أي كيفيتها من حيث إنه يحتمل في الصلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره كما يأتي بيانه وقد جاءت في الأخبار على ستة عشر نوعا اختار الشافعي منها الأنواع الثلاثة الأول الآتية في الكتاب وذكر معها الرابع الآتي وجاء به وبالثالث القرآن والأصل فيها قوله تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: من الآية ١٠٢] الآية والأخبار الآتية مع خبر "صلوا كما رأيتموني أصلي" واستمرت الصحابة على فعلها بعده ﷺ وادعى المزني نسخها لتركه ﷺ لها يوم الخندق وأجابوا عنه بتأخر نزولها عنه; لأنها نزلت سنة ست والخندق كان سنة أربع وقيل خمس وتجوز في الحضر كالسفر خلافا لمالك
"وهي أربعة أنواع"; لأنه إن اشتد الخوف فالرابع أولا والعدو في جهة القبلة فالثاني أو في غيرها فالآخران "الأول صلاة بطن نخل" مكان من نجد بأرض غطفان أي صلاته ﷺ به رواها الشيخان "وهي أن يجعل الإمام الناس فرقتين يصلي بكل" منهما "مرة تحرس الأخرى" بأن تقف في وجه العدو "وتكون" الصلاة "الثانية للإمام نافلة" لسقوط فرضه بالأولى "وهذه" الصلاة، وإن جازت في غير المخوف فهنا "إذا كان العدو في غير جهة القبلة" أو فيها ودونهم حائل أخذا مما سيأتي "وكثر المسلمون" (^١) وقل عدوهم "وخافوا مكرهم" كهجومهم في الصلاة "استحبت" وقولهم يسن للمفترض أن لا يقتدي بالمتنفل ليخرج من خلاف أبي حنيفة محله في الأمن (^٢) أو في غير الصلاة المعادة (^٣) وسواء أكانت ركعتين أم ثلاثا أم أربعا
_________________
(١) "قوله وكثر المسلمون" قال في الخادم قال صاحب الوافي المراد بالكثرة أن يكون المسلمون مثلهم في العدد بأن يكونوا مائتين والكفار مائتين مثلا فإذا صلى بطائفة، وهي مائة يبقى مائة في مقابلة مائتي العدو، وهذا أقل درجات الكثرة المشار إليها انتهى
(٢) "قوله محله في الأمن" أما حالة الخوف كهذه الصورة فيستحب كما ذكراه; لأنا في حالة الخوف نرتكب أشياء لا تفعل في حالة الأمن
(٣) "قوله وفي غير الصلاة المعادة" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه أما الصلاة المعادة فلا; لأنه قد اختلف في فرضيتها
[ ٢ / ١٧٣ ]
"النوع الثاني صلاة عسفان" بضم العين قرية بقرب خليص بينها وبين مكة أربعة برد سميت به; لأن السيول تعسفها أي صلاته ﷺ بها رواها مسلم "وهي" وفي نسخة، وهو "أن يصفهم" الإمام "صفين" و"يقرأ ويركع" ويعتدل "بهم" جميعا "ثم يسجد بإحداهما ويحرس الآخر حتى يقوم الإمام" من سجوده "ثم يسجدون" أي الآخرون "ويلحقونه" في قيامه "و" يفعل "في" الركعة "الثانية كذلك" أي يقرأ ويركع ويعتدل بهم جميعا ثم يسجد بإحداهما ويحرس الآخر "لكن يحرس" فيها "من سجد معه أولا" إلى أن يجلس فيسجدون "ويتشهد ويسلم بهم جميعا ولا حراسة في الركوع" كما علم مما مر لتمكن الراكع فيه منها بخلاف الساجد
