هو لغة الضم، والجمع يقال كتب كتبا، وكتابة، وكتابا، ومثله الكثب بالمثلثة، ومنه كثيب الرمل لكنه ينظره إلى الانصباب، واصطلاحا اسم لضم مخصوص أو لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب، وفصول غالبا فهو إما مصدر لكن لضم مخصوص أو اسم مفعول بمعنى المكتوب أو اسم فاعل بمعنى الجامع للطهارة، وهي مصدر طهر بفتح الهاء، وضمها، والفتح أفصح يطهر بضمها فيهما، وهي لغة النظافة، والخلوص من الأدناس حسية كالأنجاس أو معنوية كالعيوب يقال تطهرت بالماء، وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون عن العيب كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].
وشرعا رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما، وعلى صورتهما كالتيمم، والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وما اعترض به على ذلك ذكرته مع جوابه، وفوائد أخر في شرح البهجة.
قال الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] عدل إليه عن قول الأصل (^١) قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] لما قيل أنه أصرح منه دلالة"المطهر للحدث"، وهو هنا أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص"والخبث"، وهو مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص"الماء المطلق" أي لا غيره من تراب تيمم، وحجر استنجاء، وأدوية دباغ، وشمس، وريح، ونار، وغيرها حتى التراب في غسلات الكلب فإن المزيل هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسله منها كما سيأتي في بابه فالجملة مفيدة للحصر بتعريف طرفيها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله ﷺ في خبر الصحيحين حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذنوبا من ماء" (^٢)،
_________________
(١) يعني الأصل: روضة الطالبين، إذ هذا الكتاب اختصار للروضة كما سبق بيانه قريبا.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، حديث ٢٢٠. =
[ ١ / ٨ ]
والذنوب الدلو الممتلئة ماء. والأمر للوجوب فلو رفع غير الماء لم يجب التيمم عند فقده، ولا غسل البول به، ولا يقاس به غيره لأن اختصاص الطهر به عند الإمام (^١) تعبد، وعند غيره لما فيه من الرقة، واللطافة التي لا توجد في غيره، وحذف من كلام الأصل من المائعات لعدم الحاجة إليه.
فإن قلت بل يحتاج إليه لإخراج التراب فإنه مطهر، وليس بماء قلت مسلم أنه مطهر لكنه مطهر للحدث لا للخبث، والكلام في المطهر لكل منهما مع أن كلامنا في الرافع لا في المبيح فقط، ولهذا عبر المحرر بقوله لا يجوز رفع حدث، ولا إزالة نجس إلا بالماء المطلق، والمنهاج بقوله يشترط لرفع الحدث، والنجس ماء مطلق، وإنما اقتصروا على رفعهما لأنهما الأصل، وإلا فالطهارة المسنونة مثلا كالغسلة الثانية، والثالثة لا تحصل إلا بالماء المطلق"وهو العاري عن إضافة لازمة" أي قيد لازم فخرج المقيد بذلك سواء أقيد بإضافة نحوية كماء الورد أم بصفة كماء دافق أي مني أم فاللام عهد كقوله في الحديث "نعم إذا رأت الماء" (^٢) أي المني، وأورد على التعريف المتغير كثيرا بما لا يؤثر كطين، وطحلب فإنه مطلق مع أنه لم يقر عما ذكر، وأجيب بمنع أنه مطلق. وإنما أعطى حكمه في جواز التطهير به للضرورة فهو مستثنى من غير المطلق على أن الرافعي قال أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه فعليه لا إيراد أصلا"ولو" كان العاري عما ذكر"ماء ينعقد بجوهره" أو بغيره المفهوم بالأولى كسبوخة الأرض"ملحا" لأن اسم الماء يتناوله في الحال، وإن تغير بعد"أو" كان"بخاره" أي رشح بخار الماء المغلي لأنه ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، وهذا ما صححه النووي تلويحا في الروضة، وصريحا في غيرها، ونقله الرافعي في الشرح الصغير عن الروياني (^٣) ثم قال، ونازع فيه عامة الأصحاب،
_________________
(١) = ورواه مسلم ١/ ٢٣٦.
(٢) هو إمام الحرمين: أبو المعالي الجويني، المتوفى سنة ٤٧٨ هـ.
(٣) رواه البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم حديث ١٣٠. ورواه مسلم، كتاب الحيض، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، حديث ٣١٣.
(٤) الروياني: هو فخر الإسلام أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، صاحب البحر =
[ ١ / ٩ ]
وقالوا يسمى بخارا أو رشحا لا ماء على الإطلاق"لا قليل" بالرفع عطفا على المطلق أو العاري أي لا ماء قليل"مستعمل في فرض" من رفع حدث أو خبث فلا يطهر شيئا لانتقال المنع إليه، ولأن السلف لم يجمعوه في أسفارهم لاستعماله ثانيا مع احتياجهم إليه، وعدم استقذاره في الطهارة بل عدلوا إلى التيمم.
فإن قلت طهور في الآية السابقة بوزن فعول فيقتضي تكرر الطهارة بالماء قلت فعول يأتي اسما للآلة كسحور لما يتسحر به فيجوز أن يكون طهورا كذلك، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعا بين الأدلة ثبوت ذلك لجنس الماء، وفي المحل الذي يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه.
