"الشرط الخامس: المروءة، وهي توقي الأدناس" وهو قريب من قول المنهاج كأصله المروءة تخلق بخلق أمثاله (^١) في زمانه ومكانه لأنها لا تنضبط بل تختلف
_________________
(١) "قوله تخلقه بخلق أمثاله إلخ" في رعاية مناهج الشرع وآدابه والاقتداء بالسلف وكتب أيضا اعترضه البلقيني بأنه قد يكون خلق أمثاله حلق اللحى كالقلندري مع فقد المروءة فيهم وقد يرتقي عن خلق أمثاله إلى ما هو أعلى منه فهو ذو مروءة وإنه يشمل فعل الطاعات واجتناب المحرمات مع أن المروءة زائدة على ذلك واختار أنها صون النفس عن تعاطي مباحات أو مكروهات غير لائقة بفاعلها عرفا أو دالة على قلة مبالاته بما يهتم به ثم ذكر أن البيهقي روى بإسناده عن الشافعي أنه قال المروءة أربعة أركان حسن الخلق والسخاء والتواضع والنسك ثم جوز البلقيني حمل ذلك على المروءة التي تعتبر في قبول الشهادة وقسم الماوردي المروءة إلى شرط في العدالة وهو مجانبة ما سخف من الكلام المؤذي أو المضحك وترك ما مكاتبه من الفعل الذي يلهو به وغير شرط فيها وهو الإفضال بالمال والطعام والمساعدة بالنفس والجاه ومختلف فيه وهو أن يقتدي بأهل الصيانة دون أهل البذلة في ملبسه ومأكله وتصرفه فقيل يعتبر في العدالة وقيل لا وقيل إن نشأ عليها من صغره لم تقدح في عدالته وإلا قدحت وقيل إن اختصت بالدين قدحت أو بالدنيا فلا فهذه أربعة أوجه وقوله ثم جوز البلقيني إلخ أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٢٦٨ ]
باختلاف الأشخاص والبلدان بخلاف العدالة "فتركها يسقط الشهادة" لأنه إما نقص عقل أو قلة مبالاة وعلى التقديرين تبطل الثقة بقوله وتركها "مثل أن يلبس الفقيه لبس العربي أو التاجر ثوب الجمال ويترددا فيه بموضع لا يعتاد مثلهما لبسه فيه (^١) و" مثل فعل "كل ما يصير به المرء ضحكة" بضم أوله وإسكان ثانيه أي يضحك منه كأن يتعمم الجمال ويتطيلس ويركب بغلة مثمنة ويطوف في السوق "و" مثل "المشي في السوق مكشوف الرأس والبدن" أو أحدهما ولو مع ستر العورة (^٢) "ممن لا يليق به وأكل غير السوقي في السوق (^٣) " لغير جوع شديد كما قيد به البغوي (^٤) "وشربه من سقاياته لا" شربه منها "لعطش شديد" بخلاف السوقي لا يضره ذلك "ومد الرجل عند الناس" بلا
_________________
(١) "قوله ويترددا فيه في مواضع لا يعتاد مثلهما لبسه فيه" مقتضاه أن لبسه في البيت لبس كذلك قال البلقيني وهذا إذا كان لا ينتابه الناس في بيته وهو على هذه الحالة وإلا فهو كالتردد في البلد فلو اعتاد ذلك في بلده وجاء إلى بلد لا يعتاد ذلك فيها فهل يتبع عادة البلد المنتقل إليه أو يترك على سجيته الثاني أظهر قال وعلى هذا فينبغي أن يقال حيث لا يعتاد لمن لم يعتده في بلده.
(٢) "قوله ولو مع ستر العورة أما كشف العورة فحرام" قال البلقيني: الوقوف مكشوف الرأس في السوق أو الطريق أو ببابه ونحو ذلك بحيث لا يليق به كذلك
(٣) "قوله في السوق" خرج بذلك ما لو أكل داخل حانوت مستترا وقيده في الكفاية بأن يكون بنصب مائدة قال البلقيني ولم أجد ذلك في كلام غيره ولا فرق بين نصب مائدة وغيره قاعدا كان أو قائما ماشيا كان أو راكبا لأنه خلاف عادة المروءة قال البلقيني الذي يعتمد في ذلك أنه لا بد من تكرره تكررا دالا على قلة المبالاة وقد قال الشافعي فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وعبارة الوسيط الأكل في الطريق قال البلقيني وهو القياس إذا كان الطريق مطروقا فإن المعنى الذي في السوق موجود ولا فرق بين الصوفي المتزهد وغيره
(٤) "قوله كما قيد به البغوي" وهو الصحيح
[ ٩ / ٢٦٩ ]
ضرورة والمراد جنسهم ولو واحدا قال الأذرعي ويشبه (^١) أن يكون محله إذا كان بحضرة من يحتشمه فلو كان بحضرة إخوانه أو نحوهم كتلامذته لم يكن ذلك تركا للمروءة "وتقبيل أمته أو زوجته بحضرتهم (^٢) ".
