هو لغة طلب السقيا وشرعا طلب سقيا العباد من الله عند حاجتهم إليها يقال سقاه وأسقاه بمعنى قال تعالى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الانسان: من الآية ٢١] وقال ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وقد جمعهما لبيد في قوله:
سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرا والقبائل من هلال
وقيل سقاه ناوله ليشرب وأسقاه جعل له سقيا وقيل سقاه لشفته وأسقاه لماشيته وأرضه وقيل سقاه لشفته وأسقاه دله على الماء والأصل في الباب قبل الإجماع والاتباع رواه الشيخان وغيرهما
"الاستسقاء" (^٢) ثلاثة أنواع ثابتة بالأخبار الصحيحة أدناها "يكون بالدعاء مطلقا" (^٣) عما يأتي فرادى أو مجتمعين "و" أوسطها يكون بالدعاء (^٤) "خلف الصلوات" (^٥) ولو نافلة كما في البيان وغيره عن الأصحاب خلافا لما وقع
_________________
(١) هو لغة طلب السقيا وشرعا طلب سقيا العباد من الله عند حاجتهم إليها يقال سقاه وأسقاه بمعنى قال تعالى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ وقال ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ وقد جمعهما لبيد في قوله سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرا والقبائل من هلال وقيل سقاه ناوله ليشرب وأسقاه جعل له سقيا وقيل سقاه لشفته وأسقاه لماشيته وأرضه وقيل سقاه لشفته وأسقاه دله على الماء والأصل في الباب قبل الإجماع والاتباع رواه الشيخان وغيرهما
(٢) قوله: "الاستسقاء" ثلاثة أنواع ثابتة بالأخبار الصحيحة أدناها
(٣) قوله: "يكون بالدعاء مطلقا" عما يأتي فرادى أو مجتمعين
(٤) قوله: "و" أوسطها يكون بالدعاء
(٥) قوله: "خلف الصلوات" ولو نافلة كما في البيان وغيره عن الأصحاب خلافا لما وقع للنووي في شرح مسلم من تقييده بالفرائض
[ ٢ / ٢٢٦ ]
للنووي في شرح مسلم من تقييده بالفرائض "وفي خطبة الجمعة" (^١) ونحو ذلك "والأفضل أن يكون بالصلاة والخطبة" (^٢) وسيأتي بيانهما
"وذلك" أي الاستسقاء "سنة" مؤكدة "للمقيمين" ولو بقرية أو بادية "والمسافرين" ولو سفر قصر لاستواء الكل في الحاجة وإنما لم يجب لما مر في العيد هذا "إن انقطعت المياه" أو ملحت (^٣) واحتاجوا إليها "أو احتاجوا إلى الزيادة" وإلا فلا استسقاء (^٤) "ويستسقون" يعني غير المحتاجين بالصلاة وغيرها "لغيرهم أيضا ويسألون الزيادة لأنفسهم"; لأن المؤمنين كالعضو الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله وروى مسلم خبر "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل" (^٥) قال الأذرعي ويظهر تقييد ذلك بأن لا يكون (^٦) الغير ذا بدعة وضلالة وبغي وإلا فلا يستسقون لهم تأديبا وزجرا; ولأن العامة تظن بالاستسقاء لهم حسن طريقتهم والرضا بهم وفيه مفاسد
"فإن لم يسقوا" في اليوم الأول "صلوا" وخطب بهم الإمام "اليوم الثاني وما بعده" هذا أولى من اقتصار أصله على الثاني والثالث; لأن ما فوقهما كذلك "حتى يسقوا" فإن الله يحب الملحين في الدعاء "ولا يتوقفون" عن الخروج "للصيام" أي لصيام ثلاثة أيام قبله وقيل يتوقفون وهما نصان للشافعي فقيل قولان أظهرهما الأول وعليه اختصر المصنف كشيخنا الحجازي كلام الروضة أخذا بظاهر هذا الترجيح مع غفلة أنه مفرع على هذه الطريقة وقال
_________________
(١) قوله: "وفي خطبة الجمعة" ونحو ذلك
(٢) قوله: "والأفضل أن يكون بالصلاة والخطبة" وسيأتي بيانهما
(٣) قوله: أو ملحت" واحتاجوا إليها بفتح اللام وضمها
(٤) "قوله وإلا فلا استسقاء" أي وإلا بأن انقطعت المياه ولم تمس الحاجة إليها في ذلك الوقت
(٥) صحيح: رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، حديث "٢٧٣٢"، ورواه أبو داود "٢/ ٨٩" كتاب الصلاة باب الدعاء بظهر الغيب، حديث "١٥٣٤".