والمراد بالفرض ما لا بد منه أثم بتركه أم لا كما أشار إليه بقوله"ولو من حنفي بلا نية، وصبي" إذ لا بد لصحة صلاتهما من الوضوء، والأول يأثم بتركه دون الثاني، ولا أثر لاعتقاد الشافعي (^١) أن ماء الحنفي (^٢) فيما ذكر لم يرفع حدثا بخلاف اقتدائه بحنفي مس فرجه حيث لا يصح اعتبارا باعتقاده لأن الرابطة معتبرة في الاقتداء دون الطهارات (^٣)، ولأن الحكم بالاستعمال قد يوجد من غير نية معتبرة كما في إزالة النجاسة، وغسل المجنونة، والممتنعة من الغسل بخلاف الاقتداء لا بد فيه من نية معتبرة، ونية الإمام فيما ذكر غير معتبرة في ظن
_________________
(١) = وأخذ الفقه عن والده وجده وغيرهما، وبرع في المذهب حتى كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي وقد قتله الملاحدة شهيدا بجامع آمل في المحرم ٥٠٢ هـ. من تصانيفه: البحر، والكافي شرح مختصر على المختصر، والحلية، وكتاب القولين والوجهين، وكتاب اسمه بحر المذهب في الفروع وقد وسم بأنه بحر كاسمه وهو أطول كتب الشافعيين. قال أبو عمرو بن الصلاح: الروياني في البحر كثير النقل قليل التصرف والتزييف والترجيح. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٨٧ وطبقات ابن هداية الله ص ١٩٠ وكشف الظنون ١/ ٢٢٤ والأعلام ٤/ ١٧٥.
(٢) أي من مذهبه سافعي.
(٣) أي من مذهبه حنفي.
(٤) وذلك أن مذهب الشافعية أن مس الفرج ينقض الوضوء، بخلاف مذهب الحنفية، فإن عندهم أن مسه لا ينقض.
[ ١ / ١٠ ]
المأموم.
ثم المستعمل ليس بمطلق على ما صححه النووي في تحقيقه، وغيره، واقتضاه كلام المصنف كالروضة، ومطلق على ما جزم به الرافعي، وقال النووي في شرح التنبيه أنه الصحيح عند الأكثرين لكن منع من استعماله تعبدا فهو على هذا مستثنى من المطلق كما استثني منه القليل المتنجس بوصول نجس.
"وغسل" بالجر عطفا على حنفي أي، ولو كان المستعمل من طهارة حنفي بلا نية، ومن غسل"بدل مسح" كما لو استعمل في طهارته أكثر من قدر حاجته، وكلامه شامل لما جزم به البارزي (^١) من غسل الخف، والجبيرة بدل مسحهما فهو أعم من قول الروضة، ولو غسل رأسه بدل مسحه فالأصح أنه مستعمل"أو غسل ميت" من زيادته عطفه باء، وتنبيها على أنه نوع آخر لأن وجوبه ليس للحدث بل للموت بخلاف ما قبله، وما بعده"و" غسل"كافرة" بقصد حلها"لمسلم" زوج أو سيد لأنه يلزمها تمكينه، ولا يتم إلا بغسلها فيجب، ولو عبر كالروضة بالكتابية كان أولى لما سيأتي أن ما سواها من الكافرات حرام، وكالمسلم الكافر فيما يظهر بناء على أنه مكلف بالفروع، وهي مكلفة بالغسل له كالمسلمة ثم ترجح عندي خلاف ذلك عملا بتقييدهم الحكم بالمسلم لأن الاكتفاء بهذه النية إنما هو للتخفيف عليه، والكافر لا يستحقه لقدرته على الاكتفاء بها بأن يسلم"و" غسل"مجنونة" بأن غسلت بقصد حلها"لزوج" أو سيد، وهذا من زيادته.
ولو قال كما في التي قبلها المسلم كان أنسب"لا" مستعمل"في نفل" فإنه طهور لعدم استعماله في فرض، ولك أن تقول شرط العطف بلا أن يسبق
_________________
(١) البارزي: قاضي القضاة شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله الجهني الحموي المعروف بابن البارزي ولد سنة ٦٤٥ هـ وأخذ عن والده وجده والجمال بن مالك، وأخذ عنه البرزالي وأبو شامة والذهبي وخلق. صنف روضات الجنات والفريدة البارزية في حل الشاطبية وتيسير الفتاوي في تحرير الحاوي وتميز التعجيز وغير ذلك. انظر ترجمته في: البداية والنهاية لابن كثير ٧/ ٥٩٠ وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢/٢٩٨ والأعلاو للزركلي ٨/ ٧٣.
[ ١ / ١١ ]
بإيجاب أو أمر أو نداء، وهو منتف هنا"و" لا في"تجديد" هذا داخل فيما قبله فلو قال كتجديد كان أولى.
"فإن جمع" المستعمل فبلغ"قلتين صار طهورا" لخبرهما الآتي، وكما لو جمع المتنجس فبلغ قلتين، ولم يتغير بل أولى، وطهور بفتح الطاء ما يتطهر به، وهو المراد هنا، وبضمها الفعل، وقيل بفتحها فيهما، وقيل بضمها فيهما.
"ولو نوى"، وفي نسخة، وإن"نوى جنب" رفع حدثه الأكبر"ولو قبل تمام الانغماس في ماء قليل أجزأه" الغسل به"في ذلك الحدث" لا في غيره"فلو أحدث بعد غسل رجليه" مثلا من الجنابة"ثم تمم الانغماس لزمه غسل الرجلين للوضوء بالنية" بماء آخر، ولا يجزئه ما انغمس فيه، وهذا ما بحثه الأصل، وإن لم يصرح بهذه الصورة، وصححه السبكي (^١)، وغيره، وجزم به المصنف في شرح الإرشاد أيضا، ومقتضى كلام الأئمة كما قال الأصل أنه يجزئه، وهو المعتمد فقد صرح به القاضي والخوارزمي (^٢).
