان البويطي جاري فما أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي وقال الربيع بن سليمان كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر الله تعالى وما رأيت أحدا أنوع لحجة من كتاب الله من أبي يعقوب البويطي. وقال الشافعي رحمه الله تعالى ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف ابن يحي وليس أحد من أصحابي أعلم منه وروي عنه أنه قال: أبو يعقوب لساني. طبقات الشيرازي ٢/ ١٠٩.
(٢) "قوله: أو نوى غير حدثه إلخ" وإن لم يتصور منه كأن نوى الرجل رفع حدث الحيض أو النفاس وحكى في البحر عن جده لو أجنبت بنت سبع سنين فنوت بغسلها رفع حدث الحيض صح على أصح الوجهين وقال في شرح المهذب أنه محمول على ما إذا غلطت، فإن تعمدت لم يصح ولو كانت ممن تحيض.
(٣) "قوله: غالطا جاز" وضابط ما يضر فيه الخطأ وما لا يضر أن ما لا يجب التعرض له جملة ولا تفصيلا لا يضر الخطأ فيه كالخطأ هنا، وفي تعيين المأموم وما يجب التعرض له تفصيلا أو جملة يضر الخطأ فيه كالخطأ من الصوم للصلاة وعكسه وكالخطأ في تعيين الإمام والميت والكفارة.
(٤) "قوله: لأن الحدث لا يتجزأ إلخ" ولأنه يلغو ذكر السبب فيبقى المطلق.
[ ١ / ٨٤ ]
"أو" نوى"بعض أحداثه" (^١) التي عليه"جاز، وإن نفى غيره" لأن الحدث لا يتجزأ فإذا ارتفع بعضه ارتفع كله، وعورض بمثله، ورجح الأول بأن الأسباب لا ترتفع، وإنما يرتفع حكمها، وهو، واحد تعددت أسبابه (^٢)، ولا يجب التعرض لها فيلغو ذكرها.
"الثاني: استباحة الصلاة" إذ نية رفع الحدث إنما تطلب لذلك فإذا نواه فقد نوى غاية القصد"فإن عين" بنيته"صلاة جاز" أي صح الوضوء لها، ولغيرها"ولو نفى غيرها" كأن نوى استباحة الظهر، ونفى غيرها لأن الحدث لا يتجزأ كما مر، والتعرض لما عينه غير واجب (^٣) فيلغو ذكره، وما نقله الزركشي عن فتاوى البغوي من أنه لو نوى رفع حدثه في حق صلاة، واحدة لا في حق غيرها لم يصح وضوءه قولا (^٤)، واحدا لأن ارتفاع حدثه لا يتجزأ فإذا بقي بعضه بقي كله مردودا (^٥) مع أني لم أره فيها"وكذا كل" أي استباحة كل"ما لوضوء شرط لا مستحب فيه، ولو طوافا لبعيد ظن أنه بمكة" (^٦) بخلاف ما لو نوى استباحة ما لا يشترط فيه الوضوء، ولو مستحبا (^٧) كقراءة قرآن،
_________________
(١) "قوله: أو نوى بعض أحداثه إلخ" شمل ما لو نوى ذلك في وقوعها معا أو غير الأول في الترتيب لأن كلا منهما علة مستقلة للحدث بمعنى أنها إذا وجدت منفردة ثبت الحدث بها للقطع بأنه لو حلف بأنه لم يقع له حدث البول مثلا حنث.
(٢) "قوله: وهو واحد تعددت أسبابه" قضيته أنه لو كان الواقع منه حدثا واحدا فقال نويت رفع بعض الحدث أن إلا يصح وهو ظاهر ولم أر فيها نقلا ز. وقوله قضيته أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: والتعرض لما عينه غير واجب" فيلغو ذكره وخرج بما قاله في هذه، وفيما قبلها ما لو نفى نفس المنوي كما لو نوى بوضوئه رفع حدث النوم وأن لا يرفعه أو أن يصلي به صلاة وأن لا يصليها فلا يصح لتلاعبه وتناقضه وشرط نية استباحة الصلاة قصد فعلها بتلك الطهارة فلو لم يقصد فعل الصلاة بوضوئه قال في شرح المهذب فهو تلاعب لا يصار إليه.
(٤) "قوله: لم يصح وضوءه قولا واحدا" أشار إلى تصحيحه.
(٥) "قوله: مردود" يفرق بأنه في مسألة البغوي بقي بعض حدثه الذي نوى رفعه وهناك الباقي غير الحدث المرفوع وهو لا يضر فإنه لا أثر له إذا رفع غيره غ.
(٦) "قوله: ولو طوافا لبعيد ظن أنه بمكة" الفاء للصفة التي لا تتأتى منه وإبقاء لنية العبادة المتوقفة على الوضوء.
(٧) "قوله: ولو مستحبا كقراءة إلخ" هو ست وثلاثون نوعا وأوصلها بعضهم إلى أربعين.
[ ١ / ٨٥ ]
وحديث، وروايته، ودرس علم، ودخول مسجد، وأذان، وإقامة لأنه يستبيحه بلا وضوء، وقوله من زيادته ظن أنه بمكة مضر فإنه يصح، وإن لم يظن أنه بها ففي المجموع لو نوى بوضوئه أن يصلي صلاة لا يدركها بأن توضأ في رجب، ونوى أن يصلي به العيد قال الروياني قال والدي قياس المذهب (^١) أنه يصح وضوءه، ويجوز أن يصلي به جميع الصلوات لأنه نوى ما لا يستباح إلا بالوضوء.
"الثالث: أداء الوضوء (^٢) أو فرض الوضوء (^٣)، وإن كان" المتوضئ"صبيا، وكذا الوضوء فقط" لتعرضه للمقصود فلا يشترط التعرض للفرضية، وهذه من زيادته.
قال الرافعي، والأولى اعتبار كون النية في الوضوء للتمييز لا للقربة، وإلا لما اكتفى بنية أداء الوضوء لأن الصحيح اعتبار نية الفرضية في العبادات، ومثل نية الوضوء فيما قاله نية الحج، والعمرة، وبه صرح الماوردي (^٤)، وغيره قال أعني الرافعي، وإنما صح الوضوء بنية فرضه قبل الوقت مع أنه لا وضوء عليه بناء على قول الشيخ أبي علي أن موجبه الحدث أو يقال ليس المراد بالفرض هنا لزوم الإتيان به، وإلا لامتنع وضوء الصبي بهذه النية بل المراد فعل طهارة الحدث المشروط للصلاة، وشرط الشيء يسمى فرضا"ولو لم يضفه إلى الله" تعالى فإنه يصح كما في الصلاة، وغيرها.
"ولو توضأ الشاك" بعد وضوئه في حدثه"احتياطا فبان محدثا لم يجزه" للتردد في النية بلا ضرورة كما لو قضى فائتة الظهر مثلا شاكا في أنها عليه ثم
_________________
(١) "قوله: قال الروياني قال والدي قياس المذهب إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: الثالث أداء الوضوء إلخ" ذكر الرافعي في نية الصلاة أنه لا بد من قصد فعل الصلاة ولا يكفي إحضار نفس الصلاة غافلا عن الفعل والذي ذكره يتجه مثله هنا عند نية الوضوء والطهارة ونحوها ح.
(٣) "قوله: أو فرض الوضوء" وكذا أداء فرض الطهارة كما ذكرها جماعة منهم سليم في التقريب ج.
(٤) "قوله: وبه صرح الماوردي وغيره" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ٨٦ ]
بان أنها عليه لا يكفيه بخلاف ما إذا لم يبن محدثا فإنه يجزئه للضرورة"أو" توضأ الشاك"وجوبا" بأن شك بعد حدثه في وضوئه فتوضأ"أجزأه"، وإن كان مترددا لأن الأصل بقاء الحدث بل لو نوى في هذه إن كان محدثا فعن حدثه، وإلا فتجديد صح أيضا، وإن تذكر نقله في المجموع عن البغوي (^١)، وأقره"ودائم الحدث تجزئه نية الاستباحة"، ونية أداء الوضوء، ونحوهما، وإن فرق النية إلى آخر ما مر"لا" نية"رفع الحدث" لبقائه عليه"كالمتيمم" في أنه يجزئه نية الاستباحة لا نية رفع الحدث لذلك بل، وفي أنه إن نوى استباحة الفرض استباحة، وإلا فلا كما جزم به الرافعي، ونقله الزركشي عن المتولي، وغيره، وتنظير المصنف بالمتيمم من زيادته على الروضة"وندب له الجمع بينهما" خروجا من خلاف من أوجبه لتكون نية الرفع للحدث السابق، ونية الاستباحة أو نحوها للأحق.
فإن قلت نية الاستباحة، ونحوها تفيد الرفع كنية رفع الحدث فالفرض يحصل بها، وحدها قلت لا إذ الغرض الخروج من الخلاف، وهو إنما يحصل بما يؤدي المعنى مطابقة لا التزاما، وذلك بجمع النيتين.
"تنبيه" ما تقرر من الاكتفاء بالأمور السابقة محله في الوضوء غير المجدد أما المجدد (^٢) فالقياس عدم الاكتفاء فيه (^٣) بنية الرفع أو الاستباحة، وقد يقال يكتفى بها كالصلاة المعادة غير أن ذاك مشكل خارج عن القواعد فلا يقاس عليه ذكره في المهمات قال ابن العماد، وتخريجه على الصلاة ليس ببعيد لأن قضية التجديد أن يعيد الشيء بصفته الأولى، وإلا لم يكن تجديدا.
"فرع""لو نوى التبرد، ولو في أثناء الوضوء" (^٤) حالة كونه
_________________
(١) "قوله: نقله في المجموع عن البغوي وأقره" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: أما المجدد إلخ" مثله وضوء الجنب إذا تجردت جنابته لما يستحب له الوضوء من أكل أو نوم أو نحوه وبهذا أفتيت.
(٣) "قوله: فالقياس عدم الاكتفاء فيه إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: فرع لو نوى التبرد ولو في أثناء الوضوء إلخ" سئل جلال الدين البلقيني عن نية الاغتراف هل تكون كنية التبرد حتى إذا نواها بعد غسل الوجه وكان غافلا لم يصح =
[ ١ / ٨٧ ]
"مستحضرا" عند نية التبرد"نية الوضوء أجزأه" لحصوله من غير نية"كمصل نواها" أي نوى الصلاة"ودفع غريم" (^١) فإنها تجزئه لأن اشتغاله عن الغريم لا يفتقر إلى نية"وإلا" أي، وإن لم يكن مستحضرا في أثناء الوضوء نيته"تبعض الوضوء" فيصح منه ما قبل نية التبرد دون ما بعدها لوجود الصارف، ومثلها نية التنظيف.
"فرع""لو نسي لمعة" بضم اللام في وضوئه أو غسله"فانغسلت في تثليث" يعني في الثانية أو الثالثة بنية التنقل"أو" في"إعادة وضوء" أو غسل"لنسيان" له"لا تجديد و" لا"احتياط أجزأه" أما في الأولى فلأن قضية نيته الأولى كمال الغسلة الأولى قبل غيرها، وتوهمه الغسل عن غيرها لا يمنع الوقوع عنها كما لو جلس للتشهد الأخير ظانا أنه الأول فإنه يكفي، وإن توهمه الأول (^٢).
وأما في الثانية فلأنه أتى بذلك بنية الوجوب، وأما عدم إجزائه في التجديد فلأنه طهر مستقل بنية لم تتوجه لرفع الحدث أصلا، وأما في الاحتياط فلما مر فيه، والتصريح به هنا من زيادته"ولو انغسل بعض أعضاء من نوى" الطهر"بسقطة" حصلت"في ماء أو غسلها فضولي، ونيته" فيهما"عازبة لم يجزه" لانتفاء فعله مع النية فقولهم لا يشترط فعله محله إذا كان متذكرا للنية.
وعلل الروياني الثانية بأن النية تناولت فعله لا فعل غيره نقله عنه في
_________________
(١) = ما أتى به بعد ذلك على الصحيح فأجاب بأنها ليست كذلك لأن نية التبرد فيها صرف لغرض آخر وأما نية الاغتراف فليس فيها صرف لغرض آخر وإنما ينوي الاغتراف ليمنع حكم الاستعمال فهذا ولا بد ذاكر لنية رفع الحدث وقوله فأجاب إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: كمصل نواها ودفع غريم إلخ" قال الزركشي والظاهر أنه لا أجر له مطلقا واختاره ابن عبد السلام في كل ما شرك فيه بين ديني ودنيوي واختار الغزالي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان الأغلب قصد الديني فله أجر بقدره أو الدنيوي فلا أجر له أو تساويا تساقطا ش قال شيخنا هو الأصح.
(٣) "قوله فإنه يكفي وإن توهمه الأول" وكما لو ترك سجدة من الركعة الأولى ناسيا فإنها تتم بسجدة من الثانية وإن توهمها من الثانية وإنما لم تقم سجدة التلاوة أو السهو مقام سجدة الصلاة لأن نية الصلاة لم تشملها.
[ ١ / ٨٨ ]
المجموع مع أشياء ثم قال، وفي بعض ما قاله نظر، والظاهر كما فهمه بعضهم أن هذا مما أراده بالنظر"أو" غسلها"من أمره" هو بغسلها"جاز، وإن كرهه لشدة برد" مثلا كما لو غسلها هو"لا إن نهاه" فغسلها فلا يجزئه، وقوله أو غسلها فضولي إلى هنا من زيادته"وإن نوى قطع الوضوء" بعد فراغه منه لم يبطل، وكذا في أثنائه لكن"انقطعت النية فيعيدها للباقي أو" نوى"أن يصلي به، ولا يصلي" به"لغت" نيته فلا يصح وضوءه لتلاعبه، وتناقضه، ولو ألقاه غيره في نهر مكرها فنوى فيه رفع الحدث صح وضوءه كما صرح به في الروضة، وفي المجموع عن الروياني لو نوى به الصلاة (^١) بمكان نجس ينبغي المنع (^٢)، وإذا بطل وضوءه في أثنائه بحدث أو غيره فيحتمل أن يثاب على الماضي كما في الصلاة، وأن يقال إن بطل باختياره فلا أو بغيره فنعم، ومن أصحابنا من قال لا ثواب له (^٣) بحال لأنه يراد لغيره بخلاف الصلاة ا هـ الفرض.
"الثاني غسل الوجه" قال تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، والمراد انغساله على ما مر، وكذا بقية الأعضاء"وهو" أي الوجه طولا ظاهر"ما بين منابت شعر الرأس غالبا، وأسفل" طرف"المقبل من الذقن" بفتح المعجمة، والقاف مجتمع اللحيين"و" من"اللحيين" بفتح اللام على المشهور العظمتان اللذان تنبت عليهما الأسنان السفلى"و" عرضا ظاهر"ما بين أذنيه" لأن المواجهة المأخوذ منها الوجه تقع بذلك "شعرا، وبشرا كظاهر حمرة شفتيه، وما ظهر" من الوجه"بقطع، وموضع غمم"، وهو ما نبت عليه الشعر من الجبهة لأنه في تسطيح الجبهة.
_________________
(١) "قوله: وفي المجموع عن الروياني لو نوى به الصلاة إلخ"، وفيه لو نوى بوضوئه القراءة إن كفت وإلا فالصلاة ففي البحر تحتمل صحته كما لو نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقيا وإلا فعن الحاضر ا هـ وينبغي أنه لا يصح ويفرق بأن الوضوء عبادة بدنية والزكاة مالية والبدنية أضيق بدليل أنها لا تقبل النيابة بخلاف المالية ش وقوله وينبغي أنه لا يصح إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: ينبغي المنع" أي وبه أفتيت وإن قال في العباب الظاهر الصحة.
(٣) "قوله: ومن أصحابنا من قال لا ثواب له" وينبغي حمل ذلك على ما إذا لم يتعمد البطلان بلا عذر، فإن تعمده بلا عذر فلا ثواب في المقيس ولا المقيس عليه ش ما تفقهه ظاهر وبه أفتيت.
[ ١ / ٨٩ ]
ولا عبرة بنبات الشعر على خلاف الغالب كما لا عبرة بانحساره كما ذكره بقوله"لا" موضع"صلع"، وهو ما انحسر عنه الشعر من مقدم الرأس. وهذا وما قبله تصريح بما احترز عنه بقوله من زيادته غالبا مع أنه كما قال الإمام لا حاجة إليه لأن موضع الصلع منبت شعر الرأس، وإن انحسر عنه الشعر بسبب، والجبهة ليست منبته، وإن نبت الشعر عليها.
وحد الأصل الوجه بقوله وحده من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وبين عقبه مراده بقوله ويدخل الغايتان في حد الطول، ولا تدخلان في العرض فعدل عنه المصنف إلى ما قاله على ما فيه كما عرف ليسلم من إيهام مبتدأ التسطيح وليفيد بذكر اللحيين شمول حد الوجه لجوانبها"ولا باطن لحية رجل كثة" أي كثيفة بالمثلثة فيهما لعسر إيصال الماء إليه مع الكثافة (^١) الغير النادرة "فإن خف بعضها"، وكثف بعضها"فلكل حكمه" بتفصيل زاده تبعا للماوردي بقوله"إن تميز، وإلا" أي وإن لم يتميز (^٢) بأن كان الكثيف متفرقا بين أثناء الخفيف"غسل الكل" وجوبا، وعلله الماوردي بأن إفراد الكثيف بالغسل يشق، وإمرار الماء على الخفيف لا يجزئ، ونقل عنه في المجموع ذلك ثم قال، وهو خلاف ما قاله الأصحاب، وليس فيما قاله دلالة ا هـ.
"والكثة ما سترت البشرة عن المخاطب" بخلاف الخفيفة"وليس النزعتان" بفتح الزاي أفصح من إسكانها، وهما بياضان يكتنفان الناصية"وموضع التحذيف" بإعجام الذال، وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار، والنزعة، وربما يقال بين الصدغ، والنزعة قال الرافعي:
_________________
(١) "قوله: لعسر إيصال الماء إليه مع الكثافة إلخ" وجب غسل ظاهرها أصالة لا بدلا عن البشرة.
(٢) "قوله: أي وإن لم يتميز إلخ" قال ابن العماد المراد بعدم التميز عدم إمكان إفراده بالغسل وإلا فهو متميز في نفسه.
[ ١ / ٩٠ ]
والمعنى لا يختلف لأن الصدغ، والعذار متلاصقان"والصدغان" (^١)، وهما فوق الأذنين متصلان بالعذارين"من الوجه".
أما موضع التحذيف فلاتصال شعره بشعر الرأس، وسمي بذلك لاعتياد النساء إزالة شعره ليتسع الوجه، وأما الآخران فلأنهما في تدوير الرأس، ويسن للخروج من الخلاف غسل الثلاثة، وموضع الصلع، وصرح به في الروضة في النزعتين"ويجب غسل باطن العذارين" بإعجام الذال"وإن كثفا، وهما حذاء الأذنين" أي محاذيان لهما بين الصدغ، والعارض، وقيل هما العظمتان الناتئان بإزاء الأذنين.
"و" يجب غسل"باطن سائر" أي باقي"شعور الوجه" التي لم تخرج عن حد الوجه، وإن كثفت لأن كثافتها نادرة فألحقت بالغالبة"لا العارضين الكثيفين"، وهما المنحطان عن القدر المحاذي للأذنين فلا يجب غسل باطنهما لما مر في اللحية، ولو ذكرهما معها كما في الأصل كان أنسب. وإنما، وجب غسل باطن الكثيف في الغسل من الحدث الأكبر لعدم المشقة فيه لقلة وقوعه.
"و" يجب"غسل باطن لحية امرأة، وخنثى" مشكل، وإن كثفت لندرتها، وندرة كثافتها، ولأنه يندب للمرأة إزالتها لأنها مثله في حقها، والأصل في أحكام الخنثى العمل باليقين.
"و" يجب"غسل سلعة، وظاهر شعر من الوجه" كلحية، وعذار، وسبال إذا كانا"خارجين عن حده" (^٢) تبعا له لحصول المواجهة بهما أيضا،
_________________
(١) "قوله: والصدغان" الصدغ ما بين العين والأذن قوله كلحية وعذار وسبال إلخ" ولو لامرأة وخنثى.
(٢) "قوله: خارجين عن حده" استشكله صاحب الوافي وقال أرى كل لحية خارجة عن حد الوجه طولا وعرضا طالت أم لا بخلاف الخارج عن حد الرأس فإنه معلوم بالمشاهدة قال =
[ ١ / ٩١ ]
وأطلق كالأصل الاكتفاء بغسل ظاهر الشعر المذكور، ومحله إذا كان كثيفا، وإلا، وجب غسل باطنه أيضا كما نقله في المجموع (^١) عن جماعة، وصوبه قال، وكلام المطلقين محمول عليه، ومرادهم الكثيف كما هو الغالب. وقيد المصنف كأصله الحكم في السلعة، والشعر بالخارجين لأن الداخلين تقدم حكمهما، ولأن ذلك محل الخلاف"و" يجب"غسل جزء من الرأس و" سائر"الجوانب المجاورة للوجه احتياطا" ليتحقق استيعابه"، ومن له، وجهان غسلهما" وجوبا كاليدين على عضد، واحد أو رأسان كفى مسح بعض أحدهما كما سيأتي.
والفرق أن الواجب في الوجه غسل جميعه فيجب غسل جميع ما يسمى وجها، وفي الرأس مسح بعض ما يسمى رأسا، وذلك يحصل ببعض أحدهما ذكره في المجموع"ويسن غرف ماء الوجه بالكفين" للاتباع، ولأنه أمكن، ولو أخر هذه إلى السنن كان أنسب الفرض.
"الثالث غسل اليدين مع المرفقين" بكسر الميم (^٢)، وفتح الفاء، وعكسه قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٣) [المائدة: ٦] ودل على دخولها،
_________________
(١) = ولعل المراد به ما تدلى وانعطف وخرج عن الانتصاب إلى الاسترسال والنزول فإن أول خروج الشعر يخرج منتصبا فهو على حد الوجه وما زاد عن الانتصاب إلى الاسترسال فهو خارج عن حده، وفي الذخائر المسترسل هو الشعر الذي يستر البشرة وينتشر من منبته حتى يجاوز عرض الوجه في استدارة الشعر النابت على الوجه والاعتبار بعرض الوجه وإلا فأي شعر نبت على الذقن ولو قدر نصف شعرة فهو زائد عن حد الوجه طولا فيعتبر الشعر على هذا الموضع بأن يكون طوله قدر مساحة ما بين العذارين والعارضين معهما وأصل الأذن لأن أصل الأذن آخر الوجه عرضا، فإن كان زائدا على هذا القدر فهو المسترسل.
(٢) "قوله: كما نقله في المجموع عن جماعة" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: بكسر الميم" وفتح الفاء أفصح من عكسه ش.
(٤) "قوله: وأيديكم إلى المرافق" ذكر المرافق بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد ولكل يد مرفق فصحت المقابلة =
[ ١ / ٩٢ ]
الآية، والإجماع، وفعله ﷺ المبين للوضوء المأمور به كما رواه مسلم وغيره.
ووجه دلالة الآية أن تجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب على الأصح مجازا إلى المرفق مع جعل إلى للغاية الداخلة هنا في المغيا بما يأتي أو للمعية كما في ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل إلى غاية للغسل أو للترك المقدر كما قال بكل منهما جماعة فعلى الأول منهما تدخل الغاية بقرينتي الإجماع، والاحتياط (^١) للعبادة، والمعنى اغسلوا أيديكم من رءوس أصابعها إلى المرافق، وعلى الثاني تخرج الغاية (^٢). والمعنى اغسلوا أيديكم، واتركوا منها إلى المرافق.
"فإن قطعت" يده (^٣) "من المرفق" بأن سل عظم الذراع، وبقي العظمتان المسميان برأس العضد"وجب غسل رأس العضد" لأنه من المرفق بناء على أنه مجموع العظمات، والإبرة الداخلة بينهما لا الإبرة، وحدها"وندب غسل باقيه" أي العضد فلو قطعت من تحت المرفق، وجب غسل الباقي كما صرح به الأصل، وندب غسل العضد كما فهما معا بالأولى من الصورة السابقة، والتصريح يندب غسل الباقي فيها من زيادة المصنف"كأن قطع من فوقه" فإنه يندب غسل باقي عضده لئلا يخلو العضو عن طهارة:
_________________
(١) = ولو قيل إلى الكعاب لفهم منه أن الواجب لكل رجل كعب واحد فذكر الكعبين بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل رجل، فإن قيل فعلى هذا يلزم أن لا يجب إلا غسل يد واحدة ورجل واحدة قلنا صدنا عنه فعل النبي ﷺ وإجماع الأمة.
(٢) "قوله: بقرينتي الإجماع والاحتياط" أي لا لكونها إذا كانت من جنس ما قبلها تدخل كما قيل لعدم اطراده كما قال التفتازاني وغيره، فإنها قد تدخل كما في نحو قرأت القرآن إلى آخره وقد لا تدخل كما في نحو قرأت القرآن إلى سورة كذا ش.
(٣) "قوله: وعلى الثاني تخرج الغاية إلخ"، وللاستدلال طريقة أخرى ذكرها المتولي وهي أنه لو اقتصر على قوله ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ لوجب غسل الجميع فلما قال ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أخرج البعض عن الوجوب فما تحققنا خروجه تركناه وما شككنا فيه أوجبناه احتياطا للعبادة.
(٤) "قوله: فإن قطعت يده" أنثها لأن ما ثني في الإنسان من الأعضاء كاليد والعين والأذن فهو مؤنث بخلاف الأنف والقلب ونحوهما.
