"وبعد قيام البينة" وتعديلها "يحلف وجوبا" يمين الاستظهار "مدع على غائب وصبي ومجنون (^١) وميت بلا وارث خاص أن ما ادعاه" عليه "باق في ذمته (^٢) " يلزمه تسليمه (^٣) "ما برئ من شيء منه" بطريق من الطرق احتياطا له إذ لو حضر أو كمل أو لم يمت لكان له أن يحلفه عليه فإن كان للميت وارث خاص اعتبر في الحلف طلب الوارث; لأن الحق له في التركة ومثله ما لو كان للصبي والمجنون نائب خاص وبه صرح صاحب المهذب والتهذيب وغيرهما كما نقله الزركشي وأقره ولا يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد لكمال الحجة هنا صرح به الأصل "فلو اقتصر" في حلفه "على أنه ثابت في ذمته يلزمه تسليمه كفى" وإنما اعتبر ذكر لزوم تسليمه; لأنه قد يكون ثابتا في ذمته ولا يلزمه تسليمه لتأجيل ونحوه "ولو ادعى قيم طفل على قيم طفل وأقام" بما ادعاه "بينة انتظر بلوغ المدعى له ليحلف (^٤) " لتعذر تحليف غيره
_________________
(١) قوله ومجنون" في معناه الأخرس الذي لا تفهم إشارته
(٢) "قوله إن ما ادعاه باق في ذمته" قد يقتضي أن ما فيه حق مؤكد لله وليس هو في الذمة كما لو ادعى عبد على سيده الغائب أنه أعتقه أو المرأة أن زوجها أطلقها وشهدت البينة حسبة على إقرار السيد بالعتق أو على الزوج بالطلاق وطلبا الحكم بذلك أنه لا يحتاج إلى التحليف، وهو ما صرح به ابن الصلاح في فتاويه في مسألة العتق إذ لاحظ في حكمه جهة الحسبة معرضا فيه عن الطلب وألحق الأذرعي الطلاق ونحوه من حقوق الله تعالى المتعلقة بشخص معين فس والمدعى به قد يكون عينا فلا يحلف فيها كذلك وإنما يحلف في كل دعوى على ما يليق بها ولو ادعى ورثة ميت دينا لمورثهم على غائب وراموا بذلك الاستيفاء من ماله الحاضر فإن الحاكم يحلفهم على نفي العلم بالمسقطات كما يحلف مورثهم على البت وهذا واضح
(٣) "قوله يلزمه تسليمه" أي الآن أو في وقتي هذا.
(٤) "قوله انتظر بلوغ المدعى له ليحلف" قال في المهمات وقد يشكل عليه قوله بعد ذلك لو ادعى ولي الصبي دينا للصبي فقال المدعى عليه إنه أتلف علي من جنس ما يدعيه قدر دينه لم ينفعه بل عليه الأداء فإذا بلغ الصبي حلف لكنه فرض تلك فيما إذا كان الصبي هو الذي ادعى له خاصة وهذه فيما إذا كانا صبيين وقد يجاب بأن اليمين في المسألة الثانية توجهت في دعوى أخرى ا هـ والفرق بينهما واضح فإن في صورة المسألة هنا أن قيم الصبي ادعى دينا له على حاضر رشيد فاعترف به ولكن ادعى وجود مسقط من الصبي، وهو إتلافه فلا يؤخر الاستيفاء لليمين المتوجهة على الصبي بعد بلوغه، وأما في مسألتنا فلأن البينة على الطفل ومن في معناه من غائب ومجنون لا يعمل بها حتى يحلف مقيمها على نفي المسقطات التي يتصور دعواها من الغائب ومن في معناه فلم تتم الحجة التي يعمل بها إذ لا بد مع البينة من اليمين وهذا ظاهر لا يخفى وكتب أيضا وبهذا علم ضعف ما أفتى به ابن يونس من بيع عين مرهونة لميت بدين عليه أثبته وكيل غائبين وولي قاصرين ووقف اليمين إلى الحضور والبلوغ
[ ٩ / ١٩٣ ]
عنه ومثله المجنون والإفاقة كالبلوغ "ويقضى على الغائب بشاهد ويمينين أحدهما لتكميل الحجة والأخرى" بعدها "لنفي المسقط" من إبراء أو غيره ويسمى يمين الاستظهار كما مرت الإشارة إليه
"فرع" لو "ادعى وكيل غائب على غائب لم يحلف (^١) "; لأن الوكيل لا يحلف يمين الاستظهار بحال "ويعطي الحق" الذي ادعاه (^٢) أي يعطيه له القاضي "إن كان" للمدعى عليه "هناك مال (^٣) " لأنه نائبه وأفهم كلامه كأصله أنه لا
_________________
(١) "قوله ادعى وكيل غائب على غائب لم يحلف" قال البلقيني إنه ممنوع وأن إيجابه للتحليف هو المعتمد ثم استشهد بما تقدم قريبا فيما لو أقام قيم الطفل بينة على قيم طفل وقال يؤخر مستحق الطفل إلى بلوغه وتكون المدة طويلة ويؤدي إلى ضياع حقه ولا يؤخر حق الغائب الذي يمكن حضوره بعد يوم أو يومين إلى أن يحضر هذا من العجائب والمعتمد عندنا أنه لا يقضى هنا على الغائب حتى يحضر المدعى له ويحلف اليمين الواجبة. ا هـ. وهل المراد الغيبة المعتبرة في القضاء عليه أو مطلق الغيبة رجح البلقيني الثاني وقال لم أر من تعرض له والراجح الأول وقوله قال البلقيني إنه ممنوع إلخ قال شيخنا ضعيف وكتب أيضا أما لو ادعى وكيله مع حضوره على غائب فيحلف المستحق