_________________
(١) السبكي: هو أبو الحسن تقي الدين بن عبد الكافي السبكي شيخ الإسلام في عصره وأحد الحفاظ المفسرين، ولد في سبك من أعمال المنوفية بمصر سنة ٦٨٣ هـ وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام وولي قضاء الشام سنة ٧٣٩ هـ واعتل فعاد إلى القاهرة وقال فيه شيخه الدمياطي: إنه إمام المحدثين، وقال ابن الرفعة: إمام الفقهاء فلما بلغ ذلك الباجي، قال: وإمام الأصوليين. قال الإسنوي: كان أنظر من رأيناه من أهل العلم ومن أجمعهم للعلم وأحسنهم كلاما في الأشياء الدقيقة، وأجلدهم على ذلك، إن هطل در المقال فهو سحابة، أو اضطرم نار الجدال فهو شهابة. من كتبه: الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم لم يكمله، والابتهاج في شرح المنهاج وصل فيه إلى الطلاق، وتكملة شرح المهذب، كتب منه لأبوابا والرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي. انظر ترجمته في: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٣/٣٧، والأعلام ٤/ ٣٠٢.
(٢) "قوله: فقد صرح به القاضي والخوارزمي" ونقله في المجموع عن الأصحاب مطلقا وهو أنه لو أحدث حدثا آخر في حال انغماسه جاز وصوبه قال الشارح في حاشيته ذكر الانغماس مثال فإن المراد أنه أحدث قبل خروجه منه كما هو صريح عبارة الخوارزمي نفسه فإنه قال في كافيه لو أحدث قبل أن يخرج منه ثم انغمس فيه ثانيا صح طهارته. . . . . . . . . . . =
[ ١ / ١٢ ]
وأما البحث فجوابه ما ذكره النووي في شرح الوسيط (^١) عن الأصحاب أن صورة الاستعمال باقية إلى الانفصال، والماء في حال استعماله على طهوريته، ويؤيده أنه لو كان به خبث بمحلين (^٢) فمر الماء بأعلاهما ثم بأسفلهما طهرا معا كما قاله البغوي (^٣).
"وإن نوى جنبان معا بعد تمام الانغماس فيه" أي في الماء القليل"طهرا أو" نويا"مرتبا"، ولو قبل تمام الانغماس"فالأول" طهر دون الثاني لأن الماء صار بالنسبة إليه مستعملا"أو" نويا"معا في أثنائه" أي الانغماس"لم يرتفع" حدثهما"عن باقيهما" لأن ماء كل منهما صار بالنسبة إلى الآخر مستعملا (^٤)،
_________________
(١) = وذكر القاضي حسين نحوه.
(٢) يعني كتاب الوسيط للإمام الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ، وقد حققت - بفضل الله هذا الكتاب أنا وأخي الدكتور أحمد محمود. وهذا الشرح المشار إليه لم يكمله النووي، وقد أدرجناه أيضا ضمن تحقيقنا للوسيط.
(٣) "قوله: ويؤيده ما لو كان به خبث بمحلين إلخ"، وفي المجموع لو نزل الماء من الجنب إلى محل الخبث وقلنا مستعمل الحدث لا يزيل الخبث وهو الأصح ففي طهره وجهان. ا هـ. ونقلهما مع تصحيح الطهر البغوي عن القاضي وصحح من عنده مقابله وما صححه القاضي أوجه ش.
(٤) البغوي: هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي الفراء أو ابن الفراء الملقب بـ محي السنة ولد سنة ٤٣٦ هـ كان دينا عالما عاملا على طريقة السلف، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة وكان قانعا باليسير. قال الذهبي: كان إماما في التفسير إماما في الحديث إماما في الفقه، بورك في تصانيفه ورزق القبول لحسن قصده وصدق نيته. من تصانيفه: التهذيب في الفقه، وشرح السنة في الحديث، ولباب التأويل في معالم التنزيل في التفسير، ومصابيح السنة، والجمع بين الصحيحين، والبغوي منسوب إلى بغا من قرى خراسان بين هراة ومرو، توفي ﵀ بـ مرو الروذ سنة ٥١٠ هـ. انظر ترجمته في طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١/٢٨١ وطبقات ابن هداية الله ص ٢٠٠ ةالأعلام للزركلي ٢/ ٢٥٩.
(٥) "قوله: لأن ماء كل منهما صار بالنسبة إلى الآخر مستعملا" فإن قيل كيف حكمتم في هذه الصور بكونه مستعملا كله مع أن الذي لاقى البدن شيء يسير وقد يفرض في بعض الصور أنه لو قدر مخالفون باقي الماء لما غيره فالجواب ما أجاب به إمام الحرمين أنه إذا نزل فيه فقد اتصل به جميع الماء ولم يختص الاستعمال بملاقي البشرة لا اسما ولا إطلاقا.
[ ١ / ١٣ ]
ولو شكا في المعية فالظاهر أنهما يطهران لأنا لا نسلب الطهورية بالشك، وسلبها في حق أحدهما فقط ترجيح بلا مرجح.
"و" الماء"المتردد على عضو المتوضئ و" على"المتنجس، وبدن الجنب إن لم يتغير طهور" للحاجة إلى تطهير الباقي، وعسر إفراد كل جزء بماء جديد، وقوله من زيادته إن لم يتغير لا حاجة إليه فإنه يعلم مما يأتي مع أنه في بعض النسخ مقدم على قوله، وبدن الجنب"فإن جرى الماء من عضو المتوضئ إلى عضوه" (^١) الآخر، وإن لم يكن من أعضاء الوضوء كأن جاوز منكبه"أو تقاطر" من عضو (^٢) "ولو من" عضو"بدن الجنب صار مستعملا" (^٣) لانفصاله عن العضو سواء أتقاطر على عضو آخر أم لا، والترجيح في مسألة الجنب مع التصريح بحكم التقاطر في غيره من زيادته، وصرح به في التحقيق.