[ ١ / ٩٣ ]
ولتطويل التحجيل كالسليم، وإنما لم يسقط التابع بسقوط المتبوع كرواتب الفرائض أيام الجنون لأن سقوط المتبوع ثم رخصة فالتابع أولى به، وسقوطه هنا ليس رخصة بل لتعذره فحسن الإتيان بالتابع محافظة على العبادة بقدر الإمكان كإمرار المحرم الموسى على رأسه عند عدم شعره، ولأن التابع ثم شرع تكملة لنقص المتبوع فإذا لم يكن متبوع فلا تكملة بخلافه هنا ليس تكملة للمتبوع لأنه كامل بالمشاهدة فتعين أن يكون مطلوبا لنفسه (^١)، وإن قطع من منكبه ندب غسل محل القطع بالماء كما نص عليه الشافعي، وجرى عليه الشيخ أبو حامد، وغيره.
"ويجب غسل شعر عليهما" أي اليدين ظاهرا أو باطنا"وإن كثف" لندرته"و" غسل"ظفر، وإن طال و" غسل"يد زائدة إن نبتت بمحل الفرض"، ولو من المرفق كأصبع زائدة، وسلعة سواء أجاوزت الأصلية أم لا"وإلا" (^٢) أي وإن نبتت بغير محل الفرض"غسل" وجوبا"ما حاذى" منها"محله" لوقوع اسم اليد عليه مع محاذاته لمحل الفرض (^٣) بخلاف ما لم يحاذه إلا إذا لم تتميز الزائدة كما سيأتي.
"و" تجري هذه الأحكام كلها"في الرجلين كذلك" أي كجريانها في اليدين، ولو أخر هذا عما يأتي من الأحكام المشترك فيها اليدان، والرجلان كان
_________________
(١) "قوله فتعين أن يكون مطلوبا لنفسه" لو امتنع غسل الوجه لعلة به، وما جاوره صحيح لم يستحب غسله للغرة كما صرح به الإمام ونقله في المطلب وأقره لأنه تابع لغسل الوجه فسقط لسقوطه، وفرق بين مسألة اليد والوجه بأن فرض الرأس المسح وهو باق عند تعذر غسل الوجه واستحباب مسح العنق والأذنين باق بحاله، فإذا لم يستحب غسل ذلك لم يخل المحل المطلوب عن الطهارة ولا كذلك في مسألة اليد. ا هـ. ويأتي ما ذكره الإمام فيما لو تعذر غسل يديه أو رجليه إلى المرفق والكعب لعلة ويوجه بأن سقوط وجوب الغسل حينئذ رخصة فسقط تابعه مثل ما مر قال شيخنا هذا والأوجه عدم السقوط فيهما.
(٢) "قوله: وإلا" مركبة من إن الشرطية ولا النافية المحذوف مدخولهما وليست حرف استثناء كما قيل وإلا لم تجتمع مع الواو العاطفة ولم يكن للفاء بعدها مساغ.
(٣) "قوله: مع محاذاته لمحل الفرض" لو أبين ساعد اليد الأصلية من المرفق أو من فوقه فظاهر وجوب غسل المحاذي لمحل الفرض قبل الإبانة من الزائدة ويحتمل عدم وجوبه في الثانية ك.
[ ١ / ٩٤ ]
أولى"فإن لم تتميز الناقصة" يعني الزائدة عن الأصلية بأن كانتا أصليتين أو إحداهما زائدة، ولم تتميز"بفحش قصر، ونقص أصابع، وضعف بطش، ونحوه" أي نحو كل منها"غسلهما" وجوبا سواء أخرجتا من المنكب أم من غيره، وليتحقق إتيانه بالفرض بخلاف نظيره من السرقة بقطع إحداهما فقط كما سيأتي في بابها لأن الوضوء مبناه على الاحتياط لأنه عبادة والحد على الدرء لأنه عقوبة.
"وإن تدلت جلدة العضد منه لم يجب غسلها" أي غسل شيء منها لا المحاذي، ولا غيره لأن اسم اليد لا يقع عليها مع خروجها عن محل الفرض"أو" تقلصت"جلدة الذراع منه، وجب" غسلها لأنها منه"أو" تدلت"جلدة أحدهما من الآخر" بأن تقلعت من أحدهما، وبلغ التقلع إلى الآخر ثم تدلت منه"فالاعتبار بما تدلت منه" أي بما انتهى إليه تقلعها لا بمأمنه تقلعها فيجب غسلها فيما إذا بلغ تقلعها من العضد إلى الذراع دون ما إذا بلغ من الذراع إلى العضد لأنها صارت جزءا من محل الفرض في الأول دون الثاني.
"فإن التصقت" بعد تقلعها من أحدهما"بالآخر، وجب غسل محاذي الفرض" منها دون غيره ثم إن تجافت عنه لزمه غسل ما تحتها أيضا لندرته بخلاف ما تحت كثيف لحية الرجل، وإن سترته اكتفى بغسل ظاهرها، ولا يلزمه فتقها فلو غسله ثم زالت لزمه غسل ما طهر من تحتها لأن الاقتصار على ظاهرها كان للضرورة، وقد زالت بخلاف ما تحت اللحية إذا حلقت لأن غسل باطنها كان ممكنا، وإنما كان عليه غسل الظاهر، وقد فعله، وقوله من زيادته، وإن تدلت جلدة إلخ ذكره في المجموع، وغيره.
"وإن توضأ فقطعت" يده"أو تثقبت لم يجب غسل ما ظهر" لأن ذلك ليس ببدل عما تحته بخلاف الخف"إلا لحدث" فيجب غسل ذلك كالظاهر أصالة، وخرج بما ظهر ما لو كان للثقب غور في اللحم فلا يلزمه غسل باطنه مطلقا كما لا يلزم المرأة إلا غسل ما ظهر منها بالاقتضاض نقله في المجموع في صفة الغسل عن الجويني، وأقره".
[ ١ / ٩٥ ]
والعاجز" عن الوضوء لقطع يده أو نحوه"يستأجر" وجوبا"موضئا" أي من يوضئه"بأجرة مثل" فاضلة عن قضاء دينه، وكفايته، وكفاية مؤنة يومه، وليلته كما يلزم فاقد الماء شراؤه بثمن المثل، والمراد كما في الأصل أنه يلزمه تحصيل من يوضئه متبرعا أو بأجرة (^١) مثل كما ذكر"فإن تعذر" عليه ذلك"تيمم" لعجزه عن استعمال الماء"وأعاد" ما صلاه به لندرة ذلك الفرض.
"الرابع مسح الرأس" قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وروى مسلم أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى عمامته (^٢).
"ويجزئه" المسح"ولو بعض شعرة"، واحدة، ولو"بعود لا ما خرج" من الشعر، ولو"بالمد" إلى جهة سفله (^٣) "عن الحد" أي حد الرأس فلا يكفي المسح عليه، ويكفي تقصيره في الحج لتعلق فرضه بشعر الرأس، وهو صادق بالخارج، وفرض المسح بالرأس، وهو ما ترأس، وعلا، والخارج لا يسمى رأسا"أو قدره" أي قدر بعض شعره"من البشرة، ولو من ذي رأسين" فيكفي مسح بعض أحدهما، واكتفى بمسح البعض فيما ذكر لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه، ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية، وهي الشعر الذي بين النزعتين، والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب، ويمنع وجوب التقدير بالربع
_________________
(١) "قوله: من يوضئه متبرعا أو بأجرة إلخ" قال في الكفاية والنية تكون من الآذن كما ستعرفه في التيمم وصرح به هنا الشاشي في كتابه المسمى بالترغيب لأنه المتعبد ولا مشقة عليه بخلاف الحج فإن العبرة فيه بنية المأذون له ح.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الرجل يوضئ صاحبه، حديث ١٨٢ ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، حديث ٢٧٤.
(٣) "قوله: إلى جهة سفله" أي الرقبة والمنكبين والوجه، وهي جهة النزول قال أبو زرعة معناه أن الشعر الكائن في حد الرأس الذي لو مد لخرج عن حده إنما لا يجزئ مسحه إذا كان في جهة الرقبة والمنكبين فإن كان في مقدم الرأس جاز المسح عليه وإن كان بحيث لو مد لخرج عن الرأس لأن تلك الجهة ليست محلا لاسترسال الشعر فاغتفر فيها ذلك وقوله قال أبو زرعة قال شيخنا هو ضعيف.
[ ١ / ٩٦ ]
أو أكثر لأنها دونه، والباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض (^١) أو على غيره كما في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٩] تكون للإلصاق.
وإنما، وجب التعميم في التيمم مع أن آياته كالآية هنا لثبوت ذلك بالسنة، ولأنه بدل فاعتبر مبدله، ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه، وأما عدم وجوبه في الخف فللإجماع، ولأن التعميم يفسده مع أن مسحه مبني على التخفيف لجوازه مع القدرة على الغسل بخلاف التيمم، والرأس مذكر"ولو قطر الماء" على رأسه"أو، وضع يده" المبتلة عليه"أو تعرض للمطر ناويا" المسح"ولم يمسح" بالماء في شيء منها"أجزأه" لحصول المقصود من وصول البلل إليه، والتصريح بالثالثة من زيادته، واعتباره النية فيها تبع فيه الشيخ أبا حامد وغيره.
وقضية المذهب أنها لا تعتبر (^٢) "ولو غسله لم يكره" لأنه الأصل إذ به تحصل النظافة"ولم يستحب" لأنه ترك ما يشبه الرخصة بخلاف الخف يكره غسله كما سيأتي لأنه يعيبه فعلم أن الغسل كاف لأنه مسح، وزيادة فالواجب مسحه أو غسله على نظير ما يأتي في غسل الرجلين، "ويجزئ مسح ببرد، وثلج لا يذوبان" لحصول المقصود به"و" يجزئ"غسل" بهما"إن ذابا، وجريا على العضو" لذلك، والتصريح بهاتين من زيادته"وإن حلق" رأسه بعد مسحه"لم بعده" أي المسح لما مر في قطع يده.
"الفرض الخامس غسل الرجلين مع الكعبين" من كل رجل، وهما العظمتان الناتئان عند مفصل الساق، والقدم قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قرئ بالنصب، وبالجر عطفا على الوجوه (^٣) لفظا في
_________________
(١) "قوله: تكون للتبعيض" نقل ابن هشام التبعيض عن الأصمعي والفارسي والقتيبي وابن مالك والكوفيين وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾.
(٢) "قوله: وقضية المذهب أنها لا تعتبر" ليس كذلك بل قضية المذهب اعتبارها إذ هو نظير ما تقدم من أنه لو انغسل بعض أعضاء من نوى بسقطة في ماء أو غسلها فضولي ونيته عازبة لم يجزه.
(٣) "قوله: عطفا على الوجوه إلخ" ويجوز عطف قراءة الجر على الرءوس وبحمل المسح على مسح الخف أو على الغسل الخفيف الذي تسميه العرب مسحا وعبر به في الأرجل طلبا =
[ ١ / ٩٧ ]
الأول، ومعنى في الثاني لجره على الجوار، ودل على دخول الكعبين في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه، وقد مر، وعلى أنهما العظمتان المذكور أن قول النعمان بن بشير "لما أمر النبي ﷺ بإقامة الصفوف فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب أخيه، وكعبه بكعبه" (^١) رواه ابنا خزيمة، وحبان، ورواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم، ولا يجب غسل الرجلين عينا في حق لابس الخف بل إما هو، وهو الأفضل لأصالته، ولمواظبة النبي ﷺ غالبا"أو مسح الخف" (^٢)، وسيأتي بيانه.
"السادس الترتيب" في أفعاله لفعله ﷺ المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم، وغيره، ولقوله ﷺ في حجته: "ابدءوا بما بدأ الله به" (^٣) رواه النسائي بإسناد صحيح، والعبرة بعموم اللفظ، ولأنه تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات وتفريق المتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة، وهي هنا وجوب الترتيب (^٤) لا ندبه بقرينة الأمر في الخبر، ولأن الآية بيان (^٥) للوضوء الواجب، وقدم
_________________
(١) = للاقتصار ولأنها مظنة الإسراف لغسلها بالصب عليها وتجعل الباء المقدرة على هذا للإلصاق والحامل على ذلك الجمع بين القراءتين والأخبار الصحيحة الظاهرة في إيجاب الغسل.
(٢) رواه ابن حبان ٥/ ٥٤٩، حديث ٢١٧٦، وابن خزيمة ١/ ٨٢ حديث ١٦٠، وأورده البخاري تعليقا.
(٣) "قوله: أو مسح الخف" يجب مسح الخف إذا كان لابسا في ست مسائل، الأولى وجد ماء لا يكفيه إن غسل ويكفيه إن مسح، الثانية انصب ماؤه عند غسل الرجلين ووجد بردا لا يذوب يمسح به، الثالثة ضاق الوقت ولو اشتغل بالغسل لخرج الوقت الرابعة خشي أن يرفع الإمام رأسه من ركوع ثانية الجمعة لو غسل الخامسة تعين عليه الصلاة على ميت وخيف انفجاره لو غسل السادسة خشي فوات وقوف عرفة لو غسل.
(٤) رواه مسلم كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، حديث ١٢١٨، ورواه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، حديث ٨٦٢، ورواه النسائي، كتاب مناسك الحج، باب ذكر الصفا والمروة حديث ٢٩٦٩.
(٥) "قوله: وهي هنا وجوب الترتيب" قال شيخنا وأيضا فعادة العرب ذكر الأقرب فالأقرب فاللائق بعادتهم ذكر الرأس بعد الوجه لقربه اليدين ثم الرجلين فتقديم اليدين على الرأس إشارة للترتيب.
(٦) "قوله: ولأن الآية إلخ" ولأنه ﷺ قال بعد أن توضأ مرتبا: "هذا وضوء لا يقبل الله =
[ ١ / ٩٨ ]
الوجه لشرفه ثم اليدان لأنهما بارزتان، ويعمل بهما غالبا بخلاف الرأس، والرجلين ثم الرأس لشرفه قاله القفال"فلو عكس" بأن تركه، ولو"ساهيا أو، وضأه أربعة بأمره دفعة حصل الوجه" أي غسله"فقط" بقيد صرح به من زيادته بقوله"إن نوى عنده" فلا يحصل غيره فإن لم ينو عنده لم يحصل شيء، ولا يعذر بالسهو كما في سائر الأركان، وقوله بأمره المعبر عنه في الأصل بإذنه قيد مضر (^١) فإن غسل الوجه يحصل إذا نوى عنده، وإن لم يأمر، ولم يأذن كما أفهمه كلامه فيما مر في مسألة غسل الفضولي"ولو نكس وضوءه أربع مرات أجزأه" لحصول غسل كل عضو في مرة، والتصريح بهذا من زيادته.
"ولو اغتسل محدث بنية" رفع"الحدث" (^٢) أو نحوه، ولو متعمدا"أو" بنية رفع"الجنابة" أو نحوها"غالطا، ورتب" فيهما"أو انغمس" بنية ما ذكر (^٣)، ولو مبتدئا بأسافله"أجزأه" عن الوضوء"ولو لم يمكث" في الانغماس زمنا يمكن فيه الترتيب لأن الغسل يكفي للأكبر فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات لطيفة خلافا للرافعي في قوله إنما يجزئه إن مكث، ولو أغفل لمعة من غير أعضاء الوضوء قطع القاضي بأنه لا يكفي، وهو على الراجح ممنوع (^٤)، وعلى
_________________
(١) = الصلاة إلا به" أي بمثله رواه البخاري ولأن الوضوء عبادة ترجع في حال العذر إلى نصفها فوجب فيها الترتيب كالصلاة.
(٢) "قوله: قيد مضر" ليس كذلك لأنه يفهم عدم حصول ما عدا الوجه المشار إليه بقول المصنف فقط ويقول أصله لم يحصل إلا الوجه عند عدمه بطريق الأولى ولأنه محل الخلاف القائل بحصول الجميع ك.
(٣) "قوله: ولو اغتسل محدث بنية رفع الحدث إلخ" قال ابن الصلاح ولو نوى الوضوء بغسله لم أجده منقولا ولا ينبغي أن لا يجزئه لأنه لم يقم الغسل مقام الوضوء وظاهر أن محله إذا لم يمكنه الترتيب حقيقة ش قال شيخنا المعتمد خلاف كلام ابن الصلاح كما جزم به الشارح في شرح المنهج وقوله وظاهر استدراك على عموم كلام ابن الصلاح إن قيل به.
(٤) "قوله: أو انغمس بنية ما ذكر إلخ" ولو في ماء قليل وكتب أيضا قال في الخادم محله إذا كان الماء كثيرا وإلا لكان بارتفاع الحدث عن وجهه مستعملا لكله فلا يجزئه عن غيره.
(٥) "قوله: وهو على الراجح ممنوع" قال شيخنا هو كما قال.
[ ١ / ٩٩ ]
غيره محمول على ما إذا لم يمكث فإن مكث أجزأه، واكتفى بنية الجنابة، ونحوها مع أن المنوي طهر غير مرتب لأن النية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفيا، وإثباتا، وخرج بقوله من زيادته غالطا (^١) ما لو تعمد فلا يجزئه (^٢) لتلاعبه باعتباره الترتيب أو الانغماس ما لو غسل الأسافل قبل الأعالي فلا يجزئه"ولو أحدث، وأجنب" معا أو مرتبا"أجزأه الغسل عنهما" لاندراج الأصغر، وإن لم ينوه في الأكبر لظواهر الأخبار كخبر أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي ثلاثا ثم أفيض على سائر جسدي رواه أحمد، وصححه النووي (^٣)، ولأن وضع الطهارات على التداخل فعلا ونية بدليل أنه إذا اجتمع عليه أحداث كفى فعل واحد ونية واحدة.
"فلو اغتسل إلا رجليه أو إلا يديه" مثلا"ثم أحدث ثم غسلهما" عن الجنابة"توضأ، ولم يجب إعادة غسلهما" لارتفاع حدثهما بغسلهما عن الجنابة، وهذا وضوء خال عن غسل الرجلين أو اليدين، وهما مكشوفتان بلا علة قال ابن القاص، وعن الترتيب وغلطه الأصحاب بأنه غير خال عنه بل لم يجب فيه غسل الرجلين قال في المجموع، وهو إنكار صحيح، ولو غسل بدنه إلا أعضاء الوضوء ثم أحدث لم يجب ترتيبها.
"فصل" في سنن الوضوء"ومن سننه السواك" (^٤)، وهو لغة الدلك، وآلته، وشرعا استعمال عود أو نحوه كأشنان في الأسنان، وما حولها كما
_________________
(١) "قوله: وخرج بقوله من زيادته غالطا إلخ" قال في المجموع ولو نوى المحدث غسل أعضائه الأربعة عن الجنابة غالطا ظانا أنه جنب صح وضوءه.
(٢) "قوله: فلا يجزئه" هذا يدل على ضعف التعليل بكون الغسل أكمل من الوضوء.
(٣) رواه أحمد في مسنده ٤/ ٨١ حديث ١٦٧٩٥.
(٤) "قوله: ومن سننه السواك" قال في الطراز هي نحو خمسين. "فائدة" السواك مطهرة للفم مبيض للأسنان مطيب للنكهة يشد اللثة ويصفي الحلق ويفصح ويفطن ويقطع الرطوبة ويحد البصر ويبطئ بالشيب ويسوي الظهر ويرهب العدو ويهضم الطعام ويغذي الجائع ويضاعف الأجر ويرضي الرب ويذكر الشهادة عند الموت والله أعلم ويسهل خروج الروح وينمي الأموال ويخفف الصداع ويقوي القلب والمعدة وعصب العين.
[ ١ / ١٠٠ ]
سيأتي بيانه، وأحسن بزيادته من لأن السنن لا تنحصر فيما ذكره كأصله"وهو سنة مطلقا" لخبر "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" رواه ابنا خزيمة، وحبان في صحيحيهما، ورواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم، والمطهرة بفتح الميم، وكسرها كل إناء يتطهر به فشبه السواك به لأنه يطهر الفم قاله في المجموع، وقال الجوهري المطهرة، والمطهرة الإداوة، والفتح أعلى، ويقال السواك مطهرة للفم ا هـ. قال أبو الخير القزويني (^١) في كتاب خصائص السواك، ويجب السواك على من أكل الميتة عند الاضطرار لإزالة الدسومة النجسة، ويؤخذ من تعليله أن الواجب إزالتها بسواك أو غيره فلا يجب السواك عينا، وهو ظاهر"ولا يكره" السواك"إلا لصائم بعد (^٢) الزوال" (^٣) لخبر الصحيحين "لخلوف فم الصائم
_________________
(١) أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس رضي الدين أبو الخير القزويني الطالقاني ولد سنة اثنتي عشرة أو إحدى عشرة وخمسمائة قرأ على محمد بن يحي وصار معيد درسه وعلى ملكداد القزويني وقرأ بالروايات على إبراهيم بت عبد الملك القزويني وصنف كتاب البيان في مسائل القرآن ردا على الحلولية والجهمية وصار رئيس الأصحاب وقدم بغداد فوعظ بها وحصل له قبول تام وكان يتكلم يوما وابن الجوزي يوما ويحضر الخليفة من وراء الأستار وتحضر الخلائق والأمم وولي تدريس النظامية ببغداد سنة تسع وستين إلى سنة ثمانين ثم عاد إلى بلده ذكره الإمام الرافعي في الأمالي وقال: كان إماما كثير الخير وافر الحظ من علوم الشرع حفظا وجمعا ونشرا بالتعليم والتذكير والتصنيف. وقال الحافظ عبد العظيم المنذري: وحكى عنه غير واحد أنه كان لسانه لا يزال رطبا من ذكر الله تعالى. توفي بالمحرم سنة تسعين وخمسمائة وقيل سنة تسع وثمانين. انظر طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٢.
(٢) "قوله: ولا يكره إلا للصائم إلخ" إنما كره إزالة الخلوف وجزم إزالة دم الشهيد لأن فيها تفويت فضيلة عليه لم يأذن فيها فليس هو نظير مسألتنا، وإنما نظير إزالة دم الشهيد أن يسوك إنسان صائما بغير إذنه ولا شك في تحريمه ونظير مسألة السواك في الشهيد أن يزيل الدم عن نفسه في مرض يغلب على ظنه الموت فيه بسبب القتال فتفويت المكلف الفضيلة عن نفسه جائز وتفويت غيره لها عليه لا يجوز إلا بإذنه ولأنه لم يعارض ذلك في دم الشهيد شيء عارضه في الصوم تأذيه هو وغيره برائحته فله إزالته لمعارضة هذا المعنى ويكره السواك أيضا لمن يخشى منه أن يدمي لثته وقد أقبل على الصلاة ولا ماء عنده.
(٣) "قوله: بعد الزوال" قال الأذرعي يظهر كراهته للصائم قبل الزوال إذا كان يدمي فمه لمرض في لثته ويخشى لفاطر منه ولغيره حيث لا يجد ماء يغسل به فمه بل لا يجوز إذا ضاق =
[ ١ / ١٠١ ]
أطيب عند الله من ريح المسك" (^١)، والخلوف بضم الخاء تغير رائحة الفم، والمراد الخلوف بعد الزوال لخبر "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا ثم قال، وأما الثانية فإنهم يمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك" رواه السمعاني، وقال حديث حسن كما ذكره في المجموع عن حكاية ابن الصلاح، والمساء بعد الزوال، وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه فكرهت إزالته فيما ذكر، وقيل لا تكره، واختاره في المجموع على ما، وقع في بعض نسخه، وصحح فيه ما اقتضاه كلامهم أن الكراهة تزول بالغروب، والمعنى في اختصاصها بما بعد الزوال (^٢) إن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ قاله الرافعي.
"ويتأكد" السواك"لكل وضوء"، وإن لم يصل به لخبر لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (^٣) أي أمر إيجاب، وفي رواية
_________________
(١) = الوقت ولا ماء عنده إذا علم ذلك من عادته. "فائدة" وقع خلاف بين الشيخ تقي الدين بن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في أن رائحة المسك للخلوف هل هي في الآخرة فقط أم في الدنيا والآخرة، وصنف كل منهما في ذلك تصنيفا فقال ابن عبد السلام بالأول لما في رواية مسلم لخلوف فم الصائم عند الله يوم القيامة، وقال ابن الصلاح بالثاني لحديث السمعاني ولقوله ﵇: "لخلوف فم الصائم حين يخلف" روى هذه الرواية ابن حبان في صحيحه ويخلف بفتح الياء وضم اللام ج، وفي الإعجاز أنه لو لم يتفق له الفطر فأصبح صائما كره له السواك قبل الزوال وبعده وجزم به في الأنوار وقوله فقال ابن عبد السلام بالأول قال شيخنا أي فيكون ثواب ريح الخلوف أكثر من ثواب ريح دم الشهادة أما نفس زهوق الروح بالشهادة فليس الكلام فيه وإنما كان أكثر ثوابا لأنه نشأ عن عبادة يبعد فيها الرياء بخلاف القتال فيشوبه أمور لا تخفى.
(٢) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث ١٨٩٤ ورواه مسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، حديث ١١٥١.
