"الطرف الثاني: في الانعزال" والعزل "فينعزل" القاضي "بجنون (^١) وإغماء وعمى وخرس" وصمم "وعدم ضبط (^٢) لغفلة ونسيان" أي لأحدهما
_________________
(١) "قوله فينعزل بجنون" ولو متقطعا وزمن إفاقته أكثر
(٢) "قوله وعدم ضبط إلخ" سواء أكان مجتهدا مطلقا أم في مذهب معين أم غير مجتهد وكتب أيضا قولهم إذا ذهبت أهلية اجتهاده ظاهر في أن الكلام في المجتهد المطلق أما المقلد لمذهب معين إذا كان مجتهدا فيه فإذا خرج عن أهلية الاجتهاد فيه قال الأذرعي فحكمه كذلك وأولى قال: ومن لم يبلغ هذه المرتبة، وهو الموجود اليوم غالبا فلم أر فيه شيئا ويشبه أنه. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٢٥ ]
"وكذا بفسق (^١) " لخروجه بكل منها عن الأهلية بخلاف الإمام الأعظم لا ينعزل بفسقه ولا بإغمائه لما فيه من اضطراب الأمور وحدوث الفتن "ولو زالت" هذه الأحوال "لم يعد" قاضيا (^٢) بلا تولية "وإذا سمع البينة وتعديلها ثم عمي حكم" في تلك الواقعة "إن لم يحتج إلى إشارة" هذه من زيادته هنا، وقد ذكرها كأصله في الباب الثالث في مستند علم الشاهد
"وإن ولى" الإمام "قاضيا ظانا موت القاضي" الأول أو فسقه "فبان حيا" أو عدلا "لم يقدح في ولاية الثاني" قال الأذرعي: وقضيته انعزال الأول بالثاني; لأنه أقامه مقامه لا أنه ضمه إليه وبه صرح البغوي في تعليقه وقضية كلام القفال عدم انعزاله به (^٣) "ويجوز" للإمام "عزله (^٤) بخلل" لا يقتضي انعزاله،
_________________
(١) = إذا حصل له أدنى تغفل ونحوه لم ينفذ حكمه لانحطاط رتبته فيقدح في ولايته ما عساه يغتفر في حق غيره. ا هـ.
(٢) "قوله وكذا بفسق" قال الأذرعي أما الفاسق المنصوب للضرورة أو من ذوي الشوكة إذا قلنا بتنفيذ أحكامه فهل يؤثر في نفوذه ما يطرأ عليه من الفسق أم لا; لأن ما لا يمنع التنفيذ ابتداء لا يمنع دواما لم أر فيه شيئا والحق أنه متى أمكن صرفه والاستبدال به فأحكامه مردودة ويجب على كل من علم بحاله السعي في صرفه نعم إن علم الإمام به وأقره فالظاهر أنه كابتداء تقليده قال شيخنا قد أفتى الوالد بعدم انعزال قاضي الضرورة بزيادة الفسق ويظهر لي أن يقال إن كان ما طرأ عليه لو علم به مستنيبه لم يعزله بسببه فهو باق على ولايته وإلا فلا كا "فرع" لو أنكر القاضي كونه قاضيا ففي البحر عن جده صار معزولا كالوكيل والظاهر أن موضعه فيما إذا تعمد ولا غرض له في الإخفاء فأما لو أنكره لغرض في الإخفاء بأن أراد منه ظالم الحكم بما لا يجوز فينبغي أن لا ينعزل به قطعا وبقي ما لو أنكر الإمام كونه إماما ولم أر فيه نقلا إلا أن صاحب الأشراف حكى في نظيره من الوكالة خلافا وقال الأصح أنه ليس بعزل; لأن الإنكار يتردد بين الصدق والكذب والعزل إنشاء تصرف لا يتصور التردد فيه والظاهر أنه إن تعمد ولا غرض له في الإخفاء كان عزلا وقوله والظاهر أن موضعه إلخ أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله ولو زالت هذه الأحوال لم يعد قاضيا" قال البلقيني محله في غير المريض الذي جعل له ما يمنعه من الاجتهاد من غير حصول إغماء فإنه، وإن لم ينفذ حكمه فيه لا ينعزل إذا كان مرجو الزوال فإذا زال المانع فولايته مستمرة قطعا ذكره الماوردي، وهو الصواب ولا توقف فيه
