النص: هذا اللفظ يطلق على عدة معان في الاصطلاحات الشرعية.
وأول ما يطلق عليه هذا اللفظ: هو ما نص الله ﷾ عليه في كتابه، أو ما نص عليه الرسول ﷺ في سنته، وهذا المعنى هو أشهر معاني هذا اللفظ.
والمعنى الثاني: وهو متداول في كتب الأصوليين في بحث دلالات الألفاظ في القرآن والسنة من حيث قوة وضوحها، فيطلق هذا اللفظ ويراد به «ما يدل على الحكم الذي سيق لأجله الكلام دلالةً تحتمل التخصيص والتأويل مع قبول النسخ في عهد الرسالة».
والمعنى الثالث: ويستخدمه فقهاء الشافعية في كتبهم، ويريد كلام الشافعي ﵀، وقد سموا ما قاله «نصًا»، لأنه مرفوع القدر، لتنصيص الشافعي عليه، أو لأنه مرفوع إليه.
وفي الأغلب - عند استخدامهم لهذه الكلمة - يكون هناك في المسألة المعروضة وجه ضعيف، أو قول مخرج من كلام الشافعي.
ويستخدمون هذا اللفظ بقولهم: والنص كذا، أو: نص عليه، أو: في هذه المسألة نصوص مضطربة، أو: نص عليه الشافعي، أو: هذا مخالف للنص، إلى غير ذلك من استعمالاتهم.
المنصوص: وهو أعم استعمالًا من «النص» فقد يُعبّر به عن نص الشافعي نفسه أو قوله أو عن الوجه. ويكون المراد بالمنصوص - حينئذ - الراجح أو المعتمد.
القول: وهذا اللفظ يستخدمه الشافعية ويريدون به قول الشافعي أيضًا قائلين: «وهو قوله في الأم» أو «وهو قوله في المختصر»، أو غير ذلك.
وقول الشافعي ﵀ إما أن يكون من «القديم» أو «الجديد»، ومن ثم وجب التعرض بشيء من التفصيل لهذين المصطلحين.
القول القديم: هو اصطلاح أطلقه الشافعية على ما قاله الإمام الشافعي
[ المقدمة / ٩ ]
﵀ قبل دخوله مصر، تصنيفًا أو إفتاء. وقد سُمّي «بالقديم» لأنه صنّفه ببغداد أولًا، ثم صنف الجديد بمصر.
ويمثل هذا القديم من كتب الشافعي ﵀ كتاب «الحُجَّة». ويروي هذا القديم أربعة من جُلَّة أصحاب الشافعي، وهم: أحمد بن حنبل، والزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور.
وقد رجع الشافعي ﵀ عن أقواله القديمة، وقال: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رواه عني». وقال: «لا يحل عَدُّ القديم من المذهب».
وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: معتقدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم في الجديد بخلافها، والمرجوع عنه ليس مذهبًا للراجع.
ومع هذا الذي قاله الشافعي ﵀ فليس كل القديم مرجوعًا عنه، فما قاله الشافعي في القديم، أو أفتى به في العراق، فتارة ينص في الجديد على خلافه، وتارة لا يتعرض له. فإن لم يتعرض له في الجديد بشيء نفيًا أو إثباتًا بل ذكر المسألة في القديم، ونص على حكمها، ثم سكت عنها في الجديد، فإن الفتوى تكون عليه - أعني على هذا القديم - ويكون هذا هو مذهب الشافعي ﵀، ولذلك يقول الإمام النووي: «وقولهم: القديم ليس مذهبًا للشافعي أو مرجوع عنه، أو لا فتوى عليه: فالمراد به قديم نص في الجديد على خلافه، أما قديم لم يُخالفه في الجديد - أو لم يتعرَّض لتلك المسألة في الجديد - فهو مذهب الشافعي واعتقاده، ويُعمَل به، ويُفتى عليه؛ فإنه قاله ولم يرجع عنه. وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة، وإنما أطلقوا أن القديم مرجوع عنه ولا عَمَلَ عليه، لكون غالبه كذلك».
وهناك حالة أخرى يُعد القديم فيها مذهبًا للشافعي ﵀ وهي إذا كان القديم يَعْضُده حديث صحيح لا معارض له؛ ولذلك يقول النووي ﵀ بعد كلام «هذا كله في قديم لم يعضده حديث صحيح، أما قديم عَضَدَه نص حديث صحيح لا معارض له، فهو مذهب الشافعي ﵀ ومنسوب إليه إذا وُجِدَ الشرط الذي قدمناه فيما إذا صَحَّ الحديث على خلاف نصه، والله أعلم».
[ المقدمة / ١٠ ]