(٦) "قوله ويظهر تقييد ذلك بأن لا يكون إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٢٢٧ ]
الجمهور كما في المجموع منزلان على حالين (^١) الثاني على ما إذا اقتضى الحال التأخير كانقطاع مصالحهم والأول على خلافه ووافقهم المصنف في شرح الإرشاد وقيل لا خلاف بل الأول محمول على الجواز والثاني على الندب وعلى كل حال فالجمهور قطعوا باستحباب تكرير الاستسقاء كما ذكروا لمرة "الأولى آكد" في الاستحباب ثم إذا عادوا من الغد أو بعده يندب أن يكونوا صائمين فيه
"فرع، وإن تأهبوا للخروج" للصلاة "فسقوا" قبله خرجوا للوعظ والدعاء والشكر و"صلوها شكرا" لله تعالى وطلبا للمزيد قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: من الآية ٧] "وخطب بهم" لذلك والتصريح بالخطبة من زيادته
"فصل يستحب أن يأمرهم الإمام بصيام (^٢) ثلاثة أيام" متتابعة مع يوم الخروج; لأنه معين على الرياضة والخشوع وروى الترمذي عن أبي هريرة خبر "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم" (^٣) وقال حديث حسن ورواه البيهقي عن أنس "وقال دعوة الصائم والوالد والمسافر" والصوم لازم بأمر الإمام امتثالا له كما أفتى به النووي (^٤) لقوله تعالى
_________________
(١) "قوله منزلان على حالين" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله أن يأمرهم الإمام" أي أو نائبه
(٣) صحيح: رواه الترمذي "٤/ ٦٧١" كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، حديث "٢٥٢٥". وابن ماجه "١/ ٥٥٧"، كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث "١٧٥٢". قال الألباني: ضعيف.
(٤) "قوله كما أفتى به النووي" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه وسبقه إليه ابن عبد السلام في القواعد وقال الأذرعي إنه الأصح واختلف المتأخرون في وجوب التبييت إذا أوجبنا الصوم واختار الأذرعي عدم الوجوب قال ويبعد عدم صحة صوم من لم ينو ليلا كل البعد قال الغزي ويحسن تخريج وجوب التبييت على صوم الصبي رمضان أو على صوم النذر. ا هـ. قال بدر الدين بن قاضي شهبة والظاهر عدم الوجوب; لأن صلاة الاستسقاء تجب بأمر الإمام ولم يقل أحد بوجوب نية الفرضية فيها; ولأن وجوب الصوم ليس هو لعينه بل لعارض، وهو أمر الإمام ولهذا لا يستقر في الذمة بخلاف المنذور; ولأن الإمام لو أسقط عنهم صلاة الاستسقاء سقط وجوب صومها قال شيخنا المعتمد وجوب التبييت
[ ٢ / ٢٢٨ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: من الآية ٥٩] الآية قال في المهمات وهل يتعدى ذلك إلى كل ما يأمرهم به (^١) من الصدقة وغيرها لم يختص بالصوم فيه نظر انتهى وظاهر الآية وكلامهم في باب الإمامة يقتضي التعدي إلى ذلك وقال الإسنوي في شرحه إنه القياس (^٢) وما قاله النووي أقره عليه جمع منهم السبكي والقمولي والإسنوي والبلقيني في موضع لكنه قال في آخر إنه مردود بقول الشافعي في الأم وبلغنا عن بعض الأئمة أنه كان إذا أراد أن يستسقي أمر الناس فصاموا ثلاثة أيام متتابعة وتقربوا إلى الله بما استطاعوا من خير ثم خرجوا في اليوم الرابع فاستسقى بهم وأنا أحب ذلك لهم وآمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صياما من غير أن أوجب ذلك عليهم ولا على إمامهم، وهو صريح في عدم إيجاب ذلك انتهى ويجاب بأن كونه صريحا مجرد دعوى وغاية الأمر أنه ظاهر وبتقدير صراحته فهو محمول بقرينة كلامه في باب البغاة على ما إذا لم يأمرهم الإمام بذلك ويدل له قولهم في باب الإمامة العظمى تجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يخالف حكم الشرع.