(٤) "قوله وقضية كلام القفال عدم انعزاله به"، وهو الراجح
(٥) "قوله ويجوز للإمام عزله" كقوله عزلته أو صرفته عن القضاء أو رجعت عن توليته
[ ٩ / ١٢٦ ]
وقد "غلب على الظن" حصوله (^١) فقد روى أبو داود: "أن النبي ﷺ عزل إماما يصلي بقوم بصق في القبلة وقال: لا يصلي بهم بعدها أبدا (^٢) " وإذا جاز هذا في إمام الصلاة جاز في القاضي بل أولى إلا أن يكون متعينا فلا يجوز عزله ولو عزل لم ينعزل (^٣) أما ظهور خلل يقتضي انعزاله فلا يحتاج فيه إلى عزل لانعزاله به
"و" له عزله "بأفضل منه"، وإن لم يظهر فيه خلل "وبخوف فتنة" تحدث من عدم عزله، وإن لم يظهر فيه خلل ولم يعزله بأفضل منه نظرا لمصلحة المسلمين "وإلا" بأن لم يكن شيء من ذلك "حرم" عزله "فلو عزله لم ينفذ إلا إن وجد غيره" ممن هو أهل للقضاء فينفذ عزله (^٤) مراعاة لطاعة الإمام قال في الأصل: ومتى كان العزل في محل النظر واحتمل أن يكون فيه مصلحة فلا اعتراض على الإمام فيه ويحكم بنفوذه وفي بعض الشروح أن تولية قاض بعد قاض هل هي عزل
_________________
(١) "قوله غلب على الظن حصوله" ككثرة الشكاوى منه وعن ابن عبد السلام إذا كثرت الشكاوى منه وجب عزله "فرع" قال الأذرعي: لو سافر القاضي سفرا طويلا بغير إذن الإمام ولم يستخلف حيث له ذلك لم ينعزل بذلك ويصير معرضا أو يقدح ذلك في عدالته فيه للنظر مجال والأقرب الانعزال ولم أر فيه نصا صريحا
(٢) حسن: رواه أبو داود ""١/ ١٣٠" كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد، حديث "٤٨١".
(٣) "قوله ولو عزله لم ينعزل" قال ابن عبد السلام إذا تعين للتولي ولم يوجد من يقوم مقامه كانت الولاية لازمة في حقه لا تقبل العزل والانعزال فإن عزل الإمام أو الحاكم أنفسهما وليس في الوجود من يصلح لذلك لم ينفذ عزلهما لوجوب المضي عليهما، وهذا في الأمر العام أما الوظائف الخاصة كالإمامة والأذان والتصرف والتدريس والطلب والنظر ونحوه فلا تنعزل أربابها بالعزل من غير سبب كما أفتى به كثير من المتأخرين منهم قاضي القضاة تقي الدين بن رزين والسبكي فقالا: من ولي تدريسا لم يجز عزله بمثله ولا بدونه ولا ينعزل بذلك ولا شك في التحريم وفي الروضة في آخر باب الفيء أنه إذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الجند المثبتين في الديوان بسبب جاز وبغير سبب لا يجوز وإذا ثبت هذا في الحقوق العامة ففي الخاصة أولى وقد قالوا إن الفقيه لا يزعج من بيت المدارس لثبوت حقه بالسبق وقوله قال ابن عبد السلام إلخ أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله فينفذ عزله" مراعاة لطاعة الإمام; لأن عزله حكم من أحكام الإمام وأحكام الإمام لا ترد إذا لم تخالف نصا ولا إجماعا
