شرعت تخفيفا عليه لما يلحقه من تعب السفر، وهي نوعان القصر، والجمع وذكر فيه الجمع بالمطر للمقيم وأهمها القصر ولهذا بدأ المصنف كغيره به فقال "وله" أي للمسافر "القصر بالسفر الطويل (^١) المباح" طاعة كان كسفر حج أو غيرها ولو مكروها كسفر تجارة (^٢) وسفر منفرد، والأصل فيه مع ما يأتي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٣) [النساء: من الآية ١٠١] الآية قال يعلى بن أمية قلت لعمر إنما قال الله تعالى إن خفتم، وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" رواه مسلم (^٤)، والإتمام جائز كما يعلم مما يأتي فقد روى البيهقي بإسناد صحيح "عن عائشة ﵂ قالت يا رسول الله قصرت وأتممت وأفطرت وصمت قال أحسنت يا عائشة" (^٥). وأما خبر "فرضت الصلاة ركعتين" (^٦)
_________________
(١) "قوله وله القصر بالسفر الطويل إلخ" قال الإسنوي لنا حالة يجب فيها قصر الصلاة وصورته إذا نوى المسافر تأخير الظهر مثلا إلى وقت العصر ليجمعها معها وقصد أيضا قصر الصلاة فإنه يجوز له تأخير الإحرام بها إلى أن يبقى من وقت العصر مقدار يسع أربع ركعات يوقع فيه الظهر، والعصر مقصورتين فإذا انتهى إلى هذا المقدار وجب عليه قصر الظهر بلا شك إذ لو أتمها لأخرج العصر عن وقتها مع إمكان فعلها فيه وإذا قصر الظهر وأراد إتمام العصر، فالمتجه منعه أيضا; لأنه يؤدي إلى إخراج بعضها، والصحيح منعه، والمسألة لم أرها مسطورة، وقد تقدم في باب المسح على الخفين من كلام ابن الرفعة في نظير لها ما يقوي ذلك، ويأتي ما ذكرناه في العشاء أيضا إذا أخر المغرب ليجمعها معها ولو أرهقه حدث وعلم أو غلب على ظنه أنه إن أتم أحدث، وإن قصر أدرك الصلاة، فالمتجه وجوب القصر أيضا
(٢) "قوله: كسفر تجارة" مثال لغير الطاعة وقوله وسفر منفرد مثال للمكروه
(٣) "قوله: قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية"; لأن نفي الجناح فيها لا يدل على العزيمة، والقصر ينبئ عن تمام سابق
(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث "٦٨٦".
(٥) البيهقي في الكبرى "٣/ ١٤٢". حديث "٥٢١٣".
(٦) البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، حديث "٣٥٠". ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث "٦٨٥".
[ ٢ / ٧٥ ]
أي في السفر فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأدلة "لا" بالسفر "القصير"، أو المشكوك في طوله فلا يجوز فيه القصر "ولو في الخوف" لما سيأتي في بيان السفر الطويل ولا فرق في عدم القصر في الخوف بين الصبح وغيرها ولا في جوازه إلى ركعتين بين الخوف وغيره وأما خبر مسلم "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة" (^١) فأجيب عنه بأنه يصلي في الخوف ركعة مع الإمام وينفرد بأخرى ومحل القصر "إذا كان" السفر "إلى مقصد معلوم" فلا قصر للهائم، وهو الذي لا يدري أين يتوجه، وإن سلك طريقا ولا لراكب التعاسيف. وهو الذي لا يدري أين يتوجه ولا يسلك طريقا سواء أطال سفرهما أم لا، وقيل: هما بمعنى واحد، وهو المعنى الأول ونقل الإمام عن الصيدلاني أن الهائم عاص، أي: لأن إتعاب النفس بالسفر بلا غرض حرام كما سيأتي ومثله راكب التعاسيف بل أولى ويحصل ابتداء السفر من بلد له سور "بمفارقة سور البلد المختص به"، وإن تعدد كما قاله الإمام وغيره دون السور الجامع لبلاد متفرقة كما سيأتي ومن بلد له بعض سور، وهو صوب سفره بمفارقته "ولو لاصقه" من خارجه "بنيان" أي عمران "أو مقابر، أو احتوى على خراب ومزارع" فتكفي مفارقة ما ذكر ولا تشترط مفارقة هذه الأمور; لأن ما كان خارجه كالأولين (^٢) لا يعد من البلد بخلاف ما كان داخله كالأخيرين. وإطلاق الشيخين في الصوم اشتراط مفارقة العمران حيث قالا وإذا نوى ليلا ثم سافر فله الفطر إن فارق العمران قبل الفجر وإلا فلا يحمل على ما إذا سافر من بلد لا سور لها ليوافق ما هنا ويحتمل بقاؤه على إطلاقه ويفرق بأنه ثم لم يأت للعبادة ببدل بخلافه هنا وكالسور فيما ذكر الخندق قاله الجيلي قال الأذرعي، وهل
_________________
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث "٦٨٧"
(٢) قوله: لا ما كان خارجه كالأولين إلخ" ألا ترى أنه يقال سكن فلان خارج البلد ويؤيده قول الشيخ أبي حامد لا يجوز لمن في البلد أن يدفع زكاته لمن هو خارج السور; لأنه نقل للزكاة
[ ٢ / ٧٦ ]
للسور، المنهدم (^١) حكم العامر فيه نظر قلت الأقرب أن له حكمه (^٢) وسيأتي في كلامه (^٣) قريبا ما يؤيده
"ولو لم يكن للبلد في صوب سفره سور" بأن سافر من بلد لا سور له، أو له بعض سور ولم يكن صوب سفره "اشترط مفارقة العمران"، وإن تخلله خراب، أو نهر، أو ميدان ليفارق موضع الإقامة "لا" مفارقة "خراب اندرس في طرف البلد"، أو بقيت بقايا حيطانه قائمة (^٤) واتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر; لأنه ليس موضع إقامة. فإن لم يكن كذلك ففي الأصل عن الغزالي والبغوي أن الحكم كذلك لما ذكر، وعن العراقيين والجويني اشتراط مفارقته; لأنه يعد من البلد، وهو ما أفهمه كلام المصنف وصححه في المجموع (^٥)، والأول قال الرافعي إنه الموافق للنص وجزم به النووي في المنهاج كالمحرر وقال الأذرعي الصحيح الأقرب إلى النصوص الاشتراط "ولا تشترط مجاوزة المزارع، والبساتين المحوطة" وغير المحوطة المفهومة بالأولى; لأنها لا تتخذ للإقامة
_________________
(١) "قوله: قال الأذرعي وهل للسور المتهدم إلخ" قال في غنيته قوة كلامهم تفهم أن المراد سور عامر أما المتهدم كسور حلب فكالعدم
(٢) "قوله: قلت الأقرب أن له حكمه" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله: وسيأتي في كلامه قريبا إلخ" جزم الدميري بأنه كالعدم ولو كان للبلد سوران اعتبر مجاوزتهما كما صرح به جماعة، وقد يدعى دخول ذلك في عبارة المصنف وفي الكفاية عن الجيلي أنه لو كان له خندق فلا بد من مجاوزته قال وعليه يدل كلام غيره وأنه لو كان بباب البلد قنطرة فلا بد من مجاوزتها ا هـ. وعبارة الجيلي، وإن كان البلد مسورا بسور، أو خندق فلا بد من مجاوزة الدرب وإن كان للبلد سوران، أو خندقان فلا بد من مجاوزتهما ا هـ. قال الأذرعي لو أنشئت إلى جانب جبل ليكون كالسور لها اشترط في حق من يسافر إلى جهته أن يقطعه إذا كان ارتفاعه مقتصدا كما قالوا في النازل في وهدة إنه لا بد أن يصعد عند الاعتدال ولا نقل عندي
(٤) "قوله: أو بقيت بقايا حيطانه قائمة إلخ" يصح إدخال كل من هذين في قوله اندرس ولعله أراده وكتب أيضا قال الجويني ولو سوروا على العامر سورا وعلى الخراب سورا فلا بد من مجاوزة السورين
(٥) "قوله وصححه في المجموع" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٧٧ ]
وعبارة الأصل ولا تشترط مجاوزة البساتين، والمزارع المتصلة بالبلد، وإن كانت محوطة.