"و" أن يأمرهم "بالتوبة (^٣) والخروج من المظالم" في الدم والعرض والمال "وبفعل الخيرات" من عتق وصدقة وغيرهما; لأن ذلك أرجى للإجابة قال تعالى ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ وقال ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الآية وقال ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الآية وظاهر أن الخروج من المظالم داخل في التوبة بل كل منهما داخل في فعل
_________________
(١) "قوله وهل يتعدى ذلك إلى كل ما يأمرهم به" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه لا يجب على الإنسان التصدق بما عدا الزكاة وقد "أمر النبي ﷺ النسوة يوم العيد أن يتصدقن" وكان ذلك في حقهن سنة غير واجب
(٢) "قوله وقال الإسنوي في شرحه إنه القياس" لما فيه من المصلحة العامة
(٣) "قوله: وبالتوبة إلخ" لأن المعاصي تضيق الرزق لقوله ﷺ: "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي الدواب تقول منعنا المطر بخطاياهم والإقلاع موسع للرزق.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الخيرات لكن لعظم أمرهما أو كونهما أرجى للإجابة أفردا بالذكر "ثم" بعد أمره لهم بما ذكر وصومهم ثلاثة أيام "يخرج بهم إلى الصحراء (^١) في الرابع (^٢) صياما في ثياب بذلة (^٣) وتخشع" في مشيهم وجلوسهم وغيرهما لما مر في الصوم وللاتباع في غيره وفي آخر الخبر أنه صلى ركعتين كما يصلي العيد رواه ابن حبان وغيره وقال الترمذي حسن صحيح وفارق ما هنا صوم يوم عرفة حيث لا يسن للحاج بأنه يجتمع عليه مشقة الصوم والسفر وبأن محل الدعاء ثم آخر النهار والمشقة المذكورة مضعفة حينئذ بخلافه هنا وقضية الفرقين أنهم لو (^٤) كانوا هنا مسافرين وصلوا آخر النهار لا صوم عليهم بل قضية الأول ذلك أيضا وإن صلوا أول النهار ويجاب بأن الإمام (^٥) لما أمر به هنا صار واجبا وقد يقال ينبغي أن يتقيد وجوبه بما إذا لم يتضرر به المسافر فإن تضرر به فلا وجوب (^٦) ; لأن الأمر به حينئذ غير مطلوب لكون الفطر أفضل وينبغي للخارج أن يخفف غذاءه وشرابه تلك الليلة ما أمكن ولو خرجوا حفاة مكشوفة
_________________
(١) قوله: ثم يخرج بهم إلى الصحراء" محله إذا كان الاستسقاء بغير مكة وبيت المقدس كما ذكره الخفاف في الخصال، فيستسقي بمكة بالمسجد الحرام وببيت المقدس بالمسجد الأقصى، لجمعهما مع شرف البقعة السعة الكافية للجمع وإن كثر جدا، قال الشرف الغزي في شرح المنهاج: وفيه نظر، لأنا مأمورون هنا بإحضار الصبيان ومأمورون بأن نجنبهم المساجد إن قوله وقال الشرف إلخ أشار إلى تصحيحه وقال شيخنا فالمعتمد الإطلاق.
(٢) "قوله: في الرابع صياما" الأمر بالصوم يختص بمن حضر الصلاة قاله الفقيه إسماعيل الحضرمي، وقال الفقيه أحمد بن موسى عجيل إنه: يعم من حضر ومن لم يحضر، وأما الأمر بالخروج من المظالم وبالتووبة من المعاصي ومصالحة الأعداء والصدقة فيعم من حضر، ومن لم يحضر وقوله وقال الفقيه أحمد بن موسى إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٣) قوله: في ثياب بذلة" ولو كان يوم عيد.
(٤) "قوله: وقضية الفرقين إلخ" قال شيخنا حاصل ذلك أنه لو اشتدت الحاجة إلى الخروج حالا خرجوا وإلا أخروا إلى الغد ليخرجوا صائمين.
(٥) "قوله: ويجاب بأن الإمام إلخ" أشار إلى تصحيحه.
(٦) "قوله: فإن تضرر به فلا وجوب إلخ" المعتمد أن الصوم مطلوب مطلقا كما اقتضاه إطلاق الأصحاب لما مر من أن دعوة الصائم لا ترد، قال شيخنا: ومرادهم بالتضرر هنا حصول مشقة لا خوف محذور تيمم.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
رءوسهم لم يكره لما فيه من إظهار التواضع قاله المتولي ونقله الشاشي (^١) عن بعضهم واستبعده وقول المصنف من زيادته إلى الصحراء ساقط من بعض النسخ، وهو معلوم مما يأتي "بغير طيب"; لأنه اللائق بحالهم وفارق العبد بأنه يوم زينة، وهذا يوم مسألة واستكانة قال القمولي ولا يلبس الجديد من ثياب البذلة أيضا "متنظفين بالماء والسواك وقطع الروائح" الكريهة لئلا يتأذى بعضهم ببعض (^٢)
"ويستحب إخراج المشايخ والصبيان"; لأن دعاءهم أرجى للإجابة إذ الشيخ أرق قلبا والصبي لا ذنب عليه "وقال ﷺ وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم" (^٣) (^٤) رواه البخاري قال الإسنوي فإن احتيج في حمل الصبيان ونحوهم إلى مؤنة فهل تحسب من مالهم فيه (^٥) نظر، وهو قريب مما إذا سافرت المرأة بإذن الزوج لحاجتها وحاجته هل تجب لها النفقة انتهى وقضيته ترجيح أنها تحسب من مالهم ويستحب إخراج الأرقاء بإذن سادتهم "وغير ذوات الهيئات من النساء" والخناثى; لأن الجدب قد أصابهم ولا مانع من الخروج بخلاف ذوات الهيئات "وكذا" تخرج "البهائم" "قال ﷺ خرج نبي من الأنبياء يستسقي فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة" رواه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد وفي البيان وغيره (^٦) إن هذا النبي هو سليمان ﵊ وأن النملة وقعت على ظهرها ورفعت يديها وقالت اللهم أنت خلقتنا فإن رزقتنا وإلا فأهلكنا
_________________
(١) "قوله: ونقله الشاشي عن بعضهم" واستبعده قال الأذرعي وهو كما قال.
