بفتح الجيم جمع جنازة بالفتح والكسر اسم للميت في النعش وقيل بالفتح اسم لذلك وبالكسر اسم للنعش (^١) وعليه الميت وقيل عكسه وقيل هما لغتان فيهما فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش، وهي من جنزه يجنزه إذا ستره ذكره ابن فارس وغيره وقال الأزهري لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنا "يستحب الإكثار من ذكر الموت" (^٢) المستلزم ذلك لاستحباب ذكره المصرح به في الأصل أيضا; لأن ذلك أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة وروى الترمذي بإسناد حسن "أنه ﷺ قال لأصحابه استحيوا من الله حق الحياء قالوا إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله قال ليس كذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" (^٣) وروى أيضا بإسناد صحيح خبر "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" يعني الموت زاد ابن حبان "فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه (^٤) ولا ذكره في سعة إلا ضيقها" وهاذم بالمعجمة أي قاطع، وأما بالمهملة فمعناه المزيل للشيء من أصله ذكره السهيلي قال في المجموع. قال الشيخ أبو حامد ويستحب الإكثار من ذكر حديث "استحيوا من الله حق الحياء" وتقدم تعريف الموت في باب الغسل "والاستعداد له بالتوبة ورد المظالم" إلى أهلها بأن يبادر إليهما لئلا يفجأه الموت المفوت لهما وظاهر كلامه
_________________
(١) "قوله وقيل بالكسر اسم للنعش" لو قال أصلي على الجنازة بكسر الجيم صحت إن لم يرد بها النعش وكتب أيضا الموت يبطل الصلاة، وفي الصوم وجهان أصحهما نعم كالصلاة والثاني لا كالإحرام "; لأنه ﵊ قال لعثمان أنت تفطر عندنا الليلة" رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد
(٢) "قوله يستحب الإكثار من ذكر الموت" المراد ذكر القلب بأن يجعله نصب عينيه وكتب أيضا الموت مفارقة الروح الجسد والروح جسم لطيف لا يفنى أبدا
(٣) حسن: رواه الترمذي "٤/ ٦٣٧" كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث "٢٤٥٨"
(٤) "قوله "في ضيق إلا وسعه" إلخ" والنسائي "فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره" أي كثير من الأمل والدنيا وقليل من العمل
[ ٢ / ٢٤٣ ]
استحبابهما بل صرح به في شرح الإرشاد تبعا للقمولي والمعروف وجوبهما (^١) وكلام أصله محتمل لكل منهما وصرح كأصله برد المظالم مع دخوله في التوبة لعظم أمره ولئلا يغفل عنه ولو عبر بالخروج منها كان أولى (^٢) "و" ما ذكر "للمريض آكد" منه لغيره; لأنه إلى الموت أقرب "و" يستحب له أن يستعد لمرضه "بالصبر" عليه قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ولو حذف المصنف الباء كان أخصر وأولى وأوفق بقول أصله ويستحب له الصبر على المرض أي بترك الضجر منه "وترك الشكوى" فيه; لأنها ربما تشعر بعدم الرضا بالقضاء والتصريح بهذا من زيادته، وهو داخل في الصبر ولو تركه وذكر ما في الروضة من كراهة كثرة الشكوى كما ذكرها في شرح الإرشاد كان أولى وقد ذكرها في المجموع وقال فلو سأله طبيب أو قريب له أو صديق أو نحوه عن حاله فأخبره بالشدة التي هو فيها لا على صورة الجزع فلا بأس "و" ترك "الأنين" منه جهده لما مر قال في المجموع والصواب أنه لا يكره، وإن صرح بكراهته جماعة; لأنه لم يثبت فيه نهي مقصود بل في البخاري أن عائشة قالت وارأساه فقال النبي ﷺ: "بل أنا وارأساه" (^٣) لكن الاشتغال بالتسبيح ونحوه أولى منه فهو خلاف الأولى ولعله مرادهم "ويستحب" له "التداوي" للأخبار الصحيحة كخبر البخاري "لكل داء دواء فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء" (^٤) وخبر أبي داود وغيره "أن الأعراب قالوا يا رسول الله أنتداوى فقال تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم" (^٥) قال في
_________________
(١) "قوله والمعروف وجوبهما" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله ولو عبر بالخروج منها كان أولى"; لأنه يتناول رد العين وقضاء الدين والإبراء منه وإقامة الحدود التعازير والإبراء منهما ح قوله سلم منه قول أصله ويستحب لغيره إلخ" هذا مستفاد من كلام المصنف بمفهوم الأولى
(٣) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، حديث "٧٢١٧".
