الباب الثاني: في كفارة اليمين
وفيه أطراف" ثلاثة "الأول: في سبب الكفارة فتجب باليمين والحنث جميعا (^١) "; لأنه لو كان السبب مجرد اليمين لوجبت الكفارة، وإن لم يوجد الحنث أو مجرد الحنث لما جاز تقديم الكفارة عليه
"فصل يجوز تقديم الكفارة (^٢) بغير الصوم على الحنث" لخبر أبي داود وغيره "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير (^٣) " ; لأنها وجبت بسببين فجاز تقديمها على أحدهما كتعجيل الزكاة أما الصوم فلا يجوز تقديمه; لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه بغير حاجة (^٤) كالصلاة وصوم رمضان; ولأنه إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية والعجز إنما يتحقق بعد الوجوب "ولو" كان الحنث "بمعصية" من ترك واجب أو فعل حرام كما لو حلف لا يزني فإنه يجوز تقديم الكفارة عليه لوجود أحد السببين والتكفير لا يتعلق به إباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه معصية قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده وخرج بالحنث اليمين فلا يجوز التقديم عليها; لأنه تقديم على السبيين ومنه لو قال إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك لم يجز التكفير قبل دخولها; لأن اليمين لم تنعقد بعد صرح به البغوي وغيره وكما لا يجوز تقديمها على السببين لا تجوز مقارنتها لليمين حتى لو وكل من يعتق عنها مع
_________________
(١) "قوله فتجب باليمين والحنث جميعا"، وإن كان عقدها طاعة، وإن كانت على ماض وكتب أيضا شمل كلامه كأصله ما لو كان العقد طاعة والحنث معصية خلافا للماوردي في قوله أنها وجبت بالحنث وكتب أيضا قال في الحاوي إن كان عقد اليمين طاعة وحلها معصية مثل لا زنيت فإذا زنى كفرت إثم الحنث، وإن كان عكسه مثل لا صليت فإذا صلى كفرت إثم اليمين، وإن كان العقد والحل مباحين مثل لا ألبس هذا تعلقت الكفارة بهما، وهي بالحنث أحق لاستقرار وجوبها به
(٢) "قوله يجوز تقديم الكفارة إلخ" قال الدارمي: لو قدم ثم لم يحنث استرجع كالزكاة وقال القاضي حسين، وإن أيس عن الحنث وكان قد شرط الرجوع فله الاسترجاع
(٣) صحيح: رواه أبو داود "٣/ ٢٢٩" كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث، حديث "٣٢٧٧" النسائي "٧/ ١٠" حديث"٣٧٨٣" كلاهما عبد الرحمن بن سمرة ﵁، مرفوعا.
(٤) "قوله بغير حاجة" واحترزوا بقولهم بغير حاجة عن الجمع بين الصلاتين
[ ٩ / ١٧ ]
شروعه في اليمين لم يجز بالاتفاق قاله الإمام
"وتأخيرها" عن الحنث "أفضل" ليخرج من خلاف أبي حنيفة "وإن قال أعتقت عبدي عن كفارتي إن حنثت فحنث أجزأه" ذلك عن الكفارة "وإن قال" أعتقه عنها "إن حلفت لم يجزه" عنها; لأنه قدم التعليق على اليمين وفي التي قبلها قدمه على الحنث فقط "وإن قال إن حنثت" في يميني "غدا فعبدي حر عن كفارتي فإن حنث غدا عتق وأجزأه" عنها "وإلا فلا"; لأن المعلق عليه لم يوجد "وإن قال أعتقه عن كفارتي إن حنثت فبان حانثا عتق وأجزأه" عنها وإلا فلا نعم إن حنث بعد ذلك أجزأه عنها "أو" قال أعتقته عن كفارتي "إن حلفت وحنثت فبان حالفا قال البغوي لم يجزه للشك في الحلف" بخلاف التي قبلها فإن الشك في الحنث والتكفير قبل الحنث جائز قال في الأصل وعلى قياسه لو قال هو حر عن ظهاري إن ظاهرت فبان مظاهرا ينبغي أن لا يجوز (^١) "ولو ارتد المعتق" بفتح التاء عن الكفارة "أو مات" أو تعيب "بعد اليمين قبل الحنث لم يجزه (^٢) " عنها كما لو عجل الزكاة (^٣) فارتد الآخذ لها أو مات أو استغنى قبل تمام الحول
"فرع تجزئ كفارة القتل والصيد غير الصوم بعد الجرح" وقبل الزهوق بخلاف الصوم وبخلاف التكفير قبل الجرح لما مر
"وللمظاهر التكفير بالمال قبل العود" لما علم مما مر "وصورته أن يظاهر من رجعية ثم يراجعها أو يظاهر من زوجته فيطلقها رجعيا ثم يكفر ثم يراجعها" أو