"ولو كانت متصلة بالبلد وفيها دور يسكنها ملاكها" ولو "أحيانا" أي في بعض فصول السنة "اشترط" مجاوزتها (^١) هذا ما في الروضة كالشرحين. وأطلق المنهاج كأصله عدم اشتراطها وقال في المجموع بعد نقله الأول عن الرافعي وفيه نظر ولم يتعرض له الجمهور، والظاهر أنه لا يشترط مجاوزتها; لأن ذلك لا يجعلها من البلد قال في المهمات وبه الفتوى "والقرية" فيما ذكر "كالبلد، والقريتان المتصلتان" فيه "كالقرية، وإن انفصلتا ولو يسيرا فبمجاوزة قريته" فلا يشترط مجاوزته الأخرى
"وإن جمع السور بلدين متقاربتين فلكل" منهما "حكمه" فلا تشترط مجاوزة السور كما فهم أيضا من قوله فيما مر سور البلد المختص به كما مرت الإشارة إليه، والقريتان في ذلك كالبلدين "ومن كان في برية فبأن يفارق بقعة رحله" التي هو فيها وتنسب إليه "، أو" في "ربوة، أو وهدة، أو واد" وسافر عرضه "فبأن يهبط" من الربوة "أو يصعد" من الوهدة "أو يفارق عرض الوادي إن اعتدلت" أي الثلاثة، فإن أفرطت سعتها فبأن يفارق منها ما يعد من منزله، أو من حلة هو منها كما لو سافر في طول الوادي ومحل اعتبار عرضه مفارقة عرضه فيما إذا اعتدل إذا كانت البيوت في جميع عرضه، فإن كانت في بعضه فبأن يفارقها نقله ابن الصباغ عن أصحابنا (^٢) "و" من كان في خيام حي فبأن "يفارق خيام الحي ومرافقهم" الشاملة لقوله "ومعاطن إبلهم" ولمطرح الرماد وملعب الصبيان، والنادي ونحوها كالماء، والمحتطب إلا أن يتسعا بحيث لا يختصان بالنازلين، وذلك; لأنها من جملة موضع الإقامة فتعتبر مفارقتها "وإن تفرقت الخيام" فإنه لا بد من مفارقة ذلك "إن اتحدت المحلة"، وهي منزل القوم وعبر الشيخان وغيرهما بالحلة بترك الميم وكسر الحاء، وهي بيوت مجتمعة
_________________
(١) "قوله: والظاهر أنه لا يشترط مجاوزتها" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله: نقله ابن الصباغ عن أصحابنا" أشار إلى تصحيحه
[ ٢ / ٧٨ ]
قاله ابن مالك وكلاهما صحيح إذ معناهما في الحقيقة واحد واتحادها "باتحاد النادي" الذي يجتمعون فيه للسمر "واستعارة بعضهم من بعض"، والحلتان كالقريتين ويعتبر في سفر البحر المتصل ساحله بالبلد جري السفينة، أو الزورق إليها (^١) قاله البغوي وأقره عليه ابن الرفعة وغيره، لكن في المجموع إذا صار خارج البلد ترخص، وإن كان ظهره ملصقا بالسور، وظاهر أن آخر عمران ما لا سور له كالسور، فيحتمل أن يقال سير البحر يخالف سير البر (^٢) أو يمنع أن آخر العمران كالسور (^٣) ويحمل كلام البغوي على ما لا سور له ويؤيد هذا أنه لو اتصلت قرية لا سور لها بأخرى كذلك كانتا كقرية بخلاف اتصال قرية لها سور بأخرى وبما تقرر علم أنه لا أثر لمجرد نية السفر لتعليق القصر في الآية بالضرب ويخالف نية الإقامة كما سيأتي; لأن الإقامة كالقنية في مال التجارة كذا فرق الرافعي تبعا لبعض المراوزة وقضيته كما قال الزركشي وغيره أنه لا يعتبر في نية الإقامة المكث، وليس كذلك كما سيأتي، فالمسألتان كما قال الجمهور مستويتان في أن مجرد النية لا يكفي فلا حاجة لفارق "فرع" لو "فارق البنيان"، أو غيره من الأمكنة التي شرط مفارقته لها "ثم رجع" إليها "من قريب" أي من دون مسافة القصر "لحاجة" كتطهر "أو نواه" أي الرجوع لها، وهو مستقل ماكث ولو بمكان لا يصلح للإقامة "فإن كانت وطنه صار مقيما" بابتداء رجوعه، أو بنيته فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه (^٤) إلى أن يفارق وطنه تغليبا للوطن وحكى
_________________
(١) "قوله: جري السفينة أو الزورق إليها" حتى لو كانت السفينة كبيرة لا تتصل بالساحل وينقل المتاع إليها بالزورق قصر في الزورق
(٢) "قوله: فيحتمل أن يقال سير البحر يخالف سير البر" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه شيخنا فعلى هذا لو سافر من بلدة لها سور وأراد السفر في البحر لم يترخص بمفارقة السور بل حتى تسير السفينة ومثل السور فيما لا سور لها ما قام مقامه فلا بد من مجاوزة ذلك وجري السفينة، أو الزورق ولا يكتفى بأحدهما وهذا معنى أن سير البحر يخالف البر
(٣) "قوله أو يمنع أن آخر العمران كالسور" قال الناشري ويؤخذ من قوله السور أن البلد لو كان لها سور وراءه بحر يسافر فيه أنه يترخص قبل النزول في البحر أما إذا لم يكن لها سور فلا يترخص إلا إذا نزل في البحر وصار في المركب مثلا
(٤) "قوله فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه إلخ" أما إذا نوى الرجوع لحاجة وهو سائر لجهة مقصده فلا أثر لهذه النية.
[ ٢ / ٧٩ ]
فيه في أصل الروضة وجها شاذا أنه يترخص إلى أن يصله قال البلقيني، وليس شاذا بل هو مذهب الشافعي المنصوص عليه صريحا في البويطي وغيره وعليه العراقيون، والأول إنما هو طريقة القفال وأتباعه، وهو خلاف المذهب المعتمد، وكذا قال غيره منهم الأذرعي فقال ليس شاذا بل هو المذهب الصحيح المنصوص، والأول إنما ذكره بعض المراوزة كالإمام والغزالي والبغوي "وإلا" أي: وإن لم يكن وطنه "ترخص وإن دخلها ولو كان قد أقام بها" لانتفاء الوطن فكانت كسائر المنازل أما إذا رجع، أو نوى الرجوع من بعيد لحاجة فيترخص إلى أن ينتهي سفره.