(٤) رواه البخاري، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، "٥٦٧٨".
(٥) صحيح: رواه أبو داود "٤/ ٣"، كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، حديث "٣٨٥٥" ورواه الترمذي "٤/ ٣٨٣"، كتاب الطب، حديث "٢٠٣٨"، وابن ماجه "٢/ ١١٣٧" كتاب الطب، حديث "٣٤٣٦".
[ ٢ / ٢٤٤ ]
المجموع. فإن ترك التداوي توكلا ففضيلة ويفارق استحبابه وجوب أكل الميتة للمضطر وإساغة اللقمة بالخمر بأنا لا نقطع بإفادته بخلاف ذينك "ويكره أن يكره" المريض "عليه" أي على التداوي أي تناوله الدواء وكذا غيره من الطعام لما فيه من التشويش عليه قال في المجموع وحديث "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم" (^١) ضعيف ومن ثم لم يعبر فيه بكراهة بل باستحباب تركه قال فيه ويستحب له تعهد نفسه بتقليم الظفر وأخذ شعر الشارب والإبط والعانة ويستحب له أيضا الاستياك والاغتسال والتطيب ولبس الثياب الطاهرة "ويستحب" للمكلف "عيادة" مريض "مسلم وكذا ذمي قريب" للعائد "أو جار" له وفاء بصلة الرحم وحق الجوار والأصل في استحبابها خبر الصحيحين عن البراء بن عازب قال "أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المريض" (^٢) وخبر مسلم عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" (^٣) وأراد بالمخرقة البستان يعني يستوجب الجنة ومخارقها وروى البخاري عن أنس قال "كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له أسلم فنظر إلى أبيه، وهو عنده فقال له أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار" (^٤).
"و" تفعل العيادة "لغيرهما" أي لغير المسلم والذمي بنوعيه "جوازا" وفي عبارته في هذا وما قبله قصور سلم منه قول أصله ويستحب لغيره عيادته إن
_________________
(١) ضعيف: رواه الترمذي "٤/ ٣٨٤" كتاب الطب، باب ما جاء لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، حديث "٢٠٤٠" وابن ماجه "٢/ ١١٤٠" كتاب الطب، حديث "٣٤٤٤" قال الشيخ الألباني: حديث حسن.
(٢) رواه البخاري كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، حديث "١٢٣٩" ومسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم للسلم رد السلام "٢١٦٢".
(٣) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض، "٢٥٦٨".
(٤) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه حديث "١٣٥٦".
[ ٢ / ٢٤٥ ]
كان مسلما فإن كان ذميا له قرابة أو جوار أو نحوهما أي كرجاء إسلام استحبت وإلا جازت قال في المجموع وسواء الرمد وغيره (^١) وسواء الصديق والعدو ومن يعرفه ومن لا يعرفه لعموم الأخبار قال الأذرعي: والظاهر أن المعاهد والمستأمن كالذمي قال وفي استحباب عيادة أهل البدع المنكرة وأهل الفجور والمكوس إذا لم تكن قرابة ولا جوار ولا رجاء توبة نظر فإنا مأمورون بمهاجرتهم
"ولتكن" العيادة "غبا" فلا يواصلها كل يوم إلا أن يكون مغلوبا ومحل ذلك في غير القريب والصديق ونحوهما ممن يتأنس به المريض أو يتبرك به أو يشق عليه عدم رؤيته كل يوم أما هؤلاء فيواصلونها ما لم ينهوا أو يعلموا كراهته لذلك ذكر ذلك في المجموع وتستحب عيادته ولو في أول يوم من مرضه وقول الغزالي إنما يعاد بعد ثلاث لخبر ورد فيه رد بأنه موضوع (^٢) "ويدعو له" وينصرف ويستحب في دعائه أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات لخبر "من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال ذلك عنده عافاه الله من ذلك المرض" رواه الترمذي وحسنه (^٣)
"ويخفف المكث" عنده بل تكره إطالته لما فيه من إضجاره ومنعه من بعض تصرفاته نعم إن فهم عنه الرغبة فيها فلا كراهة قاله الأذرعي "ويطيب" عائده "نفسه فإن خاف عليه" الموت "رغبة في التوبة والوصية" مع ما تقدم من الدعاء له "وتكره" عيادته "إن شقت عليه" قال في المجموع ويستحب لأهله وخادمه الرفق واحتماله والصبر عليه وكذا من قرب موته بسبب حد أو نحوه ويستحب للأجنبي أن يوصيهم بذلك وأن يحسن المريض
_________________
(١) "قوله وسواء الرمد" "; لأنه ﷺ عاد زيد بن أرقم من رمد"
(٢) "قوله رد بأنه موضوع" قال الذهبي: في الميزان قال أبو حاتم: هو حديث باطل موضوع وقال أبو عبد الله الفراوي: تستحب إعادة المريض في الشتاء ليلا وفي الصيف باكرا ووجهه أن الليل يطول في الشتاء وفي زيارته تخفيف عنه.