(٢) "قوله: لئلا يتأذى بعضهم ببعض" ولأنه محل شرع فيه الاجتماع فأشبه الجمعة.
(٣) "قوله وهل ترزقون وتنصرون إلخ" وقال ﷺ: "لولا صبيان رضع وبهائم رتع وشيوخ ركع لصب عليكم العذاب صبا"
(٤) رواه البخاري كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، حديث "٢٨٩٦".
(٥) "قوله فهل تحسب من مالهم" أشار إلى تصحيحه
(٦) "قوله وفي البيان وغيره إلخ" وفي لفظ الإمام أحمد وغيره خرج سليمان يستسقي
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال وروي إنها قالت اللهم إنا خلق من خلقك لا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم وقيل لا يسن إخراجها وقيل يكره ونقله في المجموع عن الجمهور والثاني عن نص الأم مع تصحيحه كالرافعي وغيره الأول وتوقف معزولة عن الناس (^١)
"ويكره إخراج أهل الذمة" وغيرهم من سائر الكفار المفهوم بالأولى للاستسقاء في مستسقى المسلمين وغيره (^٢) كما نص عليه في الأم; لأنهم ربما كانوا سبب القحط; لأنهم ملعونون وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [لأنفال: من الآية ٢٥] وقال: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: من الآية ٥١]
ويكره أيضا خروجهم معهم كما عبر به الأصل فيمنعون من الخروج معهم قال الشافعي في الجامع الكبير ولا أكره من إخراج صبيانهم ما أكره من خروج كبارهم; لأن ذنوبهم أقل ولكن يكره لكفرهم نقله النووي عن حكاية البغوي له ونقله عن نص الأم أيضا لكن عبر بخروج صبيانهم بدل إخراجهم، وهو الذي رأيته في تهذيب البغوي أيضا، وهو مؤول بإخراجهم; لأن أفعالهم لا تكره شرعا; لأنهم غير مكلفين قال أعني النووي، وهذا كله يقتضي كفر أطفال الكفار
وقد اختلف العلماء فيهم إذا ماتوا فقال الأكثر: إنهم في النار وطائفة لا نعلم حكمهم والمحققون إنهم في الجنة، وهو الصحيح المختار; لأنهم غير مكلفين وولدوا على الفطرة وتحرير هذا أنهم في أحكام الدنيا كفار، وفي أحكام الآخرة مسلمون "فلو تميزوا عن المسلمين (^٣) لم يمنعوا" من الخروج فيخرجون لطلب
_________________
(١) "قوله وتوقف معزولة عن الناس" ويفرق بين الأمهات والأولاد حتى يكثر الصياح والضجة والرقة فيكون أقرب إلى الإجابة نقله الأذرعي عن جمع من المراوزة
(٢) "قوله في مستسقي المسلمين وغيره" بل يكونون في بيعهم وكنائسهم فإن خالطوهم كره
(٣) "قوله فلو تميزوا إلخ" لم يذكر حد الامتياز وفيه ثلاث احتمالات العرف، وهو ظاهر نص الأم وقيل ثلاثمائة ذراع وقيل بحيث لا يرى بعضهم بعضا أخذا من الحديث
[ ٢ / ٢٣٢ ]
الرزق (^١) وفضل الله واسع وقد يجيبهم استدراجا (^٢) لهم قال تعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف: من الآية ١٨٢]
"ويستحب" لكل أحد ممن يستسقي "أن يستشفع بما فعله من خير" بأن يذكره في نفسه فيجعله شافعا; لأن ذلك لائق بالشدائد كما في خبر الثلاثة الذين آووا في الغار "و" أن يستشفع "بأهل الصلاح"; لأن دعاءهم أرجى للإجابة وكما استشفع معاوية بيزيد بن الأسود فقال اللهم إنا نستسقي بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم "لا سيما أقارب النبي ﷺ" كما استشفع عمر بالعباس عم النبي ﷺ فقال اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبيينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيينا فاسقنا فيسقون" (^٣) رواه البخاري
"فصل ويصليها" ندبا "بالصحراء" لا بالمسجد حيث لا عذر كمرض للاتباع كما مر; ولأنه يحضرها غالب الناس والصبيان والحيض والبهائم وغيرهم فالصحراء أوسع لهم وأليق واستثنى صاحب الخصال المسجد الحرام وبيت المقدس قال الأذرعي، وهو حسن وعليه عمل السلف والخلف لفضل البقعة واتساعها كما مر في العيد ا هـ وعلى قياسه يأتي هنا ما مر ثم في غير المسجدين
_________________
(١) "قوله لم يمنعوا" قال الشافعي ويحرض الإمام على أن يكون خروجهم في غير يوم خروجنا لئلا تقع المساواة والمضاهاة في ذلك. ا هـ. فإن قيل قد يخرجون وحدهم فيسقون فتظن ضعفة المسلمين بهم خيرا قلنا خروجهم معنا مفسدة محققة فقدمت على المفسدة المتوهمة كذا قاله الغزي وفيه نظر وقد صرح بعض المالكية بمنعهم من الانفراد في يوم فإنه قد تصادف إجابتهم فتكون فتنة للعوام قس قال الأذرعي، وهذا مأخذ حسن