"فصل" فيما ينتهي به سفر المسافر وينقطع به ترخصه "ينتهي سفره ببلوغه مبدأ سفره" (^١) وفي نسخة بمجاوزة مبدإ سفره أخذا بما قيل ينبغي أن لا ينتهي إلا بدخوله العمران كما لا يصير مسافرا إلا بخروجه منه، والمنقول الأول، والفرق أن الأصل الإقامة فلا تنقطع إلا بتحقيق السفر وتحققه بخروجه من ذلك، والسفر على خلاف الأصل فانقطع بمجرد الوصول، وإن لم يدخل فعلم أنه ينتهي بمجرد بلوغه مبدأ سفره "من وطنه، وإن كان مارا" به "في سفره" كأن خرج منه، ثم رجع من بعيد قاصدا المرور به من غير إقامة "لا بلد مقصده ولا بلد له فيها أهل" وعشيرة "لم ينو الإقامة بها" أي بكل منهما فلا ينتهي سفره بوصوله إليهما
_________________
(١) "قوله: ينتهي سفره ببلوغه مبدأ سفره" هذه العبارة غير مستقيمة; لأن مبدأ سفره يجوز فيه القصر في الابتداء; لأنه أول سفره فهو ببلوغه في الرجوع مسافر لا مقيم; لأنه فيما له سور خارج السور بشيء يسير فلا يكفي الانتهاء ببلوغه بل ببلوغ نفس السور بأن لا يبقى بينه وبينه شيء، فالعبارة الصحيحة أن يقال ينتهي سفره بمجاوزته مبدأ سفره وهي مجاوزة المبدإ الذي حققناه آنفا بأن بلغ نفس السور قس عليه ما لا سور لها وما قلته ظاهر وإنما بسطت فيه القول; لأنه خفي على بعض الفقهاء والله سبحانه أعلم وعبارة الروضة صحيحة فإنه قال أن يعود إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء السفر ا هـ. والذي شرطنا مفارقته هو السور أو العمران، وليس هو مبدأ سفره وإنما مبدؤه وراءه وعبارة الأصفوني وهي عبارة المنهاج صحيحة فإنه قال ببلوغه ما شرط مجاوزته ابتداء، وقد صيرت النسخة: ينتهي سفره بمجاوزته مبدأ سفره. فليصر التمتع هكذا
[ ٢ / ٨٠ ]
بخلاف ما إذا نوى الإقامة بهما ينتهي سفره بذلك "وينتهي" سفره أيضا "بإقامة أربعة أيام" بلياليها "صحاح" أي غير يومي الدخول، والخروج; لأن في الأول الحط وفي الثاني الترحال. وهما من أشغال السفر "أو نيتها" أي نية الإقامة مطلقا، أو أربعة أيام صحاح من مستقل ماكث فينتهي سفره بها إن كان بمحل الإقامة بخلاف ما لو نوى إقامة ما دون الأربعة، وإن زاد على ثلاثة وأصل ذلك خبر الصحيحين "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا" (^١) وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار، فالترخيص في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر بخلاف الأربعة ومنع عمر أهل الذمة الإقامة في الحجاز، ثم أذن للتاجر منهم أن يقيم ثلاثة أيام رواه مالك بإسناد صحيح وفي معنى الثلاثة ما فوقها ودون الأربعة، وألحق بإقامة الأربعة نية إقامتها أما لو نوى الإقامة (^٢)، وهو سائر فلا يؤثر; لأن سبب القصر السفر. وهو موجود حقيقة، وكذا لو نواها غير المستقل كالعبد ولو ماكثا كما سيأتي "أو" بالإقامة "لما" أي لأمر "لا يتنجز" وفي نسخة ينجز "دونها" أي دون الأربعة فينتهي سفره بها إن كان بمحل الإقامة مثل ما مر "وإن كان" الناوي، أو المقيم "ماكثا في مفازة" لا تصلح للإقامة "أو محاربا"، وإن كان قد يضطر للارتحال وما في الصحيحين عن أنس من قوله "خرجنا مع النبي ﷺ فقصر حتى أتى مكة فأقمنا بها عشرا فلم يزل يقصر حتى رجعنا" (^٣) فأجابوا عنه بأنهم لم يقيموا بها عشرا فإنه ﷺ قدم مكة لأربع خلون من ذي الحجة فأقام بها غير يومي الدخول، والخروج إلى منى، ثم بات بمنى، ثم سار إلى عرفات ورجع فبات بمزدلفة، ثم سار إلى منى فقضى نسكه، ثم إلى مكة فطاف ثم رجع إلى منى فأقام بها ثلاثا يقصر، ثم نفر منها
_________________
(١) البخاري، كتاب المناقب، باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، حديث "٣٩٣٣" مختصرا، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الإقامة بمكة للمهاجر منها بعد فراغ الحج والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة، حديث "١٣٥٢".
(٢) "قوله: أما لو نوى الإقامة" بالمكان الذي هو فيه
(٣) البخاري، كتاب الجمعة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، حديث "١٠٨١"، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين حديث "٦٩٣".
[ ٢ / ٨١ ]
بعد الزوال في ثالث أيام التشريق فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل من مكة قبل صلاة الصبح فلم يقم أربعا في مكان واحد" "فلو نوى العبد، والزوجة، والجندي المثبت" (^١) في الديوان "لا غيره" من المتطوعة "الإقامة ولم ينو" ها "المطاع" وهو السيد، والزوج، والأمير "فلهم القصر" لعدم استقلالهم فنيتهم كالعدم وقوله مثبت لا غيره زاده دفعا لاستشكال حكمه المذكور هنا بحكمه المذكور فيما يأتي وفارق المثبت غيره بأنه تحت قهر الأمير كالزوجة بخلاف غيره "وإن كان" المسافر بموضع "يتوقع الخروج" منه "يوما فيوما" إن حصلت حاجته "أو حبسه الريح في البحر" في موضع "قصر ثمانية عشر يوما" غير يومي الدخول، والخروج; لأنه ﷺ "أقامها بمكة (^٢) عام الفتح لحرب هوازن يقصر الصلاة" رواه أبو داود، والترمذي وحسنه (^٣)، وإن كان في سنده ضعيف; لأن له شواهد تجبره قاله شيخنا شيخ الإسلام الشهاب ابن حجر وروي خمسة عشر وسبعة عشر وتسعة عشر وعشرين رواها أبو داود وغيره إلا تسعة عشر. فالبخاري قال البيهقي: وهو أصح الروايات ومن ثم اختارها ابن الصلاح، والسبكي، وقد جمع الإمام وغيره (^٤) بين الروايات ما عدا روايتي خمسة عشر وعشرين بأن راوي تسعة عشر عد يومي الدخول، والخروج وراوي سبعة عشر لم يعدهما وراوي ثمانية عشر عد أحدهما فقط وأما رواية خمسة عشر فضعيفة (^٥)، ورواية عشرين وإن كانت صحيحة فشاذة كما قاله شيخنا المذكور
_________________
(١) قوله، والجندي المثبت" عبارة الأصل الجيش وكتب أيضا قال السبكي الذي يقتضيه الفقه أن الجندي إن تبع الأمير في سفر تجب طاعته فيه كالقتال، فكالعبد، وإلا فهو مستقل ورفيق طريق فيحمل قولهما قصر الجندي على القسم الثاني وقولهما أنه لو نوى إقامة أربعة أيام ولم ينو الأمير أن الأقوى له القصر على القسم الأول
(٢) "قوله: لأنه ﷺ أقامها بمكة إلخ" قال ابن عباس فمن أقام ذلك قصر ومن زاد عليه أتم
(٣) رواه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر، حديث "١٢٣١" والترمذي حديث "٥٤٩".