"ويشترط في هذا النوع كثرة المسلمين" لتسجد طائفة وتحرس أخرى "وكون العدو في" جهة "القبلة" ليتمكن الحارسون من رؤيتهم فيأمنوا كيدهم وكونهم "غير مستترين" عن المسلمين "بشيء" يمنع رؤيتهم وعبارته كغيره في هذا صادقة بأن يسجد الصف الأول في الركعة الأولى والثاني في الثانية وكل منهما فيها بمكانه أو تحول مكان الآخر وبعكس ذلك فهي أربع كيفيات (^١) وكلها جائزة إذا لم تكثر أفعالهم في التحول والذي في خبر مسلم سجود الأول في الأولى والثاني في الثانية مع التحول فيها كما سيأتي "وله أن يرتبهم صفوفا" ثم يحرس صفان ولا يشترط أن يحرس جميع من في الصف كما أفاده بقوله "فإن حرس بعض كل صف بالمناوبة جاز وكذا لو حرست طائفة" واحدة "في الركعتين" لحصول الغرض بكل ذلك مع قيام العذر "و" لكن "المناوبة أفضل"; لأنها الثابتة في الخبر والتصريح بهذا من زيادته
"فرع لو تقدم الصف الثاني" الذي حرس أولا "في" الركعة "الثانية ليسجد وتأخر الأول" الذي سجد أولا ليحرس "ولم يمشوا" أي كل منهم "أكثر من خطوتين كان أفضل"; لأنه الثابت في خبر مسلم ولجمعه بين تقدم
_________________
(١) "قوله فهي أربع كيفيات" بل إن ثنيت ضمير فيها السابق فقلت فيهما كانت ثمانية
[ ٢ / ١٧٤ ]
الأفضل، وهو الأول بسجوده مع الإمام وجبر الثاني بتحوله مكان الأول وينفذ كل واحد بين رجلين فإن مشى أحد أكثر من خطوتين بطلت صلاته كما علم في محله
النوع "الثالث صلاة ذات الرقاع" أي صلاته ﷺ بها رواها الشيخان، وهي مكان من نجد بأرض غطفان سمي بها; لأن الصحابة لفوا بأرجلهم الخرق لما تقرحت وقيل باسم شجرة هناك وقيل باسم جبل فيه بياض وحمرة وسواد يقال له الرقاع وقيل لترقيع صلاتهم فيها "وهي أفضل من صلاة بطن نخل" (^١) للخروج من خلاف اقتداء المفترض بالمتنفل (^٢) ; ولأنها أخف وأعدل بين الفرقتين والتعليل بالأول لا ينافي ما مر قبيل النوع الثاني; لأن الكلام هنا في الأفضلية وثم في الاستحباب
"فإن كانت" صلاة القوم "ركعتين" كصبح ومقصورة "وقفت إحدى الفرقتين في وجه العدو وانحاز" الإمام "بالأخرى إلى حيث لا يبلغهم سهام العدو" فيفتتح بهم الصلاة "وليصل بهم ركعة ويفارقونه" بالنية "عند قيامه إلى الثانية" منتصبا أو عقب رفعه من السجود كما يأتي بيانه "ويبقونها لأنفسهم ويخرجون" منها بالسلام "إلى وجه العدو ويستحب للإمام تخفيف الأولى" لاشتغال قلوبهم بما هم فيه.
"و" يستحب "لهم" كلهم "تخفيف الثانية" (^٣) التي انفردوا بها لئلا يطول الانتظار "ويجيء الآخرون" بعد ذهاب أولئك إلى وجه العدو "والإمام
_________________
(١) قوله: وهي أفضل من صلاة بطن نخل" قال شيخنا قال الشارح في متن المنهج ومن صلاة عسفان
(٢) "قوله للخروج من خلاف اقتداء المفترض بالمتنفل" يحمل كلامهم هناك على النفل المتمحض أما الصلاة المعادة فلا; لأنه قد اختلف في فرضيتها وقيل أن صلاة بطن نخل أولى لتحصل لكل طائفة فضيلة الجماعة على التمام كذا علله الرافعي وكان مراده أن إيقاع الصلاة بكمالها خلف الإمام أكمل من إيقاع البعض وإن حصلت فضيلة الجماعة في جميع الصلاة
(٣) "قوله ولهم تخفيف الثانية" يستحب التخفيف للطائفتين فيما انفردوا به، وهي أحسن; لأنه يؤخذ منها تخفيفهم لو كانوا أربع فرق فيما انفردوا به
[ ٢ / ١٧٥ ]