(٢) "قوله وقد يجيبهم استدراجا لهم" قال الروياني لا يجوز أن يؤمن على دعاء الكافر; لأن دعاءه غير مقبول قال تعالى ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ وقال آخرون قد يستجاب دعاؤه كما استجيب لإبليس دعاؤه بالانتظار
(٣) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا حديث "١٠١٠".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
لكن الذي عليه الأصحاب استحبابها في الصحراء مطلقا (^١) للاتباع (^٢) والتعليل السابقين ويأتي بها "كصلاة العيد" للاتباع كما مر فينادى لها الصلاة جامعة ويصليها ركعتين ويكبر في أول الأولى سبعا وفي أول الثانية خمسا ويرفع يديه ويقف بين كل تكبيرتين مسبحا حامدا مهللا مكبرا ولا يخطب إن كان منفردا ويقرأ جهرا في الأولى ق وفي الثانية اقتربت أو سبح والغاشية قياسا لا نصا وما رواه الدارقطني عن ابن عباس "أنه ﷺ قرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ " قال في المجموع ضعيف وقيل يقرأ في الثانية " ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: من الآية ١] " ورده في المجموع باتفاق الأصحاب على أن الأفضل أن يقرأ فيها ما يقرأ في العيد قال وما قاله الشافعي من أنه إن قرأ في الثانية " ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: من الآية ١] " كان حسنا معناه أنه مستحسن لا كراهة فيه وليس فيه أنه أفضل من اقتربت وحاصله أنها كالعيد "إلا أنها" بعد اختصاصها بالصحراء كما مر "لا تختص بوقت" لا بوقت صلاة العيد ولا بغيره بل جميع الليل والنهار وقت لها كما لا تختص بيوم; ولأنها ذات سبب فدارت مع سببها كصلاة الكسوف نعم وقتها المختار وقت صلاة العيد كما صرح به الماوردي (^٣) وابن الصباغ للاتباع
"فصل ويخطب بعدها" أي الصلاة للاتباع رواه أبو داود بإسناد صحيح وسيأتي أنه يجوز أن يخطب قبلها "كالعيد" أي كخطبته في الأركان (^٤) وغيرها "مبدلا التكبير" فيها "بالاستغفار فيقول أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه"; لأنه أليق بالحال ويبدل فيها أيضا ما يتعلق بالفطرة والأضحية بما يتعلق بالاستسقاء "ويكثر من الاستغفار فيها" حتى يكون هو أكثر
_________________
(١) "قوله استحبابها في الصحراء مطلقا" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله للاتباع" كما مر "أنه ﷺ صلى ركعتين كصلاة العيد" زاد الدارقطني كبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا
(٣) "قوله كما صرح به الماوردي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله أي كخطبته في الأركان وغيرها" فيندب أن يجلس أول ما يصعد المنبر ثم يقوم فيخطب
[ ٢ / ٢٣٤ ]
دعائه ومن قول ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢] ولو قدم قوله فيها أو أخره كان أولى وأدخل الباء على المأخوذ، وهو متعين كما قدمته في صفة الصلاة قال في المجموع ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب، وهو لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم وأن يقول اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار لحديثي الصحيحين فيهما "ويدعو في الخطبة الأولى" جهرا "ويقول" هذا لإفادته سنتين أولى من قول أصله فيقول "اللهم اسقنا غيثا إلى آخره، وهو مشهور" في الأصل وغيره أي مغيثا هنيئا مريئا مريعا (^١) غدقا مجللا سحا طبقا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن العباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا قال في المجموع ومن الدعاء المستحب ما ثبت عن النبي ﷺ "اللهم اسقنا غيثا مغيثا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين" (^٢)
"ثم يستقبل القبلة" للدعاء "في أثناء الخطبة الثانية"، وهو نحو ثلثها (^٣) كما قاله النووي في دقائقه فإن استقبل له في الأولى لم يعده في الثانية نقله في
_________________
(١) "قوله مريعا" ويروي مربعا بضم الميم وبالموحدة ومرتعا بالمثناة فوق
(٢) رواه أبو داود "١/ ٣٠٤" كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء حديث "١١٧٣".