(٤) "قوله، وقد جمع الإمام وغيره إلخ" قال شيخنا ما جمع به الإمام لا يتأتى على المرجح عندنا وهو الثمانية عشر وإنما ينحل إلى اختيار سبعة عشر
(٥) "قوله: وأما رواية خمسة عشرة فضعيفة" قال شيخنا يمكن الجواب عن رواية خمسة عشر وسبعة عشر بأن الراوي نقل بعض المدة التي ترخص فيها ﷺ ولم يذكر زيادة وذكر البعض لا ينافي أكثر منه لاحتمال أنه لم يحفظ إلا تلك المدة وغيره حفظ الزائد
[ ٢ / ٨٢ ]
آنفا، وهذا الجمع يشكل على قولهم يقصر ثمانية عشر غير يومي الدخول، والخروج، وقد يجمع بينهما ما عدا روايتي خمسة عشر وسبعة عشر; لأن راوي عشرين عد اليومين وراوي ثمانية عشر لم يعدهما وراوي تسعة عشر عد أحدهما وبه يزول الإشكال ويجاب عن تقديمهم رواية ثمانية عشر على رواية سبعة عشر بما قام عندهم من الشواهد الجابرة وغيرها. "وإن كان" المتوقع، أو من حبسه الريح في البحر "غير محارب" كالمتفقه، والتاجر فإنه يقصر ثمانية عشر كالمحارب ولا يؤثر الفرق; لأن للحرب أثرا في تغيير صفة الصلاة; لأن الحرب ليست هي المرخصة وإنما المرخص السفر وكلاهما فيه سواء "ومتى فارق مكانه، ثم ردته الريح" إليه فأقام فيه "استأنف المدة"; لأن إقامته فيه إقامة جديدة فلا تضم إلى الأولى بل تعتبر مدتها وحدها، وهذا من زيادته وذكره في المجموع وقال فيه لو خرجوا وأقاموا بمكان ينتظرون رفقتهم، فإن نووا أنهم إن أتوا سافروا أجمعين وإلا رجعوا لم يقصروا لعدم جزمهم بالسفر، وإن نووا أنهم وإن لم يأتوا سافروا قصروا لجزمهم بالسفر
"تنبيه" قال الإسنوي ما رجحوه من أن القصر ثمانية عشر يحتمل اطراده في باقي الرخص (^١) كالجمع، والفطر ويدل له تعبير الوجيز بالترخص ويحتمل اختصاصه بالقصر; لأنهم إذا منعوه فيما زاد على الثمانية عشر لعدم وروده مع أن أصله قد ورد، فالمنع فيما لم يرد بالكلية بطريق الأولى، وهذا أقوى (^٢). قال
_________________
(١) "قوله يحتمل طرده في باقي الرخص" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله: وهذا أقوى" ما ذكر أنه أقوى مخالف للمنقول، والقياس أما المنقول فقد قال الشافعي ومن قدم مصرا وهو مسافر مفطر فإنه يسعه من الفطر به ما لم يجمع مقام أربعة أيام وقال قبيل باب الغسل للجمعة: فإن كان مسافرا قد جمع مقام أربع فمثل المقيم، وإن لم يجمع مقام أربع فلا حرج بالتخلف عن الجمعة. ا هـ. وجعله الصيمري في شرح الكفاية قاعدة عامة فقال كل من له القصر فله أن يفطر في أيام شهر رمضان وصرح البغوي في التهذيب بأنه لا يفطر إلا من جاز له أن يترخص فجعل القصر، والترخص متلازمين فقال وإذا ثبت أنه لا يترخص فلا يجوز له القصر في الصلاة، والفطر في شهر رمضان إلى آخره فاستفدنا من كلامه أن كل من ترخص قصر، وأن كل من قصر ترخص وصرح في التتمة بأنه إذا سافر بالزوجة بقرعة وأقام ببلد لتوقع حاجته ثمانية عشر يوما لم يقض للباقيات بخلاف ما إذا أقام وهذا أيضا من جملة الترخص ونقل في الكفاية عن صاحب التتمة أن المقيم لقضاء حاجة يتوقعها يقصر الصلاة ويفطر في رمضان وقال في البحر في باب إمامة المرأة لو دخل المسافر بلدا وهو على عزم الظعن، أو كان مقيما على حرب وجاوز أربعة أيام هل يجوز له ترك الجمعة إن قلنا له القصر فله تركها وإلا فلا وحكى من كلام القفال وغيره ما يؤيده، ثم قال: فالصواب إلخ وأما القياس فإن الذي يتضح بطريق قياس النظير على النظير أنه كما يجوز له القصر يجوز له الجمع، والفطر وسائر الرخص كترك الجمعة
[ ٢ / ٨٣ ]
الزركشي وكأنه لم يستحضر فيها نقلا وحكي عن الشافعي وغيره ما حاصله الأول، ثم قال: فالصواب أنه يباح له سائر الرخص; لأن السفر منسحب عليه نعم يستثنى منه سقوط الفرض بالتيمم وتوجه القبلة في النافلة لما عرف في بابيهما.
"فصل السفر الطويل" (^١) بالأميال "ثمانية وأربعون ميلا هاشمية"; لأن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد علقه البخاري بصيغة الجزم وأسنده البيهقي بسند صحيح ومثله إنما يفعل. عن توقيف (^٢) "غير الإياب" فلو قصد مكانا على مرحلة بنية أن لا يقيم فيه فلا قصر له ذهابا ولا إيابا وإن نالته مشقة مرحلتين متواليتين لما روى الشافعي بسند صحيح عن ابن عباس أنه سئل أنقصر الصلاة إلى عرفة فقال لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف فقدره بالذهاب وحده; ولأن ذلك لا يسمى سفرا طويلا، والغالب في الرخص الاتباع "تحديدا" لا تقريبا لثبوت التقدير بالأميال عن الصحابة; ولأن القصر على خلاف الأصل فيحتاط فيه بتحقيق تقدير المسافة "ولو ظنا" بخلاف تقديري القلتين ومسافة الإمام والمأموم، والتصريح بقوله ولو ظنا من زيادته. وهو معلوم من قوله بعد، وإن شك فيه اجتهد وقال الأذرعي الظاهر أن
_________________
(١) "فصل" السفر الطويل إلخ
(٢) "قوله: ومثله إنما يفعل عن توقيف" ذكر القاضي أبو الطيب أن ابن خزيمة رواه في صحيحه عن ابن عباس مرفوعا
[ ٢ / ٨٤ ]
ذلك تقريب لا تحديد ونقله الإسنوي عن تصحيح النووي له في مواضع بعد أن صوب الأول، وهاشمية نسبة إلى بني هاشم لتقديرهم لها وقت خلافتهم بعد تقدير بني أمية لها لا إلى هاشم جد النبي ﷺ كما وقع للرافعي (^١) وما تقرر من أنها ثمانية وأربعون ميلا هو الشائع ونص عليه الشافعي ونص أيضا على أنها ستة وأربعون وعلى أنها أربعون ولا منافاة فإنه أراد بالأول الجميع وبالثاني غير الأول والآخر، وبالثالث الأميال الأموية "وهو" أي السفر الطويل بالفراسخ "ستة عشر فرسخا، وهي أربعة برد، وهي سير يومين"، أو ليلتين، أو يوم وليلة "معتدلين" مع المعتاد من النزول، والاستراحة، والأكل، والصلاة ونحوها. وذلك مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام فعلم أن البريد أربعة فراسخ، وأن الفرسخ ثلاثة أميال "والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام" فهو اثنا عشر ألف قدم وبالذراع ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون أصبعا معترضات، والأصبع ست شعيرات معتدلات معترضات، والشعيرة ست شعيرات من شعر البرذون فمسافة القصر بالأقدام خمسمائة ألف وستة وسبعون ألفا، وبالأذرع مائتا ألف وثمانية وثمانون ألفا، وبالأصابع ستة آلاف ألف وتسعمائة ألف واثنا عشر ألفا، وبالشعيرات أحد وأربعون ألف ألف وأربعمائة ألف واثنان وسبعون ألفا، وبالشعرات مائتا ألف ألف وثمانية وأربعون ألف ألف وثمانمائة ألف واثنان وثلاثون ألفا "والمستحب أن لا يقصر لدون الثلاث" من الأيام، فالإتمام فيه أفضل; لأنه الأصل وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة بل قال الماوردي في الرضاع إنه يكره القصر، ونقله في النكاح عن الشافعي (^٢) لكن قال الأذرعي إنه غريب ضعيف أما إذا كان
_________________
(١) "قوله كما وقع للرافعي" اعترضه البلقيني بأن ما ذكره الرافعي ليس بغلط بل غلط مغلطه، وأخطأ مخطئه فالرافعي أخذه من البحر وهو الظاهر فقد روي عن ابن عباس أنها ثمانية وأربعون ميلا وعقد بيده قدرها ولم يدرك خلافه أحد من بني هاشم غير علي بن أبي طالب وولده الحسن، والأميال كانت قبل بعث النبي ﷺ وكذا البرد
(٢) "قوله ونقله في النكاح عن الشافعي" أراد: مكروه كراهة غير شديدة، وهو بمعنى خلاف الأولى
[ ٢ / ٨٥ ]
سفره ثلاثة أيام، فالقصر أفضل كما سيأتي "ويعتبر البحر" في المسافة المذكورة "بالبر" فيقصر فيه "وإن قطعه في ساعة" لشدة جري السفينة بالهواء كما يقصر لو قطع المسافة في البر في نصف يوم مثلا بالسعي "وإن شك فيه" أي في طول سفره "اجتهد" (^١)، فإن ظهر له أنه القدر المعتبر قصر وإلا فلا وعليه حمل إطلاق الشافعي عدم القصر.
