"يعزر كافر دخل مسجدا" بغير حرم مكة "لا مصلى" غير مسجد وإنما يعزر بذلك إن دخله "بغير إذن مسلم" إذ لا يؤمن أن يدخله على غفلة من المسلمين فيلوثه ويستهين به; ولأنه ليس من أهل ما بني له فصار مختصا بالمسلمين. أما إذا دخله بإذن مسلم فلا شيء عليه "لأنه ﷺ قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم في المسجد قبل إسلامهم" رواه أبو داود يعتبر في المسلم أن يكون مكلفا كما أفاده الجويني في فروقه بحثه الأذرعي وفي الكافر أن لا يشترط عليه في عهده عدم الدخول كما صرح به الماوردي وغيره "وسيجيء" في الجزية "الكلام" على دخوله "في الحرم" أي حرم مكة الشامل لمساجدها "، فإن قعد فيه" أي في المسجد "قاض للحكم فللذمي" ونحوه "دخوله للمحاكمة" بغير إذن وينزل قعوده منزلة الإذن له وينبغي كما قاله الزركشي أن يكون قعود المفتى فيه للاستفتاء كذلك. "ولو" كان الكافر "جنبا" فإن له بما ذكر أن يدخله ويمكث فيه لما روى أبو داود وغيره أن الكفار كانوا يدخلون مسجده ﷺ ويمكثون فيه ولا شك أن فيهم الجنب ويخالف المسلم لاعتقاده حرمة المسجد بخلاف الكافر "ويستحب الإذن له فيه لسماع قرآن" ونحوه كفقه وحديث رجاء إسلامه فإن لم يرج إسلامه بأن كان حاله يشعر بالاستهزاء، أو العناد لم يؤذن له كما جزم به في المطلب وتعبير المصنف بما قاله أعم من قول الأصل لسماع قرآن، أو علم والتصريح بالاستحباب من زيادته قال في المطلب: والظاهر جواز الدخول لذلك بلا إذن "لا أكل ونوم" فيه فلا يستحب الإذن له في دخوله لشيء منهما بل يستحب عدم الإذن كما أفاده قول الأصل ينبغي أن لا يؤذن له بل قال الزركشي ينبغي تحريمه قال وألحق بذلك الفارقي ما إذا دخل لتعلم الحساب واللغة وما في معناه "ويمنع الصبيان" غير المميزين، والبهائم "والمجانين، والسكران دخوله" لخوف تلويثه، وكذا الحائض ونحوها عند خوف ذلك، والمنع كما يكون عن المحرم يكون عن المكروه، وإن كان في الأول واجبا وفي الثاني مندوبا، والمذكورون إن غلب تنجيسهم للمسجد حرم تمكينهم من دخوله وإلا كره كما يعلم مما يأتي في باب
[ ١ / ٥٢٧ ]
الشهادات وذكر السكران من زيادته.
"ويكره نقش المسجد واتخاذ الشرافات له" للأخبار المشهورة في ذلك ولئلا يشغل قلب المصلي بل إن كان ذلك من ريع ما وقف على عمارته فحرام "و" يكره "دخوله" بلا ضرورة "لمن أكل ثوما" بضم المثلثة "ونحوه" مما له ريح كريه وبقي ريحه لخبر "من أكل ثوما، أو بصلا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا" (^١) رواه الشيخان وفي رواية لمسلم من أكل الثوم، والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه بنو آدم (^٢).
"و" يكره "حفر بئر (^٣) وغرس شجر فيه" بل إن حصل بذلك ضرر حرم "فيزيله الإمام" لئلا يضيق على المصلين هذا، وقد قال الأذرعي في غرس الشجرة في المسجد الصحيح تحريمه لما فيه من تحجير موضع الصلاة، والتضييق وجلب النجاسات من ذرق الطيور، ونقل عن جماعة قطع العراقيين بمنع الزرع، والغرس فيه وقال في الحفر فيه الوجه تحريمه ولعل من ذكر الكراهة أراد كراهة التحريم انتهى وسيأتي في كتاب الصلح ما له تعلق بغرس الشجرة.
"وكذا" يكره "عمل صناعة فيه" إن كثر كما ذكره في الاعتكاف هذا كله إذا لم تكن خسيسة تزري بالمسجد ولم يتخذه حانوتا يقصد فيه بالعمل وإلا فيحرم ذكره ابن عبد السلام في فتاويه (^٤).
_________________
(١) البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم الني والبصل والكراث، حديث ٨٥٥، مسلم، كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح وإخراجه من المسجد، حديث ٥٦٤.
(٢) انظر صحيح مسلم، الحديث السابق.
(٣) "قوله: ويكره حفر بئر" الظاهر أن ذلك فيما إذا حفر لمصلحة عامة أما لمصلحة نفسه الخاصة فيحرم قطعا وفي إطلاقه حفر البئر في المسجد للمصلحة العامة نظر، والمتجه كما قاله الغزي تبعا للأذرعي أن يكون الحفر لا يمنع الصلاة في تلك البقعة إما لسعة المسجد، أو نحوها وأن لا يشوش الداخلون إلى المسجد بسبب الاستقاء على المصلي ونحوه وأن لا يحصل للمسجد ضرر. ق ش.
