"الضرب الثاني: فيما لا يقصد منه المال فالعقوبات" التي لله تعالى أو للآدمي "كالشرب" أي كحده "وقطع الطريق والردة" أي القتل بها "والقصاص في النفس والطرف (^١) وحد القذف والتعزير لا يثبت إلا برجلين" لا بغيرهما كالشاهد واليمين والنسوة "وغير العقوبة إن اطلع عليه الرجال غالبا فكذلك" أي
_________________
(١) "قوله والطرف" كقطع اليد من الساعد لأن له أن يقتص من الكوع والجرح على الفرج إن أوجب القصاص
[ ٩ / ٢٩٨ ]
لا يثبت إلا برجلين وذلك "كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام (^١) والردة والبلوغ والإيلاء والظهار والإعسار (^٢) والموت (^٣) والخلع من جانب المرأة" بأن ادعته على زوجها "والولاء وانقضاء العدة" بالأشهر "وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص" ولو على مال "والإحصان والكفالة" بالبدن "ورؤية غير رمضان والشهادة على الشهادة والحكم والتدبير والاستيلاد وكذا الكتابة" إن ادعى الرقيق شيئا من الثلاثة.
"والوكالة (^٤) والوصاية والقراض والشركة" وإن كانت الأربعة في مال لأنه تعالى نص على الرجلين (^٥) في الطلاق والرجعة والوصاية وتقدم خبر: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (^٦) وروى مالك عن الزهري: "مضت السنة بأنه لا تجوز
_________________
(١) "قوله والإسلام" يستثنى منه ما لو ادعى الإسلام واحد من الكفار قبل أسره وأقام به شاهدا وامرأتين فإنه يكفيه لأن المقصود نفي الاسترقاق والمفاداة دون نفي القتل ذكره الماوردي وقوله ذكره الماوردي أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله والإعسار" يستثنى منه إعسار المكاتب الذي يسلط السيد على فسخ الكتابة الصحيحة
(٣) "قوله والموت" نازع البلقيني في كون الموت لا يطلع عليه غالبا إلا الرجال وقال لكن المدرك لمنع الحجة الناقصة فيه أنها مختصة بالأموال وعقودها وحقوقها قال ويستثنى من الموت ما إذا كان بقتل موجب للمال كما إذا شهد رجل وامرأتان بأن فلانا مات بقتل فلان له خطأ أو بقتل صبي أو مجنون له أو بقتل حر عبدا أو مسلم ذميا أو أصله له ففي هذه المسائل يثبت الموت بالحجة الناقصة لأنه موجب للمال بسبب الإزهاق. وكذا إذا كان الموت بقتل يوجب استحقاق السلب أو كان موت حيوان رقيق أو غير ناطق تحت يده أمانة وقلنا لا بد من إثبات موته لأنه من الأسباب الظاهرة كما ذكره المتولي فيثبت بالحجة الناقصة لدفع المطالبة ببدله وكذا قيام الحجة الناقصة بحلول الدين المؤجل بموت المديون قال شيخنا ما ذكره ظاهر غير وارد على كلامهم لأنهم لم يريدوا بنفي الحجة الناقصة في ثبوت الموت أن يكون المقصود منه المال بل هو داخل في كلامهم على ما الغرض منه المال كاتبه
(٤) "قوله والوكالة" يقتضي أنه لا يثبت التصرف المالي المرتب عليها وجزم الإمام والغزالي بأن البيع المدعى صدوره من وكيل فلان في البيع يثبت وإن لم يثبت الوكالة وهو قياس ما ذكره الرافعي والنووي من ثبوت المهر بالشاهد واليمين وإن لم يثبت النكاح
(٥) "قوله لأنه تعالى نص على الرجلين إلخ" ولأن كل ما لا يقصد منه المال إذا لم تقبل فيه شهادتهن على الانفراد لم تقبل شهادتهن مع الرجال كالقصاص بوفاق الخصم
(٦) رواه البيهقي في الكبرى "٧/ ١٢٥" حديث "١٣٤٩٦".