قائم" في الثانية "ويطيل القراءة" ندبا إلى لحوقهم، وهذا مراد الأصل بتطويل القيام "ويصلي بهم الثانية وحين يجلس للتشهد يقومون ويتمون الثانية وهم غير منفردين" عنه بل مقتدون به حكما "فينتظرهم ليسلم بهم" وهذه الكيفية رواها سهل بن أبي حثمة "ولو لم يتمها" أي الثانية "المقتدون" به "في الركعة الأولى بل ذهبوا ووقفوا تجاه العدو سكوتا في الصلاة وجاءت الفرقة الأخرى فصلى بهم ركعة وحين سلم ذهبوا إلى وجه العدو وجاءت تلك" الفرقة "إلى مكانهم" أي مكان صلاتهم "وأتموها لأنفسهم وذهبوا إلى العدو وجاءت تلك إلى مكانهم وأتموها جاز" وهذه الكيفية رواها ابن عمر وجاز ذلك مع كثرة الأفعال بلا ضرورة لصحة الخبر فيه مع عدم المعارض; لأن إحدى الروايتين كانت في يوم والأخرى في يوم آخر ودعوى النسخ باطلة لاحتياجه لمعرفة التاريخ وتعذر الجمع وليس هنا واحد منهما واعترض البلقيني على هذه الرواية بأنه ليس في رواية أحد ممن رواها أن فرقة من الفرقتين جاءت إلى مكانها ثم أتمت صلاتها وإليه أشار النووي في مجموعه "والأولى" من الكيفيتين هي "المختارة" لسلامتها من كثرة المخالفة; ولأنها أحوط لأمر الحرب فإنها أخف على الفرقتين
"وهذا النوع" بكيفيتيه "حيث يكون العدو في غير القبلة أو" فيها لكن "حال دونهم حائل" يمنع رؤيتهم لو هجموا "وهذه الأنواع" الثلاثة من حيث الجماعة واتحاد الإمام "مستحبة لا واجبة فلو صلوا فرادى أو انفردت طائفة عن الإمام" أو صلى الإمام ببعضهم كل الصلاة وبالباقين غيره "جاز" لكن فاتت المنفرد فضيلة الجماعة والتصريح باستحباب الأنواع الثلاثة من زيادته والذي في الأصل وإقامة الصلاة على الوجه المذكور أي في الثالث بكيفيتيه كما صرح به في المجموع ليست عزيمة قال في المجموع بل مندوبة ليحصل لكل طائفة حظ من الجماعة والوقوف قبالة العدو وتختص الأولى بفضيلة إدراك تكبيرة الإحرام والثانية بفضيلة السلام مع الإمام
"فرع تفارقه" الفرقة "الأولى" في النوع الثالث "حين تنتصب معه في
[ ٢ / ١٧٦ ]
الثانية ويجوز" أن تفارق "بعد الرفع من السجود" والأول أولى ليستمر عليهم حكم الجماعة حالة النهوض "ويقرأ الإمام" في قيامه "ويتشهد" في جلوسه "في الانتظار" للفرقة الثانية هنا وفيما يأتي ولغيرها فيما يأتي; لأنه لو لم يقرأ ولم يتشهد فأما أن يسكت أو يأتي بغير قراءة وتشهد وكل خلاف السنة فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة "وبعد مجيئهم يقرأ" ندبا من السورة "قدر الفاتحة و" (^١) قدر "سورة قصيرة" ليحصل لهم قراءتهما "ويركع بهم فإن لم ينتظرهم وأدركوه في الركوع أدركوها" أي الركعة "كالمسبوق ولو صلى" الإمام الكيفية "المختارة من هذا النوع في الأمن صحت صلاة الإمام" بناء على الأصح من أن الانتظار بغير عذر لا يضر "و" صلاة "الطائفة الأولى" بناء على الأصح من أن المفارقة بغير عذر لا تضر "لا" صلاة "الثانية إن لم تفارقه حال القيام" منهم لانفرادهم بركعة وهم في القدوة ولا خوف بخلاف ما إذا فارقته حال القيام "ولا تصح في الأمن صلاة المأمومين في الكيفية الأخرى" قطعا وتصح صلاة الإمام
