"الطرف الثالث: في تحمل الشهادة وأدائها، كتمان الشهادة حرام" الآية ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولأنها أمانة حصلت عنده فعليه أداؤها "ويجب الأداء" لها "على متعين" لها (^١) وعلى "غيره إن دعي" كل منهما "لمسافة قريبة" وهي كما سيأتي مسافة العدوى فأقل "ولا عذر له" من مرض أو خوف أو نحوه "وهو عدل" فإن لم يدع لم يجب عليه الأداء إلا في شهادة الحسبة وسيأتي بيان بقية المفاهيم "فإن شهد واحد" من اثنين "وامتنع الآخر" بلا عذر "وقال" للمدعي "احلف معه عصى" وإن كان القاضي يرى القضاء بشاهد ويمين إذ من مقاصد الإشهاد التورع عن اليمين فلا يفوت عليه "وكذا شاهدا رد الوديعة" إذا امتنعا من الأداء وقالا للمودع احلف على الرد يعصيان "وإن صدق" المودع "في الرد بيمينه" والتصريح بقوله وإن إلى آخره من زيادته "فإن لم يكن" في الواقعة "إلا شاهد" واحد "لزمه الأداء إن ثبت الحق بشاهد ويمين" وكان القاضي يرى الحكم بهما "وإلا فلا" يلزمه (^٢) إذ لا فائدة فيه
"ويجب الأداء" على الشاهدين "وإن تحملاها اتفاقا" بأن وقع السماع أو الرؤية اتفاقا "لا قصدا" لأنها أمانة حصلت عنده وإن لم يلتزمها فعليه أداؤها كثوب
_________________
(١) "قوله ويجب الأداء على متعين لها" بأن لم يتحمل غيرها أو مات الباقون أو جنوا أو فسقوا أو مرضوا أو غابوا أو كانوا معذورين بأمر آخر لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي للتحمل والأداء كما قاله الحسن البصري أو للأداء كما قاله مجاهد وغيره أو للتحمل كما قاله ابن عباس وغيره
(٢) "قوله وإلا فلا يلزمه" إذ لا فائدة فيه لو دعي شاهد واحد في القتل عمدا وجب عليه الأداء لأنه وإن لم تقبل شهادته للقصاص فإنها تقبل ليثبت بها اللوث
[ ٩ / ٣٢١ ]
طيرته الريح إلى داره ثم بين بقية مفاهيم القيود السابقة فقال. "فإن دعي لمسافة بعيدة لم يجب" عليه "الأداء" لقوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وللمشقة ولجواز الشهادة على الشهادة حينئذ
"وحد القرب ما يعود فيه" بمعنى منه "المبكر من يومه" أي ما يتمكن المبكر إليه من عوده إلى محله في يومه (^١) "لا ما بينه (^٢) وبين" تمام "مسافة القصر" فلو دعي من مسافة القصر فأكثر أو أقل إلى فوق مسافة العدوى لم يجب عليه الحضور للأداء لما مر قال الأذرعي هذا إذ ادعاه المستحق أو الحاكم وليس في عمله فإن دعاه الحاكم وهو في عمله أو الإمام الأعظم فيشبه أن يجب حضوره (^٣) وقد استحضر عمر ﵁ الشهود من الكوفة إلى المدينة وروي من الشام أيضا وما قاله ظاهر في الإمام الأعظم دون غيره "وإنما يجب الأداء على العدل فلو أجمع على فسقه حرم عليه أن يشهد (^٤) وإن خفي فسقه" لأن الحكم بشهادته باطل قال الأذرعي وفي تحريم الأداء مع الفسق الخفي نظر لأنه شهادة بحق (^٥) وإعانة عليه في نفس الأمر ولا إثم على القاضي إذا لم يقصر بل يتجه الوجوب
_________________
(١) "قوله أي ما يتمكن المبكر إليه من عوده إلى محله في يومه" أي ولو في أوائل الليل وهو القدر الذي ينتهي به سفر الناس غالبا قال البلقيني لم يبينوا مقدار الإقامة في المحاكمة وعندي أنه إذا خرج من بلده بكرة واشتغل بالمحاكمة على العادة بحيث لا يتمكن من العود ليلا على ما فسرناه فهو بمسافة بعيدة لأن الفور من غير نظر إلى زمن المحاكمة على العادة يؤدي إلى الضرر الذي راعوه قال ولم أر من تعرض لذلك. ا هـ.