"ولو غرف بكفه جنب نوى" رفع الجنابة"أو محدث بعد غسل وجهه" أي الغسلة الأولى كما قاله الزركشي (^٤)، وغيره لصحة غسل اليد حينئذ أو
_________________
(١) "قوله: فإن جرى الماء من عضو المتوضئ إلى عضوه الآخر إلخ" هذا كله في الانتقال النادر أما التقاذف الذي يعاب في الماء كالحاصل عند نقله من الكف إلى الساعد ورده من الساعد إلى الكف ونحو ذلك فإنه لا يضر كما جزم به الرافعي في أواخر الباب الثاني من أبواب التيمم ج.
(٢) "قوله: أو تقاطر من عضو إلخ" تقاطرا لا يقع إلا نادرا كأن شب من الرأس إلى البطن وخرق الهواء.
(٣) "قوله: صار مستعملا" ولا يصير الماء مستعملا بانتقاله إلى موضع الغرة والتحجيل بخلاف ما لو انتقل إلى غيرهما كفوق الركبة فإنه يصير مستعملا.
(٤) الزركشي: هو أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله بدر الدين الزركشي. ولد سنة ٧٤٥. وأخذ العلم عن الإسنوي والبلقيني والأذرعي وغيرهم، وتخرج بملغطاي في الحديث. وكان أصوليا فقيها أديبا فاضلا وله مصنفات حسنة، منها البحر المحيط في أصول الفقه وقد حققته بفضل الله تعالى ونشرته دار الكتب العلمية، والنكت على البخاري وشرح جمع الجوامع للسبكي وخرج أحاديث الرافعي وله غير ذلك. توفي سنة ٧٩٤ هـ. انظر ترجمته في: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٣/١٦٧.
[ ١ / ١٤ ]
الغسلات الثلاث كما قاله العز بن عبد السلام (^١) عملا بالعادة من أن اليد تدخل في الإناء للاغتراف دون تطهيرها في نفسها، وهو الأوجه"من ماء قليل، ولم ينو الاغتراف صار مستعملا" بخلاف ما إذا نواه"فلو غسل بما في كفه" قبل انفصاله كما صرح به في شرح الإرشاد"باقي يده لا غيرها أجزأه" التصريح بهذا، وبقوله قليل من زيادته. وقول الجويني (^٢) في تبصرته إذا نوى بعد غسل وجهه رفع الحدث، والماء بكفه ثم غسل به ساعده ارتفع حدث كفه دون حدث ساعده محمول على ما إذا انفصل الماء عنها، والأخذ بهذا التفصيل
_________________
(١) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن الشيخ الإمام العلامة وحيد عصره سلطان العلماء عزالدين أبو محمد السلمي الدمشقي ثم المصري ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة وتفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر والقاضي جمال الدين بن الحرستاني وقرأ الأصول على الآمدي وبرع في المذهب وفاق فيه الأقران والأضراب وجمع بين فنون العلم من التفسير والحديث والفقه والأصول والعربية واختلاف أقوال الناس ومآخذهم حتى قيل إنه بلغ رتبة الاجتهاد ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد وصنف التصانيف المفيدة وسمع الحديث من جماعة روى عنه الدمياطي وخرج له أربعين حديثا وابن دقيق العيد وهو الذي لقبه بسلطان العلماء وخلق رحل إلى بغداد سنة سبع وتسعين فأقام بها أشهرا وكان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر وقد ولي الخطابة بدمشق فأزال كثيرا من بدع الخطباء ولم يلبس سوادا ولا سجع خطبته بل كان يقولها مسترسلا واجتنب الثناء على الملوك بل كان يدعو لهم، وترجمة الشيخ طويلة وحكاياته في قيامه على الظلمة وردعهم كثيرة مشهورة وله مكاشفات وكرامات ﵁ توفي بمصر في جمادى الأولى سنة ستين وستمائة وحضر جنازته الخاص والعام السلطان فمن دونه. طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٠٩ - ١١١.
(٢) هو الشيخ أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني تفقه على أبي يعقوب الأبيوردي ثم رحل إلى نيسابور فلازم أبا الطيب الصعلوكي ثم رحل إلى مرو لقصد القفال فلازمه حتى صار بارعا في جميع العلوم ثم عاد إلى نيسابور وجلس للتدريس والفتوى وكان إماما في التفسير والحديث والأدب وكان الأئمة يعظمونه ونقل البغوي عن الشيخ أبي سعيد عبد الواحد القشيري صاحب الرسالة أن المحققين من أصحابنا يعتقدون في الشيخ أبي محمد من الكمال أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا لما كان إلا هو. توفي رحمه الله تعالى بنيسابور في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. وجوين: ناحية كبيرة من نواحي نيسابور مشتملة على قرى كثيرة. طبقات الشيرازي ٢/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٥ ]
أوجه من الأخذ بإطلاق التبصرة، وإن جرى عليه الإسنوي (^١) حيث قال بعد نقله كلامها، وقد استفدنا منه أن انفصال العضو مع الماء يقتضي الحكم على الماء بالاستعمال، وإن كان الماء متصلا بالعضو فتفطن لهذه الصورة فإنها مقيدة لإطلاقهم انتهى.