"فرع إذا صلى بهم المغرب" وفرقهم فرقتين، وهو أولى لئلا يزيد الانتظار على المنقول، وهو الانتظاران "فالأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين" وبالثانية ركعة; لأن السابقة أحق بالتفضيل; ولأن في عكسه المفضول بل المكروه كما في الأم تكليف الثانية تشهدا زائدا واللائق بالحال التخفيف "و" أن "ينتظر الثانية في القيام" للثالثة "لا" في "التشهد" الأول; لأن القيام محل التطويل بخلاف التشهد الأول; ولأنه في الثانية ينتظر قائما فكذا هنا وله أن يصلي بكل فرقة ركعة نظير ما يأتي
"فرع، وإن كانت رباعية" وفرقهم فرقتين، وهو أولى لما مر "صلى بكل فرقة ركعتين" و"يتشهد بكل" منهما وينتظر الثانية في قيام الثالثة أو جلوس التشهد "والانتظار في القيام" للثالثة "أفضل" منه في جلوس التشهد كما مر "فإن فرقهم أربع فرق"، وهو جائز ولو بلا حاجة كما اقتضاه كلامه كالمنهاج
_________________
(١) "قوله وبعد مجيئهم يقرأ قدر الفاتحة إلخ" هذه ركعة ثانية يستحب تطويلها على الأولى ولا يعرف لها في ذلك نظير
[ ٢ / ١٧٧ ]
وصرح به في المجموع "فصلى" الأولى صلى "بالأولى ركعة ثم فارقته" عقب الرفع من السجود أو بعد انتصابه، وهو أولى كما مر "وأتمت وجاءت الثانية، وهو قائم" ينتظرها و"صلى بها ركعة وأتمت وانتظر الإمام الثالثة قائما، وهو أفضل أو متشهدا وهكذا" يفعل مثل ما فعل في الأوليين "إلى الرابعة فينتظرها في" جلوس "التشهد" الأخير "ويسلم بها وصحت صلاة الجميع" بناء على الأصح من أن الزيادة على انتظارين والمفارقة بلا عذر جائزان "فإن صلى بفرقة ركعة وبالثانية ثلاثا أو عكس" بأن صلى بفرقة ثلاثا وبالثانية ركعة "كره" قال المتولي; لأن الشرع ورد بالتسوية بين الفرقتين "وسجد الإمام والطائفة الثانية سجود السهو" للمخالفة بالانتظار في غير محله بخلاف الأولى لمفارقتها قبل الانتظار المقتضي للسجود "قال صاحب الشامل، وهذا يدل (^١) على أنه إذا فرقهم أربع فرق سجدوا" أي الإمام وغير الفرقة الأولى سجود السهو "أيضا للمخالفة" بما ذكر
"فرع تصلى الجمعة" جوازا "في الخوف" حيث وقع ببلد "كصلاة عسفان وكذات الرقاع"، وإن قلنا إن الانفضاض فيها في غير الخوف مؤثر للحاجة إلى ذلك ولارتقاب الإمام مجيء الثانية "لا" كصلاة "بطن نخل" إذ لا تقام جمعة بعد أخرى وإقامتها هنا كإقامتها في الأمن "لكن يشترط" في صلاتها كذات الرقاع "أن يسمعوا خطبته ولو" سمع منهم "أربعون" فأكثر "من كل فرقة" كفى بخلاف ما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى "فإن حدث نقص في الأربعين السامعين في الركعة الأولى في الصلاة بطلت أو في الثانية فلا" (^٢) للحاجة مع سبق انعقادها (^٣)
_________________
(١) قوله قال صاحب الشامل، وهذا يدل إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله أو في الثانية فلا" أي من صلاة الإمام "أن" وقوله أي من صلاة الإمام أشار شيخنا إلى تضعيفه وكتب أيضا سواء انفضت الفرقة الثانية قبل اقتدائها أو بعده وقوله سواء انفضت إلخ أشار شيخنا إلى تضعيفه أيضا
(٣) "قوله للحاجة مع سبق انعقادها" قال الجوهري، وهو محمول على عروض النقص عنها بعد إحرام جميع الأربعين وإلا لم يبق لاشتراط الخطبة بأربعين من كل فرقة معنى وقوله في الركعة الثانية المراد به ثانية الفرقة الثانية، وهو ظاهر مفهوم مما سبق في أول الجمعة حيث قال شرطها جماعة لا في الثانية.