(٢) "قوله لا ما بينه" أي ما يعود فيه
(٣) "قوله فيشبه أن يجب حضوره" وقال الزركشي إنه الظاهر قال وكذا ينبغي تقييده بما إذا أمكنت الشهادة على شهادته أو كان هناك حاكم فإن لم يكن وتعين حضوره طريقا في خلاص الحق وفصل الخصومة فإن كان قد تحمل فيشبه اللزوم لأنها أداء أمانة.
(٤) "قوله فلو أجمع على فسقه حرم عليه أن يشهد إلخ" وجه المنع أن أداءه حمل الحاكم على الباطل إذ السبب الذي يستند إليه باطل شرعا وإن وافق الحق باطنا
(٥) "قوله لأنه شهادة بحق إلخ" غاية ما يقال إنه حمله على الحكم بغير حجة وذكر القاضيان شريح الروياني وأبو سعيد الهروي وغيرهما أنه لو كان له دين عليه فجحده ولا بينة له به ولكن بيده وثيقة عليه بدين قد قبضه والشهود لا يعلمون أن له أن يقيم البينة بالدين الذي في الوثيقة ويقبضه قصاصا عن المجحود مع ما في ذلك من الحمل على الحكم بدين قد برئ منه الخصم وحمل الشهود على الشهادة به بعد سقوطه باطنا وقوله وذكر القاضيان إلخ أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٣٢٢ ]
عليه (^١) إذا كان في الأداء إنقاذ نفس أو عضو أو بضع قال وبه صرح الماوردي وفرق بينه وبين الفسق الظاهر بأن رد الشهادة به مختلف فيه وبالظاهر متفق عليه قال وصرح ابن أبي الدم فهما (^٢) من كلام الأصحاب بعدم التحريم وقال إنها مستحبة ونقل (^٣) أعني الأذرعي عن ابن عبد السلام ما يوافقه وقد قدمته في الكلام على عدم التهمة.
"أما لو لم يجمع على فسقه" بأن اختلف فيه كشرب النبيذ "فإنه يلزمه الأداء مطلقا" أي سواء كان القاضي يرى التفسيق ورد الشهادة به أم لا فقد يتغير اجتهاده ويرى قبولها وقضية التعليل عدم اللزوم (^٤) إن كان القاضي مقلدا يفسق بذلك وهو ظاهر وقد يمنع بأنه يجوز أن يقلد غير مقلده ويجاب بأن اعتبار مثل هذا الجواز بعيد "ولو كان مع المجمع على فسقه (^٥) عدل لم يلزمه الأداء إلا فيما يثبت بشاهد ويمين" إذ لا فائدة فيه فيما عداه
"وهل يجوز لعدل أن يشهد ببيع عند من يرى إثبات الشفعة للجار" وهو لا يراه أو لا "وجهان" أفقههما الجواز (^٦) أخذا مما مر في باب آداب القضاء من أنه تقبل شهادة الشاهد عند القاضي بما يعتقده دونه كشفعة الجوار وذكر البيع المذكور مثال والضابط أن يشهد بما يعلم أن القاضي يرتب عليه ما لا يعتقده هو كما صرح به الأصل
_________________
(١) "قوله بل يتجه الوجوب عليه" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله قال وصرح ابن أبي الدم فهما" عبارته أن الشيخ أبا علي قال إن كان فسقه مقطوعا به لم تلزمه الإجابة وقال القاضي الحسين لا يجوز له أن يشهد ولو شهد عصى وإن كان فسقه خفيا لأنه يلبس الأمر على القاضي وتابعه البغوي قال والذي فهمته من كلام الأصحاب وتلقيته من مدارج مصنفاتهم أنه لا يعصي ولا يحرم عليه أداء الشهادة وهي حق ويجوز له أداؤها بل يستحب وهو الذي أراه صحيحا لا ريب فيه وممن أشار إلى ذلك الماوردي والقاضي أبو الطيب الطبري وصاحبه الشيخ أبو نصر ا هـ
(٣) "قوله ونقل" أعني الأذرعي عن ابن عبد السلام ما يوافقه وقال إنه المختار
(٤) "قوله وقضية التعليل عدم اللزوم" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله ولو أن مع المجمع على فسقه إلخ" مثل المجمع على فسقه من ترد شهادته كالعدو على عدوه والفرع لأصله
(٦) "قوله أفقههما الجواز" وهو الصحيح
[ ٩ / ٣٢٣ ]
"وأما المريض ونحوه" كالخائف على ماله (^١) "إذا شق عليه الحضور (^٢) " لأداء الشهادة "فلا يكلف" له "بل يشهد على شهادته أو يبعث" إليه "القاضي من يسمعها" دفعا للمشقة عنه "والمخدرة كالمريض" فيما ذكر "وغيرها" من النساء "تحضر" وتؤدي "ويجب أن يأذن لها الزوج" لتؤدي الواجب عليها "ولا يجب على الشاهد وهو في" أكل "طعام أو" في "حمام أو صلاة ونحو ذلك أن يقطعه للأداء بل يتمه ثم يمضي" له.