(٣) "قوله: والمعنى في اختصاصها بما بعد الزوال إلخ" التقييد بما بعد الزوال للاحتراز عما قبله فإنه لا يكره لحديث السمعاني ولأن التغير إذ ذاك يكون من أثر الطعام وبعد الزوال يكون بسبب الصيام فهو المشهود له بالطيب هكذا ذكره الرافعي وغيره ويلزم منه أن يفرقوا بين من يتسحر وبين من لم يتسحر وبين من يتناول بالليل شيئا وبين غيره ولهذا قال الطبري في شرح التنبيه لو تغير فمه بعد الزوال بسبب آخر كنوم أو وصول شيء كريه الريح إلى فمه فاستاك لذلك لم يكره ج.
(٤) رواه النسائي في السنن الكبرى ٢/ ١٩٦ حديث ٣٠٣٤، ورواه ابن خزيمة ١/ ٧٣ =
[ ١ / ١٠٢ ]
لفرضت عليهم السواك (^١) رواه ابن خزيمة، والحاكم، وصححاه.
"و" لكل"صلاة" (^٢)، ولو نفلا لخبر الصحيحين لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (^٣) أي أمر إيجاب، ولخبر ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بلا سواك (^٤) رواه الحميدي بإسناد جيد فإن قلت حاصله أن صلاة به أفضل من خمس وثلاثين بدونه، وقضيته مع خبر صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته منفردا خمسا، وعشرين ضعفا (^٥) أن السواك للصلاة أفضل من الجماعة لها فتكون السنة أفضل من الفرض، وهو خلاف المشهور قلت هذا الخبر لا يقاوم خبر صلاة الجماعة في الصحة، ولو سلم فيجاب بأن السواك أفضل لكثرة آثاره، ومنها تعدي نفعه من طيب الرائحة إلى الغير بخلاف نفع الجماعة، وقد تفضل السنة الفرض كما في ابتداء السلام مع رده، وإبراء المعسر مما في ذمته مع الصبر عليه إلى اليسار أو يحمل خبر صلاة الجماعة (^٦) على ما إذا كانت صلاتها، وصلاة الانفراد بسواك أو بدونه.
_________________
(١) = حديث ١٤٠.
(٢) انظر السابق.
(٣) "قوله: ولكل صلاة" لا فرق في هذا الاستحباب كما قاله في شرح المهذب بين أن يصلي بالوضوء أو بالتيمم أو بلا طهارة بالكلية كفاقد الطهورين ولا بين أن يصلي الفرض أو النفل حتى لو أراد أن يصلي صلاة ذات تسليمات كالضحى والتراويح والتهجد ونحوها استحب أن يستاك لكل ركعتين وإطلاق المصنف يقتضي أن صلاة الجنازة كغيرها وهو صحيح.
(٤) رواه البخاري، كتاب التمني، باب ما يجوز من …، حديث ٧٢٤٠ ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، حديث ٢٤٦ ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك حديث ٢٥٢.
(٥) ضعيف: انظر الضعيفة للألباني ٤/ ١٥٠٣.
(٦) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل الجماعة، حديث ٦٤٧، ورواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، حديث ٦٤٩.
(٧) "قوله: أو بحمل خبر صلاة الجماعة إلخ" معنى قول شيخنا بحمل خبر صلاة الجماعة إلخ أن صلاة الجماعة تضعف على صلاة المنفرد خمسا وعشرين ضعفا حيث اتفقتا في وجود السواك =
[ ١ / ١٠٣ ]
والخبر الآخر ما إذا كانت صلاة الجماعة بسواك، والأخرى بدونه فصلاة الجماعة بسواك أفضل منها بدونه بعشر فعليه صلاة الجماعة بلا سواك تفضل صلاة المنفرد بسواك بخمسة عشر.
"و" لكل"طواف، وسجود شكر" أو تلاوة كالصلاة، وهذا من زيادته، وهو المتجه في المهمات، وقد يقال لعل الأصحاب أدرجوا الاستياك لذلك في الاستياك للصلاة تسمية الشارع للطواف صلاة، ولصدق ضابط الصلاة في الأخيرين بأنها أفعال، وأقوال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم عليهما في الجملة ثم ما قيل في سجود التلاوة يظهر أن محله في غير القارئ الذي استاك لقراءته أما فيه فينبغي أن يكتفي باستياكه للقراءة كنظيره من الغسل للوقوف بعرفة مع (^١) الغسل بمزدلفة، وإن لم يكتف به فليستحب (^٢) لقراءته أيضا بعد السجود"، وقراءة" (^٣) لقرآن أو حديث بل أو علم شرعي فيما يظهر تعظيما له فتعبيره بذلك أعم من تعبير الأصل بقراءة القرآن"وصفرة أسنان"، وإن لم يتغير الفم، ولو قال وتغير أسنان كان أعم"وتغير فم" بنوم أو غيره. "وعند يقظة" من نوم لخبر الصحيحين أنه ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك (^٤).
_________________
(١) = فيهما أو انتفائه فيهما ومعنى قوله والخبر الآخر إلخ أنه محمول على صلاة ركعتين بسواك في جماعة فضلتا على صلاة ركعتين بلا جماعة ولا سواك فللجماعة من ذلك خمسة وعشرون في كل ركعة وللسواك عشرة في كل ركعة ومعنى قوله فصلاة الجماعة بسواك أفضل منها بدونه بعشر أن صلاة الجماعة بسواك أفضل منها بلا سواك بعشر وهي الباقية في مقابلة السواك من خمسة وثلاثين بعد الخمسة والعشرين التي في مقابلة الجماعة ومعنى قوله فعليه صلاة الجماعة بلا سواك تفضل صلاة المنفرد بسواك بخمسة عشر أن الخمسة عشر هي الباقية من الخمسة والعشرين التي للجماعة بعد إسقاط عشر منها للسواك وكتب أيضا الجواب المعتمد تفضيل صلاة الجماعة وإن قلنا بسنيتها على صلاة المنفرد بسواك لكثرة الفوائد المترتبة عليها إذ هي سبع وعشرون فائدة.
(٢) "قوله: كنظيره من الغسل للوقوف بعرفة إلخ" الفرق بينهما واضح.
(٣) "قوله: وإن لم يكتف به فليستحب" أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: لقراءة" أو حديث أو ذكر.
(٥) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب السواك، حديث ٢٥٥.
[ ١ / ١٠٤ ]
أي يدلكه به، وقيس بالنوم غيره بجامع التغير.
"و" عند"دخول منزل" لخبر مسلم "أنه ﷺ كان إذا دخل البيت بدأ بالسواك" (^١) قال الشيخ أبو حامد، وعند الأكل، وعند إرادة النوم قال الزركشي، وبعد الوتر، وفي السحر كما قاله ابن عبد البر، وللصائم قبل أوان الخلوف كما يسن التطيب قبل الإحرام كما ذكره الإمام في كتاب الحج، وعند الاحتضار كما دل عليه خبر الصحيحين، ويقال إنه يسهل خروج الروح. ا هـ.
ويسن له إذا أراد أن يستاك ثانيا أن يغسل سواكه إن حصل عليه، وسخ أو ريح أو نحوه ذكره في المجموع"ولينو به" أي بالسواك"السنة" (^٢) لخبر إنما الأعمال بالنيات (^٣) نعم الاستياك للوضوء إذا وقع بعد نيته لا يحتاج إلى نية لشمول نية الوضوء له كسائر سننه"ويعوده" ندبا"الصبي" ليألفه"ويحصل" السواك"بكل مزيل" (^٤) للوسخ"كخرقة، وأصبع خشنين لا أصبعه" المتصلة به، ولو خشنة قالوا لأنها لا تسمى سواكا لأنها جزء منه (^٥)، واختار في المجموع تبعا للروياني، وغيره أن الخشنة تكفي لحصول المقصود بها، وتعبير المصنف بما قاله أولى من تعبير الأصل بأصبع فإن انفصلت قال في المهمات إن قلنا بطهارتها اتجه الإجزاء، وإن كان دفنها، واجبا فورا، وإن قلنا بنجاستها ففي الإجزاء نظر يجري في كل آلة نجسة، ولا يبعد الإجزاء، ووجوب غسل الفم للنجاسة، وإن عصى باستعمالها، واعترض عليه بأنها كما لا
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، حديث ٢٥٣.
(٢) "قوله: ولينو به السنة" يستحب أن يسمي قبل السواك إذا بدأ به وحسن أن يسمي ثانيا عند غسل الكفين ع.
(٣) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، حديث ١، ورواه مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات … "، حديث ١٩٠٧.
(٤) "قوله: بكل مزيل" أي طاهر.
(٥) "قوله: لأنها جزء منه" واعلم أن لهذه المسألة نظائر منها ما لو استنجى بيده لم يصح ولو ستر عورته بيده أو بيد غيره أو ستر رأسه في الإحرام باليد جاز وكذا لو سجد على يد غيره لا على يده والله أعلم.
[ ١ / ١٠٥ ]
تجزئ في الاستنجاء لا تجزئ هنا (^١) بجامع الإزالة (^٢)، ويجاب بأن الاستنجاء بالحجر رخصة، وهي لا تناط بالمعاصي مع أن الغرض منه الإباحة، وهي لا تحصل بالنجاسة بخلاف الاستياك فإنه عزيمة مع أن الغرض منه إزالة الريح الكريهة، وهو حاصل بذلك.
والأصبع تذكر، ويؤنث قاله الجوهري، وهو بتثليث الهمزة والباء، ويقال فيه الأصبوع"وعود و" كونه"من أراك، ونحوه" مما له ريح طيب"ويابس مندى بماء أولى" فالعود أولى من غيره، والأراك، ونحوه أولى من غيره من العيدان، واليابس المندى بالماء أولى من الرطب، ومن اليابس الذي لم يند، ومن اليابس المندى بغير الماء كماء الورد والريق، وقوله ونحوه من زيادته، وقضية كلامه فيه مساواته للأراك، وليس كذلك بل الأراك أولى من (^٣) غيره مطلقا كما اقتضاه كلام الأصل، وصرح به غيره قال ابن مسعود كنت أجتني لرسول الله ﷺ سواكا من أراك (^٤) رواه ابن حبان، وعبارة الأذرعي أولاه العود وأولاه ذو الريح وأولاه الأراك اتباعا ثم بعده النخل فالنخل أولى من غير الأراك كما صرح به في المجموع.
"ويستحب" الاستياك"عرضا" لخبر "إذا استكتم فاستاكوا عرضا" (^٥) رواه أبو داود في مراسيله، والمراد عرض الأسنان ظاهرها، وباطنها"ويجزئ طولا" لحصول المقصود به، وإن كان مكروها لأنه قد يدمي اللثة، ويفسد لحم الأسنان ذكره في المجموع، ونقل الكراهة في الروضة أيضا عن جماعات، والتصريح بالإجزاء مزيد عليها أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولا ذكره ابن
_________________
(١) "قوله: لا تجزئ هنا" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: بجامع الإزالة" لأنها محترمة وقد قال الإمام والاستياك عندي في معنى الاستجمار وأما إذا قلنا بنجاستها فلأنها تنجس الفم وتعاطي تنجس البدن لا لضرورة حرام وأيضا فقد قال ﷺ: "السواك مطهرة للفم" وهذا منجسة للفم.
(٣) "قوله: بل الأراك أولى من غيره مطلقا" أشار إلى تصحيحه.
(٤) رواه ابن حبان في صحيحه ١٥/ ٥٤٦ حديث ٧٠٦٩ وإسناده حسن.
(٥) رواه أبو داود في مراسيله ص ٧٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
دقيق العيد، واستدل له بخبر في سنن أبي داود.
"ويتيامن" به ندبا في اليد، والفم لشرف الأيمن، "ولأنه ﷺ كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله في طهوره، وترجله، وتنعله، وسواكه" (^١) رواه أبو داود، وذكر التيامن في اليد من زيادته، وبه صرح النووي في أذكاره (^٢) "ويمره على" كراسي"أضراسه"، وأطراف أسنانه ليجلوها من التغير بصفرة أو غيرها"و" على"سقف حلقه بلطف" ليزيل الخلوف عنه.
قال في المجموع قال الماوردي أما جلاء أسنانه، وبردها بالمبرد فمكروه لأنه يذيب الأسنان، ويفضي إلى تكسيرها، ولأنها تخشن فتتراكم الصفرة عليها، ولذلك "لعن ﷺ الواشرة، والمستوشرة، والواشرة" (^٣) هي التي تبرد أسنانها بالمبرد، والمستوشرة هي التي تسأل أن يفعل بها ذلك"وبسواك غير" بإذن"كره" الاستياك، وهذا من تصرفه، وعبارة الروضة، وغيرها، ولا بأس أن يستاك بسواك غيره بإذنه بل زاد في المجموع، وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح فالكراهة لا أصل لها"وبلا إذن حرم" (^٤) الاستياك لاستعماله ملك غيره بغير إذنه، والتصريح بهذا من زيادته قال بعضهم، ويقول عند الاستياك اللهم بيض به أسناني، وشد به لثاتي، وثبت به لهاتي، وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين قال في المجموع، وهذا، وإن لم يكن له أصل لا بأس به.
"و" من سنن الوضوء"التسمية" (^٥) أوله لخبر النسائي بإسناد جيد عن أنس قال طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءا فلم يجدوا فقال ﷺ: "هل
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل، حديث ١٦٨ ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب التيمن في الوضوء وغيره، حديث ٢٦٨، ورواه أبو داود، كتاب اللباس، باب في الانتعال، حديث ٤١٤٠.
(٢) "قوله: وبه صرح النووي في أذكاره" أي في باب اللباس وعدها مع ما يفعل باليد اليمنى وبمثله أجاب في المطلب ج.
(٣) "قوله: والواشرة إلخ" قاله الحكيم الترمذي.
(٤) "قوله: وبسواك غيره بإذن كره وبلا إذن حرم" ويجزئه في الحالين.
(٥) "قوله: ومن سنن الوضوء التسمية" قال الأذرعي ويشبه أنه لو كان عاصيا بالفعل =
[ ١ / ١٠٧ ]
مع أحد منكم ماء فأتي بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء ثم قال: "توضئوا بسم الله" فرأيت الماء يفور من بين أصابعه حتى توضئوا نحو سبعين (^١) رجلا" (^٢)، وقوله بسم الله أي قائلين ذلك، وإنما لم تجب لآية الوضوء المبينة لواجباته، ولقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (^٣) رواه الترمذي، وحسنه، وليس فيما أمر الله تسمية، وأما خبر "لا وضوء لمن لم يسم الله عليه" (^٤) فضعيف أو محمول على الكامل، وأقلها بسم الله، وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم زاد الغزالي بعدها في بداية الهداية رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون، وحكى المحب الطبري (^٥) عن بعضهم التعوذ قبلها"وتستحب لكل أمر ذي بال" أي حال يهتم به من عبادة، وغيرها حتى الجماع للتبرك بها، ولعموم خبر "كل أمر ذي بال" (^٦)، وروى الشيخان خبر "لو
_________________
(١) = كالوضوء بالماء المغصوب أنه لا تسن التسمية ورأيت عن أصحاب أبي حنيفة أنه تحرم التسمية عند أكل الحرام أو شربه ولم أر لأصحابنا في ذلك كلاما ويظهر التحريم عند كل فعل أو قول محرم ووجهه ظاهر انتهى، وقال في العباب وتكره لمحرم أو مكروه وقوله ويظهر التحريم أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: حتى توضأ نحو سبعين رجلا" أكثر أهل العلم على أن الماء ينبع من نفس أصابعه قال ابن العربي في القبس ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ خصيصة له لم تكن لأحد قبله انتهى ومنه يؤخذ أنه أفضل من ماء زمزم والكوثر.
(٣) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة، حديث ١٦٩، ورواه مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ حديث ٢٢٧٩، ورواه النسائي بلفظه، كتاب الطهارة، باب التسمية عند الوضوء، حديث ٧٨.
(٤) صحيح: الترمذي ٢/ ١٠٠، حديث ٣٠٢.
(٥) ضعيف: انظر الضعيفة للألباني ٥/ ٢٠٦٠.
(٦) المحب الطبري: هو أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد محب الدين الطبري، حافظ فقيه متفنن في العلوم، ولد بـ مكة سنة ٦١٥ هـ وكان شيخ حرمها. قال عنه الذهبي: الفقيه الزاهد المحدث كان شيخ الشافعية ومحدث المجاز. صنف المصنفات المفيدة منها الأحكام والرياض النضرة في مناقب العشرة، والقرى لقاصد أم القرى وغير ذلك. توفي ﵀ بمكة سنة ٦٩٤ هـ انظر ترجمته في: البداية والنهاية ٧/ ٣٤٩ وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١/١٦٢، والأعلام ١/ ١٥٩.
(٧) سبق تخريجه.
[ ١ / ١٠٨ ]
أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا (^١) " "فإن تركها أول طعام أو وضوء" عمدا أو سهوا"تداركها" في الأثناء فيقول بسم الله أوله، وآخره لخبر "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل بسم الله أوله، وآخره" رواه الترمذي، وقال حسن صحيح (^٢). ويقاس بالأكل الوضوء، وبالنسيان العمد، ولا يأتي بها بعد فراغ الوضوء كما في المجموع لفوات محلها، والظاهر أنه يأتي بها بعد فراغ الأكل ليقيء الشيطان ما أكله قال الأذرعي، وينبغي أنه إذا ترك السواك في أوله أن يأتي به في أثنائه كالتسمية وأولى.
"و" من سننه"غسل الكعبين قبل المضمضة"، وإن لم يشك في طهارة يده للاتباع رواه الشيخان (^٣) "و" لكن"كره لقائم من نوم" إن شك في طهارة يده "وشاك في طهارة يده" (^٤)، ولو بغير نوم"غمسها في" ماء"قليل"، وفي سائر المائعات، وإن كثرت"قبل غسلها ثلاثا" (^٥) لخبر "إذا استيقظ أحدكم من
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله، حديث ٥١٦٥ ورواه مسلم، كتاب النكاح، باب ما يستحب أن يقول الرجل عند الجماع، حديث ١٤٣٤.
(٢) صحيح: رواه أبو داود ٣/ ٣٧٤ كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام، حديث ٣٧٦٧، والترمذي ٤/ ٢٨٨ كتاب الأطعمة، باب ما جاء في التسمية على الطعام، حديث ١٨٥٨. وابن ماجه ٢/ ١٠٨٦ حديث ٣٢٦٤.
(٣) لعله يشبر إلى الحديث الذي رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء، حديث ١٦٤ بإسناده عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق … الحديث. ورواه مسلم أيضا، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، وكماله، حديث ٢٢٦.
(٤) "قوله: وشاك في طهارة يده إلخ" خرج بقوله شاك في طهارة يده من تيقن نجاستهما فإنه يحرم عليه غمسهما قبل غسلهما والفرق بين هذه وبين كراهة البول في الماء القليل حصول تنجس ما كان طاهرا من يديه بإدخالهما المذكور بخلاف البول.
(٥) "قوله: قبل غسلهما ثلاثا" وهنا شيء لم أر له ذكرا وهو أنه لو كان الشك في نجاسة كلبية =
[ ١ / ١٠٩ ]
نومه" (^١) السابق في باب النجاسة أشار بما علل به فيه إلى احتمال نجاسة اليد في النوم كأن تقع على محل الاستنجاء بالحجر لأنهم كانوا يستنجون به فيحصل لهم التردد، ويلحق بالتردد بالنوم التردد بغيره، وأفهم كلامه أن هذه الثلاث هي الثلاث المندوبة أول الوضوء لكن ندب تقديمها عند الشك على غمس يده، وأن الكراهة لا تزول إلا بغسلها ثلاثا، وهو كذلك للخبر كما صرح به في الروضة، وحكمته أن الشارع إذا غيا حكما بغاية فإنما يخرج من عهدته باستيعابها فسقط ما قيل ينبغي زوال الكراهة بواحدة (^٢) لتيقن الطهر بها كما لا كراهة إذا تيقن طهرها ابتداء (^٣). ومن هنا يؤخذ ما بحثه الأذرعي أن محل عدم الكراهة عند تيقن طهرها إذا كان مستند اليقين غسلها ثلاثا فلو غسلها فيما مضى من نجاسة متيقنة أو مشكوكة مرة أو مرتين كره غمسها قبل إكمال الثلاث، وتعبيره بالشك في الطهارة أولى من تعبير الأصل بعدم تيقنها لسلامته من تناوله ما ليس مرادا، وهو تيقن النجاسة لكنه لو ترك قوله من زيادته لقائم من نوم، وقال لشاك إلى آخره كان أولى، وأخصر، والتصريح بقليل من زيادته.
"وإن" كان الإناء كبيرا بحيث لا يمكن أن يصب منه على يده التي شك في طهارتها"ولم يجد ما يغرف به" الماء ليغسلها به"فبثوبه أو فيه" يغرف أو يستعين بغيره.
"ولا يكره لمن تيقن طهر يده" غمسها بل، ولا يسن غسلها قبله فتتأدى
_________________
(١) = فالظاهر أنه لا تزول كراهة الغمس إلا بغسل اليد سبعا بالتراب قبل إدخالها الإناء والحديث وكلام الأصحاب خرج عن غير ذلك ت.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا، حديث ١٦٢، ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك، حديث ٢٧٨.
(٣) "قوله: فسقط ما قيل ينبغي زوال الكراهة إلخ" أجيب بأن عدم الكراهة فيما ذكر يلزم منه استنباط معنى من النص يعود عليه بالإبطال وهو ممتنع وبأن النجاسة قد تكون عينية فأرشد الشارع إلى التثليث احتياطا فتنبه.
(٤) "قوله: إذا تيقن طهرها ابتداء" المذكور هنا إذا تيقن الطهارة في الابتداء فلا كراهة، وفيما تقدم إذا شك في الابتداء فلا تزول تلك الكراهة الثابتة إلا بالغسل على الصفة المأمور بها وهي التثليث غ.
[ ١ / ١١٠ ]
السنة بغسلها في الإناء، وخارجه.
"و" من سننه"مضمضة ثم استنشاق" (^١) للاتباع رواه الشيخان، ولخبر مسلم "ما منكم رجل يمضمض، ويستنشق فيستنثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه" (^٢)، وإنما لم يجبا لما مر في التسمية، وأما خبر "تمضمضوا، واستنشقوا" (^٣) فضعيف"وحصلا بوصول الماء إلى الفم، والأنف إن قدم المضمضة" على الاستنشاق"ولو ابتلعه" أي الماء أو لم يدره فلو أتى بالاستنشاق مع المضمضة أو قدمه عليها أو أتى به فقط لم يحسب لأن الترتيب شرط كترتيب الأركان في صلاة النفل، وتجديد الوضوء، وقد فوته ففائدة ذكر الشرط مع أنه علم من العطف بثم الإعلام بأن التقديم مستحق لا مستحب عكس تقديم اليمنى على اليسرى، وفرق الروياني بأن اليدين مثلا عضوان متفقان اسما، وصورة بخلاف الفم، والأنف فوجب الترتيب بينهما كاليد، والوجه"وكذا ما ترتب" على سبيل الاستحقاق"من السنن" أي من سائرها كغسل الكفين قبل المضمضة، ومسح الأذنين بعد مسح الرأس فإنه إنما يحسب منها ما وقع مرتبا، وهذا مع التصريح بقوله، ولو ابتلعه من زيادته.
_________________
(١) "قوله: ومن سننه مضمضة ثم استنشاق" قال أصحابنا شرع تقديم المضمضة والاستنشاق ليعرف طعم الماء ورائحته انتهى وقضية هذا أنه لو وجد فيه طعم بول أو رائحة لا تكون إلا للنجاسة أنه يحكم بنجاسته وبه صرح البغوي في تعليقه ولا يشكل عليه قولهم لا يحد بريح الخمر لوضوح الفرق وصورة المسألة أن لا يكون بقربه جيفة يحتمل أن يكون ذلك منها ونظيره ما لو رأى في فراشه أو ثوبه منيا لا يحتمل أنه من غيره فإنه يجب عليه الغسل وعبارة الأنوار قال صاحب التهذيب في كتابه التعليق ولو وجد ماء متغيرا وشك في نجاسته فالأصل طهارته فإن توضأ به ووجد فيه طعم بول أو روث أو رائحة لا تكون إلا للنجاسة فهو نجس.
(٢) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة، حديث ٨٣٢. ورواه النسائي ١/ ٩١ حديث ١٤٧، وابن ماجه ١/ ١٠٤ حديث ٢٨٣.
(٣) ضعيف: رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا ١/ ٩٩، وفيه الربيع بن بدر، وهو متروك الحديث، ورواه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا ١/ ١٠٢ وفيه عمرو بن الحصين وابن علاثة وهما ضعيفان.
[ ١ / ١١١ ]
وقضية كلام المجموع أن المؤخر يحسب، وهو الوجه كنظائره في الصلاة (^١)، والوضوء فقول الروضة لو قدم المضمضة والاستنشاق على غسل الكف لم يحسب الكف على الأصح (^٢) معكوس، وصوابه ليوافق ما في المجموع كما قال الإسنوي وغيره لم تحسب المضمضة، والاستنشاق على الأصح أما غسل الكف فيحسب لفعله في محله.
وأجاب بعضهم بأن الابتداء بهما كالابتداء بغسل الوجه فيحسبان دون الكف لأن تقدمه شرط للحكم بحسبانه، وهو مخالف لنظائره من الترتيبات المستحقة (^٣)، ولكلام المجموع المشار إليه، ولا نسلم أن الابتداء بما ذكر كالابتداء بغسل الوجه"وجمعهما" أي المضمضة، والاستنشاق"بثلاث" يتمضمض من كل ثم يستنشق"أفضل" من الفصل بست غرفات أو بغرفتين يتمضمض من واحدة منهما ثلاثا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا، ومن الجمع بغرفة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا أو يتمضمض منها ثم يستنشق مرة ثم
_________________
(١) "قوله: كنظائره في الصلاة والوضوء" قال شيخنا أي في ترتيب الأركان.