(٣) صحيح: رواه أبو داود "٣/ ١٨٧"، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة حديث "٣١٠٦" ورواه الترمذي "٤/ ٤١٠" كتاب الطب، حديث "٢٠٨٣".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
خلقه وأن يجتنب المنازعة في أمور الدنيا وأن يسترضي من له به علقة كزوجته وأولاده وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وأن يتعهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت وأن يوصي أهله بالصبر عليه وبترك النوح عليه وإكثار البكاء ونحوهما مما جرت العادة به من البدع في الجنائز ويستحب طلب الدعاء منه ووعظه بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله عليه من التوبة وغيرها من الخير وينبغي له هو المحافظة على ذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الاسراء: من الآية ٣٤]
"فصل وآداب المحتضر"، وهو من حضرته أمارات الموت أي من آدابه "أن يستقبل به القبلة" للإجماع؛ ولأنه ﷺ لما قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا توفي في صفر وأوصى بثلثه لك وبأن يوجه للقبلة إذا احتضر فقال: "أصاب الفطرة وقد رددت ثلثه على ولده" ثم ذهب فصلى عليه وقال: "اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت" رواه الحاكم وصححه "مضطجعا على" جنبه "الأيمن" كالموضوع في اللحد ثم الأيسر كما في المجموع; لأن ذلك أبلغ في الاستقبال من إلقائه على قفاه وقدم الأيمن لشرفه ولما روى الشيخان أنه ﷺ "كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن" (^١) وروى أحمد وأبو داود أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ استقبلت عند موتها القبلة ثم توسدت يمينها "فإن لم يتفق" عبارة أصله فإن لم يمكن وضعه على جنبه لضيق المكان أو لغيره "ألقي على قفاه ووجهه وأخمصاه" بفتح الميم أشهر من كسرها وضمها "إلى القبلة" بأن يرفع رأسه قليلا; لأن ذلك هو الممكن. والأخمصان هما أسفل الرجلين وحقيقتهما المنخفض من أسفلهما قاله النووي في دقائقه "و" أن "يلقنه" الشهادة "غير الوارث" لئلا يتهمه باستعجال الإرث "ثم" إن لم يحضره غيره لقنه "أشفق الورثة" وفي المجموع ينبغي أن يقال (^٢):
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب النوم على الشق الأيمن، حديث "٦٣١٥". ومسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، حديث "٢٧١٤".
(٢) قوله وفي المجموع ينبغي أن يقال إلخ" أشار إلى تصحيحه.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ولا يلقنه من يتهمه مطلقا ليعم الوارث والعدو والحاسد ونحوهم قال الأذرعي، وهو حسن إن كان ثم غيره (^١) وإلا فالظاهر أنه يلقنه، وإن اتهمه ودليل التلقين خبر مسلم "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" قال في المجموع أي من قرب موته، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما يصير إليه كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وروى أبو داود بإسناد حسن والحاكم بإسناد صحيح أنه ﷺ قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (^٢) "فيذكر عنده الشهادة" (^٣)، وهي لا إله إلا الله بأن يذكرها بين يديه ليتذكر أو يقول ذكر الله تعالى مبارك فنذكر الله جميعا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "بلا زيادة" عليها فلا تسن زيادة محمد رسول الله لظاهر الأخبار وقيل تسن زيادته; لأن المقصود بذلك التوحيد ورد بأن هذا موحد ويؤخذ منه ما بحثه الإسنوي أنه لو كان كافرا لقن الشهادتين (^٤) وأمر بهما لخبر اليهودي السابق.