"فرع" لو "سلك" في سفره "أبعد الطريقين" لمقصده "ليبيح له" سلوكه "القصر فقط" بل أو لغير غرض كما في المجموع "لم يقصر" (^٢) كما لو سلك الأقرب الذي هو دون مسافة القصر وطوله بالذهاب يمينا وشمالا "ويقصر إن كان له" في سلوكه "غرض" آخر ولو مع قصد إباحته لقصر كأمن وسهولة وزيارة وعبادة "ولو" كان الغرض "تنزها" بخلاف سفره لمجرد رؤية البلاد كما سيأتي، وفرق بأن القصد في هذا غير جازم بمقصد معلوم; لأن القاصد فيه كالهائم (^٣) بخلافه في التنزه، والوجه أن يفرق بأن التنزه هنا ليس هو الحامل على السفر بل الحامل عليه غرض صحيح كسفر التجارة ولكنه سلك أبعد الطريقين للتنزه فيه بخلافه بمجرد رؤية البلاد فيما يأتي فإنه الحامل (^٤) على السفر حتى لو لم يكن هو الحامل (^٥)
_________________
(١) "قوله: وإن شك فيه اجتهد" قال في الخادم ولك أولا أن تسأل عن صورة الشك فإنه إن كان في ابتداء السفر لم يجز له القصر إذ لا بد من ربط قصده بمعلوم المسافة، والجواب تصوره بما لو سافر وقطع أكثر المسافة وغلب على ظنه أن المسافة التي قطعها مسافة القصر فإنه يجوز له القصر بالاجتهاد في الانتهاء; لأن اعتماده هنا على ما قطع به من المسافة فيجوز كما يجتهد في أوقات الصلاة بالأوراد إذا علمت هذا فيجب حمل نص الشافعي على ما إذا سافر وشك في الموضع الذي يقصده مسافة القصر أم لا فليس له أن يقصر ابتداء أما لو سافر وقطع أكثر المسافة وغلب على ظنه أنه قطعها فهنا يجتهد وعليه يحمل كلام الأصحاب ولا تعارض ولا اختلاف فظهر بذلك ضعف حمل النووي النص على المتحير.
(٢) "قوله: سلك أبعد الطريقين ليبيح له القصر فقط لم يقصر" قال الأذرعي لو سلك غلطا لا عن قصد، أو جهل الأقرب، فالظاهر أنه يقصر ولم أره نصا
(٣) "قوله: لأن القاصد فيه كالهائم" إذ الهائم لا يقصر، وإن بلغ مسافة القصر "قوله: فإنه الحامل" أي مجرد رؤية البلاد "حتى لو لم يكن هذا الحامل" أي مجرد رؤية البلاد.
(٤) "قوله: فإنه الحامل" أي مجرد رؤية البلاد.
(٥) "قوله: حتى لو لم يكن هذا الحامل" أي مجرد رؤية البلاد.
[ ٢ / ٨٦ ]
عليه كان كالتنزه هنا، أو كان التنزه هو الحامل عليه كان كمجرد رؤية البلاد في تلك وأفاد بقوله ليبيح له القصر أن محل ذلك إذا كان سلوكه الأقرب لا يبيح له القصر فلو كان يبيحه له أيضا فسلك الأطول ولو لغرض القصر قصر في جميعه، وعبر بالقصر; لأن الكلام فيه، وإن كان تعبير الأصل بالترخص أعم ووقع له نظيره أيضا فيما يأتي "فرع" لو "نوى" في سفره "ذو السفر الطويل الرجوع وذو السفر القصير الزيادة في المسافة" بحيث يحصل بها مسافة القصر "ليس لهما الترخص حتى يكون من حيث نويا" أي من مكان نيتهما "إلى مقصدهما مسافة القصر ويفارقا مكانهما" لانقطاع سفرهما بالنية ويصيرا بالمفارقة مسافرين سفرا جديدا فلا يترخص الأول قبل المفارقة كما جزموا به، لكن مفهوم كلام الحاوي الصغير ومن تبعه أنه يقصر، وهو خلاف المنقول، والتصريح باشتراط المفارقة في الثانية من زيادته وصورة الأولى أن ينوي الرجوع لغير حاجة، أما لها ففيه تفصيل تقدم، وكنية الرجوع في ذلك التردد فيه نقله في المجموع عن البغوي وأقره "ولو نوى" قبل خروجه إلى سفر طويل "إقامة أربعة أيام في كل مرحلة لم يقصر" لانقطاع كل سفرة عن الأخرى.
"فصل: وإن لم يعلم مقصده كمسافر لغرض" من طلب غريم، أو آبق، أو نحوه "إن وجده رجع لم يقصر، وإن طال سفره" كما في الهائم إذ شرط القصر أن يعزم على قطع مسافة القصر "ويقصر بشرطه" أي القصر أي مسافته "إن ابتدأ الرجوع" سواء أوجد غرضه أم لا; لأن له حينئذ مقصدا معلوما، وإن علم أنه لا يجده قبل مرحلتين ترخص كما صرح به الأصل قال الزركشي، وهو موهم أنه يترخص مطلقا (^١)، وليس كذلك بل في مرحلتين لا فيما زاد عليهما (^٢) ; لأنه ليس له مقصد معلوم "فلو نوى" المسافر "المسافة" أي مسافة القصر "وفارق البلد، ثم عرضت هذه النية" أي نيته أنه إن وجد غرضه رجع "أو نية أن يقيم" في طريقه ولو "ببلد قريب" منه بأن يكون دون مسافة القصر
_________________
(١) "قوله: وهو يوهم أنه يترخص مطلقا" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله: لا فيما زاد عليهما إلخ" وجزم به في العباب
[ ٢ / ٨٧ ]
"أربعة أيام ترخص ما لم يجده" أي غرضه في الأولى "أو يدخل البلد" في الثانية; لأن سبب الرخصة قد انعقد فيستمر حكمه إلى أن يوجد ما غير النية إليه بخلاف ما إذا عرض ذلك قبل مفارقة البلد. لا يقال قياس ما قالوه من منع الترخص فيما لو نقل سفره المباح إلى معصية منعه فيما لو نوى أن يقيم ببلد قريب; لأنا نقول: نقله إلى معصية مناف للترخص بالكلية بخلاف ما نحن فيه "وإن لم يعرف العبد، والجندي، والزوجة، والأسير مقصد المطاع" في الثلاثة الأول "و" مقصد "الكفار" في الأخيرة "لم يقصروا" لانتفاء علمهم بطول السفر "فإن نووا مسافة القصر قصر" منهم "جندي تجوز له المفارقة" لمطاعه; لأنه ليس تحت قهره بخلاف البقية فنيتهم كالعدم (^١) وزاد هنا لدفع الإشكال (^٢) الذي أشرت إليه فيما مر التصريح بقوله تجوز له المفارقة كما زاد لدفعه ثم قوله المثبت كما مر بيانه "فإن ساروا معهم يومين قصروا"، وإن لم يقصر المتبوعون لتبين طول سفرهم. وذكر القصر لغير الأسير من زيادته وذكره في المجموع ولا ينافي ذلك ما مر من أن طالب الغريم، أو نحوه إذا لم يعرف مكانه لا يقصر، وإن طال سفره; لأن المسافة هنا معلومة في الجملة إذ المتبوع يعلمها بخلافها ثم. أما إذا عرفوا المقصد وكان على مرحلتين فلهم القصر "ولو علم الأسير أن سفره طويل ونوى الهرب إن وجد فرصة"، وهي بضم الفاء النهزة بضم النون
_________________
(١) "قوله: بخلاف البقية فنيتهم كالعدم" قال الجلال المحلي ومثلهم الجيش كما تقدم ولو قيل بأنه ليس تحت قهر الأمير كالآحاد لعظم الفساد كما قاله بعضهم. ا هـ. ذكره ابن النقيب
(٢) "قوله: وزاد هنا لدفع الإشكال إلخ" لا تناقض فإن صورة المسألة هنا فيما إذا كان الجيش تحت أمر الأمير وطاعته فإنه يكون حكمه حكم العبد; لأن الجيش إذا بعثه الإمام وأمر عليه أميرا وجبت طاعته شرعا كما يجب على العبد طاعة سيده وصورة المسألة في الجندي أن لا يكون مستأجرا ولا مؤمرا عليه، فإن كان مستأجرا فله حكم العبد ولا يستقيم حمله على مستأجر، أو مؤمر عليه; لأنه إذا خالف أمر الأمير وسافر يكون سفره معصية فلا يقصر أصلا، أو يقال الكلام في مسألتنا فيما إذا نوى جميع الجيش فنيتهم كالعدم; لأنهم لا يمكنهم التخلف عن الأمير، والكلام في المسألة الثانية في الجندي الواحد من الجيش; لأن مفارقته الجيش ممكنة فاعتبرت نيته ولذلك عبر هنا بالجيش.
