"يحرم على الجنب ما يحرم على المحدث وشيئان أحدهما القراءة" للقرآن"بقصدها ولو بعض آية" كحرف (^٣) للإخلال بالتعظيم سواء أقصد مع ذلك (^٤) غيرها أم لا"فلا يضر قراءة بنية الذكر" أي ذكر القرآن أو نحوه
_________________
(١) "فصل" في حكم الجنب
(٢) "قوله: ولو بعض آية كحرف" صورة النطق بحرف واحد أن يقصد به القرآن فيأثم وإن اقتصر لأنه نوى معصية وشرع فيها فالتحريم من حيث هذه الجهة لا من حيث إنه يسمى قارئا فتفطن لذلك ر.
(٣) "قوله: سواء أقصد مع ذلك غيرها أم لا" لخبر لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن =
[ ١ / ١٩٥ ]
كموعظة وحكمة"ك ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣]. الآية للركوب و" لا"ما جرى به لسانه بلا قصد" لشيء من قرآن وذكر ونحوه لعدم الإخلال لأنه لا يكون قرآنا إلا بالقصد قاله النووي وغيره وظاهره أن ذلك جار فيما يوجد نظمه في غير القرآن وما لا يوجد نظمه إلا فيه لكن أمثلتهم تشعر بأن محل ذلك فيما يوجد نظمه في غير القرآن (^١) كالآية المذكورة والبسملة والحمد له وإن ما لا يوجد (^٢) نظمه إلا في القرآن كسورة الإخلاص وآية الكرسي يمنع منه وإن لم يقصد به القراءة وبذلك صرح الشيخ أبو علي (^٣) والأستاذ أبو طاهر والإمام كما حكاه عنهم الزركشي ثم قال ولا بأس به "وكفاقد"
_________________
(١) = رواه الترمذي وغيره لكن ضعفه في المجموع وذكر ابن جماعة في تخريجه لأحاديث الرافعي له متابعات ثم قال وقد قوي الحديث بما ذكرناه من المتابعات، وارتفع عن التضعيف. "فرع" سئل ابن الصلاح عن إبليس وجنوده هل يصلون ويقرؤن القرآن ليغر العالم الزاهد من الطريق التي يسلكها فأجاب بأن ظاهر المنقول ينفي قراءتهم القرآن وقوعا ويلزم منه انتفاء الصلاة لأن من شرطها الفاتحة وقد ورد أن الملائكة لم يعطوا فضيلة قراءة القرآن، وهي حريصة لذلك على استماعه من الإنس فإن قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها الإنس غير أنه بلغنا أن المؤمنين من الجن يقرؤنه.
(٢) "قوله: وظاهره أن ذلك جاز فيما يوجد نظمه في غير القرآن .. . إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: لا حاجة للكاف بل لا وجه لها إلا بتعسف" زادها تبعا لرأي مرجوح قاله القاضي حسين والخوارزمي وهو أنه يلتحق بفاقد الطهورين المتيمم في الحضر والأصح خلافه ففي الأذكار وغيره للنووي وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء تيمما وجاز لهما القراءة فإن أحدث بعد ذلك لم تحرم عليه القراءة كما لو اغتسل ثم أحدث ثم لا فرق بين أن يكون تيممه لعدم الماء في الحضر أو في السفر فله أن يقرأ القرآن بعده وإن أحدث، وقال بعض أصحابنا إن كان في الحضر صلى به وقرأ به في الصلاة ولا يجوز أن يقرأ خارج الصلاة والصحيح جوازه كما قدمناه لأن تيممه قام مقام الغسل ولو تيمم الجنب وصلى وقرأ ثم أراد التيمم لحدث أو فريضة أخرى أو لغير ذلك لم تحرم عليه القراءة هذا هو المذهب الصحيح المختار وفيه وجه ضعيف لبعض أصحابنا أنه يحرم انتهى ويدخل في عموم مفهوم قول الإرشاد ومنع نفل قراءة آية خطبة الجمعة لفاقد الطهورين وما لو نذر قراءة سورة معينة كل يوم ثم فقد الطهورين يوما كاملا فمقتضاه جوازها في الصورتين ولم أره منقولا.
(٤) الشيخ أبو علي: هو الحسين بن صالح بن خيران، الفقيه الشافعي، كان من جملة الفقهاء المتورعين وأفاضل الشيوخ وعرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر فلم يفعل، فوكل =
[ ١ / ١٩٦ ]
لا حاجة للكاف بل لا وجه لها إلا بتعسف والمعنى وفاقد"الطهورين يقرأ" أي وجوبا"الفاتحة فقط للصلاة" لأنه مضطر إليها خلافا للرافعي في قوله: لا يجوز له قراءتها كغيرها وأفاد قوله فقط أنه لا يجوز له مس المصحف ولا قراءة القرآن ولا وطء الحائض وبه صرح أصله في كتاب التيمم.
"وله" أي الجنب"إجراؤه" أي القرآن"على قلبه ونظر في المصحف"، والتصريح بهما من زيادته"وقراءة ما نسخت تلاوته" وتحريك لسانه وهمسه بحيث لا يسمع نفسه لأنها ليست بقراءة قرآن بخلاف إشارة الأخرس"والحائض والنفساء" في تحريم القراءة"كالجنب"، وكذا في المكث في المسجد لكن لما كان فيه زيادة أخره إلى كتاب الحيض.
"الثاني المكث والتردد في المسجد" لا عبوره لقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ٤٣] الآية قال ابن عباس وغيره أي لا تقربوا موضع الصلاة لأنه ليس فيها عبور سبيل بل في موضعها وهو المسجد ونظيره قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠].