"و" أن "يذكرها" أي الشهادة "من عنده" أيضا، وهذا من زيادته وصرح به المتولي "و" أن "لا يأمره بها" بل يذكرها على الوجه الذي قدمته "و" أن "لا يلح" عليه فيها لئلا يضجر "فإن قالها لم تعد عليه حتى يتكلم" بغيرها من كلام الدنيا قاله الصيمري لكنه مخالف لظاهر كلامهم ولقول المصنف من زيادته على الروضة "ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله" قال في المجموع قال الجمهور لا يزاد على مرة وقال جماعة منهم سليم الرازي والمحاملي وصاحب العدة يكررها عليه ثلاثا ولا يزاد عليها والتلقين مقدم على الاستقبال (^٥) ذكره الماوردي قال الإسنوي: وهو متجه; لأنه أهم وقال ابن الفركاح إن أمكن جمعهما فعلا معا والإقدام التلقين; لأن النقل فيه أثبت
_________________
(١) "قوله: وهو حسن إن كان ثم غيره" أشار إلى تصحيحه
(٢) رواه أبو داود كتاب الجنائز، باب التلقين، حديث "٣١١٦".
(٣) "قوله فيذكر عنده الشهادة" قال الدميري: والأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر
(٤) "قوله ويؤخذ منه ما بحثه الإسنوي أنه لو كان إلخ"، وهو ظاهر
(٥) "قوله والتلقين مقدم على الاستقبال"، وإن ظن بقاء حياته
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وكلامهم يشمل غير المكلف فيستحب تلقينه (^١)، وهو قريب في المميز لكن قياس ما يأتي في تلقينه بعد دفنه أنه لا يستحب مطلقا. وفرق الزركشي بأن التلقين هنا للمصلحة وثم لئلا يفتن الميت في قبره، وهذا لا يفتن "و" أن "يقرأ عنده يس" لخبر "اقرءوا على موتاكم يس" (^٢) رواه أبو داود وابن حبان وصححه وقال المراد به من حضره الموت يعني مقدماته; لأن الميت لا يقرأ عليه والحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها فإذا قرئت عنده تجدد له ذكر تلك الأحوال وأخذ ابن الرفعة تبعا لبعضهم بظاهر الخبر فصحيح أنها إنما تقرأ بعد موته "قيل و" يقرأ عنده "الرعد" لقول جابر فإنها تهون عليه خروج روحه قال الجبلي ويستحب تجريعه ماء فإن العطش يغلب من شدة النزع فيخاف منه إزلال الشيطان إذ ورد أنه يأتي بماء زلال ويقول قل لا إله غيري حتى أسقيك نقله عند الإسنوي وأقره والأذرعي وقال إنه غريب (^٣) حكما ودليلا "وليحسن" ندبا "ظنه بالله تعالى" (^٤) لخبر مسلم
_________________
(١) "قوله وكلامهم يشمل غير المكلف فيستحب تلقينه" أشار إلى تصحيحه
(٢) ضعيف: رواه أبو داود "٣/ ١٩١" كتاب الجنائز، باب القراءة عند الميت، حديث "٣١٢١". وابن ماجه، "١/ ٤٦٦"، كتاب ما جاء في الجنائز، حديث "١٤٤٨".