_________________
(١) قوله فينبغي أن لا يجوز" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله أو مات بعد اليمين قبل الحنث لم يجزه" بخلاف ما لو عجل شاة وماتت قبل الحول فإنها تقع الموقع فيحتاج إلى الفرق بينهما قال شيخنا قد يفرق بأن متعلق الكفارة الذمة فحيث أخرج عما يلزمها وتبين عدم إجزائه بقي شغلها بدليل ما لو عين شاة عما في ذمته ثم تلفت قبل ذبحها يبقى الأصل عليه، وأما مسألة الشاة المذكورة في الزكاة فمتعلقها العين لا الذمة وقد أخرج من الجنس ر لم يحصل منه تعد ولا تقصير فلا نكلفه الإخراج مرة أخرى كاتبه وأيضا ما في الذمة لا يتعين المدفوع عنه إلا بقبض صحيح وقد وقع القبض الصحيح في الشاة المعجلة بخلاف العتق كاتبه
(٣) "قوله كما لو عجل الزكاة إلخ" مقتضاه أن يعتبر بقاء سائر الأوصاف وبقاء من صرف إليه الطعام أو الكسوة مستحقا إلى الحنث
[ ٩ / ١٨ ]
يظاهر مؤقتا ويكفر ثم يطأ أو يظاهر فترتد الزوجة فيكفر ثم تسلم هي "والعتق" عن كفارة الظهار "عقيب الظهار" في غير ذلك ونحوه "عتق مع العود" لا قبله; لأن اشتغاله بالتكفير عود، وإن أجزأ ذلك أيضا
"فرع لا يجوز تقديم كفارة الجماع" في رمضان أو الحج أو العمرة "عليه"; لأنها لا تنسب إلى الصوم والإحرام بل إلى الجماع وكفارة اليمين تنسب إلى اليمين "وكذا لا يجوز تقديم فدية الحلق واللبس والطيب عليها" لما علم مما قبله "فلو جوزت" هذه الثلاثة "لعذر كمرض ونحوه جاز تقديمها (^١) " عليها للعذر
"ويجوز تقديم المنذور المالي" على المنذور له "كإن شفيت فعلي عتق رقبة" أو أن أتصدق بكذا كما في تعجيل الزكاة بخلاف المنذور البدني كالصوم كما مر نظيره
"ولو قدمت الحامل" أو المرضع "الفدية حال الصيام" أو قبل الفجر "على الإفطار جاز" لما علم مما مر "وإن عجلت" فدية الإفطار "لأيام" يومين فأكثر "فكتعجيل الزكاة لعامين" فيمتنع فيما زاد على يوم التعجيل
"فصل تكره اليمين" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي لا تكثروا منها لتصدقوا ولخبر "إنما الحلف حنث أو ندم" رواه ابن حبان في صحيحه (^٢) ; ولأنه ربما يعجز عن الوفاء بما حلف عليه "إلا في طاعة" الله تعالى فلا تكره "كالبيعة على الجهاد" لقوله ﷺ "والله لأغزون قريشا (^٣) " "والحث على الخير كوالله إن لم تتب لتندم" التصريح بهذا من زيادته
"و" كاليمين "الصادقة في الدعاوى (^٤) " قال في الروضة ولا تكره أيضا فيما
_________________
(١) "قوله فلو جوزت هذه الثلاثة لعذر كمرض ونحوه جاز تقديمها" لو فدى عن تطيب وعما يستحدث منه ففي الإجزاء للثاني وجهان أصحهما عدمه
(٢) ضعيف: رواه ابن ماجه "١/ ٦٨٠" كتاب الكفارات، باب اليمين حنث أو ندم، حديث "٢١٠٣" والبيهقي في السنن الكبرى "١٠/ ٣٠" حديث "١٩٧٢٤"
(٣) سبق تخريجه
(٤) "قوله وكاليمين الصادقة في الدعوى" عطف على قوله طاعة وكتب أيضا فإن كان كاذبا عصى وكفر حتى لو حلف في القسامة خمسين يمينا كاذبا لزمته خمسون كفارة
[ ٩ / ١٩ ]
إذا دعت إليها حاجة (^١) كتوكيد كلام وتعظيم أمر كقول رسول الله ﷺ "فوالله لا يمل الله حتى تملوا (^٢) " وقوله ﵇ "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا (^٣) " قال الإمام ولا يجب اليمين أصلا وأنكره عليه ابن عبد السلام وأورد صورا تجب اليمين فيها
"فإن حلف على أداء" أي فعل "واجب (^٤) " أو ترك حرام "فاليمين طاعة وحرم الحنث"; لأن الإقامة عليها واجبة "أو" حلف "على تركه (^٥) " أي ترك واجب أو فعل حرام "فاليمين معصية ووجب" عليه "الحنث"; لأن الإقامة عليها حرام ولخبر "من حلف على يمين" السابق (^٦) نعم إن كان له طريق غير الحنث لم يلزمه الحنث كأن حلف لا ينفق على زوجته (^٧) فإن له طريقين غير الحنث أن يعطيها من صداقها أو يقرضها ثم يبرئها (^٨) ; لأن الغرض حاصل مع بقاء
_________________
(١) "قوله ولا تكره أيضا إذا دعت إليها حاجة" ومن ذلك ما لو ظن به أو بغيره سوءا وخيانة أو ارتكاب فاحشة، وهو يعلم براءته وبراءة المقول عنه من ذلك فيحلف على نفي ذلك بل ينبغي استحباب الحلف إذا كان يصدق فيه ليدفع ظن السوء عن المحلوف له ودفعا عن نفسه وعرض أخيه غ وقوله على نفي ذلك أشار إلى تصحيحه وكذا قوله بل ينبغي إلخ
(٢) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله ﷿ أدومه، حديث "٤٣" ومسلم، كتاب الصيام، "٧٨٢" كلاهما عن عائشة ﵂، مرفوعا.