"ولو رد قاض شهادته لجرحه ثم دعي إلى قاض آخر" ليؤدي عنده "لا" إن دعي "إليه لزمه أداؤها ويلزمه الأداء" للشهادة "ولو كان القاضي جائرا" أو متعنتا ولا أثر لكونه لا يأمن أن ترد شهادته جورا أو تعنتا فيتعير بذلك "وكذا" يلزمه الأداء "عند أمير ونحوه" كوزير "إن علم أنه يصل به إلى الحق" بأن علم أنه لا يصل إليه إلا بأدائه عنده كما ذكره في التوشيح (^٣) قال فإن علم أنه يصل
_________________
(١) "قوله كالخائف على ماله" أو من عقوبة من سلطان جائر أو عدو قاهر أو فتنة عامة
(٢) "قوله إذا شق عليه الحضور" لنحو حر أو برد أو مطر شديد وكتب أيضا المراد بالمرض ما يعجز معه عن الحركة كما قاله الماوردي أو ما يسقط وجوب الجمعة وإن لم يمنع من الحضور كما قاله الإمام والغزالي وقوله أو ما يسقط وجوب الجمعة أشار إلى تصحيحه "تنبيه" جعل ابن سراقة في التلقين من الشروط كون ما تحمله يجب الحكم به عنده فإن كان عنده مما ينقض فيه حكم الحاكم لا يجب أداؤه وسبق نقل الدارمي له عن ابن أبي هريرة ومن أمثلته إتلاف خمر الذمي وتضمينها للمتلف قال ابن سراقة وربما كان في الأداء إما مأثوما مثل أن يشهد على المسلم أنه قتل كافرا والحاكم عراقي حنفي فلا يجوز له الأداء لما فيه من قتل المسلم بالكافر قلت ومن هنا يؤخذ أنه لا يجوز للشافعي أن يشهد بكلمة الكفر أو بالتعريض بالقذف أو بما يوجب التعزير عند من يعلم أنه لا يقبل التوبة ويحده بالتعريض ويعزره أبلغ مما يوجبه الشافعي. ولا ينبغي أن يأتي فيه الوجه الذي في طلب الشافعي نحو شفعة الجوار من الحنفي لأن ذلك في حق الله لآدمي أما حقوق الله تعالى فقال جماعة لا يحمل المدعى عليه إلى من يحكم عليه بما لا يعتقد ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقد نص الشافعي فيما سبق على أن الحاكم الشافعي لا يجوز له أن يستخلف من يخالفه وطالما اشتبه على النفوس الشديدة القيام في الباطل بالقيام في الحق قال وإنني سمعت الشافعي يقول والله ما شهدت على يسار قط ولقد سمعت منه ما لو شهدت عليه لحددته وينبغي حيث منعناه إذا شهد أن ترد شهادته في تلك الحادثة مطلقا عند ذلك الحاكم وغيره كما قاله القاضي الحسين فيمن كان عاصيا حال أداء الشهادة ر
(٣) "قوله كما ذكره في التوشيح" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٣٢٤ ]
إلى ذلك بالقاضي فلا وجه لإقامة البينة عند من ليس أهلا لسماعها وقد جزم في الروضة في القضاء على الغائب بأن منصب سماع الشهادة يختص بالقضاة قال في الكفاية ولو دعي (^١) إلى من لا يعتقد انعقاد ولايته لجهل أو فسق لزمه.