(٣) "قوله وقال: إنه غريب إلخ" أي قال كغيره
(٤) "قوله وليحسن ندبا ظنه بالله تعالى" يحصل ذلك بتدبر الآيات الواردة بسعة الرحمة والمغفرة والأحاديث "تنبيه" الظن في الشرع ينقسم إلى الواجب ومندوب وحرام ومباح فالواجب حسن الظن بالله تعالى والحرام سوء الظن به تعالى وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين والمباح الظن بمن اشتهر بين المسلمين بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث فلا يحرم ظن السوء به; لأنه قد دل على نفسه كما أن من يستر على نفسه لم يظن به إلا خيرا ومن دخل مدخل السوء اتهم ومن هتك نفسه ظننا به السوء ومن الظن الجائز بإجماع المسلمين ما يظن الشاهدان في التقويم وأروش الجنايات وما يحصل بخبر الواحد في الأحكام بالإجماع ويجب العمل به قطعا والبينات عند الحكام قوله ليحسن ظنه بربه" قال الأذرعي: ويظهر وجوبه إذا رأوا منه أمارات اليأس والقنوط إذ قد يفارق على هذا فيهلك فيتعين عليهم ذلك أخذا من قاعدة النصيحة الواجبة، وهذا الحال من أهمها وقوله ويظهر وجوبه إلخ أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٢٤٩ ]
"لا يموتن أحدكم إلا، وهو يحسن الظن بالله تعالى" (^١) أي يظن أنه يرحمه ويعفو عنه وخبر الصحيحين "قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي" "ويحسنه له الحاضرون ويطمعوه في رحمته" تعالى ليحسن ظنه بربه. أما الصحيح فقيل الأولى له تغليب خوفه على رجائه والأظهر في المجموع استواؤهما (^٢) إذ الغالب في القرآن ذكر الترغيب والترهيب معا كقوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ وفي الإحياء إن غلب عليه داء القنوط فالرجاء أولى أو داء أمن المكر فالخوف أولى "فإن مات فليغمض أرفق محارمه عينيه" لئلا يقبح منظره وروى مسلم "أنه ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال "إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه" (^٣) وقوله "تبعه البصر" أي ذهب أو شخص ناظرا إلى الروح أين تذهب وعلى الثاني اقتصر النووي وقبض أخرج من الجسد وشق بصره بفتح الشين وضم الراء شخص.
والروح جسم لطيف، وهو باق لا يفنى عند أهل السنة وقوله تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ تقديره عند موت أجسادها قال في المجموع ولم أر لأصحابنا كلاما فيما يقال حال إغماضه ويستحسن ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني التابعي الجليل قال إذا أغمضت الميت فقل بسم
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ حديث "٧٤٠٥"، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، حديث "٢٦٧٥".
(٢) "قوله والأظهر في المجموع إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٣) رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر حديث رقم "٩٢٠".
[ ٢ / ٢٥٠ ]
الله وعلى ملة رسول الله وإذا حملته فقل بسم الله ثم تسبح ما دمت تحمله "ويشد لحييه بعصابة عريضة يربطها فوق رأسه" حفظا لفمه عن الهوام وقبح منظره "ويلين مفاصله بالمد والرد" فيرد ساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى بطنه ثم يمدها "و" يلين "أصابعه" تسهيلا لغسله وتكفينه فإن في البدن بعد مفارقة الروح بقية حرارة فإذا لينت المفاصل حينئذ لانت وإلا فلا يمكن تليينها بعد "وينزع" عنه "ثيابه" المخيطة "التي مات فيها" (^١) بحيث لا يرى شيء من بدنه لئلا يسرع فساده (^٢) "ويستره بثوب خفيف لا أكثر" لذلك ولخبر الصحيحين "أنه ﷺ سجي حين مات بثوب حبرة" (^٣) هو بالإضافة وكسر الحاء المهملة وفتح الباء نوع من ثياب القطن تنسج باليمن "وسجي غطي" "ويجعل طرفيه تحت رأسه ورجليه" بأن يجعل أحدهما تحت رأسه والآخر تحت رجليه لئلا ينكشف وستر جميع البدن محله في غير المحرم كما يعلم مما سيأتي
"ويضع على بطنه" شيئا "ثقيلا كسيف ومرآة" ونحوهما من أنواع الحديد "ثم طين رطب" ثم ما تيسر لئلا ينتفخ وروى البيهقي أن أنسا أمر بوضع حديدة على بطن مولى له مات وقدر الشيخ أبو حامد ذلك بعشرين درهما (^٤) قال الأذرعي وكأنه أقل ما يوضع وإلا فالسيف يزيد على ذلك والظاهر أن السيف ونحوه يوضع بطول الميت، وأن الموضوع يكون (^٥) فوق الثوب كما جرت به العادة "ويصان المصحف عنه" ندبا احتراما له قال الإسنوي وينبغي أن يلحق
_________________
(١) "قوله وينزع ثيابه التي مات فيها" هذا فيمن يغسل لا في شهيد المعركة
(٢) "قوله لئلا يسرع فساده" ينبغي أن يبقى عليه القميص الذي يغسل فيه إذا كان طاهرا إذ لا معنى لنزعه ثم إعادته فيه نظر; لأن المعنى في نزعه إنما هو خوف تغير الميت فلا فرق بين الشهيد وغيره ولا بين طهارة القميص وعدمها
(٣) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ، ووفاته، حديث "٤٤٥٤"، ومسلم كتاب الجنائز، باب تسجية الميت، حديث "٩٤٢".