[ ٩ / ١٢٧ ]
للأول وجهان وليكونا مبنيين على أنه هل يجوز أن يكون في بلد قاضيان انتهى. قال الزركشي والراجح أنها ليست بعزل (^١)، وقد ذكر في الروضة في الوكالة أنه لو وكل شخصا ثم وكل آخر فليس بعزل للأول قطعا مع أن تصرف الوكيل أضعف من تصرف القاضي، وقد سبق في فصل التولية عن ابن الرفعة انعزال الأول أما القاضي فله عزل خليفته (^٢) بلا موجب بناء على انعزاله بموته قاله الماوردي والسبكي وخالف فيه البلقيني
"فرع لا ينعزل" القاضي "قبل بلوغ" خبر "عزله (^٣) " من عدل (^٤) لما في رد أقضيته من عظم الضرر (^٥) بخلاف الوكيل كما مر في بابه (^٦) نعم لو علم الخصم أنه معزول لم ينفذ حكمه له لعلمه أنه غير حاكم باطنا ذكره الماوردي (^٧) قال البلقيني: ولو بلغه (^٨) الخبر ولم يبلغ نوابه لا ينعزلون حتى يبلغهم الخبر وتبقى
_________________
(١) "قوله قال الزركشي: والراجح أنها ليست بعزل" قال شيخنا: يجمع بينهما بأن يقال إن ولي الثاني على أن يجلس في محل الأول وقامت قرينة على عدم اجتماعهما في محل واحد كشافعين في محكمة واحدة في زماننا فهو عزل للأول وإلا فلا كاتبه
(٢) "قوله أما القاضي فله عزل خليفته" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله لا ينعزل قبل بلوغ خبر عزله" لو ولاه السلطان ولم يعلم فحكم قال الشيخ أبو حامد وغيره هو كما لو باع مال مورثه ظانا حياته فبان ميتا
(٤) "قوله من عدل" قال الأذرعي الظاهر أنه يكتفي فيه خبر عدل واحد ولو عبدا أو امرأة كالرواية وقال الزركشي: ينبغي إلحاق ذلك بخبر التولية بل أولى حتى يعتبر شاهدان وتكفي الاستفاضة ولا يكفي الكتاب المجرد في الأصح فيهما وقوله قال الأذرعي: الظاهر أنه يكفي فيه إلخ أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله لما في رد أقضيته من عظم الضرر"; ولأنه ناظر في حق غير الإمام; ولأنه لا ينعزل بموته فقوي
(٦) "قوله كما مر في بابه" أي عند فقد الولي الخاص والحاكم.
(٧) "قوله ذكره الماوردي" قال شيخنا: الأوجه خلافه لبقائه على ولايته
(٨) "قوله قال البلقيني: ولو بلغه إلخ" كلاهما ممنوع أما الأول فلا نسلم أن ولاية الأصل بعد بلوغه خبر عزله مستمرة حكما إذ لا معنى لاستمرارها حكما إلا ترتب أثرها، وهو منتف ولا نسلم أنه يستحق ما رتب على الوظيفة بعد عزله المضاد له من جميع الوجوه وكان القياس عزل نوابه أيضا; لأن عزله عزلهم لكن اغتفر عدم عزلهم للضرورة وهي تتقدر بقدرها، وأما الثاني فليس القياس فيه ما قال بل القياس فيه عزل النائب من حين بلغه خبر عزل أصله; لأن عزل أصله عزل له وقد بلغه الخبر، وإنما لم ينعزل أصله للضرورة،. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٢٨ ]