"فرع لو امتنع" الشاهد "من الأداء حياء" من المشهود عليه أو غيره "عصى وردت شهادته إلى أن تصح توبته ولو قال" المدعي "للقاضي شاهدي ممتنع" من أداء الشهادة لي "عنادا" فأحضره ليشهد لم يجبه إلى ذلك لأنه لو شهد "سقطت شهادته له" أي لم تقبل لأنه فاسق بالامتناع بزعمه بخلاف ما إذا لم يقل عنادا لاحتمال أن يكون امتناعه لعذر شرعي كخوف على نفسه من ظالم
"فرع ليس له" أي للشاهد "أخذ رزق لتحمل الشهادة من بيت المال ولا من أحد" من الإمام أو الرعية تبع كالروضة في عدم أخذه من بيت المال نسخ الرافعي السقيمة والذي في نسخه المعتمدة (^٢) كما قاله الأذرعي وغيره ترجيح أن له ذلك كالقاضي وتقدم تفصيله بل الأقرب أن له ذلك بلا تفصيل (^٣) كما في نظيره الآتي في كتابة الصكوك
"وله" بكل حال "أخذ أجرة من المشهود له على التحمل" وإن تعين عليه كما في تجهيز الميت. هذا "إن دعي له" فإن تحمل لمكانه فلا أجرة له ومحله أيضا أن لا تكون (^٤) الشهادة مما يبعد تذكرها ومعرفة الخصمين فيها لأن باذل الأجرة إنما يبذلها بتقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها وإلا فيصير آخذها على شهادة يحرم أداؤها قاله ابن عبد السلام "لا" أخذ أجرة "للأداء" وإن لم يتعين عليه لأنه فرض عليه فلا يستحق عليه عوضا ولأنه كلام يسير لا أجرة لمثله وفارق
_________________
(١) "قوله قال في الكفاية ولو دعي إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه قال الماوردي لأنه ليس للشاهد اجتهاد في صحة التقليد وفساده ولو دعي الشاهد في وقت واحد إلى شهادتين بحقين متساويين أي من كل وجه تخير في إجابة من شاء من المتداعيين وإن اختلف الحقان فإن خيف فوت أحدهما دون الآخر وجب البدار إلى ما خيف فواته فإن لم يخف لم يجب ذلك كذا قاله ابن عبد السلام ويحتمل الإقراع ر وأن يقال يجيب من تحمل له أولا وأن يفرق بين التحمل قصدا واتفاقا غ
(٢) "قوله والذي في نسخه المعتمدة إلخ" وهو الراجح
(٣) "قوله بل الأقرب أن له ذلك بلا تفصيل" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله ومحله أيضا أن لا يكون إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٣٢٥ ]
المتحمل بأن الأخذ للأداء يورث تهمة قوية مع أن زمنه يسير لا تفوت به منفعة متقومة بخلاف زمن التحمل "إلا إن دعي من مسافة عدوى" فأكثر "فله نفقة الطريق وأجرة المركوب" وإن لم يركب "لا لمن" يؤدي "في البلد (^١) " أي ليس له أخذ شيء للأداء وهذا داخل في المستثنى منه السابق وإنما أعاده ليرتب عليه قوله "إلا إن احتاجه" أي ما ذكر فله أخذه "وله صرف ما يعطيه" له المشهود له "إلى غيره" أي غير ما ذكر من الأجرة والنفقة
"وكذا من أعطى شيئا فقيرا ليكسو به نفسه له" أي للفقير "أن يصرفه إلى غيره" أي غير ما ذكر من الكسوة وتقدمت هذه والتي قبلها بزيادة في باب الهبة ثم إن مشى الشاهد من بلد إلى بلد مع قدرته على الركوب قد يخرم المروءة (^٢) فيظهر امتناعه (^٣) فيمن هذا شأنه قاله الإسنوي قال الأذرعي بل لا يتقيد ذلك (^٤) بالبلدين بل قد يأتي في البلد الواحد فيعد ذلك خرما للمروءة إلا أن تدعوه الحاجة إليه أو يفعله تواضعا (^٥) "ولا يلزم من قوته من كسبه" يوما يوما "إذا شغله عنه إلا بأجرة مدته" أي الأداء لا بقدر كسبه فيها وإن عبر به الأصل نقلا عن الشيخ أبي حامد وبما عبر به المصنف عبر به الماوردي (^٦)
"فرع كتب الصكوك فرض كفاية" أي في الجملة وإلا فقد مر في باب القضاء فيما إذا طلب الخصم من القاضي كتابا بما ثبت عنده أو حكم به أنه لا يجب