وقد يؤيد التفصيل قول المجموع فيما لو نزل الجنب في الماء، ونوى رفع الجنابة قبل تمام الانغماس أما لو اغترف الماء بإناء أو يده، وصبه على رأسه أو غيره فلا ترتفع جنابة ذلك القدر الذي اغترف له بلا خلاف صرح به المتولي (^٢) والروياني، وغيرهما، وهو أوضح لأنه انفصل. انتهى.
"فصل" الماء"المتغير طعما أو لونا أو ريحا بمخالطة طاهر يستغنى" (^٣) الماء"عنه كالمني"، والزعفران"تغيرا يمنعه الإطلاق" أي إطلاق اسم الماء عليه
_________________
(١) الإسنوي: هو جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي، الإمام العلامة، منقح الألفاظ، محقق المعاني، ذو التصانيف المشهورة المفيدة، ولد بإسنا سنة ٧٠٤ هـ وفد القاهرة ٧٢١ هـ فانتهت إليه رياسة الشافعية وولي الحسبة ووكالة بيت المال ثم اعتزل الحسبة. قال عنه الحافظ ولي الدين أبو زرعة: اشتغل بالعلوم حتى صار أوحد زمانه وشيخ الشافعية في أوانه، وصنف التصانيف النافعة السائرة كالمهمات وتخرج به خلق كثير وأكثر علماء الديار المصرية طلبته. توفي ﵀ سنة ٧٧٢ هـ من تصانيفه: المهمات على الروضة، والهداية في أوهام الكفاية، ونهاية السول شرح منهاج الوصول، وطبقات الشافعية. انظر ترجمته في: وطبقات ابن هداية الله ص ٢٣٦ والأعلام ٣/ ٣٤٤.
(٢) المتولي: هو أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون بن علي النيسابوري، المعروف بالمتولي ولد سنة ٤٢٦ هـ تفقه بـ مرو على الفوراني، وبـ مرو الروذ على القاضي الحسين، وبـ بخارى على أبي سهل الأبيوري، وبرع في الفقه والأصول والخلاف. قال الذهبي: كان فقيها محققا وجدا مدققا توفي ﵀ بـ بغداد سنة ٤٧٨ هـ. من تصانيفه: تتمة الإبانة ومختصر في الفرائض وكتاب في أصول الدين. انظر ترجمته في: البداية والنهاية لابن كثير ٦/ ٦١٤ وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١/٢٤٧ وطبقات ابن هداية الله ص ١٧٦ والأعلام ٣/ ٣٢٣.
(٣) "قوله: فصل الماء المتغير طعما أو لونا أو ريحا إلخ" سواء القليل والكثير.
[ ١ / ١٦ ]
"غير طهور" (^١) لأنه غير مطلق"و" لهذا"لا يحنث بشربه" الحالف على أن لا يشرب ماء"فلو لم يغيره" الطاهر المذكور"لموافقته الماء" في صفاته كماء الورد المنقطع الرائحة"فرضناه مخالفا" له فيها لأنه لموافقته لا يغير فاعتبر بغيره كالحكومة"وسطا" في الصفات كلون العصير، وطعم الرمان، وريح الأذن فلا يقدر بالأشد كلون الحبر، وطعم الخل، وريح المسك بخلاف الخبث كما يأتي لفظه.
"فلولم يؤثر" فيه الخليط حسا أو فرضا"استعمله كله"، ومثله ما لو استهلكت النجاسة المائعة في الماء الكثير كما صرح به الأصل"و" إذا لم يكفه الماء، وحده، ولو كمله بمائع يستهلك فيه لكفاه"وجب تكميل الماء به إن (^٢) ساوى" قيمته"قيمة ماء مثله" أو نقصت عنها كما فهم بالأولى.
ولو قال إن لم تزد قيمته على قيمة ماء مثله لشمله منطوقا كما شمله كذلك تعبير أصله بقوله إلا أن تزيد قيمة المائع على ثمن ماء الطهارة، وتعبيره بقيمة ماء مثله أي، وهو ما عجز عنه أولى من تعبير أصله بثمن ماء الطهارة.
"ويفرض في النجاسة" الموافقة للماء في الصفات"الأشد" فيها لما مر"و" الماء"المستعمل كمائع" في أنه يفرض مخالفا للماء في صفاته، وسطا"لا في تكثير الماء" فلو ضمه إلى ماء قليل فبلغ قلتين صار طهورا، وإن أثر في الماء بفرضه مخالفا، وهذا من زيادته مع أنه علم من قوله كأصله فيما مر فإن جمع قلتين صار طهورا"، ولا يضر تغير يسير" بطاهر، ولو مخالطا لتعذر صون الماء عنه، ولبقاء إطلاق الاسم، وكذا لو شك في أنه تغير به يسيرا أو كثيرا نعم لو تغير كثيرا ثم زال بعضه بنفسه أو بماء مطلق ثم شك في أن التغير الآن يسير أو كثير
_________________
(١) "قوله: غير طهور" قد يشمل مسألة ابن أبي الصيف وهي ما لو طرح ماء متغيرا بما في مقره أو ممره على ماء غير متغير فتغير به سلبه الطهورية لعدم المشقة، ومن ثم ألغز به فقيل لنا ماءان يجوز التطهير بهما انفرادا لا اجتماعا.
(٢) "قوله: وجب تكميل الماء به" قال في المهمات إن تقييد لزوم التكميل بما إذا كان يكفيه ليس بصحيح فإن الناقص عن الكفاية يجب استعماله.
[ ١ / ١٧ ]
لم يطهر عملا بالأصل في الحالين قاله الأذرعي (^١).
