هذه مدنها العظام، ولا ملام عليك لو قلت: بل هي مدن الإسلام، إذ هي كانت ديار العلم على اختلاف فنونه، والملك والوزارة على عظمتها إذ ذاك.
و«مرْو» واسطة العقد، وخلاصةُ النَّقْد، وكفاك قول أصحابنا تارة قال الخراسانيون، وتارة: قال المراوزة. وهما عبارتان عندهم عن مُعَبَّر واحد. والخراسانيون نصف المذهب، فكأنّ «مزو» في الحقيقة نصف المذهب، وإنما عبروا بالمراوزة عن الخراسانيين جميعًا؛ لأن أكثرهم من مرو وما والاها، وكفاك بأبي زيد المروزي، وتلميذه القفال الصغير ومن نبغ من شعابهما، وخرج من بابهما».
العراقيان: والمقصود بهذا المصطلح، أبو حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: يقول النووى والعراقيان اللذان يقول في «المهذب» في مواضع كثيرة: «قال في اختلاف العراقيين: هما أبو حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى. وهذا كتاب صَنَّفَه الشافعي، فَذَكَر فيه المسائل التي اختلفا فيها، فيختار تارة ذاك، وتارة يُضعفهما ويختار ثالثا. وهذا الكتاب هو أحد كتب «الأم» وهو نحو نصف مجلد».
ويُطلق كذلك على أبي حنيفة وابن أبي ليلى وأتباعهما لفظ «الكوفيين» وقد أطلق عليهم هذا اللفظ الإمام الشافعي ﵃ جميعًا).
النقل والتخريج: وهو مصطلح مشهور عند الشافعية، ولأهمية هذا المصطلح وكثرة دورانه في كتب الشافعية ينبغي تناوله بالتفصيل حتى يتضح المراد به.
النقل: والمقصود به نقل حكم نص عليه الشافعي ﵀ في مسألة ما.
والتخريج: وهو إذا لم يكن للشافعي ﵀ نص في مسألة بعينها فيبحث الأصحاب عن مسألة مشابهة لها، نص على حكمها الشافعي نفسه، فَيَنْقُلُون هذا الحكم المنصوص إلى المسألة غير المنصوص عليها. وهذا يُشبه القياس بالنسبة إلى نصوص الشارع نفسه.
وقد يخرجون حكم المسألة من أصول الشافعي وقواعد مذهبه، لا من الفروع المنصوص عليها.
[ المقدمة / ٢٥ ]
ثم قد يتفق الأصحاب على هذا الحكم المُخَرَّج أو يختلفون فيه، لاختلاف وجهة نظرهم أو اختلاف اجتهادهم، وذلك لاختلافهم في قياس أصل مذهب الإمام.
فإن اتفقوا، أرسلوا ذِكْرَ الحكم الذي تم تخريجه. وإن اختلفوا عبَّروا عن الخلاف في المسألة بقولهم: فيها وجهان، أو: فيها ثلاثة أوجه. وذلك حَسْبَ ما في المسألة من أوجه. ومنهم من يتسامح في هذا ويُطلق على الوجه المخرج: قولًا.
وقد يتم التخريج مع وجود قول أو نص للشافعي ﵀، وذلك عند تعارض نص الشافعي مع القواعد المقررة في المذهب.
هذا هو المقصود بمصطلح «النقل» وبمصطلح «التخريج». أما المراد بعبارة أو بمصطلح «النقل والتخريج» فهو عبارة عن مسألتين متشابهتين من بابين مختلفين في الفقة نص الشافعي ﵀ على حكم كل واحد منهما في بابها أو موضعها. ثم يكون حكم إحداهما مختلفًا عن حكم الثانية، فيقول في إحداهما - مثلًا -: يصح. وفي الثانية: لا يصح. فيأتي أحد أئمة الشافعية فيجد أن الإمام نص في المسألتين على حكمين مختلفين، مع أن المسألتين - في نظر هذا المجتهد - متفقتان، وأنه ليس بينهما ما يصلح أن يكون فارقًا، فينقدح في ذهنه أنه كان ينبغي أن يكون قول الإمام فيهما واحدًا: إما يصح في هذه وتلك، وإما لا يصح في كلتيهما، ولما كان لا يجوز له إبطال أحد هذين الحكمين المنصوص عليهما، فيرى إلحاق حكم كل مسألة إلى الأخرى، أي فَيُخَرِّج - في إحدى المسألتين - قولًا ثانيًا من المسألة الأخرى المنصوص فيها بقوله: لا يصح، فيجعله هو تخريجًا في الأولى، فيكون فيها قولان:
الأول: يصح، وهو المنصوص عليه فيها.
والثاني: لا يصح، وهو المخرج من الثانية.
وهكذا يفعل في المسألة الثانية، فإذا عبروا عن حكم إحدى المسألتين قالوا: فيها قولان، بالنقل والتخريج.