[ ٢ / ٨٨ ]
يقال انتهز فلان الفرصة أي اغتنمها وفاز بها قاله الجوهري "لم يقصر قبل مرحلتين" أما بعدهما فيقصر ولا أثر للنية لقطعه مسافة القصر فقول الأذرعي الوجه أنه لا يقصر مطلقا فيه نظر ومثل ذلك يأتي في الزوجة، والعبد إذا علما أن السفر طويل ونوت المرأة أنها متى تخلصت من زوجها بفراق رجعت، والعبد أنه متى عتق رجع فلا يترخصان قبل مرحلتين وبه صرح المتولي، لكنه لم يقيد بالقبلية بل قال لا يترخصان كالعبد الآبق وبحث الزركشي التقييد بها، وهو ظاهر وسبقه إليه الأذرعي وألحق بالزوجة، والعبد الجندي، وبالفراق النشوز، وبالعتق الإباق بأن نوى أنه متى أمكنه الإباق أبق.
"فصل" تقدم أنه لا يقصر إلا في سفر مباح، وقد أخذ في بيان مقابله فقال "المعصية بالسفر" كهرب عبد من سيده (^١) "لا فيه" كشرب خمر في سفر حج "تمنع الترخص"; لأنه للإعانة فلا يعالج بالمعاصي (^٢) "فإن سافر" أحد "بلا غرض صحيح" كمجرد رؤية البلاد "أو" سافر "ليسرق" أو يزني، أو يقتل بريئا، أو يتعب نفسه أو دابته بالركض بلا غرض "أو هرب عبد" من سيده "أو زوجة" من زوجها "أو غريم موسر" من غريمه، أو نحوها "لم يترخص بقصر و" لا "جمع و" "إفطار و" لا" راحلة" و" لا "مسح ثلاث" على خف "و" لا "سقوط جمعة و" لا "أكل ميتة" للاضطرار; لأنه تخفيف، وهو متمكن من دفع الهلاك بالتوبة، فإن لم يتب ومات كان عاصيا بتركه التوبة وبقتله نفسه. قال ابن الصلاح وإنما يجعل أكلها من رخص السفر حيث ينشأ الاضطرار منه في حق من كان بحيث لو أقام لم يضطر نقله عنه الأذرعي وأقره أما المقيم فيجوز له أكلها ولو عاصيا كما صرح به الأصل وفرق القفال كما نقله عنه في المجموع وأقره بأن أكلها في السفر سببه سفره (^٣)، وهو معصية فكان كما لو جرح في سفر المعصية لم يجز
_________________
(١) "قوله: كهرب عبد من سيده" الظاهر أن الآبق ونحوه ممن لم يبلغ كالبالغ، وإن لم يلحقه الإثم غ
(٢) "قوله: فلا تناط بالمعاصي" معنى قولهم الرخص لا تناط بالمعاصي إن فعل الرخصة متى توقف على وجود شيء فإن كان تعاطيه في نفسه حراما امتنع معه فعل الرخصة وإلا فلا
(٣) قوله بأن أكلها في السفر سببه سفره إلخ" وبأن الإقامة نفسها ليست معصية; لأنها كف .. =
[ ٢ / ٨٩ ]
له التيمم لذلك الجرح مع أن الجريح الحاضر يجوز له التيمم وقضيته أن أكلها (^١) إذا كان سببه الإقامة. وهي معصية كإقامة العبد المأمور بالسفر لا تجوز بخلاف ما إذا كان سببه إعواز الحلال، وإن كانت الإقامة معصية، وقضية كلام الأصحاب الجواز مطلقا (^٢) وتقدم في مسح الخف أن المقيم يجوز له المسح وإن كان عاصيا بإقامته، وقد يؤخذ من التعداد في كلام المصنف أن العاصي بسفره يترخص بالتيمم، وهو كذلك عند فقد الماء على الصحيح في المجموع قال فيلزمه التيمم لحرمة الوقت، والإعادة لتقصيره بترك التوبة ويوافقه كلام الأصل في بابه "وإن أنشأ مسافر" في سفره المباح "قصد معصية به أتم" صلاته فلا يقصرها كما لو أنشأ السفر بهذا القصد، فإن تاب ترخص كما ذكره الرافعي في باب اللقطة "أو" "أنشأ" عاص به قصد مباح اعتبرت المسافة من حينئذ أي من حين قصد الإباحة فإن قصد مرحلتين ترخص وإلا فلا.
"فصل إنما يجوز القصر في رباعية (^٣) مكتوبة، أما مؤداة، أو فائتة سفر بسفر" أي فيه ولو في سفر آخر فلا تقصر صبح ومغرب ومنذورة ونافلة ولا فائتة حضر; لأنه قد تعين فعلها أربعا (^٤) فلم يجز نقصها كما في الحضر، ولا فائتة سفر في حضر; لأنه ليس محل قصر ويفارق ذلك فائتة الصحة حيث تقضى في المرض من قعود بأنه حالة ضرورة (^٥) بخلاف السفر ولهذا يقعد لطرو المرض
_________________
(١) = وإنما الفعل الذي يوقعه في الإقامة معصية، والسفر في نفسه معصية
(٢) "قوله: وقضيته أن أكلها إلخ" ليس ذلك قضيته وإنما قضيته الجواز في الإقامة مطلقا; لأن سببه فيها إعواز الحلال لا هي بدليل التنظير
(٣) "قوله: وقضية كلام الأصحاب الجواز مطلقا" أشار إلى تصحيحه.
(٤) "قوله: إنما يجوز القصر في رباعية" إنما قصرت الرباعية; لأن عدد ركعاتها يتشطر وإذا تشطر بقي أقل العدد وهو ركعتان وهما أقل الفرائض وهو الصبح بخلاف المغرب، والصبح
(٥) "قوله: لأنه قد تعين فعلها أربعا إلخ"; ولأنها صلاة ردت إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كالجمعة
(٦) "قوله بأنه حالة ضرورة إلخ" وبأن المرض ليس إليه فلو كلفناه التأخير ليصلي قائما ربما اخترمته المنية بخلاف السفر، فإن قيل لو أفطر في الحضر وقضاه في السفر جاز له الفطر فهلا كان هنا مثله قلنا الفرق أن القصر لا يضمن بالقضاء بخلاف الفطر
[ ٢ / ٩٠ ]
ولا يقصر بعد الشروع في الصلاة في الحضر بطرو السفر، والتصريح بمكتوبة من زيادته "فإن شك هل فاتت في السفر" أو الحضر "أتم"; لأن الأصل الإتمام "ولو سافر، والباقي من الوقت ركعة" أي قدرها "قصر" الصلاة لكونها أداء "أو دونها فلا" لكونها فائتة حضر، فعلم بالأولى أنه لو مضى من الوقت قدر الفرض، ثم سافر قصر، وهو ما نص عليه الشافعي ونص فيما لو مضى منه قدر الفرض فحاضت أنها تقضي. وفرق الرافعي بأن الحيض مانع من الصلاة فإذا طرأ انحصر وقت الإمكان في حقها فيما أدركته فكأنها أدركت كل الوقت وبأن تأثيره إنما هو في الإسقاط الكلي، وهو مع إدراك وقت الوجوب بعيد بخلاف السفر فيهما.