"ولا" يضر تغير"كثير بمجاوره" أي الماء"كعود، ودهن"، ولو مطيبين"وكافور صلب" لأن تغيره بذلك لكونه تروحا (^٢) لا يمنع إطلاق الاسم عليه، والمجاور ما يتميز في رأي العين، وقيل ما يمكن فصله (^٣) بخلاف الخليط فيهما، وقيل المعتبر العرف (^٤) "ولا بمكث" (^٥) بتثليث ميمه مع إسكان كافه قال في المطلب (^٦)، وبفتحهما"ولا بما لا يستغنى" الماء"عنه في
_________________
(١) "قوله: قاله الأذرعي" هذه المسألة نظير ما لو جمع الماء شيئا فشيئا ووقعت فيه نجاسة وشك في بلوغه قلتين، وما لو جاء من قدام الإمام ثم اقتدى به وشك في تقدمه عليه والأصح عدم التأثير فيهما فتكون مسألتنا كذلك. قلت: والأذرعي: هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن حمدان الأذرعي، ولد بأذرعات بالشام سنة ٧٠٨ هـ وتفقه بالقاهرة وولي نيابة القضاء بحلب وكان سريع الكتابة مطرح النفس، كثير الجود، صادق اللهجة، شديد الخوف من الله تعالى. توفي ﵀ سنة ٧٨٣ هـ. ومن تصانيفه: التوسط والفتح بين الروضة والشرح عشرون مجلدا وشرح المنهاج شرحين: أحدهما: غنية المحتاج ثماني مجلدات، والثاني قوت المحتاج ثلاثة عشر جزءا منه، وفي كل منهما ما ليس في الآخر. انظر ترجمته في طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/ ٣/١٤١ وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص ٢٣٧، والأعلام للزركلي ١/ ١١٩.
(٢) "قوله: لأن تغيره بذلك لكونه تروحا إلخ" صورة المسألة في مجاور لا ينفصل منه مخالط فإن انفصل منه مخالط كعود القرع وكالتمر والزبيب وغيرهما سلب الطهورية ومنه الكتان إذا وضع في الماء أياما فإن صفرته تنحل وتخرج في الماء فيصير أسود منتنا وقد وهم من ادعى طهوريته وقال إنه تغير بمجاور وقوله في المهمات وضابط الكثير هو المزيل للاسم غلط فاحش فإن التغير بما لا يسلب الطهورية ليس بمزيل للاسم شرعا بل ولا عرفا ولا سيما إذا تغيرت رائحته فقط.
(٣) "قوله وقيل ما يمكن فصله" فالورق المدقوق خليط على الأول دون الثاني لإمكان فصله بعد رسوبه وكذلك التراب كما قاله في الكفاية ج.
(٤) "قوله: وقيل المعتبر العرف" ولا فرق بين كون التغير بطعم أو لون أو ريح على الأصح.
(٥) "قوله: لا يمكث إلخ""تنبيه" لا يقال المتغير كثيرا بطول المكث أو بمجاور أو بما يعسر صون الماء عنه غير مطلق بل هو مطلق كما في الشرح الصغير وشرح المهذب والله أعلم.
(٦) يعني كتاب المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي وهو لابن الرفعة.
[ ١ / ١٨ ]
ممره، ومقره كطحلب" (^١) بضم الطاء مع ضم اللام، وبفتحها شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث"ونورة لم تطبخ، وأوراق شجر تناثرت، وتفتتت" أي، واختلطت، وإن كانت ربيعية أو بعيدة عن الماء لتعذر صون الماء عن ذلك، وقوله من زيادته لم تطبخ مضر إذ الكلام فيما لا يستغني الماء عن المستلزم لعدم طرحه فيه فلا فرق بين المطبوخة، وغيرها.
أما المطروحة فتضر بلا طبخ، وكذا به بلا خلاف كما في الكفاية، وغيرها، وخرج بأوراق الشجر ثمارها لإمكان التحرز عنها غالبا، وبقوله تناثرت ما صرح به في قوله"لا إن طرحت" فتضر لذلك، وبقوله، وتفتتت غير المتفتتة فلا تضر، وإن طرحت لأنها مجاورة، وعطفه أوراق الشجر على ما قبلها يقتضي أن عدم تأثيرها مقيد بما إذا كانت في ممر الماء، ومقره، وليس مرادا، وعبارة الأصل سالمة من ذلك"وكذا إن تغير كثيرا بملح (^٢) مائي، وتراب مطروح" (^٣) فإنه طهور، ولانعقاد الأول من الماء كالجمد بخلاف الملح الجبلي أي إذا لم يكن بممر الماء، ومقره (^٤) كما علم مما مر، وأما الثاني فلموافقته الماء في الطهورية، ولأن تغيره به مجرد كدورة، وهي لا تسلب الطهورية نعم إن تغير حتى صار لا يسمى إلا طينا رطبا سلبها كما صرح به في الشرح الصغير.
_________________
(١) "قوله: كطحلب إلخ" مثل الطحلب الزرنيخ وحجارة النورة وليس المراد بها المحترقة بالنار بل حجارة رخوة فيها خطوط إذا جرى عليها الماء انحلت فيه كما نبه عليه ابن الصلاح هنا والإمام في النهاية في كتاب الحج فقول المصنف لم تطبخ يستفاد منه حكم المطبوخة بمفهوم الأولى فليس بمضر بل هو حسن وأما وجه جريان الخلاف في المطروحة إذا لم تطبخ أنها من أجزاء الأرض بخلاف المطبوخة.
(٢) "قوله: وكذا إن تغير كثيرا بملح" لو أخذ المتغير بذلك فصبه على ماء غير متغير فإنه يضر قاله ابن أبي الصيف اليمني وله نظائر.