(٢) "قوله: لم يحسب الكف على الأصح" أشار إلى تصحيحه وكتب قال في الخادم وإنما لم يحسب الكفان لأنه قد فات محلهما بالشروع في الوجه لأن المضمضة والاستنشاق في الوجه فأشبه ما إذا شرع في القراءة فإنه يفوت دعاء الاستفتاح ووجه الخلاف الذي ذكره البناء على الوجهين فيما لو توضأ مرة ثم أعاد الوضوء ثانيا وثالثا هل يحصل له فضيلة التثليث إن قلنا نعم لم يفت غسل الكفين وإلا فيفوت لأن كل عضو يفوت غسله بالشروع في آخر على هذا الوجه فالوجهان في غسل الكفين هما الوجهان المذكوران فظهر أن المغلط هو الغالط انتهى قال في التعقبات والصواب ما في الروضة انتهى.
(٣) "قوله: وهو مخالف لنظائره من الترتيبات المستحقة إلخ" اتفق أصحابنا على أن المضمضة مقدمة على الاستنشاق سواء جمع أو فصل بغرفة أو غرفات، وفي هذا التقديم وجهان حكاهما الماوردي والشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون أصحهما أنه شرط ولا يحسب الاستنشاق إلا بعد المضمضة لأنهما عضوان مختلفان فاشترط فيهما الترتيب كالوجه واليد والثاني أنه مستحب ويحصل الاستنشاق وإن قدمه على المضمضة كتقديم اليسار على اليمين م وكتب أيضا قدمت المضمضة على الاستنشاق لعظم منافع الفم على منافع الأنف فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين هما قوام الحياة ومحل الذكر الواجب والمندوب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[ ١ / ١١٢ ]
كذلك ثانية، وثالثة للأخبار الصحيحة في ذلك فعلم من كلامه أن السنة تتأدى بالجميع، وأن الأولى أولى، ولو قال، وبثلاث بالواو لأفاد ما صححه في المجموع من أن الجمع مطلقا أفضل من الفصل كذلك.
"و" من سننه"المبالغة فيهما لمفطر" لقوله ﷺ للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" (^١) رواه الترمذي، وصححه، وفي رواية للدولابي في جمعه لحديث الثوري صحح ابن القطان إسنادها إذا توضأت فأبلغ في المضمضة، والاستنشاق ما لم تكن صائما.
أما الصائم فلا تسن له المبالغة بل تكره لخوف الإفطار كما في المجموع، واستشكل بتحريم القبلة إذا خشي الإنزال مع أن العلة في كل منهما خوف الفساد، وأجيب بأن القبلة غير مطلوبة بل داعية لما يضاد الصوم من الإنزال بخلاف المبالغة فيما ذكر، وبأنه هنا يمكنه إطباق الحلق، ومج الماء، وهناك لا يمكنه رد المني إذا خرج لأنه ماء دافق، وبأنه ربما كان في القبلة إفساد لعبادة اثنين (^٢). والمبالغة في المضمضة أن يبلغ بالماء أقصى الحنك، ووجهي الأسنان، واللثات، وفي الاستنشاق أن يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم كما يؤخذ ذلك مع زيادة من قوله"فيمر أصبعه" أي اليسرى كما قاله الإسنوي والأذرعي والزركشي لأن اليمنى يكون فيها بقية الماء إذا جمع"على وجهي أسنانه، ويوصل الماء إلى أقصى الحنك و" إلى"خيشوم الأنف" أي أقصاه، ولو أخر الجملة الأولى عن الثانية كان أولى"ويخرج أذاها" الأولى أذاه أي الأنف"بإصبع اليسرى" أي الخنصر أخذا مما سيأتي في الجنائز، وهذا يسمى الاستنثار، ودليله خبر مسلم السابق، ويسن إدارة الماء في الفم، ومجه، وإذا بالغ غير الصائم في الاستنشاق فلا يستقصي
_________________
(١) صحيح: رواه أبو داود ١/ ٣٥ كتاب الطهارة، باب في الاستنثار، حديث ١٤٢، والترمذي ٣/ ١٥٥ حديث، وابن ماجه ١/ ١٤٢ حديث ٤٠٧. والدارمي في سننه ١/ ١٩١، حديث ٧٠٥. وأحمد ٤/ ٣٣ حديث ١٦٤٣٠، والنسائي في الكبرى ١/ ٨٤ حديث ٩٨.
(٢) "قوله: وبأنه ربما كان في القبلة إفساد لعبادة اثنين" وبأن قليل القبلة يدعو إلى كثيرها بخلاف ماء المضمضة والاستنشاق.
[ ١ / ١١٣ ]
فيصير سعوطا لا استنشاقا ذكره في المجموع.
"و" من سننه"تثليث مغسول (^١)، وممسوح" مفروض، ومسنون للاتباع رواه مسلم وغيره، وروى البخاري "أنه ﷺ توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين" (^٢)، ولو أطلق المصنف التثليث كان أولى ليشمل التخليل، والقول كالتسمية، والتشهد آخره، وتثليث التخليل (^٣) ورواه البيهقي (^٤)، وتثليث القول في التشهد رواه أحمد وابن ماجه، وصرح به الروياني، وزاد المصنف قوله"ويقتصر" وجوبا"على الفرض لضيق وقت" (^٥) عن إدراك الصلاة"وقلة ماء" بحيث لا يكفيه إلا للفرض أو يحتاج إلى الفاضل عنه لعطش، ونقل الأذرعي ذلك عن الجيلي (^٦) إلا حالة كون الماء لا يكفيه إلا للفرض فألحقها بغيرها (^٧)، وعلى ذلك نبه النووي في شرح التنبيه، وسيأتي في مسح الخف أنه
_________________
(١) "قوله: ومن سننه تثليث مغسول إلخ" فلو غسل يده في ماء كثير راكد وحركها حصل التثليث عند القاضي حسين والبغوي وأفتى الشيخ بمخالفتهما رعاية لصورة العدد ولأن الماء قبل الانفصال عن المحل لا يثبت له حكم فلا يحصل العدد به د وقوله وأفت الشيخ أشار إلى تضعيفه.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء مرتين مرتين، حديث ١٥٨ بإسناده عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين.
(٣) رواه البيهقي ١/ ٥٤ حديث ٢٤٩ ولفظه عن عثمان مخلل لحيته ثلاثا ثم قال: "رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت".
(٤) "قوله: رواه البيهقي" أي والدارقطني ج.
(٥) "قوله: ويقتصر وجوبا على الفرض لضيق الوقت" يجب أن يقتصر على واجب الوضوء ليدرك الجمعة.
(٦) الجيلي: هو صائن الدين عبد العزيز بن عبد الكريم الجيلي نسبة إلى جيلان وراء طبرستان. قال عنه الإسنوي: كان عالما مدققا، شرح التنبيه حسنا، خاليا عن الحشو باحثا عن الألفاظ، منبها على الاحترازات، لو ما أفسده من النقول الباطلة ويسمى شرحه هذا الموضع كما أنه شرح الوجيز، توفي ﵀ بعد سنة ٦٢٩ هـ. انظر ترجمته في: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢/٧٤ والأعلام ٤/ ٢١.
(٧) "قوله: فألحقها بغيرها" قال البغوي لو كان معه ماء يكفيه مرة مرة ولو ثلث أو تمضمض واستنشق لم يكفه وجب الاقتصار على مرة ت وقوله قال البغوي إلخ أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١١٤ ]
يكره تكريره قال الزركشي (^١): والظاهر التحاق الجبيرة (^٢) والعمامة إذا كمل بالمسح عليهما بالخف"وتكره الزيادة على الثلاث" (^٣)، والنقص عنها "لأنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: "هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء، وظلم" (^٤) رواه أبو داود، وغيره، وقال في المجموع إنه صحيح قال نقلا عن الأصحاب، وغيرهم، والمعنى فمن زاد على الثلاث أو نقص منها فقد أساء، وظلم في كل من الزيادة والنقص، وقيل أساء في النقص وظلم في الزيادة، وقيل عكسه ثم قال فإن قيل كيف يكون النقص عن الثلاث إساءة وظلما ومكروها وقد ثبت أنه ﷺ فعله فإنه توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين قلنا ذلك كان لبيان الجواز، وكان في ذلك الحال أفضل لأن البيان، واجب.
"ولو شك" في العدد"أخذ بالأقل" عملا باليقين (^٥)، واعترض بأن ذلك ربما يزيد رابعة، وهي بدعة، وترك سنة أسهل من اقتحام بدعة، وأجيب بأنها إنما تكون بدعة إذا علم أنها رابعة"ولا يجزئ تعدد قبل تمام عضو" فلا تحسب الغسلة مرة إلا إذا استوعبته كنظيره فيما مر في إزالة النجاسة.
_________________
(١) "قوله: قال الزركشي" أي كالأذرعي.
(٢) "قوله: والظاهر إلحاق الجبيرة والعمامة إلخ" قال شيخنا هو غير ظاهر لأنه إنما كره تكراره في الخف للخوف عليه من الفساد ولا كذلك العمامة والجبيرة فالأوجه عدم الإلحاق. "قوله: والظاهر التحاق الجبيرة إلخ" اعترض من لم ير سنية تكرار مسح الرأس بأنه مسح واجب فلا يسن تكراره كالتيمم والخفين وأجاب عنه أئمتنا بأنه منقوض بمسح الجبيرة فإنه مسح واجب ويسن تكراره انتهى.
(٣) "قوله: وتكره الزيادة على الثلاث" قال في الخادم ينبغي أن يكون محله ما إذا توضأ بماء مباح أو مملوك له فإن توضأ من ماء موقوف على من يتطهر أو يتوضأ منه كالدارس والربط حرمت الزيادة بلا خلاف لأنها غير مأذون فيها قال شيخنا هو ظاهر متعين.
(٤) رواه أبو داود ١/ ٣٣، كتاب الطهارة، باب الوضوء، ثلاثا ثلاثا، حديث ١٣٥ ورواه النسائي ١/ ٨٨ كتاب الطهارة، باب الاعتداء في الوضوء، حديث ١٤٠. وقال الشيخ الألباني: صحيح، دون قوله: أو نقص.
(٥) "قوله: عملا باليقين" في المفروض وجوبا، وفي المندوب ندبا.
[ ١ / ١١٥ ]
"ولا" يجزئ تعدد"بعد تمام الوضوء" فلو توضأ مرة مرة ثم توضأ ثانيا، وثالثا كذلك لم يحصل التثليث، وهذا من زيادته، والفرق بينه وبين نظيره في المضمضة والاستنشاق أن الوجه، واليد متباعدان فينبغي أن يفرغ من أحدهما ثم ينتقل إلى الآخر، وأما الفم، والأنف فكعضو فجاز تطهيرهما معا كاليدين كذا نقله في المجموع عن الجويني، وأقره، وبه أفتى البارزي (^١) لكن خالف الروياني والفوراني (^٢) وغيرهما فقالوا بحصول ذلك.
"و" من سننه"التخليل لما لا يجب غسله من شعر الوجه بالأصابع من أسفله" "لأنه ﷺ كان يخلل لحيته" (^٣) رواه الترمذي، وصححه، وروى أبو داود "أنه ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته،
_________________
(١) "قوله: وبه أفتى البارزي" قال الأذرعي وهو الأصح قال الروياني إن النبي ﷺ توضأ مرة مرة ثم توضأ مرتين مرتين ثم توضأ ثلاثا ثلاثا قال اعلم أن هذا كان منه ﷺ أفعالا مختلفة في أحوال شتى هذا هو الأقرب ويحتمل أنه كان في حالة واحدة على طريق التعليم لأن هذا بدعة إذا لم يكن على وجه التعليم فإن من توضأ يكره له أن يتوضأ قبل أن يصلي بوضوئه صلاة.
(٢) الفوراني: هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني المروزي، فقيه من علماء الأصول والفروع، كان شيخ الشافعية بمرو ولد بها سنة ٣٨٨ هـ قال الذهبي عنه: له المصنفات الكثيرة في المذهب والأصول والجدل والملل والنحل وطبق الأرض بالتلامذة وله وجوه جيدة بالمذهب. توفي ﵀ بـ مرو سنة ٤٦١ هـ. وكتابه الإبانة اسمه الإبانة عن أحكام فروع الديانة مشهور بين الشافعية ذكر في خطبته أنه يبين الأصح من الأقوال والوجوه وهو من أقدم المبتدئين بهذا الأمر. ومن متعلقاته تتمة الإبانة لتلميذه أبي سعيد عبد الرحمن بن مأمون المعروف المتولي ت ٤٧٨ هـ وتتمة التتمة لأبي الفتوح أسعد بن محمود العجلي ت ٦٠٠ هـ. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٨٠ ووفيات الأعيان ٢/ ٣١٤ والبداية والنهاية ٦/ ٥٧٨ وطبفات ابن قاضي شهبة ١/ ١/٢٤٨ وطبقات ابن هداية الله ص ١٦٢ وكشف الظنون ١/ ٦٧ والأعلام ٣/ ٣٢٦.
(٣) صحيح: رواه الترمذي ١/ ٤٤، كتاب الطهارة، باب ما في تخليل اللحية، حديث ٢٩ بإسناده عن عمار بن ياسر قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته. ورواه ابن ماجه ١/ ١٤٨، حديث ٤٢٩.
[ ١ / ١١٦ ]
وقال: "هكذا أمرني ربي" (^١).
أما ما يجب غسله من ذلك كالخفيف، والكثيف من لحية غير الرجل فيجب إيصال الماء إلى ظاهره، وباطنه، ومنابته بتخليل أو غيره كما علم مما مر، وقوله من أسفله من زيادته، ونقله في المجموع عن السرخسي"لا" إن كان ما ذكر"لمحرم" فلا يسن تخليله لئلا يتساقط، وهذا من زيادته، وذكره المتولي (^٢)، وكلام غيره يقتضي أن المحرم كغيره، واعتمده الزركشي في الخادم بعد نقله كلام المتولي فقال بل السنة تخليلها أي اللحية برفق كما قالوه في تخليل شعر الميت، وكالمضمضة للصائم فإنها سنة مع خوف المفسد، ولهذا لا يبالغ، وقد قال في التهذيب، ويدلك المحرم رأسه في الغسل برفق (^٣) حتى لا ينتتف شعره.
"و" منها"تقديم اليمنى" على اليسار لخبر "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" (^٤) رواه ابنا خزيمة، وحبان في صحيحيهما، ولخبر الصحيحين عن عائشة قالت "كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله أي تسريح شعره، وطهوره، وفي شأنه كله" (^٥) أي مما هو من باب التكريم كاكتحال، ونتف إبط، وحلق رأس، والأيسر لضد ذلك كامتخاط، ودخول خلاء، ونزع ملبوس لما رواه أبو داود، وقال في المجموع إنه صحيح كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره، وطعامه، واليسرى لخلائه، وما كان من أذى (^٦)
_________________
(١) صحيح: رواه أبو داود ١/ ١٣٦، كتاب الطهارة، باب تخليل اللحية، حديث ١٤٥.
(٢) "قوله: وذكره المتولي" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: ويدلك المحرم رأسه في الغسل برفق إلخ" أي لأن إيصال الماء إلى منابته واجب في الحدث الأكبر بخلاف مسألتنا والفرق بين مسألتنا ومسألة المضمضة واضح إذ الانتتاف بالتخليل أقرب من سبق الماء في المضمضة بلا مبالغة.
(٤) صحيح: رواه أبو داود ٤/ ٧٠ كتاب اللباس، باب في الانتعال، حديث ٤١٤١ بلفظ "إذا لبستم وإذا توضاتم فابدءوا بأيامنكم"، وابن ماجه ١/ ١٤١ حديث ٤٠٢. بلفظ "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم".
(٥) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل، حديث ١٦٨، ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره، حديث ٢٦٨.
(٦) صحيح: رواه أبو داود ١/ ٩ كتاب الطهارة، باب كراهية مس الذكر باليمين في =
[ ١ / ١١٧ ]
"لا" اليمين"من الأذنين، والخدين، والكفين" فلا يسن تقديمها بل يسن غسلهما معا"إلا لأقطع" أو نحوه ممن به علة لا يمكنه معها ذلك فيسن له تقديم اليمين.
"ولو عكس" فقدم اليسار فيما سن فيه تأخيرها"كره" للنهي عنه في صحيح ابن حبان، وهذا من زيادة المصنف، وجزم به في المجموع، وقياس ذلك أن تقديمها في كل ما فيه (^١) تكريم وتقديم اليمين في ضده مكروه، وقد يؤخذ من كلامه أنه يكره تقديم إحدى الأذنين أو الخدين أو الكفين لغير أقطع بحمل العكس على ما يشمل ذلك إذ عكس المعية الترتيب.
"و" منها"تطويل الغرة (^٢) بغسل زائد على الواجب من (^٣) الوجه" من جميع جوانبه"و" تطويل"التحجيل" بغسل زائد على الواجب من اليدين، والرجلين من جميع الجوانب لخبر الصحيحين "إن أمتي يدعون يوم (^٤) القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" (^٥)، وخبر مسلم "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته، وتحجيله" (^٦).
_________________
(١) = الاستبراء، حديث ٣٣، ورواه أحمد ٦/ ١٦٥ حديث ٢٥٣٦٠.
(٢) "قوله: وقياس ذلك أن تقديمها في كل ما فيه تكريم إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: ومنها تطويل الغرة وتطويل التحجيل" واعلم أن كلامهم يدل على أنه يشترط إيصالهما بالواجب وأنه إن شاء قدمهما وإن شاء قدمه ح.
(٤) "قوله: بغسل زائد على الواجب من الوجه" قال الإمام لو تعذر غسل الوجه لعلة لم يستحب غسل ما جاوره من الرأس وصفحة العنق قال ابن الرفعة وهو الأشبه وقوله قال ابن الرفعة أشار إلى تصحيحه قال شيخنا ويأتي نظيره في اليدين والرجلين بالنسبة للتحجيل حيث تعذر غسلهما إلى المنكب والركبة.
(٥) "قوله: لخبر الصحيحين "إن أمتي يدعون يوم القيامة" إلخ" علم منه أن كلا من الغرة والتحجيل شامل لمحل الغسل الواجب والمسنون.
(٦) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل الوصوء والغر المحجلون من آثار الوضوء، حديث ١٣٦، ورواه مسلم، حديث ٢٤٦.
(٧) مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، حديث ٢٤٦.
[ ١ / ١١٨ ]
ومعنى غرا محجلين بيض الوجوه، واليدين (^١)، والرجلين كالفرس الأغر وهو الذي في وجهه بياض، والمحجل، وهو الذي قوائمه بيض"وغايته" أي تطويل التحجيل"المنكب، والركبة" للاتباع كما يؤخذ من خبر رواه مسلم.
"و" منها"استيعاب مسح (^٢) الرأس" للاتباع رواه الشيخان، وخروجا من خلاف من أوجبه، والحكم عليه بالسنية لا ينافي وقوعه فرضا على القول به كما سيأتي في صفة الصلاة"و" أن يبدأ في مسحه"من مقدمه فليلصق بين سبابتيه" أي طرفيهما"وإبهاماه في صدغيه" لو قال كالروضة، وإبهاميه كانت إفادته لسنيته إلصاقهما بالصدغ أظهر"ثم يذهب بهما" أي بسبابتيه"إلى قفاه، وذو الوفرة" ونحوها مما ينقلب قال الجوهري، وهي الشعر إلى شحمة الأذن"بردهما" أي السبابتين إلى ما بدأ منه للاتباع رواه الشيخان فيصل الماء بالذهاب إلى باطن القدم، وظاهر المؤخر، وبالرد إلى عكس ذلك"ولا يحسب الرد مرة" لعدم تمام المرة الأولى.
"فإن لم ينقلب" شعره"لظفره أو طوله" أو قصره أو عدمه كما فهما بالأولى"لم يرد" هما لعدم الفائدة فإن ردهما لم تحسب ثانية كما صرح به الأصل لأن الماء صار مستعملا (^٣).
_________________
(١) "قوله: بيض الوجوه واليدين والرجلين" وغاية الغرة أن يغسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس.
(٢) "قوله: ومنها استيعاب مسح الرأس" قال في التحقيق وإذا مسحه فالفرض أقل جزء وقيل كله وقيل إن تعاقب فالأقل ومثله تطويل قيام وركوع وسجود وبعير عن خمس وبدنة عن دم شاة وفائدته في الثواب ورجوع معجل زكاة وأكل ناذر شاة انتهى صحح الأول أيضا في المجموع في باب الوضوء، وفي الروضة في باب الأضحية وصحح في الروضة والمجموع والتحقيق في باب صفة الصلاة أن الجميع فرض وصحح في الروضة في باب الدماء، وفي المجموع في النذر في البدنة أو البقرة المخرجة عن شاة أن الفرض سبعها وصحح في المجموع في الزكاة ما أفهمه كلام الروضة وأصلها هناك أن الزائد في بعير الزكاة فرض، وفي بقية الصور نفل وادعى اتفاق الأصحاب على تصحيحه وفرق بأن الاقتصار على بعض البعير لا يجزئ بخلاف بعض البقية ا هـ وهذا هو الراجح.
(٣) "قوله: لأن الماء صار مستعملا" أي لأنه تافه فليس في الإعراض عنه تفويت مالية فلا يشكل بما لو انغمس ذو الحدث الأكبر في ماء قليل ونوى فإنه لا يصير مستعملا بالنسبة إليه حتى =
[ ١ / ١١٩ ]
والضفر بالضاد لا بالظاء (^١)، وإن عبر بها المصنف في مواضع كما هنا"ويمسح" ندبا"الناصية"، وهي الشعر الذي بين النزعتين"ويتمم على العمامة" (^٢) أو نحوها، وإن لبسها على حدث لخبر مسلم "أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته، وعلى عمامته" (^٣) سواء عسر عليه تنحيتها أم لا كما اقتضاه كلام المصنف كالروضة، والتحقيق، وصرح به في المجموع نقلا عن الأصحاب (^٤)، ووقع في المنهاج تبعا لأصله، والشرحين تقييد ذلك بالعسر (^٥)، وأفهم قوله، ويتمم ما صرح به الأصل أنه لا يكفي الاقتصار على مسح العمامة.
"و" منها"مسح، وجهي كل أذن" "لأنه ﷺ مسح في وضوئه برأسه، وأذنيه ظاهرهما، وباطنهما، وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه" (^٦) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح، ومحل ذلك بعد مسح الرأس"لا" مسح"الرقبة" فلا يسن إذ لم يثبت فيه شيء قال النووي بل هو بدعة قال، وأما خبر مسح الرقبة أمان من الغل (^٧) فموضوع، وأثر ابن عمر من توضأ، ومسح عنقه وقي الغل يوم القيامة غير معروف"بماء" أي، ومسح وجهي الأذنين بماء"جديد"
_________________
(١) = ينفصل عنه.
(٢) "قوله: بالضاد لا بالظاء" هو كذلك في بعض النسخ.
(٣) "قوله: ويتمم على العمامة" سنية التتميم بالعمامة لغير المحرم المتعدي بلبسها أما هو فعاص فلا يتمم بها إذ الرخص لا تناط بالمعاصي كذا جزم به ابن كبن في نكته وذكره الناشري ووجهه ظاهر أت علم منه حكم المغصوبة والمسروقة بالأولى قال شيخنا ما ذكره الوالد رحمه الله تعالى فيه نظر إذ المحرم منهي عن اللبس من حيث هو لبس ولا كذلك لغاصب والسارق كما سيأتي نظيره في مسح الخف.
(٤) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، حديث ٢٧٤.
(٥) "قوله: وصرح به في المجموع نقلا عن الأصحاب" أشار إلى تصحيحه.
(٦) "قوله: تقييد ذلك بالعسر" قال شيخنا هو مثال فقط.
(٧) صحيح رواه أبو داود ١/ ٣١، كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ، حديث ١٢٣، ورواه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في مسح الأذنين، حديث ٤٤٢.
(٨) موضوع: أورده الهروي في الموضوعات الكبرى ١/ ٤٣٤، والكناني في تنزيه الشريعة ٢/ ٧٥، والألباني في الضعيفة ١/ ٦٩.
[ ١ / ١٢٠ ]
أي غير ماء الرأس للاتباع رواه البيهقي بإسناد صحيح فلو أخذ بأصابعه ماء لرأسه فلم يمسحه بماء بعضها بل مسح به الأذنين كفى لأنه ماء جديد"وغسلهما أيضا مع الوجه، ومسحهما مع الرأس حسن" للخروج من الخلاف فيهما فقد قيل إنهما من الرأس، وقيل من الوجه، والمشهور لا، ولا.
