"كل ما لا يعد حيضا ونفاسا" من الدم الخارج من الفرج"فهو استحاضة" (^١) سواء اتصل بالحيض أم لا كالمرئي لسبع سنين مثلا وهذا ما صححه في المجموع وقيل هي المتصل خاصة ويسمى غيره دم فساد وعبارة الأصل الاستحاضة قد تطلق على كل دم تراه المرأة غير دم الحيض والنفاس سواء اتصل بالحيض كالمجاوز أكثره أم لا كالذي تراه لسبع سنين مثلا وقد تطلق على المتصل خاصة ويسمى غيره دم فساد ولا تختلف الأحكام في ذلك.
"وهي حدث دائم" كسلس بول ومذي"تصلي معه" المستحاضة"وتصوم وتوطأ والدم يجري" كسائر الأحداث الدائمة قال الزركشي لكن ينبغي منعها من صوم النفل لأنها إن حشت فرجها أفطرت وإلا فقد ضيعت فرض الصلاة بخلاف صوم الفرض لأنها مضطرة إليه وما قاله قوي لكن ظاهر كلامهم يخالفه (^٢).
"وتستبيح بالوضوء فرضا" واحدا "ونوافل كالتيمم" بجامع أن كلا لا يرفع الحدث ولأنه ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "توضئي لكل صلاة" رواه الترمذي وقال حسن صحيح (^٣) وظاهر كلام المصنف أنها تستبيح النوافل في الوقت
_________________
(١) = السبع فأما قراءة التشديد فصريحة فيما قلناه وأما التخفيف فإن كان المراد به أيضا الاغتسال كما رواه ابن عباس وجماعة لقرينة قوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فواضح وإن كان المراد به انقطاع الحيض فقد ذكر بعده شرط آخر وهو قوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فلا بد منهما معا.
(٢) "قوله: فهو استحاضة" للاستحاضة أربعة وأربعون حكما.
(٣) "قوله: لكن ظاهر كلامهم يخالفه" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه بل صرحوا بخلافه كما سيأتي في المتحيرة.
(٤) صحيح: رواه الترمذي ١/ ٢١٧ كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة، حديث ١٢٥.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وبعده وبه صرح في الروضة فقال والصواب المعروف أنها تستبيح النوافل مستقلة وتبعا للفريضة ما دام الوقت باقيا وبعده أيضا على الأصح لكنه خالف ذلك في أكثر (^١) كتبه فصحح في التحقيق وشرحي المهذب ومسلم أنها لا تستبيحها بعد الوقت وفرق بينها وبين التيمم بأن حدثها متجدد ونجاستها متزايدة وإنما تستبيح ما ذكر"إن احتاطت قبله" أي قبل الوضوء أو بدله"بغسل الدم (^٢) والشد والتلجم" بأن تشد بوسطها خرقة أو نحوها كالتكة وتتلجم بأخرى مشقوقة الطرفين تجعل أحدهما قدامها والآخر وراءها وتشدهما بتلك الخرقة.
"فإن احتاجت" في دفع الدم أو تقليله"حشوه بقطن" (^٣) أو نحوه"وهي مفطرة ولم تتأذ به وجب" عليها الحشو قبل الشد والتلجم وتكتفي به إن لم تحتج إليهما كما صرح به الأصل فإن كانت صائمة أو تأذت باجتماع الدم لم يلزمها الحشو بل يلزم الصائمة تركه وإنما حافظوا على صحة الصوم هنا لا على صحة الصلاة عكس ما فعلوه فيمن ابتلع بعض خيط قبل الفجر وطلع الفجر وطرفه خارج لأن الاستحاضة علة مزمنة (^٤) فالظاهر دوامها فلو راعينا الصلاة
_________________
(١) "قوله: لكنه خالف ذلك في أكثر كتبه إلخ" يمكن أن يجمع بين كلاميه بحمل الأول على رواتب الفرائض والثاني على غيرها.
(٢) "قوله: إن احتاطت قبله لغسل الدم إلخ" ويجزئها استنجاؤها بالحجر قال الشيخان في وضوء المستحاضة فتغسل فرجها قبل الوضوء أو التيمم قال الأذرعي قضية كلامهما وغيرهما أنه يجب الغسل وأنه لا يكفي الاستجمار وعللوه بتقليل النجاسة ما أمكن لكن كلامهم في باب الاستنجاء يقتضي أنه يجزئ فيه الحجر على الأظهر كغيره من النادرات وبه صرح في التنقيح هناك وحينئذ فإما أن يكون المذكور هنا على القول بتعين الماء في النادر أو فيما إذا كثر وتفاحش بحيث لا يجزئ الحجر في مثله من المعتاد وقد يشير إليه قول ابن الرفعة فتغسل وجوبا إذا كان الدم كثيرا انتهى ويجوز أن يكون المراد بقولهم فتغسل المستحاضة فرجها الاستنجاء لا تعين الغسل بالماء.