(٣) قوله، وهو نحو ثلثها إلخ" وفي الكافي للزبيري عنه عند بلوغ النصف وقال الروياني في البحر يكون عند الفراغ من الاستغفار
[ ٢ / ٢٣٥ ]
البحر عن نص الأم "ويحول رداءه وينكسه" (^١) بفتح أوله مخففا وبضمه مثقلا عند استقباله "فيجعل ما على كل جانب من الأيمن والأيسر و" من "الأعلى والأسفل على الآخر" فالأول تحويل والثاني تنكيس وروى البخاري "أنه ﷺ لما أراد أن يدعو في استسقائه استقبل القبلة وحول رداءه" (^٢) زاد أحمد وحول الناس معه
وروى أبو داود بإسناد حسن "أنه حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن" (^٣) وروى هو أيضا والحاكم في صحيحه "أنه ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه" (^٤) فهمه بذلك يدل على استحبابه وتركه للسبب المذكور ويحصل التحويل والتنكيس بجعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن (^٥) والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر.
والحكمة فيهما التفاؤل بتغير الحال إلى الخصب (^٦) والسعة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: من الآية ١١] فيغيروا بواطنهم بالتوبة وظواهرهم بما ذكر فيغير الله ما بهم وروى الدارقطني عن جعفر بن محمد عن أبيه "أنه ﷺ حول رداءه ليتحول القحط وكان ﷺ يحب الفأل الحسن" (^٧) رواه الشيخان عن أنس بلفظ "ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة
_________________
(١) "قوله ويحول رداءه وينكسه" هذا مخصوص بالذكر أما المرأة والخنثى فلا.
(٢) "قوله وحول رداءه" قال البيهقي وكان طول ردائه ﷺ أربعة أذرع وعرضه ذراعين وشبرا
(٣) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الدعاء في الاستسقاء قائما، حديث "١٠٢٣"
(٤) صحيح: رواه أبو داود "٢/ ٣٠٢" كتاب الصلاة، حديث "١١٦٤".
(٥) صحيح: رواه أبو داود "٢/ ٧" كتاب الصلاة، حديث "١٢١٨" والحديث رواه البخاري، كتاب الجمعة، حديث "١٠١١، ١٠١٢".
(٦) "قوله إلى الخصب" بالكسر
(٧) صحيح: رواه ابن ماجه "٢/ ١١٧٠" كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة، حديث "٣٥٣٦".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
والكلمة الطيبة" (^١) وفي رواية لمسلم "وأحب الفأل الصالح" (^٢)
ثم كل من التحويل والتنكيس على حدته لا يحصل إلا بقلب الظاهر إلى الباطن، وأما الجمع بينهما فلا يحصل مع ذلك لا كما وقع للإمام والغزالي فاختبره تجده صحيحا نبه على ذلك الرافعي وغيره "هذا في" الرداء "المربع أما المقور" وفي نسخة المدور "والمثلث فليس فيه إلا التحويل" بالاتفاق قال القمولي; لأنه لا يتهيأ فيه التنكيس وكذا الرداء الطويل ومراده كغيره أن ذلك متعسر لا متعذر وعبارة المصنف كأصله تقتضي تغاير المثلث وما قبله، وهو ظاهر ولهذا عبر جماعة بأو وقول المجموع قال الأصحاب إن كان مدورا ويقال له المقور والمثلث لم يستحب التنكيس يقتضي اتحادهما وليس مرادا "ويفعلون جلوسا بأرديتهم مثله" أي مثل ما فعل الخطيب; لأن القيام لا يليق بهم هنا وإنما فعل ذلك "تفاؤلا بتغير الحال" إلى ما تقدم ولما مر في رواية أحمد وقول المصنف جلوسا من زيادته ونقله الأذرعي عن بعض أصحابنا قال وفي التتمة إشارة إليه "ولا ينزعه" أي رداءه كل من الخطيب وغيره "إلا مع الثياب" بعد وصوله منزله; لأنه لم ينقل أنه ﷺ غير ردائه بعد التحويل وعبارة الأصل ويتركونها أي الأردية محولة إلى أن ينزعوا الثياب وعبارة المطلب ويدعون أرديتهم محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم.
"ويبالغ"، وهو مستقبل القبلة "في الدعاء سرا وجهرا" قال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ "ويسرون" به "إن أسر" ويؤمنون إن جهر ومشى في شرح الإرشاد على أنه يسر فقط في استقباله وتبع فيه قول الأذرعي والزركشي أنه الذي أورده الجمهور خلافا لما قاله الشيخان قال الماوردي ويختار أن يقرأ عقب دعائه قوله تعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: من الآية ٨٩] وقوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الانبياء:
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم، حديث "٢٢٢٤"، والبخاري كتاب الطب، حديث "٥٧٥٦"، "٥٧٧٦" دون لفظة "والكلمة الطيبة".
