"والمقصود" الآن "بيان قاعدتين الأولى التغليظ" في الأيمان المشروعة في الدعاوى مبالغة في الزجر وتأكيدا لأمره ولهذا اختص بما هو متأكد في نظر الشرع كما بينه بقوله "فتغلظ اليمين" ندبا "وإن لم يطلب الخصم" تغليظها "فيما ليس بمال" ولا يقصد منه المال (^١) كنكاح وطلاق (^٢) ولعان وقود وعتق "وفي مال يبلغ
_________________
(١) "قوله فيما ليس بمال ولا يقصد منه المال" أو ورد عليه الحقوق كالسرجين وكلب الصيد ونحوهما ليست مالا ولا يقصد منها المال ومع ذلك لا تغليظ فيها ولوكالة في المال يغلظ فيها مع أن المقصود منها المال. ا هـ. ويجاب عن الأول بفهمه من المال إذا لم يبلغ نصاب زكاة بالأولى وعن الثاني بأن المقصود من الوكالة الولاية
(٢) "قوله كنكاح وطلاق إلخ" في الوسيط كالنهاية التغليظ يجري في كل ما له خطر مما لا يثبت برجل وامرأتين وجرى في عيوب النساء لأن ثبوتها بقول النساء لا لنقصان الخطر وفي الكفاية عن الماوردي وغيره تقييد التغليظ في غير المال لا يثبت إلا بشاهدين وقال البلقيني عندي إن الضابط لذلك إن الذي لا يثبت بالشاهد واليمين تغلظ فيه وما يثبت بشاهد ويمين ففيه التفصيل
[ ٩ / ٣٩٢ ]
نصاب زكاة (^١) أو" لم يبلغه لكن "رآه" أي التغليظ "قاض" لجراءة في الحالف وظاهر كلامه اعتبار نصاب الزكاة من نقد وغيره حتى تغلظ في خمس من الإبل وفي أربعين من الغنم وهو وجه حكاه الماوردي والذي في الأصل اعتبار عشرين دينارا أو مائتي درهم (^٢) والمنصوص في الأم والمختصر اعتبار عشرين دينارا عينا أو قيمة وقال البلقيني إنه المعتمد حتى لو كان المدعى به من الدراهم اعتبر بالذهب. ا هـ. والأوجه اعتبار (^٣) عشرين دينارا أو مائتي درهم أو ما قيمته أحدهما وحقوق الأموال كالخيار والأجل وحق الشفعة إن تعلقت بمال هو نصاب غلظ فيها وإلا فلا. واحتج للتغليظ بما رواه الشافعي والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف أنه رأى قوما يحلفون بين المقام والبيت فقال أعلى دم فقالوا لا قال فعلى عظيم من المال قالوا لا قال خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام ويستوي فيه يمين المدعى عليه ويمين المدعي ولو مع شاهد وقد يقتضي الحال التغليظ من أحدهما دون الآخر كما ذكره بقوله "فيغلظ فيها" أي في اليمين "على عبد خسيس" لا تبلغ قيمته نصاب الزكاة "ادعى" على سيده "عتقا أو كتابة" فأنكر ونكل لأن مدعاه ليس بمال "لا على سيده" إذا حلف لأن قصده استدامة مال قليل بخلاف ما إذا كان نفيسا "و" يغلظ "في الوقف إن بلغ نصابا على المدعي والمدعى عليه" بخلاف ما إذا لم يبلغ نصابا
"و" أما "الخلع بالقليل" من المال "إن ادعاه الزوج" وأنكرت الزوجة وحلفت أو نكلت وحلف هو "فلا تغليظ" على واحد منهما "وإن ادعته" وأنكر وحلف أو نكل وحلفت هي "غلظ عليهما" لأن قصدها الفراق وقصده استدامة
_________________
(١) "قوله يبلغ نصاب زكاة" المراد بالنصاب عشرون دينارا أو مائتا درهم أو ما قيمته أحدهما أو لم يبلغه كأن اختلفا في الثمن فقال البائع عشرون دينارا وقال المشتري عشرة فلا تغليظ هنا لأن الذي يتعلق به التفويت أو الإثبات عشرة دنانير قال البلقيني والذي يظهر أن التغليظ بذكر الأسماء والصفات يفعله القاضي فيما دون النصاب وإن لم تظهر جراءة الحالف وقال القاضي الحسين إن التغليظ باللفظ موكول في القليل والكثير إلى رأي القاضي.