[ ٢ / ١٧٨ ]
قال الزركشي (^١) وهل يجب على الإمام انتظار الثانية; لأن الجمعة واجبة عليهم وإذا سلم فوت عليهم الواجب الأقرب نعم (^٢) ; لأن تفويت الواجب لا يجوز على نفسه (^٣) فكذا على غيره وقد يقال هذا يقتضي أنه إذا أحس بداخل في ركوع الثانية في الأمن يلزمه انتظاره ويجاب بأن الداخل مقصر بتأخيره وبأنه لم يكن في نفع المصلين كالفرقة الثانية هنا وتجهر الطائفة الأولى في الركعة الثانية; لأنهم منفردون ولا تجهر الثانية في الثانية; لأنهم مقتدون ويأتي ذلك في كل صلاة جهرية
"فرع" لو لم تمكنه الجمعة فصلى بهم الظهر ثم أمكنته الجمعة قال الصيدلاني لم تجب عليهم لكن تجب على من لم يصل معهم ولو أعاد لم أكرهه يقدم غيره ليخرج من الخلاف حكاه العمراني
"فرع يتحمل الإمام في" الكيفية "المختارة من صلاة ذات الرقاع سهو المأمومين" غير من يأتي لوجود القدوة الحسية أو الحكمية "لا سهو الطائفة الأولى في الركعة الثانية" فلا يتحمله لانقطاع قدوتها بالمفارقة (^٤) "وسهوه في الأولى يلحق الكل" فيسجدون في آخر صلاتهم وإن لم يسجد الإمام "و" سهوه "في الثانية لا يلحق الأولين" لمفارقتهم له قبل سهوه ويلحق الآخرين وسكت كأصله عن حكم ما لو فرقهم ثلاثا أو أربعا أو صلى بهم الكيفية الأخرى لوضوحه مما ذكر
_________________
(١) "قوله قال الزركشي" أي وابن العماد
(٢) "قوله الأقرب نعم إلخ" الأقرب عدم وجوبه عليه والفرق بين هذا وبين ما قاس عليه واضح
(٣) "قوله; لأن تفويت الواجب لا يجوز على نفسه إلخ" ولهذا لو تبايع اثنان وقت النداء أحدهما عليه الجمعة والآخر لا جمعة عليه أثما جميعا أما الذي عليه الجمعة; فلأنه فوتها، وأما الآخر فلإعانته على تفويت الواجب
(٤) "قوله: لانقطاع قدوتها بالمفارقة" علم منه أنه لا يتحمل سهوها بعد نيته مفارقتها وإن كان في الأولى.
[ ٢ / ١٧٩ ]
"فرع حمل السلاح" (^١) كسيف ورمح وقوس ونشاب "في هذه الصلوات" وفي نسخة الصلاة أي صلاة الخوف "مستحب" يكره تركه لمن لا عذر له من مرض أو أذى من مطر أو غيره احتياطا "لا واجب"; لأن وضعه لا يفسد الصلاة فلا يجب حمله كسائر ما لا يفسد تركه وقياسا على صلاة الأمن وحملوا قوله تعالى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٠٢] على الندب; لأن الغالب السلامة ومحل ذلك في غير ما ذكره في قوله "ويحرم متنجس وبيضة" مثلا "تمنع مباشرة الجبهة" لما في ذلك من إبطال الصلاة "ويكره رمح" مثلا "يؤذيهم" بأن يكون بوسطهم هذا إن خف به الأذى وإلا فيحرم (^٢) قاله الأذرعي (^٣)
"فإن تعرض" المصلي "للهلاك" ظاهرا "بتركه" أي بترك حمل السلاح "وجب حمله أو وضعه بين يديه" إن كان "بحيث يسهل تناوله" كسهولة تناوله، وهو محمول إذ لو لم يجب لكان ذلك استسلاما للكفار وسواء أكان ذلك مانعا من صحة الصلاة أم لا لكن في حالة المنع يتعين الوضع "ولم تبطل بإلقائه" أي بتركه "صلاته" وإن قلنا بوجوب حمله كالصلاة في الدار المغصوبة "والترس والدرع ليس" كل منهما "بسلاح" (^٤) يسن حمله بل يكره لكونه ثقيلا يشغل عن الصلاة كالجعبة كما نقله في المجموع عن الشيخ أبي حامد والبندنيجي فلا ينافي ذلك إطلاق القول بأنهما من السلاح إذ ليس كل سلاح يسن حمله في الصلاة
"ويكره كون الفرقة" المصلية والتي في وجه العدو "في" صلاة "ذات الرقاع أقل من ثلاثة" لقوله تعالى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مع قوله ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ فذكرهم بلفظ الجمع وأقله