(٣) "قوله: وتراب مطروح" وكلامهم شامل للتراب المستعمل حتى لا يؤثر وهو قضية العلة الثانية وقضية الأولى أنه يؤثر كالماء المستعمل وهو الظاهر ش وقوله وكلامهم شامل أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: ولأن تغيره به مجرد كدورة إلخ" ولأنه مأمور به في نجاسة الكلب ولو كان يسلب كما أمر به للتطهير والسدر أمر به في غسل الميت للتنظيف لا للتطهير.
[ ١ / ١٩ ]
وقوله كثيرا معلوم مما مر، وتخصيصه الطرح بالتراب تبع فيه الروضة والرافعي ذكره فيه، وفي الملح، وكذا صنع هو في شرح الإرشاد فكان الأولى أن يقول مطروحين، وأولى منه أن يقول، وإن طرحا.
"وكره" شرعا"تنزيها استعمال متشمس" (^١) في البدن"بمنطبع" أي مطرق"من غير النقدين" كالحديد"في قطر حار" كمكة" (^٢) ما لم يبرد" لما روى الشافعي عن عمر أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال أنه يورث البرص، ولأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف منها البرص بخلاف المتسخن بالنار لا يكره كما سيأتي لذهاب الزهومة بها لقوة تأثيرها، وبخلاف المتشمس بغير المنطبع كالخزف، والحياض أو بالمنطبع من النقدين لصفاء جوهرهما أو بالمنطبع من غيرهما في قطر بارد أو معتدل أو قطر حار لكن يرد خلافا لما صححه في الشرح الصغير من بقاء الكراهة بعد التبريد، وتعبيره بمتشمس أولى من تعبير الأصل بمشمس إذ لا فرق بين المتشمس بنفسه، والمتشمس بغيره.
"فلو استعمله في غير البدن" كالثوب"أو" في"مأكول غير مائع لم يكره". والثانية من زيادته مذكورة في المجموع، وهي مقيدة لقول الروضة، ويختص باستعماله في البدن، وقال ابن الصلاح ينبغي فيها الكراهة لأن الأجزاء المنفصلة من الإناء تمازج الطعام فتؤثر في البدن، واستحسنه الزركشي (^٣) قال، وغير الماء من المائعات كالماء، وشمل كلامهم كراهة استعماله (^٤) في بدن الميت لأنه محترم كما في الحياة (^٥)،. . . . . . . . . . .
_________________
(١) "قوله: متشمس إلخ" ولو كثيرا.
(٢) "قوله: في قطر حار كمكة" أي في الصيف لأن الكراهة مختصة بوقت الحرارة.
(٣) "قوله: واستحسنه الزركشي إلخ" قال كالبلقيني.
(٤) "قوله: وشمل كلامهم كراهة استعماله إلخ" صرح البندنيجي بكراهة غسل الميت به.
(٥) "قوله: لأنه محترم كما في الحياة" وفي الأبرص لزيادة الضرر قال البلقيني وغير الآدمي من الحيوانات إن كان البرص يدركه كالخيل أو يتعلق بالآدمي منه ضرر اتجهت الكراهة وإلا فلا ش.
[ ١ / ٢٠ ]
. . . . . . . . وكلام الشامل (^١) يقتضي خلافه.
"ولو عدم غيره استعمله" وجوبا إن ضاق الوقت"ولم يتيمم" لقدرته على ماء مطهر"ووجب" شراؤه كغيره من المياه، ولأن تحصيل مصلحة الواجب (^٢) أولى من دفع مفسدة المكروه، وقوله، ولو عدم إلخ من زيادته، وبه صرح ابن عبد السلام، وما ذكر من كراهة المتشمس هو المشهور، وصححه الشيخان.
"و" لكن"المختار" عند النووي دليلا"عدم الكراهة مطلقا" عن شروطها السابقة، وصححه في تنقيحه، وقال في مجموعه إنه الصواب الموافق للدليل، ولنص الأم حيث قال فيها لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب أي إنما أكرهه شرعا حيث يقتضي الطب محذورا فيه، وأثر عمر ضعيف لأنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه، وجرحوه إلا الشافعي فوثقه فثبت أنه لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء. انتهى.
ويجاب بأن دعواه أن الموافق للدليل، ولنص الأم عدم الكراهة ممنوعة، وأثر عمر رواه الدارقطني بإسناد آخر صحيح (^٣) على أن الحصر في قوله إلا الشافعي فوثقه ممنوع بل، وثقه ابن جريج، وابن عدي، وغيرهما كما ذكره الإسنوي، وقوله، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء شهادة نفي لا يرد بها قول الشافعي. ويكفي في إثباته إخبار السيد عمر ﵁ الذي هو أعرف بالطب من غيره (^٤)، وتمسكه به من حيث إنه خبر لا تقليد.
_________________
(١) يعني كتاب الشامل لابن الصباغ.
(٢) "قوله: ولأن تحصيل مصلحة الواجب إلخ" أو لأن تحمل مفسدة المكروه أولى من تحمل مفسدة تفويت الواجب.
(٣) رواه الدارقطني في سننه ١/ ٣٩ حديث ٤.
(٤) "قوله الذي هو أعرف بالطب من غيره" وقد قال ابن النفيس في شرح التنبيه أن مقتضى الطب كونه يورث البرص ثم بينه وهو عمدة في ذلك.