(٢) "قوله ويعطى الحق الذي ادعاه" أي وحكم به القاضي
(٣) "قوله إن كان هناك مال" إطلاقه لفظ المال يشمل العين والدين فإذا كان للغائب دين فللقاضي قبضه ووفاء دين الغائب وهذا الذي ذكرته هو الذي فهمه الشيخ ولي الدين العراقي وأفتى به وقال جلال الدين البلقيني ظاهر قول النووي في كتاب التفليس ولا يحجر لدين الغائبين لأنه لا يستوفي ما لهم في الذمم وإنما يحفظ أعيان أموالهم في الذمم وإنما يحفظ أعيان أموالهم أن القاضي لا مدخل له في ذلك وإنما يوفى من مال الحاضر والغرماء لا يدعون على المذهب كما ذكره أيضا في التفليس. ا هـ. والظاهر الأول ولا يرده قول النووي في التفليس; لأنه لا يستوفي ما لهم في الذمم; لأنه إذا استوفاه صار أمانة وقد يحصل تلف فيفوت عليه وما في الذمة مضمون فإذا كان عليه دين أمن هذا المحذور عبارة القاضي في فتواه أن له ذلك، وهو داخل في قولهم إذا كان للغائب مال حاضر وطلب المدعي إيفاءه منه أو فاء منه فإن ذلك يتناول العين والدين ولا يقال ليس للحاكم قبض ديون الغائبين; لأن ذلك إذا لم يكن له سبب يقتضيه لأنه بقبضه ينقله من الذمة إلى الأمانة فبقاؤه في ذمة المديون أغبط لصاحبه أما حيث وجب عليه حق فإنه يستخرج دينه ليوفي ذلك الحق ولا يقال في توفية الحاكم من هذا الدين حجر على المديون; لأن الخيرة إليه في الوفاء من أي جهة أراد لأنا نقول وكذلك في وفاء دينه من عين مخصوصة تحجير عليه لأنه قد لا يريد الوفاء من هذا الكيس المخصوص وإنما يريد الوفاء من غيره إذا حضر يخير فإذا غاب قام الحاكم مقامه فله فعل ما كان المديون يفعله وصارت الخيرة التي للمديون للحاكم ولا يقال قد قالوا يجوز الظفر من مال غريم الغريم; لأن ذلك مع حضور الغريم أما إذا غاب وثبت حق صاحب الدين فرفع غريم غريمه ليستوفي منه الدين ويوفي به المدعي فلا منع منه لا سيما إذا تعين ذلك طريقا لوفاء المدعي لا يأخذه بيده وإنما الحاكم يقبضه بنفسه أو بمن يقيمه لذلك ثم يقبضه لصاحب الدين قال شيخنا ما ذكره العراقي لا محيص عنه
[ ٩ / ١٩٤ ]
يعطيه إن لم يكن هناك مال والمتجه كما قال التاج السبكي (^١) خلافه إن كان المال في محل عمله وقد يحمل قوله هناك على محل ولايته (^٢) فيزول الإشكال "أو على حاضر فقال" له "أبرأني موكلك (^٣) " الغائب عما ادعيته علي "لم يؤخر الحكم ليمينه" على نفي ذلك بعد حضوره; لأنه يؤدي إلى تعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء "بل" يحكم عليه بالحق ثم "يثبت" هو "الإبراء أو يسلم" الحق عبارة الأصل بل عليه تسليم الحق ثم يثبت الإبراء
_________________
(١) "قوله والمتجه كما قال التاج السبكي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله وقد يحمل هناك على محل ولايته" أشار إلى تصحيحه وكتب قال الغزي والمال الغائب الذي في ولاية القاضي كالحاضر "تنبيه" قال البلقيني أطلق القضاة على المال الحاضر ومحله ما إذا لم يتعلق بالمال الحاضر حق فإن كان مرهونا أو عبدا جانيا وهناك فضل فهل نقول للقاضي بطلب صاحب الدين أن يلزم المرتهن والمجني عليه بأخذ مستحقهما بطريقه ليوفي ما بقي من ذلك لمدعي الدين على الغائب أم ليس له ذلك هذا موضع نظر والأرجح إجابة المدين لذلك ولم أر من تعرض لشيء من ذلك قال ومحله أيضا ما إذا لم يقتض الحال إجبار الحاضر على دفع مقابله للغائب فإن كان كما في الزوجة تدعي بصداقها الحال قبل الدخول على الغائب وأن ماله حاضر فإن القاضي لا يوفيها منه; لأن الزوج والزوجة يجبران ومثله لو ادعى البائع بالثمن على المشتري الغائب فإن دعواه لا تسمع لأنه لا يلزم الغائب تسليمه; لأن البائع يجبر على التسليم أولا وحيث قلنا يجبران فالحكم كما في الزوجين
(٣) "قوله فقال أبرأني موكلك" أي أو استوفاه
[ ٩ / ١٩٥ ]
"وكذا إن استحق عليه" أي على أحد "صبي مالا (^١) " وادعاه وليه عليه "فادعى أنه أتلف عليه عينا" بدلها من جنس دينه وقدره فإنه يحكم عليه ويسلم الحق "ويحلف" له "الصبي إذا بلغ" عاقلا.