"فرع للقصر شروط" أربعة "الأول لا يقتدي بمقيم، أو متم في جزء من صلاته" كأن أدركه في آخر صلاته أو أحدث هو عقب اقتدائه به لخبر الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال تلك السنة ولو اقتصر المصنف كالروضة على متم أغنى عن ذكر المقيم لشموله له "فإن صلى الظهر خلف مسافر يصلي صبحا أتم"; لأنها تامة في نفسها ومثلها المغرب، والجمعة، والنافلة "ويقصر الظهر" مثلا "خلف من يقصر العصر"، أو غيرها "وإن شك في سفر إمامه أتم، وإن بان مسافرا قاصرا"; لأنه شرع مترددا فيما يسهل كشفه لظهور شعار المسافر، والمقيم "فإن علم، أو ظن سفره لا قصره فعلق صلاته بصلاته" بأن قال إن قصر قصرت وإلا أتممت "صح" إذ الظاهر من حال المسافر القصر (^١) ولا يضر التعليق (^٢) ; لأن الحكم معلق بصلاة إمامه، وإن جزم "وله حكمه" فإن أتم أتم، وإن قصر قصر عملا بما نواه، وإن لم يظهر له ما نواه أتم احتياطا كما يؤخذ من قوله "فإن أفسد" أي إمامه "صلاته"، أو فسدت "أتم إلا إن علم بنيته" القصر (^٣) فله القصر
_________________
(١) "قوله: إذ الظاهر من حال المسافر القصر"; لأنه أقل عملا وأكثر أجرا، وليس للنية شعار تعرف به فهو غير مقصر في الاقتداء على التردد
(٢) "قوله: ولا يضر التعليق; لأن الحكم إلخ"; لأنه نوى ما في نفس الأمر فهو تصريح بالمقتضى
(٣) "قوله: إلا إن علم بنية القصر إلخ" كأن قال له كنت نويت القصر أو أعادها ركعتينوشمل ما لو كان فاسقا; لأنه إخبار عما لا يعلم إلا من جهته وخبر الفاسق مقبول في مواضع أحدها هذا ثانيها إذا كان مؤذنا فإنه يكتفى بأذانه في حصول السنة ثالثها المعتدة يقبل إخبارها في انقضاء عدتها بالأقراء ووضع الحمل إلا أن يعلق الطلاق على ولادتها فتحتاج إلى البينة رابعها إذا طلقها ثلاثا وغابت مدة وجاءت وأخبرت الزوج بأنها استحلت جاز له العقد عليها; لأنها مؤتمنة وسواء وقع في قلبه صدقها أم لم يقع، ولا يخفى الورع. خامسها إذا أخبر فاسق بأنه ذكى هذه البهيمة سادسها إذا أخبر فاسق بإسلام ميت مجهول الحال، فالاحتياط قبول قوله ووجوب الصلاة عليه سابعها إذا كان الفاسق أبا، أو جدا وأخبر عن نفسه بالتوقان إلى النكاح وجب على فرعه إعفافه، وكذا لو ادعى أن ما يأخذه من النفقة لا يشبعه; لأنه لا يعرف إلا من جهته ثامنها الخنثى إذا كان فاسقا وأخبر بميل طبعه إلى أحد الوظائف قبلناه ورتبت الأحكام عليه تاسعها إذا أقر على نفسه بالجناية أو أقر بمال قبلناه لتعلقه بالغير عاشرها إذا أقر بالزنا قبل وجلد وغرب إن كان بكرا ورجم إن كان محصنا وخبر الكافر مقبول في غالب هذه الصور وكل من أخبر عن فعل نفسه قبلناه إلا أن يتعلق به شهادة كرؤية الهلال
[ ٢ / ٩١ ]
"فرع" لو "اقتدى" مسافر "بمتم" (^١) ولو مسافرا "أتم، وإن فسدت صلاة الإمام"; لأنه التزم إتمامها بالاقتداء فلا تقصر بعده كفائتة الحضر "أو بان الإمام محدثا" أتم لذلك "وتنعقد" صلاته (^٢) خلف المتم وتلغو نية القصر "بخلاف مقيم نوى القصر" لا تنعقد صلاته; لأنه ليس من أهل القصر، والمسافر من أهله (^٣) فأشبه ما لو شرع في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام، أو صار مقيما "وإن أفسدها"، أو فسدت بعد نية الاقتداء بمتم "وأعاد" ـها
_________________
(١) "قوله: اقتدى بمتم أتم إلخ" تضمن كلامه مسألة غريبة وهي أنه لو اقتدى قاصر بمثله فسها الإمام، ثم سلما ناسيان للسهو ثم عاد الإمام للسجود بعد نية الإقامة، أو وصول السفينة مقصده وقلنا بالأصح إنه يعود إلى حكم الصلاة أنه يلزم المأموم الإتمام، وإن لم يسجد معه; لأنه تبين بالآخرة أنه اقتدى بمتم وفيه إلزامه الإتمام إذا لم يسجد معه بعد، لكنهم قالوا لو سلم مع الإمام، ثم عاد الإمام لزمه العود لمتابعته على الأصح غ
(٢) "قوله: وتنعقد صلاته" علم هذا من قوله أتم وإنما ذكراه لأجل قوله بخلاف مقيم نوى القصر
(٣) "قوله: والمسافر من أهله إلخ" لو نوى القصر خلف مسافر علمه متما لم تنعقد صلاته لتلاعبه; لأنه نوى غير الواقع حينئذ، وقد شمله قولهم لو غير عدد ركعات الصلاة في نيته لم تنعقد، والتعليل بكونه من أهل القصر في الجملة إنما هو فيما إذا لم يعلم نية إمامه الإتمام.
[ ٢ / ٩٢ ]
"أتم" (^١) لما مر ولو أدخل هذه في الأولى كما فعل الأصل كأن قال أتم وإن فسدت إحدى الصلاتين كان أحسن وأخصر "وإن اقتدى بمن ظنه مسافرا فبان مقيما محدثا، وبان الحدث أو لا، أو بانا معا قصر" إذ لا قدوة في الحقيقة وفي الظاهر ظنه مسافرا وبهذا فارق ما لو اقتدى بمن ظنه مسافرا، ثم فسدت صلاته بحدث ثم بان مقيما حيث يتم، وإن علم حدثه أو لا كما يعلم من قوله "وإلا" بأن عرضت الإقامة، أو الحدث ولم يظن مع عروضه أن الإمام نوى القصر أو بانت الإقامة، أو لا "فلا" يقصر لالتزامه الإتمام بالاقتداء. وهو في الأخيرة كما لو اقتدى بمن علمه مقيما، ثم بان حدثه وعلى هذا لو فقد الطهورين فشرع فيها بنية الإتمام ثم قدر على الطهارة قصر; لأن ما فعله ليس بحقيقة صلاة قال الأذرعي كذا ذكره المتولي (^٢) وغيره وفيه نظر ولعل ما قالوه بناء على أنها ليست بصلاة شرعية تشبهها، والمذهب خلافه وكالمقيم فيما ذكر المسافر المتم فلو عبر بمتم لشملهما قال في المجموع ولو أحرم منفردا ولم ينو القصر، ثم فسدت صلاته لزمه الإتمام "وإن تبين حدث نفسه" سواء أصلى منفردا أم لا "أو أحرم" مؤتما "وقد علم حدث إمامه استأنف وقصر" لعدم انعقاد صلاته "وإن قضى في السفر صلاة حضر سافر في وقتها" بعدما شرع فيها، ثم خرج منها. "فإن خرج منها لتذكر حدث قصر" لعدم انعقادها "لا إن خرج" منها "لحدث حدث" فيها فلا يقصر لالتزامه إتمامها بانعقادها "فرع إذا" فسدت صلاته كأن "أحدث الإمام" القاصر "أو رعف" بفتح العين أفصح وأشهر من ضمها وكسرها "فاستخلف مقيما"، أو مسافرا متما من المقتدين، أو غيرهم "لزمهم الإتمام" (^٣) ; لأنهم مقتدون بالخليفة حكما بدليل لحوقهم سهوه "دونه" أي
_________________
(١) "قوله: وإن أفسدها وأعاد أتم" قال الأذرعي الضابط أن كل موضع يصح شروعه فيه ثم يعرض الفساد يلزمه الإتمام وحيث لا يصح الشروع لا يكون ملتزما للإتمام بذلك وكتب أيضا لو صلى فاقد الطهورين تامة ثم قدر على الطهارة قصر
(٢) "قوله: ذكره المتولي وغيره" قال شيخنا: هو الأصح ويجري ذلك في كل صلاة فعلها تامة مع لزوم الإعادة ثم أعادها
(٣) "قوله: أو رعف فاستخلف مقيما لزمهم الإتمام" لبطلان صلاته. وأطلق الشيخان وجماعة من الأئمة بطلان الصلاة بالرعاف ولم يفصلوا بين القليل، والكثير إذا قلنا الكثير مبطل دون القليل وقال القمولي في البحر نقلا عن الشيخ أبي حامد والمحاملي ردا على أبي غانم صاحب ابن سريج في تأويل نص المختصر وإنما الخلاف في الاستخلاف بعذر وهذا استخلاف قبل وجود الدم الكثير المبطل للصلاة فقد صرح بأن القليل من الرعاف لا يبطل وهو موافق لترجيح الرافعي لكن النووي رجح العفو عن الكثير أيضا وفي المجموع ما ذكره القمولي. قال البكري وما يتخيل أن في دم الرعاف غيره من الفضلات خيال لا طائل تحته. ا هـ. قال شيخنا: والحاصل المعتمد بطلان الصلاة ولو مع القلة فلا يعفى عن شيء منه وما نسبه بعضهم لشرح المهذب من العفو عن قليله غلط. بل ذكر قوله لبطلان صلاته; لأنه لا يعفى عنه سواء أكان كثيرا أم قليلا لاختلاطه بغيره من الفضلات مع ندرته فلا يشق الاحتراز عنه ا هـ. منه فيه أربعة أقوال وصدر بأولها المقتضي لبطلان الصلاة بالقليل وذكر أنه المشهور وعليه الأكثر، ثم حكى بقية الأقوال ولم يرجح شيئا.