ولاية أصلهم مستمرة حكما، وإن لم ينفذ حكمه ويستحق ما رتب له على سد الوظيفة قال ولو بلغ النائب قبل أصله فالقياس أنه لا ينعزل وينفذ حكمه حتى يبلغ الأصل انتهى، وقد يتوقف فيه بما مر عن الماوردي "فإن علقه" أي عزله "بقراءة كتاب" كقوله إذا قرأت كتابي فأنت معزول "العزل" بقراءته "ولو قرئ عليه (^١) "; لأن الغرض إعلامه بصورة الحال ولهذا ينعزل بمطالعته وفهم ما فيه
"وله عزل نفسه" كالوكيل فينعزل، وإن لم يعلم بعزله من ولاه إلا أن يكون متعينا فلا ينعزل "وينعزل بانعزاله خليفته (^٢) ولو في" الأمر "العام" كما في الخاص كبيع على ميت أو غائب أو سماع شهادة في حادثة معينة سواء أذن له في أن يستخلف عن نفسه أم أطلق; لأن الغرض من استخلافه معاونته، وقد زالت فلا يشكل في حالة الإطلاق بنظيره من الوكالة إذ ليس الغرض ثم معاونة الوكيل بل النظر في حال الموكل فحمل الإطلاق على إرادته "لا قيم يتيم ووقف (^٣) " فلا ينعزل بانعزال القاضي لئلا تختل مصالحهما فصار سبيله سبيل المتولي من جهة الولي والواقف (^٤) "ولا من استخلفه" القاضي "بقول الإمام" له "استخلف عني بل لا ينعزل إن عزله"; لأنه نائب الإمام والأول سفير في توليته فكان كما لو نصب
_________________
(١) = وهي تتقدر بقدرها ش وقوله فلا نسلم أن ولاية الأصل إلخ أشار إلى تصحيحه وكذا قوله ولا نسلم أنه يستحق إلخ وكذا قوله فليس القياس فيه إلخ وكذا قوله بل القياس فيه عزل النائب
(٢) "قوله ولو قرئ عليه" فرق بعضهم بين هذه ومسألة الطلاق بأن المقصود بلوغ خبر العزل إلى القاضي لا تعليق العزل; لأنه لا يجوز تعليقه فلم يبق إلا مجرد العلم بالعزل، وهو حاصل بقراءة غيره عليه، وأما الطلاق فيقبل التعليق، وإنما يتحقق بوجود الصفة ش وكتب أيضا; لأن الغرض إعلامه بصورة الحال بخلاف تعليق الطلاق فإن تفاصيل الصفات مرعية فيه وخرج ما لو لم يقرأ الكتاب عليه، وإن أعلمه بقول الإمام شاهدان وخرج بالتعليق ما لو كتب إليه عزلتك إذا أنت معزول أو إذا أتاك كتابي فأنت معزول فما لم يأته الكتاب لا ينعزل قاله البغوي وغيره ولو جاءه بعض الكتاب فقياس ما ذكروه في الطلاق أنه إن انمحى موضع العزل لم يقع وإلا وقع على الأصح ولو قال الإمام قصدت قراءته بنفسه قبل
(٣) قوله "وينعزل بانعزاله خليفته" شمل كلامهم نواب القاضي الكبير كقاضي البلاد المصرية والقاضي الذي ولاه الإمام قضاء جميع البلاد
(٤) "قوله ووقف" بأن لم يشترط واقفه له ناظرا أو انقرض من شرطه له أو خرج عن الأهلية
(٥) "قوله فصار سبيله المتولي من جهة الولي والواقف" خرج بذلك ما إذا شرط الواقف النظر للحاكم ففوضه لآخر فإنه ينعزل بانعزاله; لأنه إذا آل النظر إلى القاضي الثاني بشرط. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٢٩ ]