_________________
(١) "قوله لا لمن يؤدي في البلد" ينبغي أن ينظر إلى سعة البلد حتى إذا اتسعت اتساعا فاحشا يكون له أجرة المركوب وإن كان في البلد وأيضا ينبغي أن ينظر إلى قدرة الشاهد على المشي وعدمها وقوله ينبغي أن ينظر إلى سعة البلد أشار إلى تصحيحه وكذا قوله وأيضا ينبغي إلخ
(٢) "قوله ثم إن مشى الشاهد من البلد إلى البلد مع قدرته على الركوب قد يخرم المروءة إلخ" وقد لا يخرمها لصرفه فيما هو أهم من الركوب من نفقة نفسه وعياله ووفاء دينه لا إنه فعل ذلك بخلا وإيثارا لتحصيل المال
(٣) "قوله فيظهر امتناعه" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله قال الأذرعي بل لا يتقيد ذلك إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله أو يفعله تواضعا" ينبغي تقييده بما إذا كان مشيه راجلا يعادل مشي البهيمة فإن كان بطيئا وخيف أن لا يدرك القاضي أو استحثه صاحب الحق لجلب مصلحة أو دفع مضرة تتعلق به تعين الركوب
(٦) "قوله وبما عبر به المصنف عبر الماوردي" إذ لو طلب قدر كسبه وهو أكثر من أجرة مثله لم يجز
[ ٩ / ٣٢٦ ]
وإنما كان فرض كفاية للحاجة إليه في حفظ الحقوق وله أثر ظاهر في التذكر وإن لم يجز الاعتماد على الخط وحده "ولكاتبها رزق من بيت المال فإن لم يرزق" منه لذلك "فله طلب الأجرة" وإن تعين عليه الكتب لطول زمنه كما في التحمل
"فصل تحمل الشهادة فرض كفاية (^١) في النكاح" لتوقف انعقاده عليه فإن امتنع الجميع منه أثموا "ولو طلب" شخص "اثنين" للتحمل "وهناك غيرهما (^٢) لم يتعينا (^٣) " بخلاف ما لو طلب الأداء من اثنين تحملا مع غيرهما شهادة فإنهما يتعينان لأنهما تحملا أمانة فيلزمهما أداؤها عند طلبها كما مر "وكذا سائر التصرفات المالية وغيرها" تحمل الشهادة فيها فرض كفاية للحاجة إلى إثباتها عند التنازع "ولا يلزمه إجابة الداعي" له ليتحمل "إلا" أن يكون الدعاء "من مريض أو محبوس (^٤) أو مخدرة أو دعاه قاض ليشهده على حكم" حكم (^٥) به
_________________
(١) "فصل" "قوله تحمل الشهادة فرض كفاية" تطلق الشهادة على التحمل وعلى الأداء وعلى المشهود به وهي المراد هنا فهو مصدر بمعنى المفعول به واستثنى الماوردي من إيجاب التحمل الحدود لأنها تدرأ بالشبهات وأداؤها واجب إن ترتب على تركه حد على غير الشاهد مثل أن لا يكمل النصاب إلا به فإن كمل دونه لم يجب
(٢) "قوله ولو طلب من اثنين وهناك غيرهما لم يتعينا" فإن لم يوجد إلا العدد المعتبر في الحكم فهو فرض عين كما جزم به الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما وهو واضح جار على القواعد وفي كلام الشافعي ما يقتضيه وصرح به في التنبيه فقال فإن كان في موضع ليس فيه غيره تعين عليه واستثنى ابن يونس في التنبيه من ذلك حدود الله تعالى للندب إلى سترها وقوله كما جزم به الشيخ أبو حامد إلخ أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله لم يتعينا" ينبغي أن يكون محله ما إذا جوزا إجابة غيرهما أما لو ظنا إجابة غيرهما فكما لو لم يكن ثم غيرهما قاله الأذرعي وغيره وهو ظاهر
(٤) "قوله أو محبوس" أو نحوه
(٥) "قوله يشهد على حكم حكم به" وكان الشاهد مستجمعا لشرائط العدالة معتقدا لصحته فأما إذا كان غير مستجمع لها لم تجب عليه الإجابة قاله القاضي حسين وأما إذا دعي إلى عقد لا يعتقد صحته وغيره يصححه فيشبه أن يكون على الوجهين فيما لو دعي الشافعي إلى شهادة ما يترتب عليه شفعة الجوار ثم رأيت الدارمي قال إذا كان يخالف الحاكم بما يشهد به فوجهان قال ابن أبي هريرة إن كان متحملا شهد وإلا فلا إذا كان ظاهرا والثاني لا يجوز وقال ابن أبي المرزبان يجوز مطلقا وجزم به المصنف كما سيأتي وقوله قال القاضي حسين أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٣٢٧ ]