وأما تقبيل ابن عمر أمته التي وقعت في سهمه بحضرة الناس قال الزركشي فكأنه تقبيل استحسان لا تمنع أو فعله بيانا للجواز أو ظن أنه ليس ثم من ينظره أو لأن المرة الواحدة لا تضر على ما اقتضاه نص الشافعي "أو حكاية ما يفعله معها في الخلوة" تقدم كراهة هذا مع زيادة في الباب التاسع من أبواب النكاح "والإكثار من الحكايات (^٣) المضحكة و" من "سوء العشرة مع المعاملين" والأهل والجيران "و" من "المضايقة في اليسير" الذي لا يستقصى فيه "والإكباب على لعب الشطرنج والحمام والغناء وسماعه" أي استماعه وإن لم يقترن بها ما يوجب التحريم
"وكذا" الإكباب على "إنشاد الشعر واستنشاده حتى يترك به مهماته و" مثل "اتخاذ جارية وغلام ليغنيا للناس" والمراد جنسهم "و" مثل الإكباب على "الرقص و" على "الضرب بالدف ويرجع في الإكثار" مما ذكر "إلى العادة والشخوص" إذ يستقبح من شخص قدر لا يستقبح من غيره "وللأمكنة" والأزمنة فيه "تأثير فليس اللعب بالشطرنج" مثلا "في الخلوة مرارا كالسوق والطرق" أي كاللعب فيهما "مرة" في ملأ من الناس وظاهر تقييدهم ما ذكر بالكثرة أنها لا تشترط فيما عداه لكن ظاهر نص الشافعي والعراقيين وغيرهم أن التقييد في الكل
_________________
(١) "قوله قال الأذرعي ويشبه إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله وتقبيل أمته أو زوجته بحضرتهم" قال البلقيني المراد الناس الذين يستحيا منهم في ذلك والتقبيل الذي يستحيا من إظهاره فلو قبل زوجته بحضرة جواريه أو بحضرة زوجات له غيرها فإن ذلك لا يعد من ترك المروءة وما يعتاد من تقبيل العروس ليلة جلائها في عده من ترك المروءة توقف لأن اعتبار ذلك أخرجه عن مقام الاستحياء وأما تقبيل الرأس ونحوه فلا يخل بالمروءة. ا هـ. وفي معنى القبلة وضع يده على موضع الاستمتاع كالصدر ونحوه وقوله قال البلقيني المراد الناس إلخ أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله والإكثار من الحكايات إلخ" يقتضي أن ما عداه لا يتقيد بالإكثار وفيه ما تقدم "فرع" خضاب اللحية بالسواد سفه ترد به الشهادة وكذا نتفها إبقاء للمروءة أو عينا بعد تكاملها أو تدينا كالقلندري ونتف إبطه بحضرة الناس
[ ٩ / ٢٧٠ ]
ذكره الزركشي (^١). ثم قال وينبغي التفصيل بين ما يعد خارما لها بالمرة الواحدة وغيره فالأكل من غير السوقي مرة في السوق ليس كالمشي فيه مكشوفا
"والتكسب بالشعر (^٢) والغناء قد لا يزري بمن يليق به" فلا يكون تركا للمروءة هذا في الشعر نقله الأصل عن ابن القاص وفي الغناء بحثه وقال إن كلام الأصحاب محمول على من لا يليق به وقيد الأذرعي وغيره الأول بما قاله الماوردي (^٣) والروياني من أن محله إذا كان لا يتقصى إذا مدح ولا يذم إذا منع بل يقبل ما وصل إليه ورد الثاني بأن الوجه إبقاء كلام الأصحاب على إطلاقه فإن ذلك وضيع عند كل أحد وقد نص الشافعي والأصحاب على أنه ترد به الشهادة انتهى وفيه نظر فإن الأصل مسلم أن الأصحاب أطلقوا ذلك فلا يناسبه الرد عليه بما ذكر
"وحمل الماء والأطعمة إلى البيت شحا لا اقتداء بالسلف" التاركين للتكلف "قل" بمعنى قلة أي خرم "مروءة (^٤) ممن لا يليق به" بخلاف من يليق به ومن يفعله اقتداء بالسلف "والتقشف في الأكل" واللبس "كذلك" فيخل بمروءة من لا يليق به إن فعله شحا لا اقتداء بالسلف
"وتقبل شهادة أهل الحرف" المباحة "الدنيئة" بالهمز "إن لاقت بهم (^٥) "
_________________
(١) "قوله ذكره الزركشي" أي وغيره
(٢) "قوله والتكسب بالشعر" مما عمت به البلوى التكسب بالشهادة وذلك قادح في العدالة لا سيما إذا منعنا أخذ الأجرة على التحمل أو كأن يأخذ ولا يكتب
(٣) "قوله وقيد الأذرعي وغيره الأول بما قاله الماوردي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله قل مروءة" بضم القاف وكسرها.