[ ٢ / ٩٣ ]
المستخلف فلا يلزمه الإتمام "إلا إن تطهر واقتدى به" أي بالخليفة فيلزمه الإتمام لذلك "فإن لم يستخلف" هو ولا المأمومون "أو استخلف مسافرا" قاصرا "أو استخلفوه" وكانوا قاصرين "قصروا" وقصر المستخلف ولو استخلف المتمون متما، والقاصرون قاصرا فلكل حكمه ولو أم قاصر بالنوعين أو بالمتمين سن له أن يقول بعد سلامه أتموا فإنا قوم سفر ذكره في المجموع الشرط "الثاني نية القصر" وجعل منها الإمام ما لو نوى الظهر مثلا ركعتين ولم ينو ترخصا والمتولي ما لو قال أؤدي صلاة السفر فلو أطلق لزمه الإتمام; لأنه الأصل. وتعتبر نية القصر "عند الإحرام" كأصل النية ولا يجب استدامتها بل الانفكاك عما يخالف الجزم بها "فإن نوى بعده" أي بعد إحرامه قاصرا "الإتمام أو تردد" في أنه يقطع نية القصر "أو شك هل نوى القصر"، أو لا "أتم"; لأنه المنوي في الأولى، والأصل في الأخيرتين "وإن تذكر" في الشك "في الحال" فإنه يتم بخلاف الشك في أصل النية إذ تذكر حالا لا يؤثر; لأن ما تأدى هنا محسوب لبقاء أصل النية فتأدى جزء على التمام فلزمه به الإتمام تغليبا للأصل بخلافه ثم، فإنه غير محسوب، لكنه عفي عنه لقلته "وإن أحرم" قاصرا "خلف من علمه"، أو ظنه "قاصرا فقام إلى الثالثة فشك في قيامه" هل هو متم، أو ساه "لزمه الإتمام". وإن بان أنه ساه كما لو شك في نية نفسه ويخالف ما لو شك في نية
[ ٢ / ٩٤ ]
إمامه ابتداء حيث لا يلزمه الإتمام كما مر; لأن النية لا يطلع عليها، ولا أمارة تشعر بالإتمام، وهنا القيام مشعر به "فإن علمه ساهيا لكونه حنفيا لا يرى الإتمام" أو لغير ذلك "لم يلزمه الإتمام وله" بعد علمه "انتظاره ومفارقته ويسجد" فيهما "للسهو" اللاحق له بسهو إمامه "فإن نوى الإتمام لم يجز" له "أن يأتم به" أي بالإمام في سهوه; لأنه غير محسوب له "كالمسبوق لا يأتم بمن علمه ساهيا بالقيام إلى خامسة، وإن قام المسافر" القاصر ولو منفردا "إلى ثالثة (^١) بغير موجب للإتمام" من نيته أو نية إقامة، أو غير ذلك "عامدا" عالما بالتحريم "بطلت صلاته" كما لو قام المتم إلى ركعة زائدة "أو" قام إليها "ساهيا" أو جاهلا "لزمه العود" حين ذكره أو علمه "ويسجد للسهو" ويسلم "فلو بدا له" حين ذكره، أو علمه "أن يتم قعد، ثم قام" ناويا الإتمام; لأن النهوض واجب عليه، ونهوضه كان لغوا. "وإن لم يذكر" ذلك "حتى أتم أربعا، ثم نوى الإتمام لزمه أن يأتي بركعتين" وسجد للسهو (^٢)، وإن لم ينو الإتمام سجد للسهو، وهو قاصر وركعتاه الزائدتان لغو. الشرط "الثالث دوام السفر" في الصلاة "فإن انتهت به السفينة إلى البلد" (^٣) التي يقيم بها "أو سارت به منها، أو نوى الإقامة، أو شك هل نواها"، أو لا "أو هل هذه" البلدة التي انتهى إليها "بلده"، أو لا، وهو "في أثناء الصلاة" في الجميع "أتم" (^٤) للشك في سبب الرخصة في الأخيرتين ولزواله في الأولى، والثالثة وتغليبا للحضر فيهما
_________________
(١) "قوله: وإن قام المسافر إلى ثالثة إلخ" قال الغزي، أو بلغ حد الراكع قياسا على ما تقدم في سجود السهو ولم يذكروه هنا وهو واضح
(٢) "قوله: وسجد للسهو"، وإن لم ينو الإتمام سجد للسهو; لأن الإتمام عمدا من غير نية مبطل
(٣) "قوله: فإن انتهت به السفينة إلى البلد إلخ"; لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر، والسفر، وقد اجتمعا فيها فقدم حكم الحضر كمن سافر في رمضان بعد الفجر وكما لو قدم وهو صائم فإنه يلزمه إتمامه، والفرق بينه وبين المتيمم يرى الماء في أثنائها أن المتيمم لزمه الدخول فيها بالتيمم، والقصر رخصة لم تجب فإذا زال سببها انقطعت وأيضا لو وجب استعمال الماء لبطل ما فعله وهنا يبني
(٤) "قوله أتم" أي: وإن لم ينوه إذ الإتمام مندرج في نية القصر فكأنه نواه ما لم يعرض موجب إتمام
[ ٢ / ٩٥ ]
أيضا وفي الثانية واستشكل تصوير الثانية فإنه إن نوى القصر لم تنعقد لتلاعبه أولا لزمه الإتمام (^١) لا لتغليب الحضر بل لفوت شرط القصر، وهو نيته عند الإحرام وأجيب بأنه نوى القصر جاهلا بأن من شرطه سير السفينة وبأن مرادهم ما إذا أطلق في نيته فلم ينو القصر ولا الإتمام فيلزمه الإتمام لعلتين (^٢): فقد نية القصر عند الإحرام، وتغليب الحضر. ويستدل به حينئذ في نظيره مع مسح الخف على أنه يمسح مسح مقيم خلافا لأبي حنيفة القائل بأنه يمسح مسح مسافر مع موافقته لنا على ما هنا. الشرط "الرابع العلم بجوازه" أي القصر "فلو قصر جاهلا (^٣) بجوازه لم تصح صلاته" لتلاعبه، وكذا لو ظن أن الظهر مثلا ركعتان فنواها ركعتين
_________________
(١) "قوله: أو لا لزمه الإتمام إلخ" وإن لم ينو شيئا يتم; لأنه مقيم لم يسافر
(٢) "قوله: لعلتين إلخ" ويجوز تعليل الحكم بعلتين
(٣) "قوله فلو قصر جاهلا إلخ" لو أتم جاهلا بجواز الإتمام بطلت صلاته.
[ ٢ / ٩٦ ]