_________________
(١) قوله فرع حمل السلاح إلخ" أي الذي يقتل
(٢) "قوله وإلا فيحرم" أي وإلا بأن غلب على ظنه
(٣) "قوله قاله الأذرعي" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله والترس والدرع ليس بسلاح"; لأنهما مما يدفع به
[ ٢ / ١٨٠ ]
ثلاثة فأقل الطائفة هنا ثلاثة، وإن كان أقلها لغة وشرعا واحدا "ويجوز" إيقاع ذلك "بواحد" هذا تصريح بما فهم وقضية كلامه كالروضة أن الكراهة لا تأتي في صلاتي بطن نخل وعسفان والوجه التسوية بين الثلاث (^١) لشمول الدليل لها ودعوى النووي في الروضة (^٢) أن الشافعي في المختصر عنى التقييد بذات الرقاع ممنوعة يظهر ذلك لمن رأى كلام المختصر لا جرم لم يذكره في المجموع حيث قال قال الشافعي في مختصر المزني: وأكره أن يصلي بأقل من طائفة وأن يحرسه أقل من طائفة هذا نصه واتفق عليه أصحابنا انتهى
النوع "الرابع صلاة شدة الخوف فإن التحم القتال" ولم يتمكنوا من تركه "أو اشتد الخوف ولم يأمنوا أن يركبوهم" لو ولوا أو انقسموا "فليس لهم تأخير الصلاة" عن وقتها "بل يصلون ركبانا ومشاة" قال تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٩]
"ولهم ترك الاستقبال للعجز" أي عند العجز عنه بسبب العدو للضرورة وقال ابن عمر في تفسير الآية مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع لا أراه إلا مرفوعا رواه البخاري بل قال الشافعي أن ابن عمر رواه عن النبي ﷺ فلا يجب على الماشي كالراكب الاستقبال حتى في التحرم والركوع والسجود ولا وضع جبهته على الأرض لما في تكليفه ذلك من تعرضه للهلاك بخلاف نظيره في الماشي المتنفل في السفر كما مر ولو أمكنه الاستقبال بترك القيام لركوبه ركب; لأن الاستقبال آكد بدليل النفل "لا تركه لجماح دابة طال" زمنه كما في الأمن بخلاف ما قصر زمنه "ويصح اقتداؤهم" أي اقتداء بعضهم ببعض "وإن اختلفت الجهة" أو تقدموا على الإمام (^٣) كما صرح به ابن الرفعة وغيره للضرورة
_________________
(١) "قوله والوجه التسوية بين الثلاث" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله ودعوى النووي في الروضة إلخ" الظاهر أن النووي رأى أن سياق كلام المختصر في ذات الرقاع فلهذا قال عنى صلاة ذات الرقاع لكن لا يخفى أنها مثال وأن حكمها جار في بطن نخل وعسفان لوجود علته في الجميع
(٣) "قوله: أو تقدموا على الإمام إلخ" مثله ما إذا تخلفوا عنه بأكثر من ثلاثمائة ذراع.
[ ٢ / ١٨١ ]
"والجماعة أفضل من انفرادهم" كما في الأمن لعموم الأخبار في فضيلة الجماعة "فإن عجزوا عن الركوع والسجود أومئوا بهما" للضرورة "و" أتوا "بالسجود أخفض من الركوع" ليتميزا
"ويبطلها" أي الصلاة "الصياح" إذ لا ضرورة إليه بل السكوت أهيب (^١) وكذا يبطلها النطق بلا صياح كما نص عليه في الأم "ولو احتاجوا إلى الضرب" ونحوه "الكثير" (^٢) المتوالي "جاز" ولا تبطل به الصلاة بخلاف ما إذا لم يحتاجوا إليه أما القليل أو الكثير غير المتوالي فمحتمل في غير الخوف نفيه أولى