(٥) "قوله إن لاقت بهم" أو أجبرهم الإمام عليها وخرج بالمباحة غيرها كحرفة المنجم والعراف والكهان والمصور فلا تقبل شهادتهم قال الصيمري لأن شعارهم التلبيس على العامة ومما عمت به البلوى التكسب بالشهادة مع أن شركة الأبدان باطلة وذلك قادح في العدالة لا سيما إذا منعنا أخذ الأجرة على التحمل أو كان يأخذ ولا يكتب فإن نفوس شركائه لا تطيب بذلك قال بعض المتأخرين وأسلم طريق فيه أن يشتري ورق مشترك ويكتب ويقسم على قدر ما لكل واحد من ثمن الورق فإن الشركة لا يشترط فيها التساوي في العمل وكان الشيخ زين الدين الكناني يستشكل جعلهم الحرف الدنية من خوارم المروءة مع جعلهم الحرف من فروض الكفاية وجوابه أن كلامهم ينزل على من اختارها لنفسه مع حصول الكفاية بغيره ر
[ ٩ / ٢٧١ ]
وإن لم تكن حرفة آبائهم "كحجام وكناس ودباغ وكذا من يباشر النجاسة إن حافظوا على الصلوات في أوقاتها في ثياب طاهرة وحارس وحمامي وإسكاف وقصاب وحائك" وذلك لأنها حرف مباحة والناس محتاجون إليها ولو رددنا شهادة أربابها لم نأمن أن يتركوها فيعم الضرر بخلاف من لا يليق به "وليس الصباغ والصائغ منهم" قضيته قبول شهادتهما وإن لم تلق بهما حرفتها وقضية كلام الأصل أنهما كالمذكورين لكنهما أولى بالقبول "ومن أكثر من أهل الصنائع" المذكورة وغيرها "الكذب وخلف الوعد (^١) ردت شهادته"
"تنبيه" التوبة مما يخل بالمروءة سنة كما في المعاصي ذكره في التنبيه (^٢)
"فرع المداومة على ترك السنن (^٣) الراتبة وتسبيحات الصلاة تقدح في الشهادة" لتهاون مرتكبها بالدين وإشعاره بقلة مبالاته بالمهمات قال الأذرعي ويشبه أن يكون (^٤) محله في الحاضر أما من يديم السفر كالملاح والمكارى وبعض التجار فلا "وكذا" يقدح فيها مداومة "منادمة مستحل النبيذ مع السفهاء و" كذا "كثرة شربه" إياه "معهم" لإخلال ذلك بالمروءة والتصريح بالثانية من زيادته "لا" كثرة "السؤال للحاجة وإن طاف" مكثره "بالأبواب" فلا يقدح في شهادته إن لم يقدر على كسب مباح يكفيه لحل المسألة له حينئذ "إلا إن أكثر الكذب في دعوى الحاجة أو أخذ ما لا يحل له" أخذه فيقدح في شهادته نعم إن كان المأخوذ في الثانية قليلا اعتبر التكرر كما مر نظيره
_________________
(١) "قوله وخلف الوعد" الواو بمعنى أو
(٢) "قوله ذكره في التنبيه" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه وذكر في المطلب أن الأصحاب ألحقوا ذلك بالفسق
(٣) "قوله المداومة على ترك الفسق إلخ" قال القاضي ولو ترك السنن واشتغل بقضاء الفرائض فإن كان المتروك الوتر أو ركعتي الفجر ردت شهادته أو غيرهما فلا
(٤) "قوله: قال الأوزاعي ويشبه أن يكون إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٢٧٢ ]