(٢) رواه مسلم، كتاب، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، حديث "٢٢٢٣".
[ ٢ / ٢٣٧ ]
٨٤] وقوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الانبياء: ٨٨] وما أشبهها من الآيات تفاؤلا بالإجابة "ويرفعون" كلهم "أيديهم" في الدعاء لما مر في صفة الصلاة قال الروياني ويكره رفع اليد النجسة (^١) في الدعاء قال ويحتمل أن يقال لا يكره بحائل "قال العلماء: والسنة أن يشير بظهر كفيه إلى السماء في كل دعاء لرفع بلاء وببطنهما إن سأل شيئا" أي تحصيله "; لأنه ﷺ استسقى وأشار بظهر كفيه إلى السماء" (^٢) رواه مسلم وقيس بالاستسقاء ما في معناه والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء فيجعل بطن كفيه إلى السماء "وليكن من دعائه" عبارة أصله وليكن من دعائهم في هذه الحالة "اللهم أنت أمرتنا بدعائك إلى آخره" أي ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفناه وإجابتك في سقيانا وسعة رزقنا "ثم" بعد الدعاء "يقبل على الناس" بوجهه "ويحثهم على الطاعة ويصلي على النبي ﷺ ويقرأ ما تيسر" عبارة أصله آية وآيتين "ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويختم بالاستغفار" ويقول أستغفر الله لي ولكم
"وإن ترك الإمام الاستسقاء لم يتركه الناس" محافظة على السنة لكنهم لا يخرجون إلى الصحراء إذا كان الإمام أو نائبه بالبلد حتى يأذن لهم كما اقتضاه كلام الشافعي لخوف الفتنة نبه عليه الأذرعي وغيره (^٣)
"وإن خطب قبل الصلاة أجزأه" للاتباع رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة وفي الصحيحين ما يدل له لكنه في حقنا خلاف الأفضل; لأن ما تقدم أكثر رواة ومعتضد بالقياس على خطبة العيد والكسوف "وإن تضرروا بكثرة المطر" بتثليث الكاف أو دام الغيم عليهم بلا مطر وانقطعت الشمس عنهم
_________________
(١) "قوله ويكره رفع اليد النجسة" أشار إلى تصحيحه.
(٢) رواه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء حديث "٨٩٦".
(٣) "قوله نبه عليه الأذرعي وغيره" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وتضرروا به "سألوا الله" تعالى ندبا "رفعه فيقولوا" ما "قاله ﷺ لما شكي إليه ذلك اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر" (^١) رواه الشيخان "ولا تشرع لهذا صلاة" لعدم ورودها له لكن تقدم في الباب السابق أنها تسن لنحو الزلزلة في بيته منفردا وظاهر أن هذا نحوها فيحمل ذلك على أنه لا تشرع الهيئة المخصوصة
"ويستحب" لكل أحد "أن يبرز لأول مطر السنة كاشفا" الأولى قول الروضة ويكشف "ما عدا عورته" ليصيبه المطر روى مسلم عن أنس قال: "أصابنا مطر ونحن مع رسول الله ﷺ فحسر ثوبه حتى أصابه المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال; لأنه حديث عهد بربه أي بتكوينه وتنزيله" (^٢) ورواه الحاكم بلفظ "كان إذا مطرت السماء حسر ثوبه عن ظهره حتى يصيبه المطر" "وعن ابن عباس أنه سئل عن فعل ذلك فقال أوما قرأت ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [قّ: من الآية ٩] " فأحب أن ينالني من بركته"
ويؤخذ من ذلك أنه لا فرق بين مطر أول السنة وغيره، وهو ظاهر لكنه في الأول الذي اقتصروا عليه آكد ثم رأيت الزركشي قال: وظاهر حديث رواه الحاكم فعله عند أول كل مطر ولكنه في الأول آكد
"و" أن "يغتسل في" ماء "الوادي إذا سال أو يتوضأ" منه وروى الشافعي في الأم أنه ﷺ كان إذا سال السيل قال أخر جوابنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر منه ونحمد الله عليه، وهو صادق بالغسل والوضوء وتعبير المصنف كالروضة والمنهاج بأو يفيد استحباب أحدهما بالمنطوق وكليهما بمفهوم الأولى فهو أفضل كما جزم به في المجموع فقال يستحب أن يتوضأ منه ويغتسل فإن لم يجمعهما فليتوضأ قال في المهمات والمتجه الجمع ثم الاقتصار
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في المسجد الجامع، حديث "١٠١٣" ورواه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، حديث "٨٩٧".