"فرع يلقي" وجوبا "سلاحا تنجس" بما لا يعفى عنه حذرا من بطلان الصلاة وفي الأصل أو يجعله في قرابه (^٣) تحت ركابه إلى أن يفرغ منها وكان المصنف حذفه لقول الروياني الظاهر بطلانها به; لأنه كان يمكنه طرحه في الحال لكن هذا مدفوع بقول الإمام ويغتفر الحمل في هذه الساعة; لأن في طرحه تعريضا لإضاعة المال وبما قاله فارق ذلك بطلانها فيما لو وقع على ثوب المصلي نجاسة ولم ينحها في الحال "إلا إن اضطر" عبارة الأصل احتاج إلى إمساكه فيمسكه لخوف الهلاك "ويقضي" لندور عذره، وهذا ما نقله الأصل عن الإمام عن الأصحاب ثم منع لهم أعني الإمام ندوره وقال هو عام في حق المقاتل فأشبه المستحاضة وخرج المسألة على القولين فيمن صلى في موضع نجس وقال هذه أولى بنفي القضاء للقتال الذي احتمل له الاستدبار وغيره قال
_________________
(١) "قوله إذ لا ضرورة إليه بل السكوت أهيب" هذا يقتضي أن يكون في غير زجر الخيل كيف وقد فسر فخر الدين الرازي قوله تعالى ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ بزجر المقاتلين الخيل على اختلاف في معنى الآية بسطه
(٢) "قوله ولو احتاج إلى الضرب الكثير إلخ" قال في الخادم يستثنى من هذا ما لو نازعته الدابة فجذبها ثلاث جذبات لا تبطل قال في الاستقصاء والفرق بينه وبين الخطوات الثلاث أن الجذبات أخف فعفي عنها في الثلاث فإن كثر أبطل
(٣) "قوله وفي الأصل أو يجعله في قرابه" أشار إلى تصحيحه قوله وخرج المسألة على القولين فيمن صلى في موضع نجس" قال شيخنا مع أن الأصح فيها أيضا القضاء
[ ٢ / ١٨٢ ]
الرافعي: فجعل الأقيس عدم القضاء والأشهر وجوبه واقتصر في المحرر على الأقيس وتبعه النووي في منهاجه معبرا عنه بالأظهر وقال في المجموع: قبل نقله كلام الإمام ظاهر كلام الأصحاب القطع بالوجوب قال في المهمات: وهو ما نص عليه الشافعي ونقله أيضا ابن الرفعة عن القاضي وحينئذ فالفتوى عليه انتهى
"فرع يصلى العيد" الأصغر والأكبر "والكسوف" للشمس والقمر "في شدة الخوف" صلاتها; لأنه يخاف فوتهما ويخطب لهما إن أمكن "لا الاستسقاء فإنه لا يفوت" ومن ذلك يؤخذ أنها تشرع (^١) في غير ذلك أيضا كسنة الفريضة والتراويح وأنها لا تشرع في الفائتة بعذر (^٢) إلا إذا خيف فوتها بالموت
"فرع ليس للعاصي بالقتال كالبغاة" وقطاع الطريق "صلاتها" أي صلاة شدة الخوف; لأن الرخص لا تناط بالمعاصي "بل" إنما تجوز صلاتها "لأهل العدل ومن دفع عن نفسه وماله وحرمه ونفس غيره" وماله وحرمه وضاق وقت الصلاة كما صرح به ابن الرفعة (^٣) وغيره "ولا يصليها عاص بفرار" لما مر بخلاف من أبيح له الفرار كأن زاد العدو على ضعفنا وسيأتي
"ولا" يصليها "طالب" لعدو منهزم منه "خاف فوت العدو" لو صلى متمكنا; لأنه لم يخف فوت ما هو حاصل بل محصل والرخص لا تتجاوز محالها "إلا إن خشي كرتهم" عليه "أو كمينا" أو انقطاعه عن رفقته كما صرح به الجرجاني فله أن يصليها; لأنه خائف
"فرع لو هرب" قد ضاق وقت الصلاة "من نحو سيل لا محيص عنه
_________________
(١) "قوله ومن ذلك يؤخذ أنها تشرع إلخ"، وهو ظاهر
(٢) "قوله وأنه لا تشرع في الفائتة بعذر" بل أو بغير عذر كما يؤخذ من التعليل السابق ثم رأيت الأذرعي قال قضية كلامهم مع الخصم يفهم أن التجويز في صاحبة الوقت محافظة عليه ويشبه أن تجوز الفائتة إذا خاف الموت قبل فعلها لا سيما الفورية
(٣) "قوله وضاق وقت الصلاة كما صرح به ابن الرفعة إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه شيخنا يؤخذ منه أن صلاة شدة الخوف لا تفعل إلا عند ضيق الوقت، وهو كذلك ما دام يرجو الأمن وإلا فله فعلها ولو مع سعته
[ ٢ / ١٨٣ ]