(٢) "قوله والذي في الأصل اعتبار عشرين دينارا ومائتي درهم" وهو المشهور
(٣) "قوله والأوجه اعتبار إلخ" هو معنى كلام الأصل وهو تحديد وعبارة الدارمي وغيره وتغلظ اليمين إذا كانت على عشرين دينارا أو مائتي درهم أو قيمة ذلك ونحوها عبارة كثيرين أو الأكثرين وهو المشهور وقال الدارمي وإن كان مائة درهم وعشرة دنانير غلظ
[ ٩ / ٣٩٣ ]
النكاح أما الخلع بالكثير فتغلظ فيه مطلقا.
"والمريض والزمن والحائض" والنفساء "لا تغلظ" اليمين "عليهم بالمكان" لعذرهم بخلاف غيرهم كالمخدرة وكالجنب لإمكان اغتساله قال الإسنوي قد ذكروا في اللعان أن الحائض يغلظ عليها بباب المسجد فقياسه أن يأتي هنا مثله وإن لمحنا فرقا بين البابين (^١) "ولا" يغلظ "على حالف بالطلاق من التغليظ (^٢) " أي حالف به أن لا يحلف يمينا مغلظة بناء على أن التغليظ مستحب وتقييده كأصله بالطلاق يفهم أنه لو حلف بغيره لم يكن كذلك وقضية النص وصريح كلام الدارمي (^٣) أنه لا فرق بين حلفه بالطلاق وحلفه بغيره قاله الأذرعي "والتغليظ" هنا بالمكان والزمان "كما في اللعان (^٤) " وتقدم بيانه "وبزيادة الأسماء والصفات كقوله والله - الطالب الغالب (^٥) المدرك المهلك" الذي يعلم السر وأخفى
_________________
(١) "قوله وإن لمحنا فرقا بين البابين" وهو الصحيح
(٢) "قوله من التغليظ" من تعليله أو بمعنى على أو عن
(٣) "قوله وقضية النص وصريح كلام الدارمي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله والتغليظ هنا بالمكان والزمان كاللعان" قال في الترغيب والزمان يوم العيدين وعرفة وعاشوراء ويوم الجمعة وبعد صلاة العصر ورجب ورمضان قال الماوردي وإن كان الحالف عبدا غلظت يمينه بالمكان والزمان كالحر فإن كان مقيما على حفظ مال سيده فخاف ضياعه إن فارقه فإن كان سيده حاضرا تولى حفظ ماله وحمل العبد إلى مكان التغليظ وإن كان غائبا أقر العبد على حفظه وقيل للمستحلف أنت مخير بين أن تنظره باليمين إلى وقت إمكانه من حضور المكان من غير ضرر أو تعجيل إحلافه في مكانه قلت ولينظر في الحر إذا كانت عينه مستأجرة وكان حمله إلى موضع التغليظ يعطل على المستأجر العمل فيقال للمدعي إما أن تحلفه مكانه أو تنظره إلى فراغ ما عليه وتمكنه من إتيان مكان الحلف من الجامع ونحوه والظاهر إن ما ذكره في العبد مفرع على الوجوب غ
(٥) "قوله الطالب الغالب" قال ابن الرفعة وسماعي من أقضى القضاة الحسين خليفة الحكم بمصر إن الحلف بالطالب الغالب لا يجوز وكان يذكر أنه ينقله عن أئمة المذهب ويوجهه بأن الله تعالى وإن كان طالبا غالبا فأسماؤه توقيفية ولم ترد تسميته بذلك قلت والظاهر إن أصله قول الخطابي في كتاب الدعاء ومما جرت به عادة الحكام في تغليظ الأيمان وتوكيدها أن يقولوا بالله الطالب الغالب المدرك المهلك وليس يستحسن شيء من هذه الأمور أن يطلق في باب صفات الله ﷿ وأسمائه وإنما استحسنوا ذكرها في الأيمان ليقع الروع بها ولو جاز أن يعد ذلك في أسمائه وصفاته لجاز أن يعد فيها المخزي المضل وقال النووي في شرح مسلم إن أظهر قولي الأصوليين أنه لا يجوز أن يسمي الله بما لم يرد به توقيف وإن موضع الخلاف فيما إذا كان مما يقتضي مدحا وإلا فلا يجوز بلا خلاف وأجيب بأن هذا من قبيل اسم الفاعل الذي غلب فيه معنى الفعل دون الصفة فالتحق بالأفعال وإضافة الأفعال إلى الله تعالى لا تتوقف على توقيف ولذلك توسع الناس في تحميداتهم وتمجيداتهم وغيرهما قاله ابن الصلاح ويؤيده قول كعب بن مالك في غزوة الخندق يهجو المشركين جاءت سحيمة كي تغالب ربها وليغلبن مغالب الغلاب ولم ينكره أحد عليه ع غ.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