[ ١ / ٢١ ]
وضابط المشمس على ما أفهمه كلام الماوردي (^١) أن ينتقل بالشمس عن حالته إلى حالة أخرى حتى لو كان شديد البرودة فخف برده بالشمس فمتشمس (^٢)، ونقله في البحر (^٣) عن الأصحاب فقال قال أصحابنا تأثير الشمس في مياه الأواني تارة تكون بالحمى، وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء قال الزركشي، وغيره بعد نقلهم ذلك، والمفهوم من كلام من اشترط الآنية المنطبعة، والبلاد الحارة أن ذلك يختص بما يظهر تأثير الشمس فيه فإنها في مثل هذه الآنية تفصل أجزاء سمية تؤثر في البدن، والظاهر أنه إنما يكون عند ظهور السخونة، وما قالوه أوجه (^٤).
"ويكره" تنزيها"شديد حرارة و" شديد"برودة" لمنع كل منها الإسباغ نعم إن فقد غيره، وضاق الوقت، وجب استعماله أو خاف منه ضررا حرم، وهو، واضح"و" تكره"مياه ثمود"، وكل ماء مغضوب عليه كماء ديار قوم لوط، وماء ديار بابل (^٥) "لا" ماء"بئر الناقة" "لأنه ﷺ أمر الناس النازلين على الحجر أرض ثمود بأن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأن يستقوا من بئر الناقة" رواه الشيخان (^٦)، وقوله: ومياه ثمود لا بئر الناقة من زيادته أخذا
_________________
(١) الماوردي: هو القاضي علي بن محمد بن حبيب الماوردي، ولد سنة ٣٦٤ هـ تفقه على الصميري بـ بالبصرة وارتحل إلى الشيخ أبي حامد الإسفرائيني ودرس بالبصرة وبغداد سنين كثيرة. قال عنه الخطيب البغدادي: كان ثقة من وجوه الفقهاء الشافعيين وقال ابن خيرون: كان رجلا عظيم القدر، متقدما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحسان في كل فن من العلم وكان يميل إلى الاعتزال توفي ﵀ سنة ٤٥٠ هـ. من كتبه: الأحكام السلطانية والحاوي وأدب الدنيا والدين والأمثال والحكم. انظر ترجمته في: البداية والنهاية ٦/ ٥٥٤ وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١/٢٣٠ وطبقات ابن هداية الله ص ١٥١ والأعلام ٤/ ٣٢٧.
(٢) "قوله: فخف برده بالشمس فمتشمس" قال ابن الملقن وهو غريب.
(٣) يعني كتاب بحر المذهب للروياني.
(٤) "قوله: وما قالوه أوجه" فالصحيح خلافه.
(٥) "قوله: وماء ديار بابل" وماء بئر ذي أروان التي وضع فيها السحر للنبي ﷺ وماء بئر برهوت لخبر ابن حبان شر بئر في الأرض برهوت ش وحينئذ تكون المياه المكروهة ثمانية.
(٦) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا، =
[ ١ / ٢٢ ]
من المجموع، وغيره"ولا يكره" ماء"بحر" لأخبار كخبر هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه أبو داود، والترمذي، وصححه (^١)، وخبر "من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله" رواه الدارقطني بإسناد حسن (^٢)، ولأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غيره، وما روي من أنه ﷺ قال: "تحت البحر نار، وتحت النار بحر" حتى عد سبعة، وسبعة ضعيف باتفاق المحدثين (^٣). ولو ثبت لم يكن فيه دليل قاله في المجموع، ولو حذف المصنف لا يكره كان أنسب، وأخصر"و" لا"ماء زمزم" لعدم ثبوت نهي فيه نعم تكره إزالة النجاسة به كما قاله الماوردي، وصرح به الروياني، وغيره بالنسبة للاستنجاء (^٤).
"فائدة" قال البلقيني (^٥) في مختصر تاريخ مكة ماء زمزم أفضل من
_________________
(١) = حديث ٣٣٧٩. عن ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، ورواه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا …، حديث ٢٩٨١.
(٢) صحيح: رواه أبو داود ١/ ٢١، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، حديث ٨٣ ورواه الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، حديث ٦٩.
(٣) الدارقطني في سننه ١/ ٣٥ حديث ١١.
(٤) ضعيف: أورده الكناني في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة ٢/ ٦٨، والشوكاني في الفوائد المجموعة ١/ ٣. والشيخ الألباني في الضعيفة ١/ ٤٧٨.
(٥) "قوله: بالنسبة للاستنجاء"، وفي الاستقصاء عن الصيمري أن غير ماء زمزم من الماء أولى منه في الاستنجاء ثم قال إن ماء زمزم وغيره سواء على المذهب ج.
(٦) البلقيني: هو الإمام العلامة القاضي جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن الإمام بقية المجتهدين سراج الدين أبي حفص البلقيني، ولد سنة ٧٦٣ هـ وانتهت إليه رئاسة الفتوى بعد وفاة أبيه، وولي القضاء بالديار المصرية مرارا إلى أن مات وهو متول سنة ٨٢٤ هـ قال عنه الحافظ شهاب الدين ابن حجر: كان له بالقاهرة صيت لذكائه وعظمة والده في النفوس، وكان من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحفظ، وكان من محاسن القاهرة. له كتب في التفسير، والفقه، مجالس الوعظ وتعليق على البخاري سماه الإفهام لما في صحيح البخاري من الإبهام وغير ذلك. انظر في ترجمته: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٤/٨٧ والأعلام ٣/ ٣٢٠.
[ ١ / ٢٣ ]
الكوثر لأن به غسل صدر النبي ﷺ ولو لم يكن يغسل إلا بأفضل المياه.
"ولا متغير بما لا بد منه" كمتغير بما في مقره، وممره لتعذر الاحتراز عنه"و" لا"متسخن" بالنار"ولو بنجاسة" لعدم ثبوت نهي فيه، وكلامهم شامل للنجاسة الغلظة، وفيه وقفة.
[ ١ / ٢٤ ]