(أ) أي القولين أقرب إلى نصوص الشافعي وقواعد مذهبه، فيُعمل به. وهذا - بالطبع - لا يكون إلا لمجتهد في المذهب له أهلية النظر في ذلك، أما غير المتأهل لذلك فعليه أن يَنْظُر ما قاله أئمة المذهب في الراجح من القولين.
(ب) أنه يُنظر إلى عمل الشافعي ﵀ فإن كان عَمِلَ على وفق أحد هذين القولين، فهل يكون ذلك إبطالًا للقول الآخر، ويكون ترجيحًا للقول المعمول على وفقه؟. عند المزني ﵀ يكون عَمَلُ الشافعي على وفق أحد القولين إبطالًا للقول الآخر، وقال غيره من الشافعية: لا يكون ذلك إبطالًا له،
[ المقدمة / ١٧ ]
وإنما يكون ترجيحا له على القول الآخر. وهو ما قاله الماوردي أيضًا: إنه إذا عمل - الشافعي - بأحدهما دون الآخر كان عمله بذلك دليلًا على أنه القول المختار.
(ج) أنه ينظر، هل فرع الشافعي على أحد القولين؟ فإذا كان، فهل يكون ذلك ترجيحًا له على القول الآخر الذي لم يُفَرِّع عليه؟ قال صاحب «فرائد الفوائد»: «قال الماوردي: إن الأصحاب اختلفوا فيما إذا ذكر - الشافعي - قولين، ثم أعاد تلك المسألة، وذكر فيها قولًا واحدًا من أحد القولين، أو فرع على أحدهما دون الآخر: فمنهم من يقول: لا تأثير لذلك. ومنهم من يقول: له تأثير في أن غيره لا يُرجح عليه.
وقال المزني: إعادة أحدهما يكون اختيارًا للمعاد. وقال القاضي أبو الطيب في باب «ضمان الأجراء»: إنه لو فرع على أحدهما، كان هو الصحيح الذي اختاره.
فتلخص: أن إعادة أحد القولين مرجح، والتفريغ عليه مرجح أيضًا».
(د) إذا قال الشافعي ﵀ في أحد القولين: وهذا مما أستخير الله فيه، فهل يكون بذلك مرجحًا لهذا القول؟ يرى بعض الشافعية أنه ترجيح منه لذلك القول واختيار له، كذا جزم به الماوردي.
قُلْتُ: ومن هذا، ما قاله الشافعي ﵀ في مسالة «توريث المبتوتة» وهي أن المريض - مرض الموت - إذا طلق زوجته طلاقا بانا؛ فرارًا من توريث زوجته، فإذا مات هذا الزوج، فهل ترث زوجته منه؟ وإلى متى يتمادى توريثها؟
في المسألة الأولى قولان:
الجديد: أنه ينقطع الميراث بالطلاق البائن كما في حالة الصحة.
والقديم: أنه يُجْعَل فارًا، فَيُعَارض بنقيض قصده ونُوَرِّث زوجته.
والمسألة الثانية: وهي مفروضة فيما إذا كان التفريع على القديم - وفيها ثلاثة أقوال:
الأول: أن توريثها يتمادى أبدا، متى مات ورثته.
الثاني: أنه إلى انقضاء العدة، فإذا طلقها، ثم مات، فإنها ترثه ما لم
[ المقدمة / ١٨ ]
تنقض عدتها منه.
الثالث: إلى أن تنكح زوجا غيره، فإذا طلقها، ثم انقضت عدتها، فتزوجت، فمات زوجها الأول: لم ترث منه.
وفى القول الثاني - وهو أن توريثها يتمادى إلى انقضاء العدة - يقول الشافعي ﵀: «ذهب بعض أصحابنا إلى أن يورث المرأة - وإن لم يكن للزوج عليها رجعة - إذا طلقها الزوج وهو مريض وإذا انقضت عدتها قبل موته.
وقال بعضهم: وإن نكحت زوجا غيره. وقال غيرهم: ما امتنعت من الأزواج.
وقال بعضهم: ترثه ما كانت فى العدة، فإذا انقضت العدة لم ترثه. قال الشافعي فى هذا القول: وهذا مما أستخير الله فيه.
قال الربيع: «وقد استخار الله تعالى، فقال: لا ترث المبتوتة»
(هـ) إذا كان أحد القولين يوافق قول أكثر الأئمة، فهل يرجح بذلك هذا القول؟ يرى الإمام ابن الصلاح أن هذا القول الذى وافق قول أكثر الأئمة - يترجح على القول الثاني، وقد أيده النووي بقوله: وهذا الذى قاله فيه ظهور واحتمال.
قال النووي: «وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان - أحدهما يوافق أبا حنيفة - وجهين لأصحابنا:
أحدهما: أن القول المخالف أولى. وبه قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني، لأن الشافعي لم يخالفه إلا لموجب المخالفة.
والثاني: أن القول الموافق أولى. قاله القفال المروزي، وهو الأصح، والمسألة مفروضة فيما إذا لم نجد مرجحا مما سبق».
(و) إذا ذكر الشافعي ﵀ المسألة فى مظنتها، وذكر فيها قولا اختاره وذكرها فى غير مظنتها وذكر فيها قولا مخالفا لذلك القول، بأن جرى بحث وكلام جره على ذكره، فالذى ذكره فى بابه هو الراجح، لأنه أتى به مقصودا وقرره بعد فكر طويل بخلاف ما ذكره استطرادا فى غير بابه فإنه لا يعتني به اعتناءه بذاك. وقد صرح الأصحاب بذلك ونبه عليه النووي وغيره.
[ المقدمة / ١٩ ]