(٢) رواه مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، حديث "٨٩٨".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
على الغسل ثم على الوضوء قال وهل هما عبادتان (^١) تشترط فيهما النية أو لا فيه نظر والمتجه الثاني إلا إن صادف وقت وضوء أو غسل; لأن الحكمة فيه هي الحكمة في كشف البدن ليناله أول مطر السنة وبركته
"و" أن "يسبح للرعد والبرق" روى مالك في الموطإ عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وعن ابن عباس كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال لنا كعب من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي من ذلك فقلناه فعوفينا وقيس بالرعد البرق والمناسب أن يقول عنده سبحان من يريكم البرق خوفا وطمعا ونقل الشافعي في الأم عن الثقة عن مجاهد أن الرعد ملك والبرق أجنحته يسوق بها السحاب قال الإسنوي فيكون المسموع صوته (^٢) أو صوت سوقه على اختلاف فيه وأطلق الرعد عليه مجازا وروي "أنه ﷺ قال بعث الله السحاب فنطقت أحسن النطق وضحكت أحسن الضحك فالرعد نطقها والبرق ضحكها"
"و" أن "لا يتبعه بصره" روى الشافعي في الأم عن عروة بن الزبير قال
_________________
(١) "قوله وهل هما عبادتان" تشترط فيهما النية أو لا أشار إلى تصحيحه الثاني
(٢) "قوله فيكون المسموع صوته" أي صوت تسبيحه قوله على اختلاف فيه" في الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال "سألت اليهود النبي ﷺ عن الرعد ما هو قال ملك من الملائكة بيده مخراق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله قالوا فما هذا الصوت الذي نسمع قال زجره السحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر قالوا صدقت" الحديث بطوله وعلى هذا التفسير أكثر العلماء فالرعد اسم الصوت المسموع وقاله علي ﵁، وهو المعلوم في لغة العرب وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال الرعد ريح تخفق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت وقالت الفلاسفة الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب والبرق وما يتقدح من اصطكاكها، وهذا مردود لا يصح به نقل وروي عن علي وابن مسعود وابن عباس أن البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب قال القرطبي، وهو الظاهر من حديث الترمذي وعن ابن عباس أيضا هو سوط من نور بيد الملك يزجي به السحاب وعنه أيضا البرق ملك يتراءى وقوله قال ملك من الملائكة مخراق إلخ أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٢٤٠ ]
إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشير إليه والودق بالمهملة المطر وفيه زيادة المطر وزاد الماوردي الرعد فقال وكان السلف الصالح يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق ويقولون عند ذلك لا إله - - إلا الله وحده لا شريك له سبوح قدوس فيختار الاقتداء بهم في ذلك "وأن يقول في" حالة نزول "المطر اللهم صيبا" أي مطرا "نافعا" للاتباع رواه البخاري "وفي رواية" لابن ماجه "سيبا" بفتح السين وإسكان الياء أي عطاء "نافعا مرتين أو ثلاثا ويستحب" الأولى ما في أكثر نسخ الروضة فيستحب "الجمع بينهما" أي بين الروايتين وفي رواية لأبي داود وابن حبان صيبا هنيئا فيستحب الجمع بين الثلاث ووقع في المجموع نسبة هذه الرواية إلى البخاري وليست فيه
"ويكره سب الريح بل يسأل الله تعالى خيرها ويستعيذ من شرها كما ورد" في خبر مسلم كما مر قبيل الباب، وفي خبر أبي داود وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة "سمعت رسول الله ﷺ يقول الريح من روح الله تعالى أي رحمته أي رحمته لعباده تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها"
"ويكره أن يقول" بعد المطر "مطرنا بنوء كذا" (^١) بفتح النون وبالهمز أي بوقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة الأمطار إلى الأنواء لإيهامه أن النوء ممطر حقيقة "بل" يقول مطرنا "بفضل الله ورحمته، وإن اعتقد أن النوء ممطر" حقيقة "فمرتد" روى الشيخان "عن زيد بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح على أثر سحاب كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال أتدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قد أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ومن قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن
_________________
(١) قوله بنوء كذا" النوء سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق مقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوما وهكذا كل نجم إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما
[ ٢ / ٢٤١ ]
بالكوكب" (^١) وأفاد تعليق الحكم بالباء أنه لو قال مطرنا في نوء كذا لم يكره، وهو ظاهر
"ويستحب الدعاء في" حال "المطر والشكر لله" تعالى "بعده" روى الشافعي خبر اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث وروى البيهقي خبر تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة".
وقول المصنف بعده من زيادته ولا حاجة إليه بل قد يوهم خلاف المراد وعبارة الأصل ويستحب الدعاء عند نزول المطر ويشكر الله تعالى عليه.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، حديث "٨٤٦"، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بنوء كذا، حديث "٧١".
[ ٢ / ٢٤٢ ]