فيلزمه إجابته (^١) للعذر ولئلا يحتاج القاضي إلى التردد لأبواب الشهود فتتعطل أحوال الناس
"فصل من آدابه" أي الشاهد "أن لا يتحمل" شهادة "وبه ما يشغله (^٢) عن الضبط" وتمام الفهم "من جوع وعطش وهم وغضب" ونحوها كما لا يقضي القاضي وبه شيء منها "ولا يلتفت الشاهد على" بمعنى إلى قول "من لا تجوز الشهادة عليه كصبي ومجنون" فلا يتحمل عليه "ولا على" بمعنى إلى "كتاب مخالف للإجماع" فلا يثبت شهادته فيه "ويبين فساده" أي يظهره ويستثنى الشهادة على المكوس ونحوها فتجوز إذا قصد الشاهد بذلك حفظ الأموال على أربابها بأن يشهد لهم ليرجعوا بها في وقت آخر عند إمكانه بتولية عادل قاله ابن عبد السلام (^٣) "ويثبت شهادته على كتاب" أنشئ على مختلف فيه بين العلماء وهو "يخالف معتقده" ليؤدي عند الحاجة ويحكم الحاكم باجتهاده وقيل يعرض عنه والترجيح من زيادته على الروضة
"ولا بأس أن يضرب على الكلمة المكروهة والمكررة" لا سيما إذا لم يسبقه بالشهادة أحد "و" أن "يلحق" بالكتاب "ما ترك" ويبين في رسم شهادته إلحاقه "ويتمم السطر" الناقص "بخطين" أو بخط كما صرح به الأصل "وإذا قرأ" الشاهد "الكتاب عليه" أي على المشهود عليه أو قرأه عليه غيره بحضرته. "وقال" له "أشهد عليك بذلك فقال نعم ونحوه" كأجل وجير وبلى "كفى" في التحمل "لا إن" قال له في الجواب إن "شئت ونحوه" كالأمر إليك أو كما ترى أو استخر الله
"وإذا شهد على كتاب عقد" بدين أو طلاق أو عتق أو نحوها "أقر به" من عقد عليه "فلا يقل أشهد بذلك بل" يقول أشهد "بإقراره" بذلك "وليكتب"
_________________
(١) "قوله فيلزمه إجابته" يلتحق به ما إذا دعا الزوج أربعة ليتحملوا على زنا زوجته فإنه يجب عليهم الإجابة كما صرح به الدارمي قال فلو دعا دون أربعة لم تلزم الإجابة وكذا لو دعا غير الزوج لن تلزم الإجابة ولو كانوا أربعة نعم لو دعا القاذف أربعة ليشهدوا بالزنا ففي وجوب إجابتهم وجهان أرجحهما وجوبهما
(٢) قوله من آدابه أن لا يتحمل وبه ما يشغله إلخ" قال الزركشي وغيره هذا إذا احتمل الحال التأخير أو كان هناك غيره وإلا تحمل واحتاط في الضبط
(٣) "قوله قاله ابن عبد السلام" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٣٢٨ ]
ندبا في الكتاب الذي تحمل فيه "اسمه وما يتميز به من" اسم "أب وجد يعرف به وإن تخطى إليه" أي إلى جد أعلى يعرف هو به لشهرته "فإن شورك فيه" أي فيما ذكر من اسمه ونسبه "ذكر الكنية" ليتميز بها "ويأتي" ندبا "بما يفيد التذكر" كما مر في أدب القضاء "و" يكتب "في السجل أشهد على حكم القاضي" بما فيه "أو" على "إنفاذ ما فيه لا" على "إقراره إن حكم" وهو "عنده" فإن حكم في غيبته ثم أخبره شهد على إقراره "ويسأل" الشاهد ندبا في كتابة الدين المؤجل "صاحب الدين كم هو" و"أمؤجلا" هو "أم لا ثم" بعد أن يجيبه "يسأل الآخر" أي المدين لأنه لو سأل المدين أولا وأقر فقد ينكر صاحبه الأجل فيقع في النزاع
"وفي" كتابه "السلم يسأل" ندبا "المسلم أولا" عما ذكر "خوفا" من "أن ينكر السلم" ويطالب بما دفعه لو سأل صاحبه أولا وأقر "ويقعد القاضي الشاهد" الذي أتى إليه ليؤدي عنده "عن يمينه وينظر" الشاهد "اسمه المكتوب" ويتأمله قبل أن يشهد.