الإمام عنه بنفسه والتصريح ببل إلى آخر من زيادته هذا كله إذا لم يعين له من يستخلفه فإن عينه لم ينعزل بانعزاله مطلقا (^١) ; لأنه قطع نظره بالتعيين وجعله سفيرا أشار إليه الماوردي والروياني وفيه نظر فيما إذا استخلفه عن نفسه ويؤيده ما يأتي عن الماوردي قال في الأصل: ولو نصب الإمام نائبا عن القاضي فقال السرخسي: لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله; لأنه مأذون له من جهة الإمام وفيه احتمال (^٢) انتهى وصرح الماوردي بما يوافق هذا الاحتمال "ولا ينعزل قاض ووال بموت الإمام (^٣) " كما لا ينعزل بانعزاله بغير موته لشدة الضرر بتعطيل الحوادث; ولأن ما عقده الإمام إنما هو لغيره وهم المسلمون فلا يبطل بموته كما لا يبطل النكاح بموت الولي نعم لو ولاه الإمام (^٤) للحكم بينه وبين خصمائه انعزل بذلك لزوال المعنى المقتضي لذلك قاله البلقيني
"فصل" لو "قال معزول كنت حكمت لفلان" بكذا (^٥) "لم يقبل إلا ببينة"; لأنه حينئذ لا يقدر على الإنشاء (^٦) نعم لو انعزل بالعمى قبل منه ذلك; لأنه إنما انعزل بالعمى فيما يحتاج إلى الإبصار وقوله حكمت بكذا لا يحتاج إلى ذلك قاله البلقيني (^٧) "وترد شهادته" ولو مع آخر بحكمه "له" أي لفلان;
_________________
(١) = الواقف أشبه ما إذا شرط النظر لزيد ثم لبكر فنصب زيد قيما فيه ثم مات فإنه ينعزل القيم لا محالة ويصير النظر لبكر بالشرط
(٢) "قوله فإن عينه لم ينعزل بانعزاله مطلقا" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله وفيه احتمال" قال الرافعي: ويجوز أن يقال إذا كان الإذن مقيدا بالنيابة ولم يبق الأصل لم يبق النائب
(٤) "قوله ولا ينعزل قاض ووال بموت الإمام" حكم ولاة الإمام حكم قضاته وكذا يجب أن يكون حكم كل من ولاه الإمام أمرا عاما يختص بمصلحة المسلمين كولاية بيت المال ونظر الحسبة والجيوش والوقوف وغير ذلك
(٥) "قوله نعم لو ولاه الإمام إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٦) "قوله لو قال معزول كنت حكمت لفلان بكذا" أو ثبت عندي كذا أو عقدت نكاح فلانة على فلان أو بعت كذا على محجوري بالحكم
(٧) "قوله; لأنه حينئذ لا يقدر على الإنشاء" قال الماوردي: وهذا أصل مطرد يعني أن من ملك إنشاء شيء ملك الإقرار به وصح منه ومن إلا فلا كما لو قال بعد العدة كنت راجعتها في العدة أو بعد لزوم البيع كنت أعتقته قبل البيع
(٨) "قوله قاله البلقيني" ما قاله ظاهر
[ ٩ / ١٣٠ ]
لأنه يشهد على فعل نفسه ويخالف المرضعة; لأن فعلها (^١) غير مقصود بالإثبات; ولأن شهادتها على فعلها لا تتضمن تزكيتها بخلاف القاضي فيهما
"فلو قال أشهد أن قاضيا حكم به" ولم يضف إلى نفسه "قبلت" شهادته "كالمرضعة" إذا شهدت كذلك "فلو علم القاضي أنه حكمه لم يقبل (^٢) " نظرا لبقاء التهمة "وإن شهد أنه أقر بمجلس حكمه بكذا" أو أن هذا ملك فلان "قبل"; لأنه لم يشهد على فعل نفسه "فإن كان" القاضي "في غير محل ولايته فكالمعزول" في أنه لا ينفذ حكمه لعدم قدرته على الإنشاء ثم
"وإن قال، وهو في محل ولايته حكمت بطلاق نساء القرية (^٣) " عبارة الأصل لو قال على سبيل الحكم نساء القرية طوالق من أزواجهن "قبل" قوله "بلا حجة" لقدرته على الإنشاء حينئذ بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار (^٤) فلا يقبل قوله كذا صرح به البغوي، وهو مقتضى كلام الأصل وينبغي أن يكون محله ما لو أسنده إلى ما قبل ولايته قال الأذرعي (^٥) وما قالوه