(٤) "قوله بعشرين درهما" أي تقريبا
(٥) وإن الموضوع يكون إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٢٥١ ]
به كتب الحديث والعلم المحترم "ويرفعه على سرير ونحوه" مما هو مرتفع فلا يجعل على الأرض لئلا يتغير بندواتها ولا على فراش لئلا يحمى فيتغير قال في الكفاية فإن كانت الأرض صلبة جاز جعله عليها يعني من غير ارتكاب خلاف الأولى.
"ويستقبل به" القبلة "كالمحتضر" قال الأذرعي قد يفهم منه أنه يكون على جنبه والظاهر أن المراد هنا إلقاؤه (^١) على قفاه ووجهه وأخمصاه إلى القبلة ويومئ إليه قولهم ويوضع على بطنه شيء ثقيل "والرجال بالرجال أولى" بما ذكر وكذا النساء بالنساء وعبارة الروضة ويتولاه الرجال من الرجال والنساء من النساء فإن تولاه الرجال من نساء المحارم أو النساء من رجال المحارم جاز قال الأذرعي وفيه إشارة إلى أنه لا يتولى ذلك الأجنبي من الأجنبية ولا بالعكس ولا يبعد جوازه لهما (^٢) مع الغض وعدم المس انتهى ويومئ إليه زيادة المصنف لفظة أولى وكالمحرم فيما ذكر الزوجان بل أولى "ويبادر" بفتح الدال ندبا "بقضاء دينه (^٣)، وإنفاذ وصيته إن تيسر" حالا تعجيلا للخير ولخبر "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" (^٤) رواه الترمذي وحسنه (^٥) قال في المجموع. والمراد بالنفس هنا الروح ومعلقة محبوسة عن مقامها الكريم فإن لم يتيسر حالا سأل وليه غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه نص عليه الشافعي والأصحاب واستشكل في المجموع البراءة بذلك ثم قال ويحتمل أنهم رأوا ذلك ميراثا للميت للحاجة والمصلحة وظاهر أن المبادرة تجب (^٦) عند طلب ذي
_________________
(١) "قوله، "قوله والظاهر أن المراد هنا إلقاؤه إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله ولا يبعد جوازه لهما" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله ويبادر بقضاء دينه" قالوا ويستحب أن يكون ذلك قبل الاشتغال بغسله وغيره من أموره
(٤) صحيح: رواه الترمذي "٣/ ٣٨٩"، كتاب الجنائز، باب ما جاء عن النبي ﷺ، أنه قال نفس المؤمن معلقة بدينه، حديث "١٠٧٨" ورواه ابن ماجه، "٢/ ٨٠٦" كتاب الأحكام، حديث "٢٤١٣".
(٥) "قوله رواه الترمذي وحسنه" وصححه ابن حبان والحاكم ح
(٦) "قوله وظاهر أن المبادرة تجب إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الحق حقه (^١) مع التمكن من التركة.