(٣) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة، حديث "٥٢٢١" ورواه مسلم، كتاب الفضائل، حديث "٢٣٥٩"
(٤) "قوله فإن حلف على أداء واجب إلخ" اليمين لا تغير الأحكام فإن قيل الزوج لا يلزمه الوطء فإذا آلى وانقضت المدة لزمه قلنا المراد أن اليمين لا تصير المباح حراما ولا المحرم واجبا ويمين المولى كذلك
(٥) "قوله أو حلف على تركه" أي ترك واجب استثنى منه البلقيني ما يمكن سقوطه كالقصاص لقصة ثنية الربيع والواجب على الكفاية حيث لم يتعين
(٦) "قوله ولخبر "من حلف على يمين السابق"فإن قيل فقد قال الأعرابي: الذي سأل عن الصلاة والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال ﷺ "أفلح وأبيه إن صدق" فلو كان حلفه مكروها لأنكر عليه قلنا يحمل على لغو اليمين أو أراد لا أزيد في عدد الفرائض ولا أنقص منها وذلك لا يقتضي الإنكار
(٧) "قوله كأن حلف لا ينفق على زوجته إلخ" أو حلف على ترك واجب كالقصاص لقصة ثنية الربيع والواجب على الكفاية حيث لم يتعين
(٨) "قوله: أو يقرضها ثم يبرئها" أو يهبها أو يوكل في الإنفاق عليها.
[ ٩ / ٢٠ ]
التعظيم "أو حلف ليتركن سنة" أو ليفعلن مكروها "استحب الحنث"; لأن اليمين والإقامة عليها مكروهان وفي مثله نزلت آية ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] ولخبر "من حلف على يمين" السابق "أو" حلف "على أن يفعلها" أي السنة أو أن يترك مكروها "كره" له "الحنث"; لأن الإقامة عليها مندوبة "فلو حلف لا يأكل طيبا" أو لا يلبس ناعما "وأراد الاقتداء بالسلف، وهو ممن يصبر" على خشونة المطعم والملبس "وقد تفرغ للعبادة" أو لم يتفرغ لها فيما يظهر (^١) "فطاعة" حلفه "وإلا كره" وعليه حمل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [لأعراف: ٣٢]
"ولو حلف على" فعل أو ترك "مباح" لا يتعلق به مثل هذا الغرض "كدخول دار ولبس ثوب" وأكل طعام أو تركها "استحب" له "الوفاء (^٢) " لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] ولما فيه من تعظيم الله تعالى قال في الأصل وقد حصل مما ذكرناه (^٣) أن اليمين لا تغير حال المحلوف عليه عما كان وجوبا وتحريما وندبا وكراهة وإباحة
_________________
(١) "قوله أو لم يتفرغ لها فيما يظهر" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله استحب له الوفاء" قال الأذرعي ينبغي أن يكون محله إذا لم يظهر له أن المصلحة الدينية في الحنث بأن تأذى بذلك قريب أو جار أو نحوه وإلا فالوجه القطع بأن الحنث أفضل
(٣) "قوله قال في الأصل وقد حصل مما ذكرناه إلخ" هذا في الإباحة مخالف لتصحيحه أن الأفضل عدم الحنث فقد تغير حكم المحلوف عليه وصار تركه أفضل من فعله ولهذا ما حكى الإمام وجها ثالثا بالتخيير بينهما قال إنه يعتضد بالقاعدة الكلية أن الأيمان لا تغير الأحكام
[ ٩ / ٢١ ]