"فإن استشهد" بأن استشهده المشهود له "استأذن القاضي" ندبا "ليصغي إليه فقد لا يسمعه فتلغو" شهادته وقضية ذلك أنه ليس للقاضي ذلك وبه صرح الماوردي فقال لا ينبغي للقاضي أن يستدعيهم للشهادة ولا ينبغي لهم أن يبدءوا بها قال وصيغة إذن القاضي أن يقول بم تشهدون ولا يقول اشهدوا قال ابن أبي الدم ويستحب للشاهد أن يبجل القاضي في الأداء فيقول أطال الله بقاء سيدنا الحاكم ويزيد من ألقابه والدعاء له بما يقتضيه حاله وقدره ثم يقول أشهد بكذا (^١)
_________________
(١) "قوله ثم يقول أشهد بكذا" "تنبيه" إنشاء الشهادة لا يصح بالماضي ويصح بالمضارع والبيع بالعكس فما الفرق والجواب أن المضارع قد صار صريحا في العرف في إنشاء الشهادة فلا تصح بغيره وكذلك الماضي في البيع صار صريحا فيه دون المضارع فلا يصح بغيره لأنه لم يفده بأصل الوضع إذ ذاك لا يفيد إلا الإخبار ولا بالعرف لأنه ليس صريحا فيه "مسألة" أقر مطلق التصرف بمال لرجل وأقر بقبض العوض ولم يكن قبض عوضا وشهد شاهدان ثم إن أحدهما علم أن المقر لم يقبض عوضا بعد أن كتب خطه على المقر عليه بالشهادة على المقر له والشاهد الآخر يشهد على القرار فقط فهل يبرأ المقر من الدين بشهادة الشاهد على المقر له أنه لم يقبض المقر عوضا وحلفه على ذلك أو يحلف المقر له مع الشاهد الذي يشهد بالإقرار فقط ويستحق وهل تكون الشهادة على المقر له بعدم الإقباض كمن أقر لإنسان بدين وكذبه المقر له أجاب البلقيني إن شهد الشاهد على إقرار المقر له بأنه لم يقبض المقر عوضا فإنه يعمل بشهادته ويحلف المقر مع شهادة الشاهد المذكور وتنفصل القضية بذلك وإن شهد الشاهد المذكور على أن المقر له لم يقبض المقر عوضا فهذه شهادة على نفي غير محصور وليس في معنى المواضع التي يجوز فيها ذلك فلا يعمل بهذه الشهادة وإقرار المقر له إنه لم يقبض المقر عوضا هي من بعض صور من أقر لإنسان بشيء وكذبه لكن إذا قال المقر إنما أقررت بقبضه على أن تقبض العوض فلم تقبضني شيئا وأنكر المقر له ذلك وشهد الشاهد المذكور على إقرار المقر له بذلك فإنها تبعد حينئذ عن صورة من أقر لإنسان بشيء وكذبه وتصير قريبا مما إذا رجع الشاهد على إقرار المقر له مع سبق دعوى المقر ذلك
[ ٩ / ٣٢٩ ]