وأما خبر الأذنان من الرأس (^١) فضعيف، وكان ابن سريج (^٢) يفعل ذلك لما قلناه قال في الروضة، وفعله هذا حسن، وقد غلط من غلطه فيه زاعما أن الجمع بينهما لم يقل به أحد، ودليل ابن سريج نص الشافعي، والأصحاب على استحباب غسل النزعتين مع الوجه مع أنهما يمسحان في الرأس أي، ولم يقل بذلك أحد"ثم يأخذ" الأولى ليوافق ما في الروضة، وغيرها، ويأخذ"لصماخيه"، وهما خرقا الأذنين"ماء" لخبر أبي داود السابق"جديدا" أي غير ماء الرأس، والأذنين لظاهر خبر البيهقي، ولأنهما من الأذنين كالفم، والأنف من الوجه"ثلاثا" هذا علم من قوله، وتثليث مغسول، وممسوح قال الرافعي، والأحب في كيفية مسحهما مع الأذنين أن يدخل مسبحتيه في صماخيه،
_________________
(١) صحيح رواه أبو داود ١/ ٣٣ كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ، حديث ١٣٤ ورواه الترمذي ١/ ٥٣ حديث ٣٧، وابن ماجه ١/ ١٥٢ حديث ٤٤٤. وأحمد في مسنده ٥/ ٢٥٨ حديث ٢٢٢٧٧. والدارقطني ١/ ٩٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٣، والبيهقي في الكبرى ١/ ٦٦ حديث ٣١٨.
(٢) ابن سريج: هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، فقيه الشافعية في عصره، ولد في بغداد سنة ٢٤٩ هـ ونشأ بها وكان يلقب بالباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وقام بنصرة المذهب الشافعي ونشره في أكثر الآفاق حتى قيل: بعث الله عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى من الهجرة فاظهر السنة وأمات البدعة، ومن الله في المائة الثانية بالإمام الشافعي، فأحيا السنة وأخفى البدعة، ومن بابن سريج في المائة الثالثة فنصر السنة وخذل البدعة. وكان لابن سريج مناظرات ومساجلات مع محمد بن داود الظاهري، وكان شاعرا له نظم حسن ولابن سريج نحو أربعمائة مصنف، منها المطبوع والمخطوط، ومن هذه المصنفات: الأقسام والخصال، الودائع لمنصوص الشرائع. توفي ابن سريج ببغداد سنة ٣٠٦. انظر في ترجمته: طبقات الفقهاء ص ١٠٨ وفيات الأعيان ١/ ٤٩ ترجمة رقم ٢٠ طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢١ ترجمة رقم ٨٥ طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٤١، ٤٤، الأعلام ١/ ١٨٥.
[ ١ / ١٢١ ]
ويديرهما على المعاطف، ويمر إبهاميه على ظهورهما ثم يلصق كفيه مبلولتين بالأذنين استظهارا، ونقلهما في المجموع عن جماعات ثم نقل عن آخرين أن يمسح بالإبهامين ظاهر الأذنين بالمسبحتين باطنهما، ويمر رأس الأصبع في المعاطف، ويدخل الخنصر في صماخيه، وكلامه في نكت التنبيه يقتضي اختيار هذه الكيفية. والمراد من الأولى أن يمسح برأس مسبحتيه صماخيه، وبباطن أنملتيهما باطن الأذنين، ومعاطفهما فاندفع ما قيل أنها لا تناسب سنية مسح الصماخين بماء جديد، واستشكل الزركشي (^١) امتناع مسحهما ببلل مسح الأذنين، وببلل الرأس في الثانية، والثالثة مع أن المستعمل في ذلك طهور ثم قال، والظاهر أن المراد الأكمل (^٢) لا أصل السنة فإنه يحصل بذلك (^٣)، وبه يزول الإشكال.
"ومنها تخليل أصابع الرجلين" لخبر لقيط السابق، وروى البيهقي بإسناد جيد كما في المجموع عن عثمان ﵁ "أنه توضأ فخلل بين أصابع قدميه، وقال رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت" (^٤) فيخللها"من أسفل بخنصر يده اليسرى" بكسر الصاد أشهر من فتحها"يبدأ بخنصر الرجل اليمنى، ويختم بخنصر" الرجل"اليسرى" هذا ما ذكره الأكثرون، وصححه الأصل، وخالفه في المجموع فحكى فيه ثلاثة أوجه أحدها هذا، والثاني بخنصر اليد اليمنى، والثالث ما قاله الإمام أنهما سواء ثم قال، وهو الراجح المختار، وقال في التحقيق إنه المختار (^٥).
"وإيصال الماء" إلى ما بينهما"واجب" إذا كانت ملتفة لا يصل الماء إليه إلا بالتخليل أو نحوه، ولو كانت ملتحمة لم يجز فتقها، وكان الأولى تأخير هذا عن قوله"وندب تخليل أصابع اليدين بالتشبيك" بينها لخبر لقيط.
"ومنها ترك الاستعانة في صب الماء عليه" لأنه الأكثر من فعله ﷺ
_________________
(١) "قوله: واستشكل الزركشي" أي كالأذرعي.
(٢) "قوله: ثم قال والظاهر أن المراد الأكمل إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: فإنه يحصل بذلك" ذكره السبكي في فتاويه.
(٤) رواه الدارقطني في سننه ١/ ٨٦.
(٥) "قوله: وقال في التحقيق أنه المختار" أي وشرح التنبيه.
[ ١ / ١٢٢ ]
ولأنه ترفه، وتكبر لا يليق بالمتعبد فهي خلاف الأولى حيث لا عذر، وإنما لم تكره لما في الصحيحين أنه ﷺ صب عليه أسامة في حجة الوداع، والمغيرة في غزوة تبوك (^١) "لا ترك" الاستعانة في"إحضاره" أي الماء فليس بسنة فلا تكون هي خلاف الأولى لثبوتها عنه ﷺ كثيرا، وكره ما ذكر من الاستعانة"في غسل العضو بلا عذر" لأنها ترفه زائد لا يليق بالمتعبد فإن كان بعذر لم تكره بل قد تجب، ولو بأجرة المثل كما مر بيانه قال الزركشي، وينبغي أي في عدم كراهتها (^٢) أن يكون المعين أهلا للعبادة ليخرج الكافر، ونحوه، وتعبيرهم بلفظ الاستعانة المقتضي طلبها بدليل أنه لو حلف لا يستخدمه فخدمه ساكتا لم يحنث جرى على الغالب، وإلا فظاهر أنه لا فرق بين طلبها، وعدمه كما يدل عليه تعليلهم السابق (^٣).
"ويضع" ندبا المتوضئ"الماء عن يمينه" إن كان يغترف منه، وعن يساره إن كان يصب منه على يده كإبريق لأن ذلك أمكن فيما قال في المجموع. واستثنى السرخسي (^٤) ما إذا فرغ من غسل وجهه، ويمينه فيحول الإناء إلى يمينه، ويصب على يساره حتى يفرغ من وضوئه لأن السنة في غسل اليدان يصب الماء على كفه فيغسلها ثم يغسل ساعده ثم مرفقه قال، ولم يذكر الجمهور هذا التحويل"ويقف المعين" له"بالصب على يساره" لأنه أعون وأمكن، وأحسن أدبا، وقوله ويضع إلى آخره من زيادته، وصرح به في المجموع على الوجه المذكور.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الرجل يوضئ صاحبه، حديث ١٨٢ وفيه أن المغيرة كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ فغسل وجهه … الحديث. ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث ٢٧٤.
(٢) "قوله: قال الزركشي وينبغي أي في عدم كراهتها إلخ" قال شيخنا ظاهر كلامهم يخالفه
(٣) "قوله: كما يدل له تعليلهم السابق" أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: واستثنى السرخسي إلخ" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١٢٣ ]
"و" منها"ترك التنشيف" (^١) من بلل ماء الوضوء لخبر الصحيحين عن ميمونة قالت "أتيت النبي ﷺ بعد اغتساله بمنديل فرده، وجعل ينفض الماء بيده" (^٢)، ولأنه أثر عبادة فكان تركه أولى، واختار في شرح مسلم أنه مباح تركه وفعله سواء هذا إذا لم يحتج إليه لخوف برد، والتصاق نجاسة أو نحوه، وإلا فلا يسن تركه قاله في المجموع قال الأذرعي (^٣): بل يتأكد سنة إذا خرج عقب الوضوء في محل النجاسات عند هبوب الريح، وكذا لو آلمه شدة برد الماء أو المرض أو الجرح أو كان يتيمم أثره أو نحوها قال في المجموع قال الماوردي فإن كان معه من يحمل الثوب الذي يتنشف به، وقف عن يمينه انتهى، وقياس ما مر في المعين أن يقف عن يساره قال في الذخائر، وإذا تنشف فالأولى أن لا يكون بذيله، وطرف ثوبه، ونحوهما.
"وأما النفض للماء فمباح" تركه، وفعله سواء لا مكروه كما قاله الرافعي لأنه لم يثبت في النهي شيء وثبت أنه ﷺ فعله كما مر.
وأما خبر "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان" (^٤) فضعيف، وهذا ما رجحه في الروضة، والمجموع (^٥)، وجزم في المنهاج كأصله بأن تركه سنة (^٦)، ورجحه في التحقيق لأنه كالتبري من العبادة، وقال في شرحي مسلم، والوسيط أنه الأشهر قال في المهمات، وبه (^٧) الفتوى فقد نقله
_________________
(١) "قوله: ومنها ترك التنشيف" يستحب التنشيف في طهارة واحدة بلا خلاف وهي غسل الميت.
(٢) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة، حديث ٢٥٩، ورواه مسلم، كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، حديث ٣١٧.
(٣) "قوله: قال الأذرعي بل يتأكد" أشار إلى تصحيحه قال شيخنا بل قد يصل للوجوب.
(٤) ضعيف: أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ١/ ٥٧٣، والشيخ الألباني في الضعيفة ٢/ ٩٠٣، وضعيف الجامع ١/ ٨٧٣.
(٥) "قوله: وهذا ما رجحه في الروضة والمجموع" أي ونكت التنبيه ح.
(٦) "قوله: وجزم في المنهاج كأصله بأن تركه سنة" أشار إلى تصحيحه.
(٧) "قوله: قال في المهمات وبه الفتوى"، وقال الأذرعي أنه الأصح مذهبا وبه جزم خلائق من الأصحاب أي لأنه ﷺ لم يفعله في وضوئه وفعله في غسله قليلا لبيان الجواز واستثنى بعضهم نفض اليد عند مسح الرأس والأذن، وقال إنه مستحب، وفيه نظر بل =
[ ١ / ١٢٤ ]
ابن كج (^١) عن نص الشافعي (^٢).
"ومنها مندوبات أخر"، وهي"أن يقول بعد التسمية"، وهي أول السنن غير النية"الحمد لله الذي جعل الماء طهورا" لمناسبته المقام لكنه جعل في الأذكار هذا من جملة دعاء الأعضاء الذي لا أصل له"واستصحاب النية" في جميع الأفعال ذكرا كالصلاة، ولئلا يخلو عمله عنها حقيقة أما استصحابها حكما بأن لا يأتي بما ينافيها فواجب كما مر"والتلفظ بها" ليساعد اللسان القلب، وللخروج من خلاف من أوجبه"سرا" من زيادته"وتقديمها مع أول السنن" عند غسل الكفين"لتحصل" أي السنن المتقدمة على غسل الوجه (^٣) أي ثوابها فينوي مع التسمية عند غسل الكفين كما صرح به ابن الفركاح (^٤)
_________________
(١) = الظاهر أن المستحب إرسالهما لا نفضهما.
(٢) ابن كج: هو أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج الدينوري: أحد الأئمة المشهورين وحفاظ المذهب المصنفين وأصحاب الوجوه المتقنين، تفقه على ابن القطان وحضر لآخرين، انتهت إليه الرياسة ببلاده في المذهب، ورحل الناس إليه رغبة في علمه وجوده، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب. توفي ﵀ سنة ٤٠٥ هـ صنف كتب كثيرة انتفع بها الفقهاء منها: التجريد. انظر ترجمته في: البداية والنهاية لابن كثير ٦/ ٤٥٣ وطبقات اب قاضي شهبة ١/ ١/١٩٨ وطبقات ابن هداية الله ص ١٢٦ والأعلام للزركلي ٨/ ٢١٤.
(٣) "قوله: فقد نقله ابن كج عن نص الشافعي" وادعى النووي في تصحيحه أنه لا نص للشافعي فيها ش.
(٤) "قوله: أي السنن المتقدمة على غسل الوجه" أي ثوابها قال الرافعي المنوية انتهى، وفيه ما يقتضي أنه إنما يحصل له ثوابها إذا تعرض في نيته لها، وفي معناه ما يشمل فرض الوضوء ونفله كنية الوضوء أو الطهارة أما لو نوى رفع الحدث أو استباحة الصلاة لا غير ففي حصول ثواب السنن نظرا لأن نيته لم تشملها ولا ترد السنن المتأخرة لأنها تابعة وعبارة الروضة ظاهرة في الحصول مطلقا ولكن في عبارة الرافعي إشارة إلى ما ذكرته ولفظه وإن تقدمت عليه نظر إن استصحبها إلى ابتداء غسل الوجه صح الوضوء وثواب السنن المنوية قبله.
(٥) ابن الفركاح: هو برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري البدري ولد سنة ٦٦٠ هـ وأخذ من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر =
[ ١ / ١٢٥ ]
بأن يقرنها بها عند أول غسلهما كما يقرنها بتكبيرة الإحرام فاندفع ما قيل أن قرنها بها مستحيل لأنه يسن التلفظ بالنية، ولا يعقل التلفظ معه بالتسمية. وممن صرح بأنه ينوي عند غسل الكفين الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب (^١) وابن الصباغ فالمراد بتقديم التسمية عليه تقديمها على الفراغ منه، وبذلك علم محل النية المسنونة لكن الغزالي في الإحياء جعل محلها بعد غسل الكفين، وجعل كالماوردي (^٢) والقفال محل السواك قبل التسمية فعلى قوله يلزم خلوه عنها، وتحتاج الثلاثة إلى نية أخرى، وإلا فيلزم خلوها عن النية، وجعله ابن الصلاح وابن النقيب في عمدته بعد غسل الكفين، وكلام الإمام وغيره يميل إليه وعليه بنيت كلامي أولا وخالف ابن النقيب (^٣) في نكته فقال محله قبل التسمية أو معها أما إذا ترك النية أولا فلا يثاب على ما قبلها بخلاف ناوي صوم التطوع ضحوة لأن الصوم خصلة واحدة فإذا صح بعضها صح كلها بخلاف
_________________
(١) = وغيرهما، واشتغل بالتصنيف والإفتاء صنف التعليقة على التنبيه وأخرى على مختصر ابن الحاجب، وقد أثنى عليه أهل عصره. قال عنه ابن كثير: ساد أقرانه وأهل زمانه في دراية المذهب ونقله، وكان مقبلا على شأنه، مستغرقا أوقاته في الاشتغال والإشغال والمطالعة ليلا ونهارا وإسماع الحديث توفي ﵀ سنة ٧٢٨ هـ. انظر ترجمته في البداية والنهاية ٧/ ٥٤٣، طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢/٢٤٠ والأعلام ١/ ٤٥.
(٢) أبو الطيب بن سلمة: هو محمد بن المفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي الضبي فقيه شافعي من أهل بغداد، أخذ الفقه عن أبي العباس ابن سريج وكان موصوفا بفرط الذكاء، ولهذا كان أبو العباس يقبل عليه كل الإقبال ويميل إلى تعليمه غاية الميل. وأبوه هو أبو طالب المفضل بن سلمة بن عاصم الضبي اللغوي الشهير، وجده سلمة بن عاصم النحوي صاحب الفراء، فهو من أهل بيت كلهم علماء ونبلاء ومشاهير. ولأبي الطيب في المذهب وجوه حسنة، وقد صنف كتبا عديدة وتوفي ﵀ في المحرم سنة ثمان وثلاثمائة وهو في شبابه. انظر في ترجمته: طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٠٩، وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٣ ترجمة رقم ٥٥١ طبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٤٥ - ٤٧، الأعلام ٧/ ١٠٧.
(٣) "قوله: كالماوردي" والقفال والعمراني.
(٤) "قوله: وخالف ابن النقيب إلخ"، وقال الأذرعي أنه المنقول وإليه يشير الحديث والنص.
[ ١ / ١٢٦ ]
الوضوء، ولأنه لا ارتباط لصحة الوضوء بسننه بخلاف إمساك بقية النهار"وتعهد الغضون" أي مكاسر الجلد احتياطا"وكذا الموق" بالهمز وتركه، وهو طرف العين الذي يلي الأنف يتعهده"بالسبابة" الأيمن باليمنى، والأيسر باليسرى (^١)، ومثله اللحاظ، وهو الطرف الآخر ومحل سن غسلهما إذا لم يكن فيهما رمص يمنع وصول الماء إلى محله، وإلا فغسلهما، واجب ذكره في المجموع"لا غسل باطن العين" فلا يجب، ولا يسن لما فيه من الضرر، ولأنه لم ينقل عنه ﷺ.
"ومنها إمرار اليد على الأعضاء" بعد إفاضة الماء عليها استظهارا وخروجا من خلاف من أوجبه، وكرر منها لرفع توهم أن ما بعدها معطوف على المنفي قبلها"وتحريك الخاتم" إلا إذا لم يصل الماء إلى ما تحته إلا به فيجب"والبداءة بأعلى، وجهه" لأنه أشرف لكونه محل السجود.
"وبأطراف أصابعه" إن صب على نفسه"فإن صب عليه فبالمرفق، والكعب" تبع كالأصل في هذا الصيمري والماوردي، والأكثرون على البداءة بالأصابع مطلقا كما نقله في المجموع، واختاره، وجرى عليه في التحقيق قال في المهمات، والفتوى عليه قال في المجموع (^٢) فيجري الماء على يده، ويدير كفه الأخرى عليها مجريا للماء بها إلى مرفقه، ويجريه على رجله، ويدير كفه عليها مجريا للماء بها إلى كعبه، ولا يكتفي بجريانه بطبعه.
"و" أن"يقتصد في الماء" فلا يسرف فيه، وهو مكروه كما علم من كراهة الزيادة على الثلاث، وبه صرح في المجموع"و" أن"لا ينقص" الماء"في الوضوء عن مد، والغسل عن صاع" لخبر مسلم "أنه ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد" (^٣)، وسيأتي بسط الكلام عليهما في باب الغسل فإنه
_________________
(١) "قوله: الأيمن باليمنى والأيسر باليسرى" لأنه قد يجتمع فيهما كحل أو رمص فيزول بذلك ويصل الماء إليهما.
(٢) "قوله: قال في المجموع" أشار إلى تصحيحه.
(٣) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، حديث ٢٠١، ورواه مسلم، =
[ ١ / ١٢٧ ]
ذكرهما ثم أيضا مع زيادة، وذكر حكم الصاع هنا من زيادته، والمناسب تركه لأنه ليس من سنن الوضوء.
"و" أن"يستقبل" القبلة في وضوئه لأنها أشرف الجهات، وهذا من زيادته"و" أن"لا يلطم" بكسر الطاء"وجهه بالماء، ولا يتكلم" في أثناء وضوئه لغير حاجة"و" أن"يتوقى الرشاش" فلا يتوضأ في موضع يرجع إليه رشاش الماء"و" أن"يقول بعده" أي الوضوء، وهو مستقبل القبلة (^١) "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده، ورسوله" لخبر مسلم "من توضأ فقال أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (^٢) "اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين" زاده الترمذي (^٣) على مسلم"سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك" لخبر الحاكم، وصححه من توضأ ثم قال سبحانك اللهم، وبحمدك إلى آخره كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة (^٤)، والطابع بفتح الباء، وكسرها الخاتم، ومعنى لم يكسر لم يتطرق إليه إبطال.
ويسن أن يقول معه، وصلى الله على محمد، وعلى آل محمد ذكره في المجموع"ودعاء الأعضاء" وهو أن يقول عند غسل الكفين (^٥): اللهم احفظ
_________________
(١) = كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، حديث ٣٢٦.
(٢) "قوله: وهو مستقبل القبلة" رافعا يديه إلى السماء.
(٣) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا … حديث ٣٤٣٥، ورواه مسلم، كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، حديث ٢٨.
(٤) صحيح: رواه الترمذي ١/ ٧٧ كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، حديث ٥٥.
(٥) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٧٥٢ حديث ٢٠٧٢.
(٦) "قوله: وهو أن يقول عند غسل الكفين إلخ" قال البلقيني الظاهر من الحديث الذي جاء فيها ومن كلام من أخذ به أن هذا القول إنما هو عند أول مرة ولو كرره فحسن.
[ ١ / ١٢٨ ]
يدي من معاصيك كلها، وعند المضمضة اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وعند الاستنشاق اللهم أرحني رائحة الجنة، وعند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل اليد اليمنى اللهم اعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا، وعند غسل اليد اليسرى اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري، وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار، وعند مسح الأذنين اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعند غسل الرجلين اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام"لا أصل له" أي في الصحة، وإلا فقد روي عنه ﷺ من طرق ضعيفة في تاريخ ابن حبان، وغيره (^١)، ومثله يعمل به في فضائل الأعمال.
"فرع التفريق اليسير" في طهارة الحدث"لا يضر، والكثير ولو في الغسل بلا عذر كالنسيان مكروه" فلا يبطل الطهارة لأنها عبادة لا يبطلها التفريق اليسير فلا يبطلها الكثير كالحج لكنه نقض بالأذان (^٢)، ولأنها عبادة يجوز تفريق النية فيها على أبعاضها فجاز فيها التفريق الكثير كالزكاة وقوله كالنسيان مثال للعذر، وقوله من زيادته مكروه غير معروف، والمعروف أنه خلاف السنة على الصحيح (^٣) "لا"، وفي نسخة ولا"يوجب" التفريق الكثير"تجديد النية" عند عزوبها لأن حكمها باق"وهو" أي التفريق الكثير"ما" أي تفريق"يجف المغسول" آخرا"فيه" أي في زمنه"حال
_________________
(١) ضعيف: رواه ابن حبان في المجروحين ٢/ ١٦٤، وفيه عباد بن صهيب، قال فيه ابن حبان: كان قدريا داعيا إلى القدر، ومع ذلك يروي المناكير عن المشاهير التي إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة شهد لها بالوضع، وقال فيه النسائي: متروك الحديث، انظر الضعفاء والمتروكين ص ٧٥، وانظر الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ٣٤٦.
(٢) "قوله لكنه نقض بالأذان" هو ممنوع إذ الأذان قربة لا عبادة والعبادة أخص لأنها ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود والقربة ما تقرب به بشرط معرفة المتقرب إليه فالقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والأذان والوقف فلا نقض.
(٣) "قوله: والمعروف أنه خلاف السنة على الصحيح" خلاف السنة قد يكون مكروها وهو مرادهم هنا فقد قيل إنه يبطل الوضوء وقيل إنه يوجب تجديد النية ويجري فيه خلاف تفريق النية.
[ ١ / ١٢٩ ]
الاعتدال" أي اعتدال الهواء والزمان والمزاج فإذا غسل ثلاثا ثلاثا فالعبرة بالأخيرة قال في الكفاية ويقدر الممسوح مغسولا، وسيأتي في التيمم أن جواز التفريق الكثير محله في وضوء الرفاهية.
"فصل"، وفي نسخة فرع"من لا كعب له ولا مرفق يقدر قدره" من العضو"ويشترط جريان الماء على العضو" في غسله فلا يكفي أن يمسه الماء بلا جريان لأنه لا يسمى غسلا"فيجب قلع وسخ ظفر (^١)، وشقوق يمنع" وصول الماء (^٢) "و" قلع"دهن جامد كالشمع" لا قلع دهن"جار" أي مانعا"ولا" قلع"لون حناء، ولو شك" في طهارة"عضو بعد تمام الوضوء لم يؤثر" (^٣) كنظيره في الصلاة بخلاف ما لو شك في أثنائه، وبما قاله قطع الشيخ أبو حامد فألزم بأنه يؤدي إلى الدخول في الصلاة بطهر مشكوك فيه فالتزمه كما لو شك في حدثه، وقيل يؤثر لأن الطهر يراد لغيره بخلاف الصلاة، والشك في حدثه، وجد فيه يقين الطهر فلم يؤثر بخلاف هذا، ويجاب بأن الشرع كثيرا ما يقيم الظن القوي مقام اليقين فلا يؤثر فيه الشك.
"ويرتفع حدث العضو بغسله" فلا يتوقف على فراغ الأعضاء.
"وندب" لمن توضأ"أن يصلي عقيب وضوئه ركعتين" (^٤) في أي وقت
_________________
(١) "قوله: فيجب قلع وسخ ظفر إلخ" خرج به الوسخ الذي ينشأ من بدنه وهو العرق الذي يتجمد فإنه لا يضر كما ذكره البغوي، وقال الإسنوي إنه متجه.
(٢) "قوله: وشقوق تمنع وصول الماء" كأن جعل بالشق شحما أو غيره وقيده الجويني في تبصرته بما إذا لم يصل إلى اللحم فإن وصل إليه لم تلزم إزالة ما عليه إذ لا يلزمه غسله كما مر ولو أحس شيئا في بدنه مثل الشوكة ولم يره لقصره وخفيه عفي عنه ويكفي إجراء الماء عليه في الوضوء والغسل ولا تجب إزالة الجلد الذي هو فيه.
(٣) "قوله: ولو شك في طهارة عضو بعد تمام الوضوء لم يؤثر" مثله ما لو شك بعد الفراغ من غسل النجاسة عن الثوب أو البدن هل استوعبه أو استجمر وصلى وشك هل استعمل حجرين أو ثلاثة وعلم من تصوير المسألة بغسل الأعضاء أنه لو كان المشكوك فيه النية أو في مقارنتها للواجب أنه لا يحسب كنظيره من الصلاة.
(٤) "قوله: وندب أن يصلي عقب وضوئه ركعتين" يقرأ بعد الفاتحة في الأولى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى ﴿رَحِيمًا﴾، وفي الثانية ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ إلى ﴿رَحِيمًا﴾.