_________________
(١) "قوله ويخالف المرضعة; لأن فعلها إلخ" وفرق الماوردي بأن الرضاع من فعل الولد فجازت شهادتها فيه والحكم من فعل نفسه فلم يجز أن يكون شاهدا فيه
(٢) "قوله فلو علم القاضي أنه حكمه لم يقبل" كما لو شهد الآخر بأن هذا قضى في حال ولايته وبقيت حالة ثالثة، وهي أن يضيف الحكم لغيره ويكذب ليصل صاحب الحق إلى حقه ولم أر فيه صريحا وقياس ما قبل في نظيره من الوديعة والمساطير المكتتبة التي يشبه بعضها بعضا أنه يجوز له أن يدعي بعضها، وإن استوفى عوضا عما ضاع ولم يستوف توصلا إلى الحق الجواز ويحتمل خلافه; لأن له هنا مندوحة عن ذلك بأن ينسبه لمبهم ر
(٣) "قوله حكمت بطلاق نساء القرية" وعتق عبيدهم
(٤) "قوله بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله قال الأذرعي" أي وغيره وكتب أيضا ذكر في الخادم ما ذكره الأذرعي وزاد فقال هذا إذا لم يسأل فإن سأله المحكوم عليه عن السبب فجزم صاحب الحاوي وتبعه الروياني بأنه يلزمه بيانه إذا كان قد حكم بنكوله ويمين الطالب; لأنه يقدر على دفعه بالبينة أو كان بالبينة يعني فإنه يقدر على مقابلتها بمثلها فترجح بينته باليد قالا ولا يلزم إذا كان قد حكم بالإقرار أو بالبينة بحق في الذمة وخرج من هذا تخصيص قول الأصحاب أن الحاكم لا يسأل عن مستنده أي سؤال اعتراض أما سؤال من يطلب الدفع عن نفسه فيتعين على الحاكم الإبداء ليجد المحكوم عليه التخلص ثم قال هذا إذا لم يكن حكمه نقضا لحكم غيره وإلا فالظاهر أنه لا يقبل حتى يبين السبب
[ ٩ / ١٣١ ]
من قبول قوله ظاهر في القاضي المجتهد مطلقا أو في مذهب إمامه أما غيرهما ففي قبول قوله وقفة، وقد استخرت الله تعالى وأفتيت فيمن سئل من قضاة العصر عن مستند قضائه أنه يلزمه بيانه (^١) ; لأنه قد يظن ما ليس بمستند مستندا كما هو كثير أو غالب قال ويشبه أن يكون محل ما ذكر (^٢) في قرية أهلها محصورون أما في بلد كبير كبغداد فلا; لأنا نقطع ببطلان قوله وإلى ما قاله يشير تعبير المصنف كأصله بالقرية
"وإن قال المعزول" للأمين "أعطيتك المال" أيام قضائي لتحفظه "لفلان فقال الأمين بل" أعطيتنيه لأحفظه "لفلان فالقول قول المعزول (^٣) " لكن هل يغرم الأمين لمن عينه هو قدر ذلك، فيه وجهان في تعليق القاضي أوجههما المنع (^٤) "أو قال" له الأمين "لم تعطني" شيئا "بل هو لفلان فالقول قول الأمين"; لأن الأصل عدم الإعطاء
"فرع، وإن شهدا" أي اثنان "بحكم من حكم بشهادتهما جاز"; لأنهما الآن يشهدان على أن فعل القاضي
"فصل في جواز تتبع القاضي حكم من قبله" من القضاة الصالحين للقضاء "وجهان" أحدهما نعم واختاره الشيخ أبو حامد وثانيهما المنع; لأن الظاهر (^٥) منه السداد وبه جزم المحاملي وصححه الفارقي وعزاه الماوردي إلى جمهور البصريين واقتضاه كلام الأصل في الباب الآتي