"وما أشبهه" كوالله (^١) الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية "وندب وضع المصحف في حجر الحالف" به وأن يقرأ عليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية وأن يقول له القاضي اتق الله وذكر بعضهم أنه يحلف قائما (^٢) زيادة في التغليظ ذكره الأصل "ولا تغلظ هنا بحضور الجمع" لاختصاصه باللعان ولا بتكرير الألفاظ لاختصاصه باللعان والقسامة وهو واجب فيهما
"القاعدة الثانية اشتراط مطابقة اليمين للإنكار فإن قال" في جواب من ادعى عليه قرضا "ما أقرضتني أو لا يلزمني شيء حلف كما أنكر ويلغو" الحلف "قبل تحليف القاضي" وطلب الخصم له كما سيأتي واحتج له: "بأن ركانة طلق امرأته ألبتة وقال والله ما أردت إلا واحدة فقال له النبي ﷺ: "والله ما أردت إلا واحدة" فحلف مرة أخرى فردها عليه رواه أبو داود والحاكم (^٣) وصححه وجه الدلالة أنه لم يعتد بيمينه قبل التحليف بل أعادها عليه "فلو قال" له القاضي في تحليفه "قل والله فقال: والرحمن (^٤) أو" قل "والله العظيم فقال: والله
_________________
(١) "قوله وما أشبهه كوالله إلخ" هذا إن كان مسلما وإن كان يهوديا حلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى ونجاه من الغرق أو نصرانيا حلف بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى أو مجوسيا أو وثنيا حلف بالله الذي خلقه وصوره والدهري والملحد بالله الذي لا إله إلا هو والوثني بالله فقط إذ لا اطلاع لنا على ما يعظمونه
(٢) "قوله وذكر بعضهم أنه يحلف قائما إلخ" وقال ابن أبي الدم ولا يشرع القيام في شيء من الأيمان إلا في يمين اللعان وقيل يغلظ بالقيام في جميع الأيمان هـ
(٣) ضعيف: رواه أبو داود "٣/ ٢٦٣" كتاب الطلاق، باب في البتة حديث "٢٢٠٨" والترمذي "٣/ ٤٨٠" حديث"١١٧٧" والدارمي "٢/ ٢١٦" حديث "٢٢٧٢" كلها عن يزيد ابن ركانة عن أبيه عن جده، مرفوعا.
(٤) "قوله فلو قال قل والله فقال والرحمن إلخ" قال البلقيني إنه يشعر بأن القاضي لو حلفه ابتداء بالرحمن كان كافيا وليس كذلك بل يتعين الحلف بالله ولا يعتد بقول القاضي قل والرحمن قال ولم أر من تعرض له ولا بد منه. ا هـ. قال في الأنوار ولو قال له الحاكم قل بالله فقال والله أوتالله أو بالرحمن أو بالرحيم أو بالعكس أو غلظ عليه باللفظ أو بالزمان أو بالمكان فامتنع كان ناكلا وقوله كان كافيا أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٣٩٥ ]
وسكت أو امتنع من تغليظ المكان والزمان فناكل" إذ ليس له رد اجتهاد القاضي "أو قال" له قل "والله فقال: بالله" بالموحدة أو تالله بالمثناة أو بالعكس "فوجهان" أحدهما أنه نكول كما في التي قبلها وثانيهما لا لأنه (^١) حلف بالاسم الذي حلفه به والتفاوت في مجرد الصلة وصححه البلقيني ونسبه للنص وقال الزركشي أنه الصواب فقد نص عليه في الأم وقال تبعا لابن الرفعة وجزم العراقيون (^٢) بأن امتناعه من التغليظ على القول بسنيته ليس نكولا خلافا للقفال
_________________
(١) "قوله وثانيهما لا لأنه إلخ" هو الصحيح
(٢) "قوله وجزم العراقيون إلخ" وقال البلقيني إنه الأرجح
[ ٩ / ٣٩٦ ]