"ويعذر" فيهما للضرورة"من" ذكر أن"أغلق عليه" باب المسجد"أو خاف" من خروجه"ولو على مال" أو منعه منه مانع آخر ولم يجد ماء يغسل به (^١) "فيتيمم" أي وجوبا كما صرح به في الروضة أخذا من قول أصلها: وليتيمم (^٢) فاللام الأمر ولا ينافيه قوله في الشرح الصغير ويحسن أن يتيمم
_________________
(١) = الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بداره مترسما، فخوطب في ذلك فقال: إنما قصدت ذلك ليقال: كان في زماننا من وكل بداره ليتقلد القضاء فلم يفعل. وقد توفي الشيخ أبو علي يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لأبي عمرو بن الصلاح ١/ ٤٥٩ ترجمة رقم ١٦٣ وفيات الأعيان ١/ ٤٠٠ ترجمة رقم ١٧٤ طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٧١ ترجمة رقم ١٧٦ طبقات الشافعية للحسيني ص ٥٥، ٥٧.
(٢) "قوله: ولم يجد ماء يغتسل به" أما إذا وجده كأن كان في المسجد بئر وأمكن الاستقاء منها أو النزول إليها للغسل وجب بلا خلاف ذكره في الخادم.
(٣) "قوله: أخذا من قول أصلها وليتيمم فاللام الأمر" وصرح به القفال في فتاويه والأستاذ =
[ ١ / ١٩٧ ]
لأن الواجب حسن"إن وجد غير ترابه" أي المسجد فإن لم يجد إلا ترابه وهو الداخل في وقفه لم يجز له التيمم به كما لو لم يجد إلا ترابا مملوكا لغيره فإن خالف وتيمم به صح.
"ويكره" له"عبور فيه" وهذا ما جزم به الأصل والذي صححه في المجموع أنه خلاف الأولى (^١) "لا" إن كان العبور"لغرض كقرب طريق" فليس بمكروه ولا خلاف الأولى وخالف المكث للآية ولأنه لا قربة فيه وفي المكث قربة الاعتكاف وما ذكر من تحريم القراءة والمكث في المسجد على الجنب ونحوه محله في المسلم أما الكافر فلا يمنع منهما لأنه لا يعتقد حرمة ذلك (^٢) لكن لقراءته شرط قدمته وليس للكافر ولو غير جنب دخول المسجد إلا أن يكون لحاجة كإسلام وسماع قرآن وأن يأذن له مسلم في دخوله إلا أن يكون له خصومة وقد قعد الحاكم فيه للحكم كما سيأتي ذلك في شروط الصلاة.
"ولا بأس بنوم فيه" ولو لغير أعزب فقد ثبت أن أصحاب الصفة وغيرهم كانوا ينامون فيه في زمنه ﷺ نعم إن ضيق على المصلين أو شوش عليهم حرم النوم فيه قاله في المجموع قال: ولا يحرم إخراج الريح فيه لكن الأولى اجتنابه لقوله ﷺ: "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (^٣).
"فإن احتلم فيه خرج" منه وجوبا كما علم مما مر أيضا"و" خروجه"من أقرب باب أولى" فإن عدل إلى الأبعد ولو لغير عرض لم يكره كما صرح به
_________________
(١) = أبو منصور البغدادي في شرح المفتاح وصاحب التتمة والروياني وغيرهم وهو الفقه كما قال في التوشيح لأن الميسور لا يسقط بالمعسور ويؤيده أن التيمم نائب عن الغسل والغسل واجب فيكون النائب عنه واجبا لأن المستحب لا ينوب عن الواجب.
(٢) "قوله: أنه خلاف الأولى" أشار إلى تصحيحه.
(٣) "قوله: لأنه لا يعتقد حرمة ذلك" والفرق بينه وبين مس المصحف أنه يتوسع في القراءة ما لا يتوسع في مس المصحف بدليل جواز قراءة المحدث بخلاف مس المصحف.
(٤) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد، حديث ٥٦٤.
[ ١ / ١٩٨ ]
في الروضة"وفضل ماء جنب وحائض (^١) طهور" خلافا لبعضهم و"لا يكره" استعماله وإنما لم يراع خلاف المخالف فيه لضعف شبهته وثبوت الأخبار الصحيحة فيه كخبر عائشة "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من الجنابة من إناء واحد تختلف أيدينا فيه" رواه الشيخان (^٢).
"وسن" للجنب"غسل فرج ووضوء لجماع ولأكل وشرب ونوم كحائض بعد انقطاعه" أي الحيض قال ﷺ: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا" رواه مسلم (^٣) وزاد البيهقي فإنه أنشط للعود (^٤) وفي الصحيحين كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة (^٥) وكان ﷺ "إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة" (^٦) وقيس بالجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما وبالأكل الشرب والحكمة في ذلك تخفيف الحدث غالبا (^٧) والتنظيف وقيل لعله ينشط للغسل فلو فعل شيئا من ذلك بلا وضوء كره له، نقله في شرح مسلم عن الأصحاب قال: وأما طوافه ﷺ على نسائه بغسل واحد فيحتمل أنه كان توضأ بينهما أو تركه بيانا للجواز.
_________________
(١) "قوله: وحائض" أي ونفساء.
(٢) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ حديث ٢٦١، ورواه مسلم، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، حديث ٣٢١.
(٣) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع، حديث ٣٠٨.
(٤) رواه البيهقي في الكبرى ١/ ٢٠٤ حديث ٩٣٠.
(٥) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب ينام ثم يتوضأ، حديث ٢٨٨.
(٦) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له …، حديث ٣٠٥.
(٧) "قوله: والحكمة في ذلك تخفيف الحدث غالبا" بأن نوت الحائض أو النفساء رفع الحدث الأصغر وكذا الجنب إذا لم تتجرد جنابته.
[ ١ / ١٩٩ ]