"فإن تظلم" شخص "عنده بمعزول أو نائبه سأله" عما يريد منه ولا يسارع إلى إحضاره فقد يقصد ابتذاله
_________________
(١) "قوله أنه يلزمه بيانه" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله قال ويشبه أن يكون محل ما ذكر إلخ" أشار إلى تصحيحه "فرع" إذا ذكر الحاكم أن فلانا وفلانا شهدا عندي بكذا فأنكرا لم يلتفت لإنكارهما وكان القول قول الحاكم غير أنه إن كان ذلك بعد الحكم بشهادتهما كان إنكارهما بمنزلة الرجوع في أنه لا يقبل قال شيخنا: يؤخذ من تقييد ما قبلها أن محل ذلك في القاضي المجتهد
(٣) "قوله فالقول قول المعزول" أي بلا يمين كما لو قال صرفت مال الوقف إلى جهته العامة أو في عمارته التي يقتضيها الحال
(٤) "قوله أوجههما المنع" أشار إلى تصحيحه وكتب قال البلقيني أنه الأرجح
(٥) "قوله وثانيهما المنع; لأن الظاهر إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٣٢ ]
"فإن ادعى" بأن ذكر أنه يدعي "معاملة" أو إتلاف مال أو عينا أخذها بغصب أو نحوه "أحضره" وفصل خصومته منه "كغيره (^١) وكذا" لو ادعى عليه "رشوة" بتثليث الراء "أو حكما بعبدين مثلا" أي بشهادة عبدين أو غيرهما ممن لا تقبل شهادته "وإن لم يتعرض للأخذ" أي لأخذ المال المحكوم به "منه فإن أقام على المعزول" بعد الدعوى عليه بينة أو أقر المعزول "حكم عليه وإلا صدق بيمينه" كسائر الأمناء إذا ادعى عليهم خيانة ولعموم خبر "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (^٢) وقيل بلا يمين; لأنه أمين الشرع فيصان منصبه عن التحليف والابتذال بالمنازعات، وهذا صححه الرافعي قال الزركشي كغيره، وقد اختلف تصحيح النووي فيه والصواب الثاني فإنه المنصوص كما نقله القاضي شريح الروياني وغيره قال، وهذا فيمن عزل مع بقاء أهليته أما من ظهر فسقه وشاع جوره وخيانته فالظاهر أنه يحلف قطعا (^٣)
"ولو قال" المتظلم "بقي على أمين المعزول شيء" بعد المحاسبة "فقال" الأمين "أخذته أجرة" لعملي "وقد اعتاد" أخذها بل أو لم يعتده "ففيه خلاف من عمل" لغيره "ولم يسم أجرة (^٤) " هل يستحقها وعبارة الأصل فلو حوسب الأمين فبقي عليه شيء فقال أخذته أجرة عملي فصدقه المعزول لم ينفعه تصديقه بل يسترد منه ما يزيد على أجرة المثل وهل يصدق بيمينه في أجرة المثل فإن الظاهر أنه لم يعمل مجانا أو لا بل يكلف البينة (^٥) بجريان ذكر
_________________
(١) "قوله فإن ادعى معاملة أحضره كغيره" أفاد قوله كغيره أن له أن يرسل وكيله ولا يحضر وقد ذكره في المطلب جازما به، وهو واضح
(٢) صحيح: رواه الترمذي "٣/ ٦٢٦" كتاب الأحكام، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، حديث"١٣٤١" والبيهقي في الكبرى "١٠/ ٢٥٣" حديث "٢٠٩٩٦" وأورده البخاري تعليقا مجزوما به بلفظ "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" كما هو عند الترمذي