[ ٩ / ٢٩٩ ]
شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق" (^١) وقيس بالمذكورات غيرها مما يشاركها في الشرط المذكور والوكالة ونحوها وإن كانت في مال، القصد منها الولاية والسلطنة لكن لما ذكر ابن الرفعة اختلافهم في الشهادة بالقراض والشركة قال وينبغي أن ينزل كلام الفريقين (^٢) على تفصيل فيقال إن رام مدعيها إثبات التصرف فهو كالوكيل أو إثبات حصة من الربح فرجل وامرأتان إذا المقصود المال ويقرب منه (^٣) دعوى المرأة النكاح لإثبات المهر (^٤) فيثبت برجل وامرأتين وإن لم يثبت النكاح وكذا لو ادعى أن زيدا أوصى إلى عمر وبإعلائه كذا فتثبت الوصية بالمال دون الوصاية انتهى
وإنما لم يكتف في مسألة العفو عن القصاص على مال برجل وامرأتين أو شاهد ويمين مع أن المقصود منه المال لأن الجناية في نفسها موجبة للقصاص لو ثبتت والمال إنما هو بدل عنه. واكتفى في الشهادة على الشهادة برجلين ولم يحتج إلى أربعة كما لو شهدا على مقرين بناء على أن الفرع لا يثبت بشهادته الحق ولا يقوم مقام الأصل بل يثبت بها شهادة الحق والحق يثبت بشهادة الأصل لأنه يصرح بالشهادة على شهادته ولم يشهد فعلا ولا سمع قولا فهو كمن شهد بإقرار اثنين ولو قلنا بقيامه مقامه قام الرجلان إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين مقامه فلا يجوز أن يقوما مقام الثاني كمن شهد مرة بشيء ثم شهد به مرة أخرى لا يكمل به النصاب وسواء في اشتراط الرجلين كان الأصل رجلا أم رجلين أم رجلا وامرأتين أم أربع نسوة وخرج بقولي فيما مر إن ادعى الرقيق شيئا من الثلاثة ما لو ادعاه السيد على من وضع يده عليه أو الكتابة على الرقيق لأجل النجوم فإنه يقبل فيها ما يقبل في المال
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ "٢/ ٧٢٢" حديث "١٤٠٥"
(٢) "قوله قال وينبغي أن ينزل كلام الفريقين إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب ما ذكره ابن الرفعة كلامهم محمول عليه.
(٣) "قوله ويقرب منه إلخ" قال ابن النقيب وهو واضح وقال البلقيني إنه غير معمول به ولا معتمد عليه فكيف يثبت إرث من لم تثبت زوجيتها وقضية ذلك أن الزوج تثبت زوجيته بعد وفاة زوجته برجل وامرأتين أو بشاهد ويمين وهذا بعيد ويلزم منه أن يثبت للمرأة النفقة والكسوة بالحجة الناقصة وإن لم تثبت الزوجية والزوج ينكرها وهو غريب لا يصح على مذهب الشافعي
(٤) "قوله لإثبات المهر" أو لإثبات الأرش.
[ ٩ / ٣٠٠ ]
"وما يختص بمعرفته النساء غالبا يقبلن فيه منفردات" وذلك "كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض (^١) والرضاع وعيب المرأة (^٢) من برص وغيره" كجراحة على فرجها "تحت الإزار (^٣) " حرة كانت أو أمة "واستهلال الولد فلا يقبل فيه إلا أربع نسوة (^٤) أو رجلان أو رجل وامرأتان"
روى ابن أبي شيبة عن الزهري: "مضت السنة بأنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وعيوبهن"، وقيس بذلك غيره مما شاركه في الضابط المذكور وإذا قبلت شهادتهن في ذلك منفردات فقبول الرجلين والرجل
_________________
(١) "قوله والحيض يقتضي أنه مما تمكن الشهادة عليه" وبه صرح في أصل الروضة هنا وحكاه النووي في فتاويه عن ابن الصباغ والبغوي لكن في الشرحين في الطلاق لو علق بحيضها فقالت حضت وأنكر صدقت بيمينها بتعذر إقامة البينة عليه فإن الدم وإن شوهد لا يعلم أنه حيض لاحتمال أنه استحاضة وصرح بمثله في الديات عند الكلام على دية الشم وبه أجاب العماد بن يونس في فتاويه قال ابن النقيب والحق الجواز وما ذكر في الطلاق ينبغي حمله على عسر البينة لا على التعذر وقوله وبه أجاب العماد أشار إلى تصحيحه. وكذا قوله قال ابن النقيب إلخ