وعن هذا المسلك قال في الروضة: «ذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نص الإمام في واقعة على حكم، وفي أخرى شبهها على خلافه: فلا يجوز نقل قوله في
[ المقدمة / ٢٦ ]
إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على قولين، وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولًا إلا إذا لم يحتمل».
قال النووي: «والمعروف في المذهب خلاف ما قاله، لكن الأولى أن يقال: إنه قياس أصله، أو قياس قوله، ولا يقال: هو قوله».
ومن الأمثلة على النقل والتخريج أن الشافعي ﵀ أفتى في مسألة في «الحج»، وهذه المسألة هي: إذا أَهَلَّ الحاج بقوله: أهللت بإهلال كإهلال فلان. فهل يصح ذلك؟ قال الشافعي: يصح. ثم أفتى في مسألة تشابهها - ولو ظاهرًا - في باب «الطلاق» وهي: إذا قال الرجل: طلقت زوجتي كطلاق فلان: فهل يقع طلاقه كطلاق فلان هذا؟ قال الشافعي: لا يصح.
فبعض الأصحاب يقول في المسالة الأولى في الحج: فيها قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما: يصح، وهو المنصوص عليه.
والثاني: لا يصح، وهو المخرج من مسألة الطلاق.
وكذلك يقولون في مسألة الطلاق: فيها قولان، بالنقل والتخريج:
أحدهما: لا يصح وهو المنصوص عليه فيها.
والثاني: يصح، وهو المخرج من مسألة «الإهلال».
ومثاله أيضًا: أن الأمة المزوجة إذا قتلها سيدها - قبل دخول زوجها بها- نص الشافعي أن المهر يسقط كما في المختصر.
ونص في «الأم» أن الحرة إذا قتلت نفسها - قبل الدخول بها - لا يسقط شيء من مهرها.
فاختلف الشافعية في هاتين المسألتين، فبعضهم يُقَرِّرُ النصَّيْنِ - كلًا في موضعه - ولا ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى. ولكن الأشهر عند الشافعية طَرْدُ القولين في المسألتين.
ومن المثال الأخير يتضح لنا أن علماء الشافعية لا يتفقون - غالبا - على هذا التصرف - أعني نقل حكم كل مسألة إلى الأخرى، فيكون في كل منهما قولان
[ المقدمة / ٢٧ ]
بالنقل والتخريج - وذلك لانقداح فرق بين المسألتين، ومن ثم فهو يُقَرِّرُ النصين، كلًا في موضعه.
ومن أمثلة ذلك كما في «الوسيط في المذهب للغزالي» * مسألة في «المهادنة» وهى: إذا أراد الكفار المهادنة وطلبوا ذلك - وليس للمسلمين حاجة في عقد المهادنة - فهل تجب الإجابة إلى طلبهم؟ فيها قولان بالنقل والتخريج:
الأول: أنه لا يجب، وهو الصحيح والمنصوص.
والثاني: أنه يجب، وهو وجه مُخَرَّج من الجزية إذا طلبها الكفار لكف القتال.
وفي مسألة «الجزية» إذا طلبها الكفار - من أهل الكتاب - وجبت الإجابة إلى طلبهم، وهو المنصوص. وفيها قول مخرج من المهادنة: أنه لا تجب الإجابة. وعن هذين القولين المخرجين يقول الغزالي ﵀: والوجهان ضعيفان، والصحيحُ الفَرْقُ، فإنّ عَقْدَ الذمة كف بمال، وهذه مسامحة.
ومثال آخر: وهي مسألة في «الشهادة» أنه لو شَهِدَا حسبةً على رجل أنه سرق مال فلان الغائب، فهل يُقطع هذا السارق أم يُنتظر حضور المالك ورفع الدعوى؟ نص الشافعي ﵀ أنه لا يُقطع ما لم يخضر المالك.
ثم نص الشافعي أنه لو شهدوا على رجل أنه زنا بجارية فلان الغائب، نص أنه يُحدُّ في الحال ولا ينتظر مجيء سيدها.
فقيل: قولان، بالنقل والتخريج، وطردوا ذلك أيضًا في إقرار المتهم في المسألتين.
ومنهم مَنْ فَرَّقَ بين المسألتين وقَرَّرَ النصَّيْنِ - كما قال الغزالي في الوسيط في هذه المسألة بقوله: وهو الأصح، لأن المالك لو حضر وقال: كنتُ أبختُ له هذا المال، فإن حد السرقة يُدْرَأ عن السارق، وذلك بخلاف الزنا، فإن الحد لا يسقط بإباحة سيد الأَمَةِ وَطْأَها.
_________________
(١) * وقد حققت هذا الكتاب بفضل الله تعالى - أنا وأخي الدكتور أحمد محمود، ومعه مشكل الوسيط لابن الصلاح، وطبع في سبعة أجزاء كبار.
[ المقدمة / ٢٨ ]