[ ١ / ١٣٠ ]
كان (^١) لخبر مسلم عن عثمان ﵁ قال رأيت النبي ﷺ توضأ ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢) ".
"فرع" من زيادته أخذه من المجموع، وغيره لو"صلى فريضتين بوضوءين" عن حدثين أو كان الثاني مجددا، وقد"نسي المسح" للرأس"في أحدهما، وأشكل" عليه الحال"مسح" رأسه"وغسل رجليه" فقط بناء على جواز تفريق الوضوء"وأعادهما" أي الفريضتين لأن إحداهما باطلة، وقد جهلها فهو كمن نسي صلاة من صلاتين.
"ولو توضأ محدث وصلى" فريضة"ثم نسي" الوضوء، والصلاة"فتوضأ أو أعاد" ها"ثم علم أنه ترك المسح في أحد وضوءيه، وسجدة في إحدى صلاتيه" وجهل محلهما"أعاد الصلاة" لاحتمال ترك المسح من الوضوء الأول والسجدة من الصلاة الثانية"لا الوضوء لصحته" بكل تقدير، وذكر المسح في هذه والتي قبلها مثال فبقية الفروض كذلك.
"ولا يصح وضوء من خفي" عليه"موضع النجاسة من بدنه إن لم يكتف بغسلة"، واحدة للحدث، والخبث لاحتمال اتصال النجاسة بمحل وضوئه فإن اكتفى بها، وهو الأصح صح وضوءه.
"باب الاستنجاء، وآداب قضاء الحاجة" هو مأخوذ من نجوت الشجرة، وأنجيتها إذا قطعتها كأنه يقطع الأذى عنه، وقيل من النجوة، وهي ما ارتفع من الأرض لأنه يستتر عن الناس بها، وهو والاستطابة والاستجمار بمعنى إزالة الخارج من الفرج عنه لكن الثالث مختص بالحجر مأخوذ من
_________________
(١) "قوله: في أي وقت كان" أي إذا لم يكن ثم ما هو أهم منهما كالمحرم يخاف فوت الوقوف أو المصلي يخاف فوت الوقت أو فوت الجمعة لو أتى بهما وكذلك إنقاذ الغريق والدفع عما يجب أو يستحب الدفع عنه وغير ذلك مما يطول ذكره قال البلقيني وتستحب عقب الوضوء المجدد وهل يجري في الغسل والتيمم لم أر من تعرض له والقياس الاستحباب.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا، حديث ١٦٠، ورواه مسلم، كتاب الطهارة باب صفة الوضوء وكماله، حديث ٢٢٦.
[ ١ / ١٣١ ]
الجمار وهي الحصى الصغار وإلا قولان يعمان الماء والحجر، وقد بدأ بالآداب فقال"قاضي الحاجة" من بول أو غائط أي من أراد قضاءها"يبعد" عن الناس"في الصحراء" إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت، ولا يشم له ريح (^١)، وذكر الصحراء من زيادته، وتركها أولى فإن غيرها مما لم يهيأ لقضاء الحاجة مثلها كما نقله الأذرعي عن الحليمي (^٢) قال ابن عبد السلام فإن تعذر عليه الإبعاد عنهم استحب لهم الإبعاد عنه إلى مكان لا يسمعون. "ويستتر" عن أعينهم لقوله ﷺ: "من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (^٣) رواه أبو داود، وغيره، وقال النووي إنه حسن، ويحصل ذلك"، ولو بقدر مؤخرة الرحل" ثلثي ذراع فأكثر"ويدنو منه ثلاثة أذرع فأقل" بذراع الآدمي المعتدل هذا إن كان بصحراء أو ببناء لا يمكن تسقيفه كأن جلس في وسط مكان، واسع كبستان فإن كان ببناء يمكن تسقيفه (^٤) كفى كما ذكره الأصل.
"ولو تستر" في الصحراء أو نحوها"براحلته أو بوهدة أو إرخاء ذيله" أو
_________________
(١) " قوله ولا يشم له ريح" ويتوارى عن العيون إن أمكن كما في التوسط ففي الصحيحين من حديث المغيرة كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: "يا مغيرة خذ الإداوة" فأخذتها فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني فقضى حاجته، وفي سنن أبي داود وغيره أنه ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. ا ش.
(٢) هو أبو عبد الله الحسن بن الحسين بن محمد بن حليم المعروف بالحليمي منسوبا إلى جده قال الحاكم: كان شيخ الشافعية بما وراء النهر وأدبهم وأنظرهم بعد أستاذه القفال الشاشي وقال إمام الحرمين: كان الحليمي رجلا عظيم القدر لا يحيط بعلمه إلا خواص الخواص. ولد بجرجان وقيل: ببخارى سنة ثمان وثلاثمائة ومات سنة ست وأربعمائة. انظر طبقات الشيرازي ٢/ ٢٢١.
(٣) رواه أبو داود ١/ ٩ كتاب الطهارة، باب الاستتار في الخلاء، حديث ٣٥. وضعفه الشيخ الألباني والحديث أصله في البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستتار في الوضوء، حديث ١٦١ مختصرا، ومسلم كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار والا ستجمار، حديث ٢٣٧.
(٤) "قوله: فإن كان ببناء يمكن تسقيفه إلخ" لعل المراد بما يمكن تسقيفه العادة في أمثاله ع.
[ ١ / ١٣٢ ]
نحوها"كفى"، ولو تعارض التستر، والإبعاد فالظاهر رعاية التستر (^١) "ويعد النبل" بضم النون، وفتح الباء، وقيل بفتحهما، وقيل بضمهما أي أحجار الاستنجاء إن أراد الاستنجاء بها لخبر "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه" (^٢) رواه أبو داود وغيره. وقال الدارقطني إسناده حسن صحيح، وحذرا من الانتشار إذا طلبها بعد فراغه"أو الماء" إن أراد الاستنجاء، وهذا من زيادته.
"و" يقدم"رجله اليسرى دخولا" لمحل قضاء الحاجة"و" لو"للجلوس بصحراء" (^٣) أو نحوها، ولو ترك الجلوس كما تركه فيما يأتي عقبه كان أولى لكنه جرى كغيره فيه على الغالب"ويعتمدها" (^٤)، وينصب اليمنى بأن يضع أصابعها على الأرض، ويرفع باقيها لأن ذلك أسهل لخروج الخارج، ولأنه المناسب هنا سواء أقضى حاجته قائما أم قاعدا كما اقتضاه تعليلهم فتعبيره بما قاله أولى من قول الأصل، وأن يعتمد في جلوسه على رجله اليسرى"و" يقدم
_________________
(١) "قوله: فالظاهر رعاية التستر" لا يخفى أن محل عد الستر من الآداب إذا لم يكن بحضرة من يرى عورته ممن لا يحل له نظرها أما بحضرته فهو واجب وكشف العورة بحضرته حرام كما صرح به في شرح مسلم وجزم به صاحب التوسط والخادم والبلقيني في فتاويه ا ث قال ابن العماد وهذا الضابط للستر عن العيون فاسد لأنه يقتضي أنه لو قعد للحاجة فيما يمكن تسقيفه وبينه وبين الجدار أكثر من ثلاثة أذرع في مقابلة شخص ينظر إليه لم يحرم وهو خطأ صريح بل الصواب عدم اعتبار الضابط في السترة عن العيون فمتى كان هناك من لا يغض بصره عن النظر إليه وجب الستر عنه بذيله ونحوه سواء كان قريبا من الجدار أو بعيدا.
(٢) حسن: رواه أبو داود ١/ ١٠ كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة، حديث ٤٠ والنسائي ١/ ٤١ حديث ٤٤، والدارمي في سننه ١/ ١٨٠ حديث ٦٧٠، وأحمد ٦/ ١٠٨ حديث ٢٤٨١٥.
(٣) "قوله: ولو للجلوس بصحراء أو نحوها" لأنه لما قصد لقضاء الحاجة انحطت رتبته فصار دنيا كالخلاء الجديد قبل أن يقضي أحد فيه حاجته وقياس ذلك أن يكون الحكم في الصلاة في الصحراء هكذا أيضا أي يقدم اليمنى في الموضع الذي اختاره للصلاة كما يقدمها في المسجد.
(٤) "قوله: ويعتمدها" قال الناشري مقتضاه أن ذلك في البول أيضا وهو كذلك إلا أنه يستثنى البول قائما فإنه يفرج رجليه ففي صحيح ابن خزيمة أن النبي ﷺ فعل ذلك إذ هو أحرى أن لا ينتشر البول على الفخذين.
[ ١ / ١٣٣ ]
"اليمنى خروجا" من المحل (^١) "كالحمام" (^٢) في تقديم اليسرى دخولا، واليمنى خروجا لأن اليسرى للأذى، واليمنى لغيره كما مر، وفي معنى الرجل بدلها في أقطعها.
"ويضم" كما في الكفاية عن البندنيجي عند قضاء حاجته"فخذيه" لأنه أستر وأسهل لخروج الخارج، وهذا وذكر الحمام من زيادته"ولا يدخل المحل حافيا ولا حاسرا" أي مكشوف الرأس للاتباع رواه البيهقي مرسلا لكن قال في المجموع اتفق العلماء على أن الحديث المرسل، والضعيف، والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال، ويعمل بمقتضاه"ويكفي في كونه غير حاسر تقنع بكمه"، وفي نسخة بكم، والتصريح بهذا من زيادته.
"ويكره" عند قضاء الحاجة"حمل مكتوب (^٣) قرآن، واسم لله" تعالى"و" اسم"لنبي" (^٤)، وكل اسم معظم كما في الكفاية تبعا للإمام تعظيما لذلك، "ولأنه ﷺ كان إذا دخل الخلاء، وضع خاتمه" (^٥) رواه الترمذي، وغيره، وصححه، وكان نقش خاتمه محمد رسول الله رواه الشيخان (^٦)، وروى ابن حبان في
_________________
(١) "قوله: أولى من قول الأصل وأن يعتمد في جلوسه إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه أيضا ولو بال قائما فرج بينهما ويعتمدهما.
(٢) "قوله: كالحمام" أي ومكان الظلم والصاغة.
(٣) "قوله: ويكره عند قضاء الحاجة حمل مكتوب قرآن إلخ" قلت الوجه تحريم استصحاب المصحف ونحوه من غير ضرورة لأنه يحمله مع الحدث ويعرضه للأذى ولما فيه من عدم توقير القرآن ويحمل كلامهم على ما لا يحرم على المحدث حمله كالدراهم والخاتم وما تعم البلوى بحمله ت قال شيخنا أما حمله مع الحدث فليس الكلام فيه إذ هو خارج عن صورة المسألة إنما الكلام في حمله في هذا المحل لذاته والأوجه عدم الحرمة.
(٤) "قوله: واسم لنبي" أي أو ملك.
(٥) ضعيف: رواه أبو داود ١/ ٥ كتاب الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى …، حديث ١٩، والترمذي، ٤/ ٢٢٩ حديث ١٧٤٦، والنسائي ٨/ ١٧٨ حديث ٥٢١٣، وابن ماجه ١/ ١١٠ حديث ٣٠٣. وابن ماجه ٤/ ٢٦٠ حديث ١٤١٣. والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٨ حديث ٦٧٠، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٤٥٦ حديث ٩٥٤٢.
(٦) رواه البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة، برقم ٦٥ وفيه فاتخذ خاتما =
[ ١ / ١٣٤ ]
صحيحه عن أنس قال "كان نقش خاتمه ﷺ ثلاثة أسطر محمد سطر (^١) ورسول سطر والله سطر" (^٢)، ولعل المراد الأسماء المختصة بالله، وبنبيه مثلا دون ما لا يختص كعزيز، وكريم، ومحمد، وأحمد إذا لم يكن ما يشعر بأنه المراد ذكره النووي في تنقيحه، ومثل ما يشعر بذلك ما إذا قصده به"حتى" حمل ما كتب من ذلك"في درهم" أو نحوه لا حمل توراة، وإنجيل، ونحوهما كما أفهمه كلامه، والتصريح بكراهة حمل اسم النبي من زيادته، وتعبيره بنبي أعم من تعبير الأصل برسوله ﷺ.
"فإن نسي" ذلك أي تركه (^٣)، ولو عمدا حتى قعد لقضاء حاجته"ضم كفه عليه" أو، وضعه في عمامته أو غيرها"ولا يتكلم" بذكر، ولا غيره أي يكره ذلك (^٤) كما صرح به في الروضة لخبر لا يخرج الرجلان يضربان الغائط
_________________
(١) = من فضة، نقشه محمد رسول الله. ورواه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب في اتخاذ النبي ﷺ خاتما لما أراد أن يكتب إلى العجم، حديث ٢٠٩٢.
(٢) "قوله: ثلاثة أسطر محمد سطر إلخ" وكانت تقرأ من أسفلها ليكون اسم الله فوق الجميع د وقيل كان النقش معكوسا ليقرأ مستقيما. "تنبيه" هل هذه الآداب المذكورة من تنجية اسم الله تعالى رسوله ومن قوله بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث وتقديم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج وتغطية الرأس ولبس الحذاء وترك ذكر اسم الله وترك التكلم لكل داخل الخلاء ولو لأخذ شيء أم يختص بقاضي الحاجة قال بالأول الفقيه محمد الذهبي قال شيخنا وهو الأوجه وبالثاني الفقيه عبد الله بن عمر الناشري.
(٣) صحيح: رواه ابن حبان ٤/ ٢٦١ حديث ١٤١٤ ورواه البخاري، كتاب فرض الخمس، حديث ٣١٠٦ وفيه عن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ لما استخلف بعثه إلى البحرين وكتب له هذا الكتاب وختمه بخاتم النبي ﷺ وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
(٤) "قوله: أي تركه" كما في قوله تعالى: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ ش.
(٥) "قوله: أي يكره ذلك" كما صرح به في الروضة شمل كلامه جواز قراءة القرآن حال قضاء الحاجة وهو كذلك خلافا لابن كج نعم تكره كسائر أنواع الكلام كما صرح به في المجموع في باب ما يوجب الغسل ولو تختم في يسراه بما عليه اسم الله تعالى أو اسم الرسول حوله في الاستنجاء تنزيها له عن تنجيسه قاله القفال في محاسن الشريعة، وفي كلامه إشعار بتحريمه وهو ظاهر إن أفضى ذلك إلى تنجيسه.
[ ١ / ١٣٥ ]
كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك رواه الحاكم وصححه، وفي رواية له أن يتحدثا فإن الله يمقت على ذلك (^١).
ومعنى يضربان الغائط (^٢) يأتيانه، والمقت البغض وقيل أشده والمقت وإن كان على المجموع فبعض موجباته مكروه، ويؤيده الرواية الثانية"إلا لضرورة" كأن رأى أعمى يقع في بئر أو حية أو غيرها تقصد حيوانا محترما فلا يكره له التكلم بل قد يجب"كالمجامع" يكره له التكلم إلا لضرورة"فإن عطس" بفتح الطاء عند قضاء الحاجة أو الجماع"حمد" الله"بقلبه" ولا يحرك لسانه.
"ولا ينظر" بلا حاجة"إلى الفرج و" لا إلى"الخارج" منه (^٣) "و" لا إلى"السماء، ولا يعبث بيده ولا يلتفت يمينا، وشمالا"، "ويكره له استقبال القمرين" (^٤) الشمس، والقمر"وبيت المقدس واستدبارها" (^٥) أي الثلاثة"ببول وغائط" في الصحراء والبنيان إكراما لها والواو في قوله وغائط بمعنى أو، وتسويته في الكراهة بين استقبال القمرين، واستدبارهما هو ما اقتضاه كلام الرافعي بل صرح به في تذنيبه، ووافقه النووي في مختصره غير أنه صرح في أكثر كتبه بما صححه المصنف في شرح الإرشاد، ونقله هو في أصل الروضة عن الجمهور من أن الكراهة مختصة بالاستقبال (^٦) فقال في المجموع، وهو الصحيح المشهور، وبه قطع الجمهور، وقال في نكته إنه المذهب وقول الجمهور والصواب، وكأنه اعتمد على ما في الروضة نقلا عن الرافعي بناء على ما فهمه
_________________
(١) رواه الحاكم ١/ ٢٦٠ حديث ٥٦٠، ورواية أن يتحدثا … رواها برقم ٥٥٨.
(٢) "قوله: يضربان الغائط" قال أهل اللغة يقال ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت ش.
(٣) "قوله: ولا إلى الخارج منه" وأن لا يبصق على الخارج منه د.
(٤) "قوله: ويكره استقبال القمرين" ذكر صاحب المذاكرة عن الفقيه إسماعيل الحضرمي أنه قال لعل استقبال القمر لا يكره إلا في وقت سلطنته وهو الليل أما بالنهار فلا ثم قال فإن قيل يكره بكل حال لأن في حافيته ملكا فيكره استقباله قلنا لو نظر إلى هذا لكره أن يستقبل زوجته فإن معها الحفظة.
(٥) "قوله: واستدبارها" في بعض النسخ واستدباره أي بيت المقدس.
(٦) "قوله: من أن الكراهة مختصة بالاستقبال" قال شيخنا هو الأصح.
[ ١ / ١٣٦ ]
عنه والرافعي بريء منه كما علم مما مر نبه على ذلك الإسنوي ثم قال، وقد نقل عن الجمهور في كتبه المبسوطة أنه لا يكره الاستقبال أيضا فقال في شرح الوسيط لم يذكر الشافعي، والأكثرون تركه فالمختار إباحته. وفي شرح المهذب نحوه، وفي التحقيق أنه لا أصل للكراهة فدل على أن ما نقله في الروضة عن الجمهور ليس موافقا لما قاله الرافعي، وإنما هو من فهمه فالصواب عدم اجتنابهما على خلاف ما في الروضة، وأكثر المختصرات.
"و" يكره"طول" بمعنى إطالة"مكث" في المحل لما روي عن لقمان أنه يورث وجعا في الكبد، وتعبير المصنف بالمكث أولى من تعبير الروضة بالقعود.
"أما استقبال القبلة واستدبارها (^١) بلا حائل قريب" مرتفع ثلثي (^٢) ذراع فأكثر بأن لا يكون ثم حائل أو يكون لكنه بعيد بأن يكون أكثر من ثلاثة أذرع أو قريب لكنه دون ثلثي ذراع"أو بلا بنيان يمكن تسقيفه" بأن لا يكون بنيان أو يكون لكن لا يمكن تسقيفه"فحرام، ومعه" أي، ومع حائل قريب مرتفع ثلثي ذراع أو بنيان يمكن تسقيفه"خلاف الأولى" قال ﷺ: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول، ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا" رواه الشيخان (^٣)، ورويا أيضا "أنه ﷺ قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشام مستدبر الكعبة" (^٤)، وقال جابر "نهى النبي ﷺ أن تستقبل القبلة ببول
_________________
(١) "قوله: أما استقبال القبلة واستدبارها إلخ" هل المراد عين القبلة أو جهتها فيه احتمالان لبعض المتأخرين ويؤيد الثاني قوله ﷺ: "ولكن شرقوا أو غربوا" فسن.
(٢) "قوله: مرتفع ثلثي ذراع" لأنه يستر سرته إلى موضع قدميه. "تنبيه" إذا أراد قضاء الحاجة في الصحراء ولم يعرف عين القبلة فالمتجه أنه يلزمه أن يجتهد كما في الصلاة وحينئذ فيأتي الكلام في وجوبه لكل مرة، وفي جوازه مع قدرته على بيت مهيئ لذلك، وفي التقليد عند العجز والتخير عند التحير ج.
(٣) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء: جدار أو نحوه ١٤٤، ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، حديث ٢٦٤.
(٤) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين، حديث ١٤٥ بإسناده عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن ناسا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس فقال عبد الله بن عمر لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا فرأيت. . . . . . . . . . . =
[ ١ / ١٣٧ ]
فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها (^١) رواه الترمذي، وحسنه فحملوا الخبر الأول المفيد للحرمة على الفضاء لسهولة اجتناب المحاذاة فيه بخلاف البناء (^٢) فيجوز فيه ذلك كما فعله ﷺ بيانا للجواز، وإن كان الأولى لنا تركه، وقد أناخ ابن عمر راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقيل له أليس قد نهى الله عن هذا قال بلى إنما نهى عنه في الفضاء فإذا كان بينك، وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه الحاكم، وصححه على شرط البخاري، ولأن الفضاء لا يخلو غالبا من مصل إنسي أو غيره فقد يرى دبره إن استقبلها أو قبله إن استدبرها.
وفي هذا كلام ذكرته مع جوابه في شرح البهجة (^٣)، وقول المصنف من زيادته أو بلا بنيان يمكن تسقيفه أوله مكرر مع ما قبله، وآخره مخالف للمنقول
_________________
(١) = رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته"، ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، حديث ٢٦٦.
(٢) حسن: رواه أبو داود ١/ ٤ كتاب الطهارة، حديث ١٣، والترمذي ١/ ١٥ حديث ٩، وابن ماجه ١/ ١١٧ حديث ٣٢٥، وأحمد ٣/ ٣٦٠، حديث ١٤٩١٥، وابن حبان ٤/ ٢٦٨، حديث ١٤٢٠، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٤، حديث ٥٨.
(٣) "قوله: بخلاف البناء" فيجوز فيه ذلك المراد بالبنيان كما قاله البغوي والخوارزمي ما سقف أو أمكن تسقيفه.
(٤) "قوله: ذكرته في جوابه في شرح البهجة" قال في المجموع كذا اعتمد الأصحاب هذا التعليل وهو ضعيف فإنه لو قعد قريبا من غائط واستقبله ووراءه فضاء واسع جاز صرح به الإمام والبغوي وغيرهما قال ولو صح هذا التعليل لحرم هذا لاستدباره الفضاء الذي فيه المصلي والتعليل الصحيح ما اعتمده القاضي والبغوي والروياني وغيرهم أن جهة القبلة معظمة فصينت في الفضاء ورخص فيها في البناء للمشقة وسبقه إلى نحو ذلك ابن الصلاح وهو ممنوع لأن ما قالاه من جواز الاستقبال في ذلك إن كان مع ستر الدبر فمسلم والتعليل صحيح أو مع كشفه فلم أر من صرح به والإمام والبغوي لم يصرحا به وإن كان هو ظاهر إطلاقهما بل صرح المتولي والروياني والعمراني بوجوب ستر الدبر حينئذ فيمتنع الاستقبال بدونه والذي اعتمده القاضي والبغوي هو ما اعتمده الأصحاب لا ما تقدم نقله عنهما وأما الروياني فاعتمد التعليلين معا لا الثاني فقط وكذا القاضي أبو الطيب وغيره هذا ولكن الأوجه معنى جواز الاستقبال على ما هو ظاهر إطلاق الإمام والبغوي وغيرهما لأن المحذور من الاستقبال والاستدبار بأحد فرجيه منتف بقربه من الحائط ش وقوله والتعليل الصحيح وقوله ولكن الأوجه جواز الاستقبال أشار إلى تصحيحهما.
[ ١ / ١٣٨ ]
من أنه يعتبر لعدم الحرمة قرب الساتر، وإن كان ببناء يمكن تسقيفه إلا أن يكون بناء مهيأ لذلك بخلاف نظيره في السترة عن العيون لا يعتبر لعدم الكراهة ذلك فيما إذا كان ببناء يمكن تسقيفه، والموقع له في ذلك توهمه اتحاد المسألتين في اعتبار ذلك (^١)، وعدم اعتباره فعلى المنقول لو كان بينه، وبين حائط هذا البناء أكثر من ثلاثة أذرع كفى في الستر عن العيون كما مر لا في الستر عن القبلة إلا أن يشق عليه التحول، ولو هبت الريح عن يمين القبلة، وشمالها جاز استقبالها، واستدبارها قاله القفال في فتاويه (^٢).
فلو تعارض الاستقبال، والاستدبار فالظاهر رعاية الاستقبال (^٣) كما يراعى القبل في الستر، وإذا لم يحرما فقيل يكرهان، وبه جزم الرافعي في تذنيبه، ونقله في المجموع عن المتولي (^٤) ثم قال، ولم يتعرض الجمهور للكراهة والمختار عدمها لكن الأفضل ترك ذلك إذا أمكن بلا مشقة.
"ولا يكره" شيء من استقبالها، واستدبارها"حال الاستنجاء، والجماع، وإخراج الريح" إذ النهي عن استقبالها، واستدبارها مقيد بحالة البول، والغائط، وذلك منتف في الثلاثة، والأولى، والأخيرة من زيادته، وصرح بهما في المجموع، وغيره.
_________________
(١) "قوله: توهمه اتحاد المسألتين في اعتبار ذلك وعدم اعتباره" تبع فيه جماعة منهم الإسنوي قال الغزي وليس كما قال بل هما شيء واحد كما ذكرته في التقرير.
(٢) "قوله: قاله القفال في فتاويه" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: فالظاهر رعاية الاستقبال إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: ونقله في المجموع عن المتولي" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١٣٩ ]
"ويكره" قضاء الحاجة"في طريق" لخبر مسلم "اتقوا اللعانين قالوا وما اللعانان قال: "الذي يتخلى في طريق الناس أو في (^١) ظلهم" (^٢)، ولخبر أبي داود بإسناد جيد "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل"، والملاعن مواضع اللعن، والموارد طرق الماء، والتخلي التغوط، وكذا البراز، وهو بكسر الباء على المختار، وقيس بالغائط البول وصرح في المهذب وغيره بكراهة ذلك (^٣) في المواضع الثلاثة. وفي المجموع ظاهر كلام الأصحاب (^٤) كراهته، وينبغي حرمته للأخبار الصحيحة، ولإيذاء المسلمين، ونقل الأصل في الشهادات عن صاحب العدة أن التغوط في الطريق حرام وأقره وفي معنى الطريق بقية الملاعن وقارعة الطريق أعلاه وقيل صدره، وقيل ما برز منه.