"ويكره تمني الموت" لضر في بدنه أو ضيق في دنياه "فإن كان متمنيا قال اللهم أمتني إن كان الممات خيرا لي" وذلك لخبر الصحيحين "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" (^٢) وصرح في الروضة بالشق الأول أيضا "ولا يكره" تمنيه "لمن خشي فتنة في دينه" لمفهوم الخبر السابق بل قال الأذرعي إن النووي (^٣) أفتى باستحبابه له قال في المجموع ويستحب طلب الموت ببلد شريف وحذف المصنف تقييد الروضة كراهة تمني الموت بضر نزل به يقتضي أنه ليس بقيد وليس كذلك; لأن الأدلة إنما وردت مقيدة بذلك لا يقال الكراهة بلا ضرر ومفهومة بالأولى; لأنا نمنع ذلك; لأن التمني مع الضر يشعر بعدم الرضا بالقضاء بخلافه بدونه. "ويستحب" لكل مكلف "أن يذكر الميت بخير" لخبر مسلم عن أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ: "إذا حضرتم المريض أو الميت" وفي رواية أبي داود وغيره الميت بلا شك "فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون" قالت فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات قال: "قولي اللهم اغفر لي وله واعقبني منه عقبى حسنة فقلت فأعقبني الله من هو لي خير منه محمد ﷺ" (^٤) وبين تعبير المصنف بما قاله وقول الروضة ويستحب للناس أن يقولوا عند الميت خيرا عموم من وجه "ويكره نفي الجاهلية" للنهي عنه رواه الترمذي وحسنه وصححه، وهو النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره قال المتولي وغيره
_________________
(١) "قوله عند طلب ذي الحق حقه إلخ" أو كان قد عصى بتأخيره لمطل أو غيره لضمان الغصب والسرقة وغيرهما.
(٢) رواه البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، حديث "٥٦٧١" ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به حديث "٢٦٨٠".
(٣) "قوله قال الأذرعي إن النووي إلخ" ونقله بعضهم عن الشافعي
(٤) صحيح: رواه أبو داود "٣/ ١٩٠" كتاب الجنائز، باب ما يستحب أن يقال عند الميت من الكلام حديث "٣١١٥" ورواه مسلم، كتاب الجنائز، حديث "٩١٨" بلفظ مختلف.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وتكره مرثية الميت، وهي عد محاسنه للنهي عن المراثي. ا هـ. والوجه حمل تفسيرها بذلك على غير صيغة الندب الآتي بيانها وإلا فيلزم اتحادها معه وقد أطلقها الجوهري على عد محاسنه مع البكاء وعلى نظم الشعر فيه فيكره كل منهما لعموم النهي عن ذلك والأوجه حمل النهي عن ذلك على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له أو على الإكثار منه أو على ما يجدد الحزن دون ما عدا ذلك فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه وقد قالت فاطمة بنت النبي ﷺ فيه:
ماذا على من شم تربة أحمد … أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها … صبت على الأيام عدن لياليا
"ولا بأس بالإعلام بموته" للصلاة وغيرها كذا في الروضة والمنهاج وصحح في المجموع أنه يستحب إذا قصد الإعلام لكثرة المصلين لما روى الشيخان "أنه ﷺ نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأنه نعى جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة" (^١) ولما روى البخاري أنه ﷺ قال في إنسان كان يقم المسجد أي يكنسه فمات فدفن ليلا: "أفلا كنتم آذنتموني به" وفي رواية "ما منعكم أن تعلموني" قالوا كان الليل والظلمة فكرهنا أن نشق عليك فأتى قبره فصلى عليه (^٢). "ولأصدقائه" وأقاربه المفهومين بالأولى "تقبيل وجهه" روى أبو داود وغيره "أنه ﷺ قبل عثمان بن مظعون بعد موته" (^٣) وصححه الترمذي وغيره وروى البخاري أن أبا بكر ﵁ قبل رسول الله ﷺ بعد موته بل
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعي إلى أهله الميت بنفسه، حديث "١٢٤٥" دون ذكر الأصحاب الثلاثة.
(٢) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعي إلى أهله الميت بنفسه، حديث "١٢٤٥" دون ذكر الأصحاب الثلاثة
(٣) صحيح: رواه أبو داود "٣/ ٢٠١"، كتاب الجنائز، باب في تقبيل الميت حديث "٣١٦٣" الترمذي "٣/ ٣١٤" كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، حديث "٩٨٩".
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قال الروياني إن ذلك مستحب لهم وبحثه السبكي فقال ينبغي أن يكون ذلك لهم مستحبا ولغيرهم جائزا، وهو حسن مع أن الأخذ بظاهر كلامهم يقتضي عدم جواز التقبيل لغير هؤلاء وبه يشعر كلام المزني، وهو بعيد وسيأتي في النكاح والسير أنه لا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح فيحتمل تقييد ما هنا بالصالح ويحتمل إطلاقه وتخصيص الصالح بغير القريب والصديق
[ ٢ / ٢٥٥ ]