"ولو سأل" المدعى عليه "تحليف الوكيل" الذي ادعى عليه "أنه لم يعلم" أن موكله أبرأه (^٢) من الحق "أجيب" إليه "وقال" صوابه قاله "الشيخ أبو حامد، وهو مخالف لما سبق" من أن الوكيل لا يحلف لكن قال الأذرعي: ما قاله الشيخ أبو حامد هو ما أورده العراقيون كما ذكره ابن الصلاح وغيره، وهو الصحيح الموافق لما مر في الوكالة من أن الوكيل يحلف على نفي العلم فيما لو ادعى البائع أن الموكل علم بالعيب ورضي به وذكر الزركشي نحوه وقال ففي البحر: أنه مذهب الشافعي; لأنه لو أقر به خرج من الوكالة والخصومة ولا يشكل بما سبق إذ لا يلزم من تحليفه هنا تحليفه ثم; لأن تحليفه هنا إنما جاء من جهة دعوى صحيحة يقتضي اعترافه بها سقوط مطالبته بخلاف يمين الاستظهار فإن حاصلها أن المال ثابت في ذمة الغائب أو الميت وهذا لا يتأتى من الوكيل
"ولو قال" شخص لآخر "أنت وكيله" أي فلان الغائب ولي عليه كذا وادعى عليك وأقيم به بينة "فأنكر" الوكالة "أو قال لا أعلم" أني وكيل "لم تقم عليه بينة" بأنه وكيله; لأن الوكالة حق له فكيف تقام بينة بها قبل دعواه وقوله فأنكر من زيادته وإذا علم أنه وكيل وأراد أن لا يخاصم فليعزل نفسه، وإن لم يعلم ذلك فينبغي أن يقول لا أعلم أني وكيل ولا يقول لست بوكيل فيكون مكذبا لبينة قد تقوم عليه بالوكالة صرح به الأصل وقضية كلام المصنف كأصله أنه
_________________
(١) "قوله وكذا لو استحق عليه صبي مالا إلخ" الفرق بين هذه وبين انتظار بلوغ الصبي فيما مر واضح فإن صورة المسألة هنا أن ولي الصبي ادعى دينا له على حاضر رشيد فاعترف به ثم ادعى وجود مسقط من الصبي، وهو إتلافه فلا يؤخر الاستيفاء لليمين المتوجهة على الصبي بعد بلوغه فإن البينة على الطفل ومن في معناه من غائب ومجنون لا يعمل بها حتى يحلف مقيمها على نفي المسقطات التي يتصور دعواها من الغائب ومن في معناه فلم تتم الحجة التي يعمل بها فإنه لا يعمل بالبينة وحدها
(٢) "قوله إنه لا يعلم أن موكله أبرأه" أو أنه استوفاه أو أنه عزله عن الوكالة ونحو ذلك مما لو اعترف به الوكيل لسقطت مطالبته
[ ٩ / ١٩٦ ]
لا يجب إقامة البينة (^١) على الوكالة ويكفي اعتراف الخصم بها حتى لو صدقه سمعت دعواه عليه بلا بينة وبه أجاب البغوي في فتاويه ونقله عن القاضي. وجزم به الإمام وغيره لكن قال الماوردي والروياني: مذهب الشافعي أنه لا يسمع تخاصمهما إلا ببينة خلافا لابن سريج نقل ذلك الزركشي تبعا للأذرعي ثم قال والحاصل أنه إن كان قصد الوكيل (^٢) إثبات الدين سمعت دعواه أو تسليم المال فلا; لأنه وإن ثبت الحق عليه لم يلزمه تسليمه إلا على وجه يبرئه منه انتهى وتقدم في باب الوكالة ما له تعلق بذلك
_________________
(١) "قوله وقضية كلام المصنف كأصله أنه لا يجب إقامة البينة" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله والحاصل أنه إن كان قصد الوكيل إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٩٧ ]