"و" في"مستحم"، وهو المغتسل مأخوذ من الحميم، وهو الماء الحار "لأنه ﷺ نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله، وقال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه" رواهما أبو داود وغيره بإسناد صحيح للأول وحسن للثاني، ومحل ذلك إذا لم يكن ثم منفذ ينفذ فيه البول والماء"و" في"متحدث" للناس (^٥) للنهي عن التخلي في ظلهم كما مر، وألحق بظلهم أي صيفا موضع اجتماعهم في الشمس شتاء، وشملهما قوله متحدث.
"وعند قبر" محترم احتراما له قال الأذرعي، ويجب أن يحرم عند (^٦)
_________________
(١) "قوله: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم" تسببا بذلك في لعن الناس لهما كثيرا عادة فنسب إليهما بصيغة المبالغة والمعنى احذروا نسب اللعن المذكور.
(٢) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن التخلي في الطرق ةالظلال، حديث ٢٦٩.
(٣) "قوله: وصرح في المهذب وغيره بكراهة ذلك" أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: وفي المجموع ظاهر كلام الأصحاب كراهة إلخ" في نكته على التنبيه أنه لا فرق في هذا كله بين البول والغائط.
(٥) "قوله: ومتحدث الناس" إلا أمكنة المكس فإنها أسوأ حالا من الأخلية د.
(٦) "قوله: قال الأذرعي ويجب أن يحرم إلخ" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١٤٠ ]
قبور الأنبياء. وتشتد الكراهة عند قبور الأولياء، والشهداء قال، والظاهر تحريمه بين (^١) القبور المتكرر نبشها لاختلاط تربتها بأجزاء الميت.
"وتحت شجر يثمر"، ولو مباحا، وفي غير وقت الثمرة صيانة لها عن التلويث عند الوقوع فتعافها الأنفس، ولم يحرموه لأن التنجس غير متيقن قال في الشرح الصغير، ويمكن أن يقال النهي في البول آكد منه في الغائط لأن لون الغائط يظهر فتطهر الثمرة عنه أو يحترز عنه، والبول قد يجف وقد يخفى (^٢)، والتصريح بكراهة قضائها في المتحدث، وتحت الشجر المثمر، وبحكم المستحم من زيادته"وفي ماء راكد"، ولو كثيرا لخبر مسلم أنه ﷺ "نهى أن يبال في الماء الراكد"، والكراهة في القليل أشد كما صرح به الأصل لتنجيسه وفي جار قليل كما نقله في المجموع عن جماعة ثم قال، وينبغي أن يحرم في القليل مطلقا لإتلافه، وأجيب بإمكان طهره بالكثرة أما الجاري الكثير فلا يكره فيه (^٣) ذلك لكن الأولى اجتنابه، وقال في الكفاية يكره بالليل (^٤) لأن الماء
_________________
(١) "قوله: قال والظاهر تحريمه" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: والبول قد يجف وقد يخفى" فيه نظر بل الغائط أشد لأن البول يطهر بالماء وبجفافه بالشمس والريح على قول بخلاف الغائط فإنه لا يطهر مكانه إلا بالنقل ولا يطهر بصب الماء عليه قوله ثم قال وينبغي أن يحرم في القليل مطلقا" لإتلافه وتبعه جمع من المتأخرين وهو عجيب ومخالف لنص الشافعي وسائر الأصحاب والتعليل مدفوع لأنه يمكن تطهيره ببلوغه قلتين وهو كالاستنجاء بالخرقة ولم يقل أحد بتحريمه وهذا واضح غ قال في المهمات والذي يتجه وتتعين الفتوى به أنه إن كان في الوقت ولم يكن هناك غيره ولم يكن متطهرا فحرم لأنه بمنزلة الصب وإن لم يكن كذلك نظر إن لم يكن له بأن كان في غدير ونحوه فيحرم أيضا لأن فيه إتلافا على غيره نعم إن كان هناك ماء يبلغ به قلتين ففيه نظر والمتجه التحريم لما فيه من تكليف الغير ذلك ولاحتمال تلف ما يكمل به وإن كان له وأمكن التكميل كره وإلا فيفصل فيه بين الوقت وخلافه.
(٣) "قوله: أما الجاري الكثير فلا يكره فيه ذلك" قال في شرح مسلم لا يحرم البول في الجاري الكثير والأولى اجتنابه وإن كان قليلا قال جماعة يكره والمختار تحريمه وإن كان الراكد كثيرا قال الأصحاب أنه مكروه والصواب المختار تحريم البول فيه لأنه ينجسه ويتلف ماليته ويغر غيره باستعماله.
(٤) "قوله: وقال في الكفاية يكره بالليل إلخ" صرح به أيضا أبو الفتح العجلي في نكته على =
[ ١ / ١٤١ ]
بالليل مأوى الجن"وكذا يكره" قضاؤها"بقربه" أي الماء الذي يكره ذلك فيه لعموم النهي عن البول في الموارد، وقوله، وجار إلى هنا من زيادته.
"و" قضاؤها فيه"بالليل أشد" كراهة لما مر آنفا"ويحرم تنجيسه" أي الماء بأن يكون قليلا"ولو بانغماس (^١) مستجمر" فيه هذا من زيادته، وهو لا يجامع ما قدمه آنفا من الكراهة مع أنه مخالف للمنقول، وإنما هو بحث للنووي كما قدمته لكنه قوي من (^٢) حيث المعنى.
"ويحرم قضاؤها على قبر" محترم (^٣) "وبمسجد، ولو في إناء" تنزيها لهما عن ذلك، وقد ذكر الثانية في الاعتكاف أيضا، وسيأتي فيها ثم مزيد بيان، ويحرم أيضا على ما يمتنع الاستنجاء به لحرمته كعظم.
"ويرفع" ندبا"للقعود" لقضاء الحاجة"ثوبه" عن عورته"شيئا فشيئا" (^٤) نعم إن خاف تنجس ثوبه رفع قدر حاجته ذكره في المجموع"ويسبله" ندبا"كذلك" أي شيئا فشيئا"إن" الأولى قول الروضة إذا"قام قبل انتصابه"،
_________________
(١) = الوسيط.
(٢) "قوله: ولو بانغماس مستجمر فيه" قال في شرح مسلم انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه إن كان الماء قليلا حرم لما فيه تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء انتهى جعل تنجيس الماء والبدن جميعا كالتضمخ بالنجاسة، وقال شيخنا معنى الغاية في قوله ولو بانغماس مستجمر ما يعلم من أول الكلام من حرمة التضمخ ولو بجزء بدنه وما بعد لو بجميع بدنه ولما كان غسل جميع البدن محل حاجة لرفع نحو جنابة ربما توهم العفو عنه بدليل المسامحة في المستجمر في صور متعددة فناسب الإتيان بالغاية.
(٣) "قوله: لكنه قوي من حيث المعنى" محله إذا كان الماء مملوكا لغيره أو تضمن تنجيسه تنجيس شيء من بدنه كما في انغماس المستجمر أو كان على غير وضوء، وفي الوقت ولا ماء غيره.
(٤) "قوله: ويحرم على قبر محترم" والظاهر أن البول إلى جداره كالبول عليه إن ماسته الفضلة ت.
(٥) "قوله: ويرفع ندبا للقعود ثوبه شيئا فشيئا" قال ابن الرفعة، وفيه نظر لأن الصحيح أن كشف العورة في الخلوة لا يجوز من غير حاجة وقبل دنوه من الأرض لا حاجة به إلى الكشف انتهى ويمنع قوله أنه لا حاجة به إلى الكشف بل حاجته فوق حاجة الغسل عاريا في الخلوة مع إمكان الستر وقد نص الشافعي على أنه لا يجب الستر وقد قال في المجموع أنه لا يجب ترك التكشف إلى أن يدنو من الأرض اتفاقا بل هو مستحب.
[ ١ / ١٤٢ ]
ويجوز فتح همزة إن لتكون مصدرية"ويقول" ندبا"عند" إرادة"الدخول" (^١) لذلك"بسم الله" (^٢) رواه ابن السكن في صحاحه"اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" للاتباع رواه الشيخان، وفارق تأخير التعوذ عن البسملة هنا تعوذ القراءة حيث قدموه عليها بأنه ثم لقراءة القرآن، والبسملة منه فقدم عليها بخلافه هنا قال الأذرعي فإن نسي (^٣) تعوذ بقلبه (^٤) كما يحمد العاطس، والخبث بضم الخاء مع ضم الباء وإسكانها جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، والمراد بذلك ذكران الشياطين وإناثهم، والاستعاذة منهم في البناء المعد لقضاء الحاجة لأنه مأواهم، وفي غيره لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج.
"و" يقول ندبا"عند الخروج" أي عقبه"غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني" للاتباع رواه النسائي، واقتصر القاضي والبغوي على غفرانك للاتباع رواه ابن حبان، وغيره، وصححوه قال الشيخ نصر المقدسي وغيره ويكرر غفرانك مرتين والمحب الطبري (^٥) ثلاثا قيل، وسبب سؤاله تركه ذكر الله في تلك الحالة أو خوفه من تقصيره في شكر نعمة الله التي أنعمها عليه فأطعمه ثم هضمه ثم سهل خروجه فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعم فتداركه بالاستغفار.
"ولا يبول في" مكان"صلب" لئلا يترشش بالبول، ولخبر "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" رواه الحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين فإن لم يجد غيره دقه بحجر أو نحوه لذلك"و" لا في "ثقب" بفتح المثلثة أفصح من ضمها، وهو ما استدار لخبر أبي داود، وغيره بأسانيد صحيحة عن
_________________
(١) "قوله: ويقول ندبا عند إرادة الدخول" أي أو قرب جلوسه بالصحراء.
(٢) "قوله: بسم الله" وإن قصد به القرآن، وقال ابن كج يحرم حينئذ ولا يزيد الرحمن الرحيم كما اقتضاه كلامهم وصرح به بعضهم وأفتى به ابن البزري.
(٣) "قوله: فإن نسي" أي ترك ولو عمدا.
(٤) "قوله: قال الأذرعي فإن نسي تعوذ بقلبه" أشار إلى تصحيحه.
(٥) "قوله: والمحب الطبري ثلاثا" قال المحب الطبري يستحب أن يكرر هذا الذكر أي بجملته ثلاثا وهو غريب.
[ ١ / ١٤٣ ]
قتادة عن عبد الله بن سرجس "أنه ﷺ نهى عن البول في الحجر" قالوا لقتادة ما يكره منه في الجحرة فقال كان يقال أنها مساكن (^١) الجن (^٢).
"و" لا في"سرب" بفتح السين، والراء ما استطال، ويقال له الشق إلحاقا له بالثقب، والنهي فيهما للكراهة، وقال في المجموع ينبغي تحريم ذلك للنهي الصحيح إلا أن يعد لذلك فلا تحريم، ولا كراهة، والتصريح بالسرب من زيادة المصنف"و" لا في"مهب ريح" (^٣) لما مر في البول بمكان صلب، ومنه المراحيض المشتركة.
"ولا" يبول"قائما" (^٤) لخبر الترمذي، وغيره بإسناد جيد أن عائشة قالت من حدثكم "أن النبي ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا" (^٥) "إلا لعذر" (^٦) فله أن يبول قائما بلا كراهة بل، ولا خلاف الأولى لخبر الصحيحين "أنه ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما" (^٧)، وسبب بوله قائما ما قيل إن العرب كانت تستشفي به لوجع الصلب فلعله كان به أو أنه لم يجد مكانا يصلح للقعود أو أنه لعلة بمأبضيه أي باطني ركبتيه قال النووي، ويجوز أن
_________________
(١) "قوله كأن يقال أنها مساكن الجن" ولأنه قد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى أو قوي فيؤذيه أو ينجسه.
(٢) ضعيف: رواه أبو داود ١/ ٨ كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الجحر، حديث ٢٩، ورواه النسائي ١/ ٣٣ حديث ٣٤.
(٣) "قوله: ولا في مهب ريح" أي موضع هبوبها فشمل حال سكونها إذ قد تهب بعد شروعه في البول فترد الرشاش عليه ف س.
(٤) "قوله: ولا يبول قائما" قال الأذرعي الظاهر التحريم إذا علم التلويث ولا ماء أو وجده ولكن ضاق وقت الصلاة أو لم يضق وقلنا يحرم التضمخ بالنجاسة عبثا وقوله قال الأذرعي إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٥) صحيح: رواه الترمذي ١/ ١٧ كتاب الطهارة، باب ما جاء في النهي عن البول قائما، حديث ١٢، ورواه النسائي ١/ ٢٦ حديث ٢٩، وابن ماجه ١/ ١١٢ حديث ٣٠٧. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد.
(٦) "قوله: إلا لعذر" كعلة أو ضيق مكان.
(٧) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول قائما وقاعدا، حديث ٢٢٤، ورواه مسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث ٢٧٣.
[ ١ / ١٤٤ ]
يكون لبيان الجواز (^١)، وظاهر أن الغائط كالبول فيما ذكر إلا في المكان الصلب، ومهب الريح فيحتمل أنه ليس كذلك، ويحتمل التفصيل بين المائع، والجامد (^٢).
"ويستبرئ" ندبا"من البول" عند انقطاعه، وقبل قيامه إن كان قاعدا لئلا يقطر عليه، ولخبر الحاكم السابق، ويحصل"بتنحنح، ونتر" للذكر (^٣) ثلاثا"ومشي" وأكثره فيما قيل سبعون خطوة، وذكر المشي من زيادته على الروضة، وكيفية النتر أن يمسح بيساره من دبره إلى رأس ذكره، وينثره بلطف ليخرج ما بقي إن كان، ويكون ذلك بالإبهام، والمسبحة لأنه يتمكن بهما من الإحاطة بالذكر، وتضع المرأة أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها قال في المجموع، والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الناس، والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه فمنهم من يحصل له هذا بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من يحتاج إلى مشي خطوات، ومنهم من يحتاج إلى صبر لحظة، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا، وينبغي لكل أحد أن لا ينتهي إلى حد الوسوسة، وإنما لم يجب الاستبراء لأن الظاهر من انقطاع البول عدم عوده، وقال القاضي والبغوي بوجوبه به، وجرى عليه النووي في شرح مسلم لصحة التحذير من عدم التنزه من البول (^٤).
"وكره" بغير حاجة"حشو إحليل"، وهو مخرج البول من الذكر بقطن أو
_________________
(١) "قوله: قال النووي ويجوز أن يكون لبيان الجواز" قال أبو زرعة وقد بينا الحكمة في ذلك من عشرة أوجه في شرح أبي داود.
(٢) "قوله: ويحتمل التفصيل بين المائع والجامد" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: ونتر للذكر" بالمثناة.
(٤) "قوله: لصحة التحذير من عدم التنزه من البول" لو غلب على ظنه أنه لو لم يستبرئ لخرج منه شيء وجب الاستبراء لئلا يخرج في حال غفلته عنه فيتنجس وينتقض وضوءه وهو لا يشعر صرح به ابن البزري واقتضاه كلام غيره وهو متعين وقول بعض الأصحاب عليه أن يستبرئ يحمل عليه غ.
[ ١ / ١٤٥ ]
غيره"ولا ينتقل مستنج بحجر" عن محل قضاء (^١) حاجته لئلا تنتشر النجاسة، ولا مستنج بماء، وهو "آمن من رشاش" ينجسه كأن كان في الأخلية المتخذة لذلك (^٢) بخلاف ما إذا لم يأمن منه فإنه ينتقل، ومن الآداب ما قاله المحب الطبري تفقها أن لا يأكل، ولا يشرب، ومنها أن لا يستاك لأنه يورث النسيان.
"فصل" في بيان الاستنجاء"يجب الاستنجاء" لا على الفور (^٣) بالماء على الأصل في إزالة النجاسة أو بالحجر لأنه ﷺ جوزه به حيث فعله كما رواه البخاري (^٤)، وأمر بفعله بقوله فيما رواه الشافعي، وغيره، وليستنج بثلاثة أحجار، وفيما رواه أبو داود، وغيره كما مر إذا ذهب أحدكم إلى الغائط الحديث (^٥) "من خارج من" مخرج"معتاد" فلا يجب من الخارج من غيره كالخارج بالفصد، والحجامة، وإنما تجب إزالته بالماء"ويجزئ الحجر" (^٦) في الخارج من المعتاد لما مر"لا من منفتح" آخر"ولو انسد المعتاد" لندرته بل يتعين فيه الماء على الأصل.
"وإنما" يجب الاستنجاء إذا كان الخارج"ملوثا، ولو نادرا كدم، ومذي"، وودي"لا" نحو"دود، وبعر جافين" فلا يجب بهما الاستنجاء لفوات مقصوده من إزالة النجاسة أو تخفيفها لكن يستحب الاستنجاء من ذلك خروجا من خلاف من أوجبه"ويجزئ الحجر" فيما ذكر"لا في بول خنثى" مشكل. وإن
_________________
(١) "قوله: عن محل قضاء حاجته إلخ" بل يستحب الاستنجاء به في مجلسه وقد يجب حيث لا ماء ولو انتقل لتضمخ بالنجاسة وهو يريد الصلاة بالتيمم أو بالوضوء والماء لا يكفي لهما.
(٢) "قوله: كأن كان في الأخلية المتخذة لذلك" وليس فيها هواء معكوس فإن كان يكره.
(٣) "قوله: لا على الفور" لأنه يجوز تأخيره عن الوضوء بخلاف التيمم.
(٤) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث، حديث ١٥٦.
(٥) رواه أبو داود ١/ ٣ كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، حديث ٨ بإسناده عن أبي هريرة مرفوعا. ورواه النسائي ١/ ٣٨ حديث ٤٠، وابن ماجه ١/ ١١٤ حديث ٣١٣. ورواه الشافعي في مسنده ص ١٣.
(٦) "قوله: ويجزئ الحجر" شمل المغصوب.
[ ١ / ١٤٦ ]
كان الخارج من أحد قبليه لاحتمال (^١) زيادته نعم إن لم يكن له آلتا الذكر، والأنثى بل آلة لا تشبه واحدا منهما يخرج منها البول فالظاهر فيه الإجزاء بالحجر (^٢) "و" لا في بول"ثيب تيقنته دخل مدخل الذكر" لانتشاره عن مخرجه (^٣) بخلاف ما لم تتيقن دخوله ذلك، وبخلاف البكر لأن البكارة تمنع نزول البول إلى مدخل الذكر قاله الرافعي.
"ويجزئ" الحجر"في دم حائض" (^٤) أو نفساء، وفائدته فيمن انقطع دمها، وعجزت عن استعمال الماء فاستنجت بالحجر ثم"تيممت" لسفر أو مرض أو نحوه فإنها تصلي، ولا إعادة قال الإسنوي، ومحله في البكر دون الثيب كما حكاه الروياني، وغيره عن النص، ووجهه ابن الرفعة بأن مدخل الذكر قد تنجس بالدم، والحجر لا يصله كما قالوه فيمن تحقق وصول بولها إليه انتهى، ورد بمنع أن الحجر لا يصله لا سيما، والخرقة مثلا تقوم مقامه. والأصحاب إنما منعوا ذلك في البول لانتشاره عن مخرجه بخلاف دم الحيض فيتعين فيه إجزاء الحجر كما في البكر، والنص إن صح حمل على دم حيض انتشر إلى ظاهر الفرج كما هو الغالب، وهذا هو الأوجه ولا يجزئ الحجر في بول الأقلف (^٥) قاله ابن المسلم، وظاهر أن محله إذا، وصل البول إلى الجلدة كما هو الغالب.
"و" يجزئ في خارج"منتشر" حول المخرج فوق عادة الناس (^٦) بقيد زاده
_________________
(١) "قوله: لاحتمال زيادته" ولينظر فيمن له ذكران هل يلحق به فإن الأصلي في نفس الأمر واحد والظاهر الإلحاق غ.
(٢) "قوله: فالظاهر فيه الإجزاء بالحجر" قال شيخنا هو كذلك إذ لا احتمال هنا للزيادة لأنه أصلي بلا كلام فإنه إما ذكر أو أنثى وإن قلنا بإشكاله في ذاته.
(٣) "قوله: لانتشاره عن مخرجه" قال الأذرعي يظهر استثناء المفضاة إذا اختلط به مخرج البول بمدخل الذكر ووجهه بين.
(٤) "قوله: ويجزئ الحجر في دم حائض إلخ" لو خرج منه المني على أثر الاستنجاء بالحجر أو عقب البول فينبغي إلحاق الاستنجاء منه بالاستنجاء من دم الحيض لكونه خارجا موجبا للغسل ت.
(٥) "قوله: ولا يجزئ الحجر في بول الأقلف" لأن باطن القلفة لا يمكن مسحه بالحجر وداخل الجلد يتنجس وهو مأمور بقطعها فهي في حكم الظاهر.
(٦) "قوله: فوق عادة الناس" أي عادة غالب.
[ ١ / ١٤٧ ]
بقوله: "متصل" بعضه ببعض"لم يجاوز الحشفة" في البول، وهي ما فوق الختان (^١) "والصفحتين" في الغائط، وهما ما ينضم من الأليتين عند القيام لما صح أن المهاجرين أكلوا التمر لما هاجروا، ولم يكن ذلك عادتهم وهو مما يرق البطون، ومن رق بطنه انتشر ما يخرج منه ومع ذلك لم يؤمروا بالاستنجاء بالماء ولأن ذلك يتعذر ضبطه فنيط الحكم بالحشفة، والصفحة، وتعبيره بالصفحتين أولى من تعبير الأصل بالأليتين إذ الحكم دائر معهما لا مع الأليتين. والمتجه في المهمات (^٢) أن مقطوع الحشفة يقوم قدرها (^٣) مقامها.
"فإن تقطع" الخارج هذا تصريح بما أفهمه قوله متصل"أو انتقل عن المحل" الذي أصابه عند الخروج، واستقر فيه، وإن لم يجاوز فيهما ما ذكر"أو" لم يتقطع، ولم ينتقل لكن"جاوز" ذلك"أو جف تعين الماء" في ذلك حتى في الداخل في الثالثة لخروجه عما تعم به البلوى فإن تقطع فيها كفى في الداخل المتصل بالمخرج الحجر، ومثله المتصل به في الأولى، ويستثنى مما إذا جف ما لو جف بوله ثم بال ثانيا فوصل بوله إلى ما، وصل إليه بوله الأول فيكفي فيه الحجر صرح به القاضي والقفال قال، ومثله الغائط، وهو ظاهر فيما إذا كان مائعا، وما ذكروه من اشتراط عدم الانتقال مقيد بما لا ضرورة إليه، وسيأتي إيضاحه.
"وكذا يتعين الماء إن لاقى" الخارج"نجسا، ولو رشاشه" أي الخارج"أو" لاقى"بللا. ولو" كان البلل"بالحجر" لخروج ذلك عما تعم به البلوى، وقوله أو بللا، ولو بالحجر من زيادته، ويغني عن قوله، ولو بالحجر قوله الآتي لا رطب، "وكل جامد طاهر قالع" غير محترم كما يعلم مما يأتي كخشب، وخزف، وحشيش"كالحجر" في أنه يجزئ الاستنجاء به، والتنصيص على الحجر
_________________
(١) "قوله: وهي ما فوق الختان" قال العراقي في مختصر المهمات محله في الرجل السليم الذكر أما المرأة والمجبوب فلا ينطبق عليهما ذلك ولم يتحرر لي ضابط الانتشار المانع من الحجر فيهما ويتجه في مقطوع الحشفة الجزم بأن مقدارها يقوم مقامها.
(٢) "قوله: والمتجه في المهمات إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: يقوم قدرها مقامها" جزم به الزركشي.
[ ١ / ١٤٨ ]
في الأخبار جرى على الغالب بدليل خبر البخاري عن ابن مسعود قال أتى النبي ﷺ "الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس" (^١) فتعليله منع الاستنجاء بالروثة بكونها ركسا لا بكونها غير حجر دليل على أن ما في معنى الحجر كالحجر فيما ذكر، وفارق تعينه في رمي الجمار، وتعين التراب في التيمم بأن الرمي لا يعقل معناه بخلاف الاستنجاء، والتراب فيه الطاهرية، والطهورية، وهما مفقودتان في غيره بخلاف الإنقاء يوجد في غير الحجر ثم بين ما احترز عنه بما قدمه بقوله"لا رطب" لأن رطوبته تنجس بملاقاة النجاسة، ويعود شيء منها إلى محل الخارج فتصير كنجاسة أجنبية.
"و" لا"متنجس" كما في الطهر بالماء، وللنهي عن الاستنجاء بالروث. وإنما جاز الدبغ بالنجس (^٢) لأنه عوض الذكاة الجائزة بالمدية النجسة بخلاف الحجر.
"و" لا"أملس كزجاج، وتراب، وفحم رخوين" لأنه غير قالع بخلاف التراب والفحم الصلبين، والنهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف قاله في المجموع، وإن صح حمل على الرخو.
"ويجوز" الاستنجاء"بذهب، وفضة، وجوهر"، وبقطعة ديباج (^٣) نعم حجارة الحرم، والمطبوع من الذهب، والفضة قال الماوردي والروياني يمتنع الاستنجاء بهما لحرمتهما فإن استنجى (^٤) بهما أساء، وأجزأه"لا بمحترم
_________________
(١) صحيح سبق تخريجه.