(٣) "قوله: فإن احتاجت حشوه بقطن إلخ" وتقييد المصنف الحشو بالحاجة كالكفاية عكس ما في الأصل من أنها تحشو فإن اندفع به الدم وإلا شدت وتلجمت وصوب الزركشي ما في الأصل تبعا للأذرعي والسبكي حيث قالا إنه الصواب نقلا ومعنى.
(٤) "قوله: لأن الاستحاضة مزمنة إلخ" ولأنها لم يوجد منها تقصير فخفف عنها أمرها وصحت =
[ ١ / ٢٩٦ ]
هنا لتعذر قضاء الصوم للحشو ولأن المحذور هنا لا ينتفي بالكلية فإن الحشو يتنجس وهي حاملته بخلافه ثم وتجب المبادرة بالوضوء أو بدله عقب الاحتياط المذكور وإن كان قوله قبله لا يفيد ذلك إلا أنه أقرب للغرض من عطف الأصل له بثم المفيدة للتراخي.
"وذو السلس يحتاط مثلها" أي مثل المستحاضة بأن يدخل قطنة في إحليله فإن انقطع وإلا عصب مع ذلك رأس الذكر"فإن كان" السلس"منيا فبالغسل" لكل فرض يحتاط والتصريح بهذا من زيادته ولو حذف يحتاط وأخر قوله: وذو السلس مثلها إلى آخره إلى فراغه من أحكام المستحاضة كان أخصر وأفيد.
"وتتوضأ" المستحاضة"بعد دخول الوقت" (^١) أي وقت الصلاة ولو نافلة لا قبله كالمتيمم قال الزركشي أطلقوا الوضوء وينبغي وجوب الاقتصار على مرة وامتناع التثليث مبادرة للصلاة قال ويشهد له مسألة استمساك البول بالقعود وستأتي فإذا سامحوا في فرض القيام لحفظ الطهارة ففي التثليث المندوب أولى وما قاله ممنوع ويفرق بأن ما هناك يدفع الخبث أصلا وما هنا يقلله.
"وتجدد" وجوبا"الاحتياط لكل فرض (^٢) ولو لم تزل العصابة" تقليلا للنجس كالوضوء تقليلا للحدث"كما لو انتقض طهرها" بخروج بول أو ريح أو نحوه فإنها تجدد الاحتياط قبل الوضوء"وتبادر" وجوبا بعده "بالصلاة" تقليلا للحدث بخلاف المتيمم.
"وتمهل لأذان وستر وسائر أسباب الصلاة" أي مصالحها "كانتظار
_________________
(١) = منها العبادتان قطعا كما تصح صلاتها مع النجاسة والحدث الدائم للضرورة ولأن المستحاضة يتكرر عليها القضاء فيشق بخلاف مسألة الحيض فإنه لا يقع إلا نادرا.
(٢) "قوله: وتتوضأ بعد دخول الوقت" لو توضأت قبل الزوال لفائتة فزالت الشمس هل لها أن تصلي به بعد الظهر قال الأذرعي يشبه أن يكون على الخلاف في نظيرها من التيمم ولم يحضرني فيه نقل.
(٣) "قوله: لكل فرض ولو منذورة" ويأتي هنا ما مر في التيمم.
[ ١ / ٢٩٧ ]
الجماعة" والاجتهاد في القبلة وإن خرج الوقت (^١) لأنها غير مقصرة بذلك قال في المجموع وحيث وجبت المبادرة قال الإمام ذهب ذاهبون من أئمتنا إلى المبالغة واغتفر آخرون الفصل اليسير وضبطه بقدر ما بين صلاتي الجمع وقد استشكل التمثيل بأذان المرأة بأنه غير مشروع لها وأجيب بحمله على الإجابة (^٢) وبأن تأخيرها للأذان لا يستلزم أذانها.
"فلو أخرت" صلاتها عن الوضوء"بلا سبب" من أسباب الصلاة كأكل وغزل"بطل" وضوءها فتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع استغنائها عن احتمال ذلك بقدرتها على المبادرة
"وخروج الدم بلا تقصير" منها "لا يضر فإن كان" خروجه "بتقصير في الشد ونحوه" كالحشو "بطل وضوءها و" كذا "صلاتها" إن كانت في صلاة وقوله ونحوه من زيادته.
"ويبطل" وضوءها أيضا"بالشفاء" وإن اتصل بآخره "وبانقطاع يسع الطهارة (^٣) والصلاة" لزوال الضرورة مع أن الأصل عدم عود الدم والمراد ببطلانه بذلك إذا خرج منها دم في أثنائه أو بعده وإلا فلا يبطل.