(٢) "قوله وعيب المرأة إلخ" خرج بالمرأة الخنثى فالمرجح أنه يحتاط فيه فلا يراه بعد بلوغه الرجال ولا النساء وفي وجه يستصحب حكم الصغر قال البلقيني فإن قلنا بهذا فعيوبه تحت الإزار لا تثبت بالنسوة المتمحضات أيضا لفقد المعنى المقتضي لقبول شهادة النسوة المنفردات
(٣) "قوله تحت الإزار" مرادهم ما بين السرة والركبة كما صرح به الأصحاب وهي أوضح من تحت الثياب وبين العبارتين تفاوت لكن لم أر من صرح بمقتضاه لكن قضية قولهم تحت الإزار أنه لا يقبل شهادتهن بانفرادهن فيما فوق السرة من العيوب ولا فيما تحت الركبة منها بخلاف ما توهمه عبارة المنهاج وذكر الجرجاني في الشافي أنه تقبل شهادتهن بانفرادهن في أربعة أشياء الولادة واستهلال المولود إذا مات والرضاع والعيوب التي تحت الثياب من الحرة في جميع بدنها إلا الوجه والكفين ومن الأمة فيما بين السرة والركبة وقال في التحرير والعيوب تحت الثياب من الحرة والأمة ولم يفصل وهو قضية ما في الحاوي وغيره وحينئذ تقبل شهادتهن بانفرادهن في جميع عيوب النساء في جميع أبدانهن إلا الوجه والكفين والأمة في ذلك كالحرة على الأصح غ
(٤) "قوله فلا يقبل فيه إلا أربع نسوة" أما اعتبار الأربع فلأن ما ليس بمال لا يثبت إلا برجلين والله تعالى قد أقام الرجل مقام المرأتين وفي صحيح مسلم "لشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل" فلزم اعتبار الأربع
[ ٩ / ٣٠١ ]
والمرأتين أولى. وما تقرر في مسألة الرضاع قيده القفال والقاضي والمتولي (^١) بما إذا كان الرضاع من الثدي فإن كان من إناء حلب فيه اللبن لم تقبل شهادة النساء به لكن تقبل شهادتهن بأن هذا اللبن من هذه المرأة (^٢) لأن الرجال لا يطلعون عليه غالبا وقول المصنف يقبلن فيه منفردات يغني عنه قوله إلا أربع إلى آخره
"ولا يثبت عيب بوجه الحرة وكفيها إلا برجلين (^٣) " بناء على أنه لا يحرم النظر إلى ذلك "ويثبت" العيب "في الأمة فيما يبدو حال المهنة برجل وامرأتين لأن المقصود" منه "المال" لكن هذا وما قبله إنما بإتيان على القول بحل النظر إلى ذلك أما على ما صححه الشيخان في الأولى والنووي في الثانية من تحريم ذلك فالأوجه قبول النساء منفردات ثم رأيت البلقيني ذكر نحوه (^٤) قال الإسنوي وقضية التعليل المذكور (^٥) اختصاص ذلك بما إذا كان إثبات العيب لفسخ البيع فإن كان لفسخ النكاح لم يقبل
_________________
(١) "قوله قيده القفال والمتولي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله لكن تقبل شهادتهن بأن هذا اللبن من هذه المرأة" قد جزم به المصنف في بابه
(٣) "قوله ولا يثبت عيب بوجه الحرة وكفيها إلا برجلين" لأن العلة في قبول شهادة النساء كونه لا يطلع عليه الرجال غالبا وهو مفقود هنا قال شيخنا فالمعتمد ما في المتن ولا ينافيه كون نظر ذلك حراما إذ ليس الكلام فيه
(٤) "قوله ثم رأيت البلقيني ذكر نحوه" أطلق الماوردي نقل الإجماع على أن عيوب النساء في الوجه والكفين لا يقبل فيه إلا الرجال ولم يفصل بين الحرة والأمة وبه صرح القاضي حسين فيهما وذكره الجرجاني في الحرة ثم ألحق بها الأمة فيما سوى ما بين السرة والركبة
(٥) "قوله قال الإسنوي وقضية التعليل المذكور إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب وعليه ينزل إطلاق القاضي وغيره قاله في المطلب الحسين
[ ٩ / ٣٠٢ ]