(٣) "قوله فالظاهر أنه يحلف قطعا" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه قال الأذرعي الوجه الجزم به وينبغي أن يجيء مثل هذا في طلب إحضاره فإن انعزل لما طرأ له من عمى أو صمم أو نحوه أو عزله بلا سبب لم يحضر حتى يستفسره، وإن عزله لظهور فسقه وجوره وارتشائه أحضره بمجرد طلب إحضاره للدعوى عليه بحق كسائر الناس"وقوله: قال" يعني الزركشي
(٤) "قوله ففيه خلاف من عمل ولم يسم أجرة" هل يستحقها فالراجح عدم استحقاقها
(٥) "قوله بل يكلف البينة" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٣٣ ]
الأجرة وجهان قال الإمام والخلاف مبني على أن من عمل لغيره ولم يسم أجرة هل يستحقها قال الأذرعي: وهذا البناء نقله ابن رشد عن بعض الأصحاب بعد قوله أن الوجهين في استحقاقه الأجرة كالوجهين فيما لو ادعى راكب الدابة إعارتها والمالك إجارتها وعلى التشبيه اقتصر الماوردي والروياني وقضيته الأخذ بترجيح الاستحقاق بخلاف البناء المذكور والتشبيه أقرب من البناء (^١) وما قاله ظاهر مع أن الأجرة في مسألتنا مفروضة (^٢) بخلافها في المنظر بها على أن الإمام لم يبن على تلك الخلاف في هذه، وإنما بنى عليها توجيه الوجه الأول فقال عقبه، وهذا يلتفت إلى أن من عمل لغيره إلخ ثم ذكر الوجه الثاني
"فرع لو ادعى" شخص "على قاض" باق على قضائه معاملة أو غيرها مما يتعلق بالحكم "حكم بينهما خليفته أو قاض آخر" فصلا للخصومة "أو" ادعى عليه "أنه جار عليه" في حكمه (^٣) "أو على الشاهد أنه شهد عليه زورا لم يحلف" واحد منهما; لأنهما أمينان شرعا ولو فتح باب تحليفهما لتعطل القضاء (^٤) وأداء الشهادة فلا تسمع دعواه عليه "ولم يفد" في ذلك "إلا البينة" فحينئذ تسمع دعواه عليه لخروجه عن إنابة الشرع ومحل عدم سماعها عليه إذا كان موثوقا به كما قاله الزركشي (^٥)
_________________
(١) قوله والتشبيه أقرب من البناء" المذهب ما اقتضاه البناء من عدم الاستحقاق والفرق بين المشبه والمشبه به ظاهر قال شيخنا، وهو أنه في المسألة المشبه بها الأصل في وضع يد الشخص على مال غيره الضمان وقد اعترف بوضع يده على الدابة وادعى إعارتها حتى لا تلزمه أجرة وادعى المالك الإجارة فصدق المالك; لأن الذمة قد اشتغلت ظاهرا بمقتضى وضع اليد ويريد براءة ذمة نفسه والأصل عدمه ولا كذلك مسألتنا فلم يحصل هنا ما يقتضي شغل ذمة بل الأصل في فعل الشخص ببدنه لغيره التبرع حتى يعلم خلافه
(٢) "قوله أن الأجرة في مسألتنا مفروضة ٢" ممنوع; لأنه ليس محل الخلاف; لأن محله عند عدم تسميتها
(٣) "قوله أنه جار عليه في حكمه إلخ" قد عمت البلوى بأن المحكوم عليه يدعي أن بينه وبين الحاكم عليه عداوة دنيوية تمنع نفوذ حكمه عليه وأن له بينة تشهد له بذلك والذي عليه العمل والفتوى قبول دعواه وسماع بينته غ
(٤) "قوله لتعطل القضاء إلخ" علله السبكي بأن القاضي نائب الشرع والدعوى على النائب كالدعوى على المستنيب والدعوى على الشرع لا تسمع
(٥) "قوله كما قاله الزركشي" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٣٤ ]