"فإن انقطع" عنها "وعادته العود قبل إمكان الوضوء والصلاة" (^٤) أو أخبرها بعوده كذلك ثقة"صلت" اعتمادا على العادة أو الإخبار وشمل كلامه كغيره ما لو كان عادته العود على ندور وهو ما نقله الرافعي عن مقتضى كلام
_________________
(١) "قوله وإن خرج الوقت" قال شيخنا بالنسبة للاجتهاد في القبلة فقط لأن الاستقبال شرط وأفاد به أن تأخيرها لا يبطل طهرها وإن أفضى إلى خروج الوقت بلا صلاة.
(٢) "قوله: وأجيب بحمله على الإجابة إلخ" قال الأذرعي ينبغي حمل الأذان في كلامهم على الرجل السلس دون المستحاضة وقال الغزي مرادهم الرجل إذا كان به سلس البول أو الريح أو المذي.
(٣) "قوله: يسع الطهارة والصلاة" هل المراد بقولهم يسع: الطهارة والصلاة على الوجه الأكمل بسننهما أو يسع أقل ما يجزئ الأقرب الثاني ويشهد له ما سنحكيه عن البغوي في مسألة السلس في صلاته قاعدا ر.
(٤) "قوله: الوضوء والصلاة" التي توضأت لها.
[ ١ / ٢٩٨ ]
معظم الأصحاب (^١) ثم قال ولا يبعد أن تلحق هذه النادرة بالمعدومة وهو مقتضى كلام الغزالي.
"فإن امتد" الانقطاع زمنا يسع الوضوء والصلاة "أعادت" هما لتبين بطلان الوضوء "أو" انقطع ولو في الصلاة و"عادته العود بعد إمكانهما أو لم تعتد انقطاعه" وعوده "ولم يخبرها ثقة بعوده كذلك أمرت بالوضوء" لأن الأصل عدم عوده "فلو خالفت وصلت" بلا وضوء "لم تنعقد صلاتها سواء امتد" الانقطاع "أم لا" لشروعها مترددة في طهرها "فلو عاد" الدم"فورا لم يبطل وضوءها" إذ لم يوجد الانقطاع المغني عن الصلاة بالحدث والنجس.
"ومن اعتادت انقطاعه في أثناء الوقت ووثقت" بانقطاعه فيه بحيث تأمن الفوات "لزمها انتظاره" لاستغنائها حينئذ عن الصلاة بالحدث والنجس"وإلا" أي وإن لم تثق بانقطاعه على ما ذكر "قدمت" جوازا صلاتها قال في الروضة فإن كانت ترجو انقطاعه آخر الوقت فهل الأفضل أن تعجلها أول الوقت أم تؤخرها إلى آخره وجهان في التتمة بناء على القولين في مثله في التيمم وحذفه المصنف اكتفاء بما قدمه ثم لكن صاحب الشامل جزم بوجوب التأخير قال الزركشي وهو الوجه كما لو كان على بدنه نجاسة ورجا الماء آخر الوقت فإنه يجب التأخير عن أول الوقت لإزالة النجاسة فكذا هنا (^٢).
"وطهارتها مبيحة" للصلاة وغيرها "لا ترفع حدثا" وقيل ترفعه وقيل ترفع الماضي دون غيره والمذهب في الروضة الأول لكن الأكثرون على الثالث كما في المجموع في باب الوضوء حيث قال الأشهر التفصيل بين الماضي وغيره وقال في التنقيح قطع به الأكثرون لكنه قال الأصح دليلا الأول وفي المجموع هنا مثله نبه على ذلك في المهمات ثم قال فظهر خطأ تعبيره بالمذهب.
_________________
(١) "قوله: وهو ما نقله الرافعي عن مقتضى كلام معظم الأصحاب" أشار إلى تصحيحه. "تنبيه" من به سلس البول أو نحوه له حكم الاستحاضة.
(٢) "قوله: فكذا هنا" الفرق بينهما واضح.
[ ١ / ٢٩٩ ]
"ولو استمسك السلس بالعقود" دون القيام "صلى قاعدا" (^١) حفظا للطهارة "ولا إعادة" عليه قال في المجموع وذو الجرح السائل كالمستحاضة في الشد وغسل الدم لكل فرض.
_________________
(١) "قوله: صلى قاعدا" وجوبا كما في الأنوار وأما فهم ابن الرفعة إنه مستحب وصرح به في الكفاية نقلا عن الروضة وقال الأذرعي لم يبين يعني النووي هل الوجهان في الوجوب أو الأفضلية والمتبادر الأول والظاهر أنهما في الأفضل ويدل له قول صاحب الكتاب أصحهما قاعدا حفظا للطهارة وعلى أي وجه صلى لا إعادة عليه انتهى وللمسألة نظائر كثيرة وأشار إلى تصحيح كلام الأنوار.
[ ١ / ٣٠٠ ]