(٤) "قوله: ذكره ابن عبد السلام في فتاويه" قال شيخنا هو ظاهر وإن نقل عن بعض العصريين تضعيفه وظهوره من حيث الإزراء أما من حيث اتخاذه حانوتا فهو رأي للغزالي =
[ ١ / ٥٢٨ ]
"وبصاق فيه خطيئة" (^١) أي حرام كما صرح به في المجموع، والتحقيق "كفارتها دفنه" ولو في تراب المسجد لظاهر خبر الصحيحين "البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" (^٢) "والأولى مسحه بيد ونحوها" (^٣) ; لأن المسح يذهبه، والدفن يبقيه، وإن بدره البصاق فيه بصق في جانب ثوبه الأيسر أو خارجه بصق عن يساره في ثوبه، أو تحت قدمه، أو بجنبه وأولاه في ثوبه ويدلكه أو يتركه ويكره عن يمينه (^٤) وأمامه ومن رأى بصاقا، أو نحوه في المسجد، فالسنة أن يزيله بدفنه، أو رفعه، أو إخراجه وأن يطيب محله قاله في المجموع.
"ولا بأس بإغلاقه في غير الأوقات" أي أوقات الصلاة صيانة له وحفظا لما فيه قال في المجموع هذا إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه ولم تدع حاجة إلى فتحه وإلا، فالسنة عدم إغلاقه ولو كان فيه ماء مسبل للشرب لم يجز غلقه ومنع الناس من الشرب.
_________________
(١) = مبني على أن ما منع منه من المباحات شرط إباحته القلة فإن كثر صار صغيرة ويستفاد من تتمة كلامه، والأصح في مسألتنا الكراهة فقط.
(٢) "قوله: وبصاق فيه خطيئة" أي وإن كان الفاعل خارجه.
(٣) البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد، حديث ٤١٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة: وغيرها حديث ٥٥٢.
(٤) "قوله:، والأولى مسحه بيد ونحوها" ويجب ذلك إذا لم يمكن دفنه لترخيم أرضه، أو نحوه.
(٥) "قوله ويكره عن يمينه" يستثنى من كراهة البصاق عن يمينه ما إذا كان في مسجد النبي ﷺ فإن بصاقه عن يمينه أولى لأنه ﷺ عن يساره د. "تنبيه" ولو بصق في تراب المسجد إن كان من ترابه فهو خطيئة، وإن كان من القمامات المجتمعة قال ابن العراقي ينبغي أن لا يكون به بأس بل لو افتصد على تلك القمامة ينبغي أن لا يمتنع إذا كانت كثيفة بحيث يتحقق أنه لا يصل إلى المسجد شيء من النجاسة والذي يظهر في مسألة الفصد أنه تبقى إزالة النجاسة واجبة ولا يسامح بها كغيرها من القمامات بل تجب المبادرة لإخراجها من المسجد إزالة لعين النجاسة منه ولو توضأ في المسجد ومج ماء المضمضة مختلطا ببصاق لا يظهر أنه خطيئة; لأنه مستهلك فليس فيه تنقيص لحرمة المسجد، وقد يضطر إلى هذا المج لكونه صائما ولا يمكنه ابتلاعه ولا يجد إناء يمجه فيه فلا مضايقة في ذلك فيما يظهر.
[ ١ / ٥٢٩ ]
"ولا" بأس "بالنوم، والوضوء، والأكل فيه إن لم يتأذ به" أي بواحد منها "الناس" وتقييد مسألة النوم بما ذكر من زيادته وهي مكررة فإنه قدمها في باب الغسل تبعا لأصله ولا يخالف حكم الوضوء فيه عدم جواز نضحه بالماء المستعمل كما صرح به البغوي وسيأتي في الاعتكاف; لأن الوضوء محتاج إليه بخلاف النضح بالمستعمل; ولأن تلويثه يحصل في الوضوء ضمنا بخلافه في النضح، والشيء يغتفر ضمنا ما لا يغتفر مقصودا ولا يجوز قصد المسجد بالأشياء المستقذرة فقول النووي في مجموعه ما قاله البغوي ضعيف والمختار (^١) الجواز كما يجوز الوضوء فيه مع أن ماءه مستعمل ممنوع.
"ويقدم" رجله "اليمنى دخولا واليسرى خروجا" للاتباع; ولأن في الدخول شرفا وفي الخروج خسة "ويأتي" فيهما "بالدعوات المشهورة"، وهي أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم الحمد لله اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول بسم الله ويدخل، وكذا يقول عند الخروج إلا أنه يقول أبواب فضلك قال في المجموع، فإن طال عليه هذا فليقتصر على ما في مسلم أنه ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" (^٢) "ولحائطه" أي المسجد ولو من خارجه "مثل حرمته" في كل شيء من بصاق وغيره قال في المجموع وتكره الخصومة ورفع الصوت ونشد الضالة فيه ولا بأس بأن يعطي السائل فيه شيئا ولا بإنشاد الشعر فيه إذا كان مدحا للنبوة، أو للإسلام، أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق، أو الزهد ونحوها.
_________________
(١) "قوله:، والمختار الجواز" أشار إلى تصحيحه.
(٢) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد، حديث ٧١٣.
[ ١ / ٥٣٠ ]