(٢) "قوله: وإنما جاز الدبغ بالنجس إلخ" قد يجب استعمال الأعيان النجسة في الاستنجاء وذلك إذا كان معه من الماء ما يكفيه لو أزال العين أولا ولم يجد إلا العين النجسة ومثله سائر البدن فلا يختص بالاستنجاء.
(٣) "قوله: وبقطعة ديباج" قال في المهمات وينبغي التفصيل فيه بين الرجال والنساء انتهى ويجاب عنه بأن الاستنجاء به لا يعد استعمالا له في العرف وإلا لما جاز بالذهب والفضة.
(٤) "قوله: فإن استنجى بهما أساء وأجزأه" قوله أجزأه بالنسبة لحجارة الحرم هو ما في شرح المهذب لا ما نقله عن الإسنوي من الجواز وكأنه التبس عليه الإجزاء بالجواز منه، وقال=
[ ١ / ١٤٩ ]
كمطعوم" (^١) للآدمي كالخبز أو للجن كالعظم كما سيأتي لما روى مسلم أنه ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم، وقال: "إنه زاد إخوانكم" يعني من الجن (^٢) فمطعوم الآدمي أولى، ولأن المسح بالحجر رخصة، وهي لا تناط بالمعاصي"فيجوز برمانة قالعة لم تكسر و" لكنه"يكره" فإن كسرت، وانفصل حبها فلا كراهة"ويجوز بقشر موز يبس"، والتصريح بقوله فيجوز إلى آخره من زيادته. وصرح بجوازه بذلك الماوردي في كلام استحسنه في المجموع فقال، وأما الثمار، والفواكه فمنها ما يؤكل رطبا لا يابسا كاليقطين فلا يجوز الاستنجاء به رطبا، ويجوز يابسا إذا كان مزيلا، ومنها ما يؤكل رطبا، ويابسا، وهو أقسام:
أحدهما: مأكول الظاهر، والباطن كالتين، والتفاح، والسفرجل فلا يجوز برطبه، ولا بيابسه.
والثاني: ما يؤكل ظاهره دون باطنه كالخوخ، والمشمش، وكل ذي نوى فلا يجوز بظاهره، ويجوز بنواه المنفصل.
والثالث: ما له قشر، ومأكوله في جوفه فلا يجوز بلبه، وأما قشره فإن كان لا يؤكل رطبا، ولا يابسا كالرمان جاز الاستنجاء به سواء أكان فيه الحب أم لا، وإن أكل رطبا ويابسا كالبطيخ لم يجز في الحالين، وإن أكل رطبا فقط كاللوز، والباقلا جاز يابسا لا رطبا انتهى، وأما مطعوم البهائم فيجوز، والمطعوم لها، وللآدمي يعتبر فيه الأغلب فإن استويا فوجهان بناء على ثبوت الربا فيه، والأصح الثبوت قاله الماوردي والروياني، وإنما جاز بالماء مع أنه مطعوم لأنه يدفع النجس عن نفسه بخلاف غيره قال الزركشي، والظاهر أن عدم (^٣) استعمال المطعوم
_________________
(١) = ابن قاضي شهبة وشمل إطلاقه الحجر حجارة الحرم وهو الأصح وقوله من الجواز أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: لا بمحترم كمطعوم" يرد على قوله محترم الجلد فإنه يجوز أن يستنجي به إذا دبغ وإن قيل يحل أكله لأنه لا يؤكل عادة.
(٣) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، حديث ٤٥٠.
(٤) "قوله: قال الزركشي والظاهر إلخ" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١٥٠ ]
لا يتعدى الاستنجاء إلى سائر النجاسات فيجوز استعمال الملح مع الماء في غسل الدم.
وظاهره جواز استعمال الخبز ونحوه في ذلك وفيه نظر (^١) "وجلد" أي وبجلد"مذكى" أو غيره (^٢) دبغ لأن الدباغ يزيل ما فيه من الدسومة، ويقلبه عن طبع اللحوم إلى طبع الثياب بخلاف ما لم يدبغ للدسومة المانعة من التنشيف، ولنجاسته إن لم يكن مأكولا، ولاحترامه إن كان مأكولا لأنه يعد حينئذ من المطعومات بدليل أنه يؤكل على الرءوس، وغيرها، ومحل المنع إذا استنجى به من الجانب الذي لا شعر عليه، وإلا جاز إذ لا دسومة فيه، وليس بطعام قاله ابن القطان والبغوي والمتولي نبه عليه الزركشي، وقال كالأذرعي الظاهر الجواز بجلد الحوت الكبير الجاف، وإن كان أصله مأكولا لأنه صار كالمدبوغ. وما قالاه بعيد (^٣) "لا عظم"، وإن أحرق حتى خرج عن حاله، وإنما لم يجز إذا أحرق كالجلد إذا دبغ لأنه بالإحراق لم يخرج عن كونه مطعوما (^٤) للجن بخلاف الجلد بالدبغ"ولا جزء حيوان متصل" كيده وعقبه (^٥) وصوفه ووبره بخلاف ما إذا انفصل عنه قال في شرح إرشاده (^٦)، وهذا في حيوان لا تبقى حرمته بعد الموت فإن بقيت كالآدمي امتنع الاستنجاء بجزئه مطلقا، وهذا بحث أخذه من قول الإسنوي فيه نظر، والقياس المنع، ودخل في إطلاقهم ما يجوز قتله كفأرة وبه صرح
_________________
(١) "قوله:، وفيه نظر" قال شيخنا ينبغي إلحاقه بالملح إن دعت الحاجة إليه وإلا امتنع.
(٢) "قوله: وجلد مذكى دبغ" قال الأصحاب وإنما جاز بالجلد المأكول لأنه لا يؤكل عادة ولا مقصودا ولهذا هو غير ربوي.
(٣) "قوله: وما قالاه بعيد" قال شيخنا إذ هو بسبيل من أن يبله ويأكله.
(٤) "قوله: لأنه بالإحراق لم يخرج عن كونه مطعوما للجن" بل قيل إن الله تعالى يخلق عليه لحما بعد حرقه وخرج به غيره من مطعوم الآدمي إذا خرج بحرقة عن كونه مطعوما.
(٥) "قوله: كبده وعقبه إلخ" خرج به شعر المأكول وصوفه ووبره وريشه فإنه يجوز الاستنجاء به منفصلا لا متصلا.
(٦) "قوله: قال في شرح إرشاده إلخ" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١٥١ ]
الفوراني، واستثنى ابن العماد (^١) من المنع بجزء الحيوان جزء الحربي، وفيه نظر مأخذه كلام الفوراني، ويمكن الفرق.
"ويجزئ الحجر بعد" الاستنجاء بشيء"محترم، وزجاج لم ينقلا" النجاسة فإن نقلاها تعين الماء كما مر، وزاد المحترم بالإثم، وذكر لزجاج مثال، والمراد غير القالع، ومن المحترم ما كتب عليه علم كحديث، وفقه كما صرح به الأصل قال في المهمات، ولا بد من تقييد العلم بالمحترم سواء أكان شرعيا كما مر أم لا كحساب، وطب، ونحو، وعروض لأنها تنفع في العلوم الشرعية. أما غير المحترم كمنطق، وفلسفة فلا أثر له، وفي إطلاقه في المنطق نظر (^٢)، وألحق بما فيه علم محترم جلده المتصل به دون المنفصل عنه بخلاف جلد المصحف يمتنع الاستنجاء به مطلقا كما في عقود المختصر للغزالي، وجوزه القاضي بورق التوراة، والإنجيل، ويجب حمله على ما علم تبدله منهما (^٣)، وخلا عن اسم الله، ونحوه.
"ويشترط إنقاء" للمحل بحيث لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء أو صغار الخزف.
"و" يشترط"ثلاث مسحات (^٤)، ولو" كانت"بجوانب حجر" للأخبار
_________________
(١) "قوله: واستثنى ابن العماد إلخ" ما قاله ممنوع.
(٢) "قوله:، وفي إطلاقه في المنطق نظر" ذكر الغزالي في بعض المواضع أن المنطق مباح، وفي بعضها أنه فرض كفاية.
(٣) "قوله: ويجب حمله على ما علم تبدله منهما" كما يجب حمل ما في الروضة كأصلها في السير من أنه يحرم الانتفاع بكتبهما لتبدلهما على ما علم تبدله أو شك فيه وما فيهما في الأيمان من أنه لو حلف لا يتكلم لا يحنث بقراءة التوراة للشك في تبدلها على ما شك في تبدله فيحنث بقراءة ما علم تبدله ولو بقراءة الجملة لأن فيها مبدلا قطعا.
(٤) "قوله: ويشترط ثلاث مسحات" ولكون دلالة الحجر ظاهرة لعدم إزالة الأثر احتيج إلى الاستظهار بالعدد كالعدة بالإقراء وإن حصلت البراءة بقرء كما في الاستبراء بخلاف الماء دلالته قطعية لإزالته العين والأثر فلم يحتج إلى العدد كالعدة بالحمل قال في المجموع فإن قيل التقييد في الخبر بالثلاثة خرج مخرج الغالب لأن النقاء لا يحصل بدونها غالبا قلنا النقاء شرط اتفاقا فكيف يخل به ويذكر ما ليس بشرط مع إيهامه للشرطية فإن قيل فقد ترك النقاء قلنا ذاك معلوم بخلاف العدد فنص على ما يخفى وترك ما لا يخفى. . . . . . . . . . . =
[ ١ / ١٥٢ ]
السابقة، ولخبر مسلم عن سلمان "نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" (^١)، وفي معناها ثلاثة أطراف حجر بخلاف رمي الجمار لا يكفي حجر له ثلاثة أطراف عن ثلاث رميات لأن المقصود ثم عدد الرمي، وهنا عدد المسحات"أو غسل" الحجر"وجف" فإنه يجوز استعماله ثانيا كدواء دبغ به، وتراب استعمل في غسل نجاسة الكلب (^٢). ولو لم يتلوث الحجر في غير الأولى جاز استعماله أيضا كما صرح به الأصل، وفارق الماء بأنه لم يزل حكم النجاسة بل خففها بدليل أنه تنجس ما لاقاها مع رطوبة بخلاف الماء فإنه أزال حكم الحدث، ويفارق تراب التيمم أيضا بأن التراب طهور كالماء، وبدل عنه فأعطي حكمه بخلاف الحجر، ومع جواز استعماله لا يكره بخلاف رمي الجمار إذ جاء أن ما تقبل من الحصيات رفع، وما لا ترك، ولأن المقصود تعدد المرمى به"فإن لم ينق" المحل بالثلاث"زاد" عليها إلى أن يحصل الإنقاء.
"وسن" بعده إن لم يحصل بوتران يمسح"وترا" بالمثناة كأن حصل برابعة فيأتي بخامسة قال ﷺ: "من استجمر فليوتر" رواه الشيخان (^٣).
"و" سن في الاستنجاء"تقديم قبل" على دبر، وكلامه شامل للاستنجاء بالماء، وبالحجر، وهو مخالف لما في الروضة، وغيرها من التقييد بالأول (^٤)، وهو الموافق لقول الحليمي في الكلام على الاستنجاء بالحجر يبدأ بدبره ثم يثني
_________________
(١) = ولو حمل على الغالب لأخل بالشرطين معا وتعرض لما لا فائدة فيه بل فيه إيهام انتهى ش إنما وجبت ثلاث مسحات لأن الشارع إذا نص على عدد فلا بد له من فائدة وهي إما منع الزيادة والنقصان أو منع أحدهما والزيادة غير ممتنعة هنا فتعينت في عدم النقص ولأنها نجاسة شرع في إزالتها عدد فوجب الإتيان به كغسل ولوغ الكلب ولأن الإنقاء الحاصل بالثلاث لا يوجد في المرة خصوصا والمحل غير مشاهد للماسح.
(٢) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، حديث ٢٦٢.
(٣) "قوله: وتراب استعمل في نجاسة الكلب" قال شيخنا ما ذكره من جواز استعمال تراب استعمل في نجاسة الكلب مرة ثانية بعد غسله ممنوع لكونه طاهرا غير طهور.
(٤) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستنثار في الوضوء، حديث ١٦١ ومسلم، باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، حديث ٢٣٧.
(٥) "قوله: من التقييد بالأول" أشار إلى تصحيحه.
[ ١ / ١٥٣ ]
بقبله. وقال بعض العلماء إنه سنة فيحتمل ذلك لأن الأغلظ أهم، والبداءة بالأهم أولى أو لأنه إذا استنجى من الغائط أولا قدر على التمكن من الجلوس فاستنجى من البول أو لأنه قد ينزل منه بول فلا يحتاج إلى إعادة الاستنجاء منه إذا بدأ بالدبر نقله عنه الزركشي (^١)، وأقره، ويسن النظر إلى الحجر المستنجى به قبل رميه ليعلم هل قلع أم لا ذكره المحب الطبري.
"و" سن في كيفية الاستنجاء في الدبر"وضع الحجر أولا على مقدم الصفحة اليمنى على" محل"طاهر قرب النجاسة" ثم يمره على المحل"و" أن"يديره برفق" أي قليلا قليلا حتى يرفع كل جزء منه جزءا منها"إلى" أن يصل إلى"المبدأ و" أن"يعكس الثاني كذلك و" أن يمر"الثالث على الصفحتين، والمسربة" بضم الراء، وفتحها قال في الكفاية، وبضم الميم مجرى الغائط وقيل واحد لليمنى وآخر لليسرى والثالث للوسط، وقيل واحد للوسط مقبلا، وآخر له مدبرا ويحلق بالثالث، والخلاف في الأفضل لا في الوجوب على الصحيح في الأصل، ولا بد في كل قول أن يعم بكل مسحة (^٢) جميع المحل ليصدق أنه مسحه ثلاث مسحات.
وقول المصنف في شرح إرشاده. والأصح أنه لا يشترط أن يعم بالمسحة الواحدة المحل، وإن كان أولى بل يكفي مسحة لصفحة، وأخرى للأخرى، والثالثة للمسربة مردود، والوجه الثاني الذي أخذ منه ذلك غلط الأصحاب كما في المجموع قائله من حيث الاكتفاء بما لا يعم المحل بكل حجر لا من حيث
_________________
(١) "قوله: نقله عنه الزركشي" كالأذرعي وغيره.
(٢) "قوله: ولا بد في كل قول أن يعم بكل مسحة إلخ" وجرى عليه ابن الرفعة والسبكي وابن النقيب والزركشي وغيرهم وعبارة الروياني اعلم أن الواجب أن يستنجي بثلاثة أحجار يعم بكل حجر منها المحل لأن العدد المعتبر في إزالة النجاسة من شرطه أن يعم المكان بكل مرة كما قلنا في عدد غسل الإناء من ولوغ الكلب، وقال في الخادم لك أن تسأل إذا كانت الكيفية على الأصح مستحبة فما هو الواجب والجواب أن الواجب إمرار كل حجر على كل المحل سواء بدأ بالمقدم أو بالوسط أو بالمؤخر وعبارة الأنوار ويجب أن يمسح ثلاث مسحات إما بأحجار أو بأطراف حجر وأن يمسح في كل مسحة جميع الموضع.
[ ١ / ١٥٤ ]
الكيفية قال المتولي فإن احتاج إلى زائد على الثلاث فصفة استعماله كصفة الثالث"وإن أمر" الحجر، "ولم يدره، ولم ينقل" شيئا من الخارج"أجزأه" فإن نقل تعين الماء كما مر، ومحله كما اقتضاه كلام العراقيين، وصرح به الإمام فيما لا ضرورة إليه أما القدر المضرور إليه في ذلك فيعفى عنه إذ لو كلف أن لا ينقل النجاسة في محاولة رفعها أصلا لكان ذلك تكليف أمر يتعذر الوفاء به، وذلك لا يليق بغير الرخص فكيف بها قال، وهو كإلقاء الجبيرة على محل الخلع فإنها تأخذ أطرافا من المواضع الصحيحة لتستمسك، وكلام المصنف يقتضي أن وضع الحجر على طاهر سنة. وكلام الأصل يقتضي أنه، واجب لكن الأول هو الصحيح في المجموع حيث قال فيه بعد نقله ما في الأصل عن الخراسانيين، ولم يشترط العراقيون شيئا من ذلك، وهو الصحيح فإن اشتراطه تضييق للرخصة، وليس له أصل في السنة قال الإسنوي. وحاصله أنه لا يشترط الوضع على طاهر، وأنه لا يضر النقل الحاصل من عدم الإدارة.
"و" أن"يمسح" في استنجائه بالحجر"ويغسل" في استنجائه بالماء"بيساره" لأنها الأليق بذلك، ولخبر أبي داود عن عائشة كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره، وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى (^١) "و" أن"يحمل بها" في استنجائه"الحجر لا الماء" بل يصبه باليمنى، ويغسل باليسرى كما مر"و" أن"يأخذ بها ذكره إن مسح البول على جدار أو حجر" عظيم أو نحوهما"و" أن "يضعه" أي الحجر"لصغر" فيه"تحت عقبيه" يعني بينهما كما عبر به الأصل"أو بين إبهامي رجليه" أو يتحامل عليه إن أمكنه، والذكر بيساره كما صرح به الأصل"أو" يضعه"في يمينه" إن لم يتمكن من وضعه بين عقبيه أو إبهامي رجليه كما ذكره الأصل"و" أن"يضعه" أي الذكر"في موضعين وضعا" لينتقل البلة"وفي" الموضع"الثالث مسحا بيساره"، ويحركها، وحدها فإن حرك اليمنى أو حركهما جميعا كان مستنجيا
_________________
(١) صحيح: رواه أبو داود ١/ ٩ كتاب الطهارة، باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء، حديث ٣٣.
[ ١ / ١٥٥ ]
باليمين ذكره الأصل.
وإنما لم يضع الحجر في يساره، والذكر في يمينه لأن مس الذكر بها مكروه لخبر الصحيحين إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه (^١)، وإنما لم يقتض النهي الحرمة، والفساد في اليمين كما اقتضاهما في العظم أما الأول فلأن الإزالة هنا بغير اليمين، وثم بالعظم نفسه، وأما الثاني فلأن النهي هنا لمعنى في الفاعل فلم يقتض الفساد كما في الصلاة في المغصوب، وثم لمعنى في العظم فاقتضاه كما في الصلاة بالنجس، وما ذكره المصنف من كيفية وضع الذكر قاله المتولي، وغيره لكنه ليس في الأصل بل الذي فيه أنه يمسحه على ثلاثة مواضع، وزاد المصنف قوله"وشرط القاضي" حسين"أن لا يمسحه في الجدار صعودا"، وجوز مسحه فيه نزولا قال في المجموع، وفي هذا التفصيل نظر (^٢)، وأما قبل المرأة فظاهر على ما في الأصل أنها تأخذ الحجر بيسارها، وتمسحه ثلاثا"والأفضل إتباعه" أي الحجر"بالماء" أي الجمع بينهما بأن يقدم الحجر أفضل من الاقتصار على أحدهما لأن العين تزول بالحجر، والأثر بالماء من غير حاجة إلى مخامرة عين النجاسة.
وقضية التعليل أنه لا يشترط طهارة الحجر حينئذ، وأنه يكتفى بدون الثلاث مع الإنقاء، وبالأول صرح الجيلي نقلا عن الغزالي، وقال الإسنوي في الثاني (^٣)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال، حديث ١٥٤، ورواه مسلم، كتاب الطهارة في باب النهي عن الاستنجاء باليمين، حديث ٢٦٧.
(٢) "قوله: وفي هذا التفصيل نظر" لعل الفرق أنه إذا مسح من الأعلى لا تنتقل النجاسة إلى شيء منه بخلاف عكسه ق ع.
(٣) "قوله: وقال الإسنوي في الثاني إلخ" لا تحصل الأفضلية بواحد منهما، لأن الكلام في الجمع بين الاستنجاء الشرعي والماء والاستنجاء بالحجر النجس لا يسمى استنجاء شرعيا وإنما هو من باب تخفيف النجاسة وكتب أيضا عبارة الشامل والنهاية وغيرهما الأحجار بصيغة الجمع وعبارة الحاوي يبدأ بالأحجار الثلاث حتى تزول بها العين وعبارة المجموع قال أصحابنا يجوز الاقتصار على الماء والأحجار والأفضل أن يجمع بينهما يستعمل الأحجار لتقل مباشرة النجاسة ثم يستعمل الماء لتطهير المحل طهارة كاملة انتهى. ثم محل ما تقدم أيضا حيث كان الحجر مجزيا لو اقتصر عليه وإلا فلا يستحب جمعهما لأجل الاستنجاء قاله في شرح المهذب وهو واضح غ.
[ ١ / ١٥٦ ]
المعنى، وسياق كلامهم يدلان عليه، وقضية كلامهم أن أفضلية الجمع لا فرق فيها بين البول، والغائط (^١)، وبه صرح سليم وغيره (^٢)، وجزم القفال باختصاصه بالغائط وصوبه الإسنوي والريمي (^٣).
"فإن اقتصر" على أحدهما"فالماء أفضل" (^٤) لأنه يزيل العين، والأثر، "ويكفي المرأة" بكرا أو ثيبا في استنجائها بالماء"غسل ما يظهر" منها"بجلوس على القدمين"، ومثله الخنثى قاله الخوارزمي"وصح وضوء قبله" أي قبل الاستنجاء"لا تيمم" لأن الوضوء يرفع الحدث، وارتفاعه يحصل مع قيام المانع والتيمم لا يرفعه، وإنما يبيح الصلاة، ولا استباحة مع المانع قال الإسنوي (^٥): ومقتضاه عدم صحة وضوء دائم الحدث قبل الاستنجاء لكونه لا يرفع الحدث، وأجيب بأن الماء الأصل فيه أن يرفع الحدث فكان أقوى من التراب الذي لا يرفعه أصلا.
ويؤيده أنهم لما تعرضوا الوجوب تقديم غسل فرج دائم الحدث على الوضوء لم يتعرضوا لتقديم الاستنجاء في الدبر (^٦)، "وسن للمستنجي بماء أن يدلك يده" بالأرض أو نحوها ثم يغسلها"بعده" أي بعد الاستنجاء به للاتباع رواه
_________________
(١) "قوله: إن أفضلية الجمع لا فرق فيها بين البول والغائط" أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله: وبه صرح سليم وغيره" أي الغزالي في عقود المختصر والمحاملي والبغوي في تعليقه وابن سراقة ش.
(٣) "قوله: وصوبه الإسنوي والريمي" وخالفهما الأذرعي وهو الأصح لأن القائلين به أكثر ولأن القصد تقليل النجاسة وهو شامل للأمرين.
(٤) "قوله: فالماء أفضل إلخ" قيل ينبغي أن يستثنى ما إذا شك في جواز الحجر أو تركه رغبة عن السنة قال ابن النقيب لو وجد من الماء ما يكفي للاستنجاء أو الوضوء فيظهر تعين الوضوء به ويستنجي بالأحجار وظني أنه منقول كذلك ق.
(٥) "قوله: قال الإسنوي" أي والأذرعي وغيرهما وقوله مقتضاه عدم صحة وضوء دائم الحدث إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٦) "قوله: لم يتعرضوا لتقديم الاستنجاء في الدبر" قال شيخنا يقال عليه بل تعرضوا له فقد قال الغزي في قوله فروض الوضوء ستة يزاد عليه أمران أحدهما الموالاة في حق دائم الحدث، ثانيهما تقديم استنجائه.
[ ١ / ١٥٧ ]
الشيخان.
"و" أن"ينضح" بعده أيضا"فرجه، وإزاره" من داخله دفعا للوسواس، ولو أخر كالروضة بعده عن نضح ما ذكر كان أولى"وأن يعتمد في الغسل" للدبر"على أصبعه الوسطى" (^١) لأنه أمكن"ولا يتعرض للباطن" فإنه منبع الوسواس نعم يستحب للبكر أن تدخل أصبعها في الثقب الذي في الفرج فتغسله نقله في المجموع عن العمراني، وغيره، وأقره، وكل ما لا يصل الماء إليه فباطن"فإن غلب على ظنه زوالها" أي النجاسة"كفى" ذلك في إزالتها"ولا يضر شم ريح" (^٢) لها"بيده" فلا يدل على بقائها على المحل، وإن حكمنا على يده بالنجاسة.
ويوجه بأنا لا نتحقق (^٣) أن محل الريح باطن الإصبع الذي كان ملاصقا للمحل لاحتمال أنه جوانبه فلا تنجس بالشك أو بأن المحل قد خفف فيه في الاستنجاء بالحجر فخفف فيه هنا فاكتفى بغلبة ظن زوال النجاسة قال الغزالي في الإحياء، ومن الآداب أن يقول عند الفراغ من الاستنجاء اللهم طهر قلبي (^٤) من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش.
_________________
(١) "قوله: وأن يعتمد في الغسل للدبر على أصبعه الوسطى" ويدلك دبره بيده مع الماء حتى لا يبقى أثر يدركه الكف بالمس ش.
(٢) "قوله: ولا يضر شم ريح" أي تسهل إزالته.
(٣) "قوله: ويوجه بأنا لا نتحقق إلخ" لعل الفرق أن الواجب في إزالة النجاسة عن اليد الإزالة والواجب في الاستنجاء التخفيف.
(٤) "قوله: اللهم طهر قلبي إلخ" قال الأذرعي وهو حسن وإن لم يكن له أصل.
[ ١ / ١٥٨ ]