أو سبع" كذلك أو غريم لإعسار قام به ولم تكن له بينة (^١) ولم يصدقه المستحق "أو مقتص يرجو بسكون غضبه" بالهرب "عفوه صلاها" أي صلاة شدة الخوف "ويؤخرها" أي ويؤخر المحرم صلاته وجوبا "لخوف فوات الوقوف" (^٢) لو صلى متمكنا ويقف خلافا للرافعي; لأن قضاء الحج صعب بخلاف الصلاة وقد عهدنا تأخيرها بما هو أسهل من مشقة الحج كتأخيرها للجمع (^٣) "ولا يصليها" أي صلاة شدة الخوف; لأنه محصل لا خائف "تنبيه" لو أمكنه مع التأخير إدراك ركعة فيتجه القطع بالجواز للضرورة ذكره الإسنوي وغيره بل صرح به القاضي
"فرع" لو "رأوا سوادا" (^٤) كإبل فظنوه عدوا أو كثيرا بأن ظنوا أنه أكثر من ضعفنا فصلوا صلاة شدة الخوف "فبان غيره" أي غير عدو أو قليلا "أو" بان كما ظنوا وقد صلوها لكن بان "دونه حائل" كخندق أو نار أو ماء أو بان أن بقربهم حصنا يمكنهم التحصن به "أو شكوا في" شيء من "ذلك" وقد صلوها "قضوا" لتفريطهم بخطئهم أو شكهم كما لو أخطئوا أو شكوا في الطهارة ومسألة الشك من زيادته ونص عليها الشافعي في المختصر "وكذا" يقضون بما مر "لو صلوا صلاة عسفان" أو ذات الرقاع على رواية ابن عمر وكذا الفرقة الثانية فيها
_________________
(١) "قوله ولم تكن له بينة إلخ" لو كان له بينة ولكن الحاكم لا يسمعها إلا بعد الحبس فهي كالعدم "فرع" لو شردت فرسه فتبعها إلى صوب القبلة شيئا يسيرا لم تبطل صلاته أو كثيرا بطلت وإن تبعها إلى غير القبلة بطلت مطلقا ما ذكره يحمل على ما إذا لم يخف ضياعها بل بعدها عنه فيكلف للمشي أما إذا خاف ضياعها فلا بطلان مطلقا كما يؤخذ من كلامهم ش
(٢) "قوله ويؤخرها لخوف فوات الوقوف" قال شيخنا ولا يتقيد بصلاة العشاء إلا فيمن كان قريبا ولم يبق من وقت الوقوف إلا وقتها وإلا فيتصور في العصر مثلا كأن علم أنه إن تركها وتوجه أدرك الوقوف وإلا أحصر أو كان في جدة محرما وعلم أنه إن توجه وترك ما أمامه من الصلوات أدرك الوقوف كا
(٣) "قوله كتأخيرها للجمع" يجري هذا كما قال صدر الدين الجزري في الاشتغال بإنقاذ الغريق ودفع الصائل عن نفس أو مال والصلاة على ميت خيف انفجاره
(٤) "قوله رأوا سوادا فظنوه عدوا إلخ" ظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين ظنهم ذلك بأنفسهم أو بإخبار ثقة ولا بين أن يكون ذلك في دارنا أو دار الحرب
[ ٢ / ١٨٤ ]
على رواية سهل "لا غيرها" من صلاة بطن نخل وصلاة الفرقة الأولى في ذات الرقاع على رواية سهل كما في الأمن "إلا" الأولى ولا "إن بان" بعد صلاتهم صلاة شدة الخوف ما رأوه "عدوا" كما ظنوه ولا حائل ولا حصن "و" لكن "نيتهم الصلح ونحوه" كالتجارة فلا قضاء إذ لا تفريط منهم; لأن النية لا اطلاع عليها بخلاف الخطأ فيما مر فإنهم مفرطون في تأمله، وهذا من زيادته وذكره في المجموع وغيره "ولو صلى" متمكنا "على الأرض فحدث الخوف الملجئ" لركوبه "ركب وبنى، وإن" لم يلجئه بل "ركب احتياطا أعاد" صلاته وجوبا "وإن أمن" المصلي، وهو راكب "نزل" حالا وجوبا "وبنى" وفرق الشافعي بأن النزول أقل عملا من الركوب واعترض المزني بأن ذلك يختلف بالفروسية والخفة وأجاب عنه الأصحاب بأن الشافعي اعتبر غالب عادة الناس وألحق به النادر وبأنه اعتبر حال كل منفرد أو لا ريب أن نزول كل فارس أخف من ركوبه، وإن كان أثقل من ركوب آخر ويجاب أيضا بأنه في الأولى فعل شيئا مستغنى عنه وخرج عن هيئة الصلاة المعتادة وفي الثانية فعل واجبا ودخل في الهيئة المعتادة ثم أنه إنما يبني فيها "إن لم يستدبر في نزوله" القبلة وإلا فيلزمه الاستئناف "وكره انحرافه" عنها في نزوله يمنة ويسرة ولا تبطل به صلاته "فإن أخر النزول" عن الأمن "بطلت" لتركه الواجب
[ ٢ / ١٨٥ ]