الطرف الرابع: في الحكم بالشيء الغائب على غائب (^١)
"وهذا في الأعيان"; لأنها التي تتصف بالغيبة والحضور "أما الدين ونحو النكاح والطلاق" من رجعة وإثبات وكالة ونحوهما "فلا يوصف بغيبة ولا حضور" لا في الدعوى بها ولا في غيرها "ثم العين" المدعاة "الغائبة عن البلد إن كانت مما تعرف" بأن يؤمن اشتباهها "كالعقار" المعروف ويعتمد فيه ما ذكره بقوله "فيعرفه" المدعي "بذكر البقعة والسكة والحدود الأربعة (^٢) " على ما يأتي
_________________
(١) "قوله الطرف الرابع في الحكم بالشيء الغائب على غائب" لا فرق في مسائل هذا الطرف بين حضور المدعى عليه وغيبته وإنما ذكر هنا لمناسبة الحكم على الغائب
(٢) "قوله والحدود الأربعة" إذا لم يحصل العلم إلا بها فلو حصل العلم ولو بواحد كفى بل لو كانت مشهورة باسم تنفرد به كدار الندوة بمكة كفى ذكره
[ ٩ / ٢٠٦ ]
في الدعاوى "وكالعبد والفرس" المعروفين "بالشهرة سمعت الدعوى والبينة ويحكم بها" قال في الأصل ولا يجب ذكر القيمة على الأصح لحصول التمييز دونه وتركه المصنف للعلم به مما يأتي في الدعاوى (^١).
"وما لا شهرة له" كغير المعروف من العبيد والدواب "تسمع فيه الأوصاف" أي الدعوى به اعتمادا على الأوصاف "أيضا لإقامة البينة" للحاجة إليها كما في العقار وكما تسمع على الخصم الغائب اعتمادا على الصفة "لا للحكم (^٢) "; لأنه مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد "فيصفها" أي العين الغائبة "المدعى" بها "بصفات السلم وبالقيمة" على الوجه الذي ذكره بقوله "قالوا والركن في" تعريف "المثليات الوصف (^٣) " أي ذكره "وذكر القيمة مستحب وفي ذوات القيم" الأمر "بالعكس" أي الركن في تعريفها ذكر القيمة وذكر الوصف مستحب وعليه يحمل كلام المنهاج وما ذكره في الدعاوى من وجوب وصف العين بصفة السلم دون قيمتها مثلية كانت أو متقومة هو في عين حاضرة بالبلد يمكن إحضارها مجلس الحكم فلا ينافي ما هنا كما أشاروا إليه بتعبيرهم هنا بالمبالغة (^٤) في الوصف وثم
_________________
(١) "قوله على ما يأتي في الدعاوى" حاصله أن الشرط ذكر ما يحصل العلم به ولو بذكر حد واحد حتى لو كان مشهورا لا يشتبه لا حاجة إلى تحديده
(٢) قوله لا للحكم" قال البلقيني: إن محله ما إذا لم يعلم القاضي العين التي شهد بها الشهود فإن علم بأن كانت العين الغائبة مما هو تحت نظره من ضالة أو من مال محجوره فيحكم بالبينة ولا يتخرج على جواز القضاء بالعلم; لأن البينة قائمة دافعة للتهمة وأن تشهد بملك العين من غير شهادة على إقرار المستولي عليها فإن شهدت على إقراره بذلك حكم جزما فإن أنكر عند المكتوب إليه اشتمال يده على عين بتلك الصفة لم يسمع منه بل لا بد من تسليم العين أو غرم بدلها.
(٣) "قوله قالوا والركن في المثليات الوصف" قال الإمام فإن كان المدعى به عقارا فقد أجمع الأصحاب على تصحيح الدعوى ثم شرطوا المبالغة في الوصف وذلك هين في العقار، وهو بذكر المحل من البلد والسكة منها وذكر موضع الدار من السكة وأنها الدار الأولى أو غيرها على يمين الداخل أو على يساره أو صدر السكة إن لم تكن نافذة ثم التعرض للحدود وينهى الأمر إلى غاية تفيد اليقين في التعيين ا هـ قال الأذرعي وقضية كلامه اشتراط التعرض لجميع ما ذكره، وهو غريب
(٤) "قوله كما أشاروا إليه بتعبيرهم هنا بالمبالغة إلخ" وفرق الإمام والغزالي بين المبالغة هنا وباب السلم بأن الإفراط والتناهي فيه يفضي إلى عزة الوجود وذلك ممتنع في السلم والإمعان في الوصف في الأعيان يزيدها وضوحا وتبيانا
[ ٩ / ٢٠٧ ]
بوصف السلم والمصنف كبعضهم توهم أن العين في البابين واحدة فعبر هنا بما عبروا به ثم من اعتبار وصفها بصفات السلم (^١) "ويكتب" القاضي "بذلك" أي بما جرى عنده من قيام البينة "إلى قاضي بلد العين فإن لم يوجد" ثم "عين أخرى بتلك الصفات" المذكورة "بعث" المكتوب إليه "بالعين إلي القاضي الكاتب ليشهدوا" أي الشهود عنده "على عينها" ويبعثها له "على يد المدعي" لا الخصم لما في بعثه من المشقة.
"ويؤخذ منه كفيل ببدنة (^٢) " لا بقيمتها احتياطا للمدعى عليه "ويختم على العين" عند تسليمها له "بختم لازم لئلا تبدل" بما لا يستريب الشهود في أنها له "فإن كان" المدعى به "عبدا جعل في عنقه قلادة وختم عليها والختم مستحب والكفيل واجب أو" كان "جارية" لا يحل للمدعي الخلوة بها "فكذلك" الحكم "لكن يبعث بها على يد أمين (^٣) " في الرفقة لا على يد المدعي "فإن شهدوا بعينها" أي العين المبعوث بها إلى الكاتب عنده "حكم بها للمدعي وسلمها إليه" فله الرجوع على الخصم بمؤنة الإحضار "وكتب بذلك ليبرأ الكفيل" عبارة الأصل وكتب إبراء الكفيل "وإن لم يشهدوا" بعينها "فعلى المدعي مؤنة الرد (^٤) " والإحضار لها إلى الخصم لتعديه "وأجرة العين" لمدة الحيلولة (^٥) "وتسامحوا" أي الأصحاب "في أجرة ما أحضر في البلد" لزمن الإحضار والرد فلم
_________________
(١) "قوله من اعتبار وصفها بصفات السلم" قال البلقيني وهذا الكلام في غير النقد فأما النقد فإنه يعتبر فيه ذكر الجنس والنوع والقدر وكونه صحاحا أو مكسرا
(٢) "قوله ويؤخذ منه كفيل ببدنه" أي وجوبا
(٣) "قوله لكن يبعث بها على يد أمين" بشرطه المذكور في كتاب الرهن
(٤) "قوله فعلى المدعي مؤنة الرد"، وهي ما زاد بسبب السفر حتى لا تندرج فيه النفقة الواجبة بسبب الملك.
(٥) "قوله وأجرة العين لمدة الحيلولة" لأنه عطل منفعتها على صاحبها بغير حق ولعلهم جروا على الغالب من أن ذلك الزمان إلى أن تنتهي الخصومة يكون لمثله أجرة بخلاف الحاضر في البلد فلو اتفق تقارب عملي القاضيين بحيث تنفصل القضية في زمن يسير فالظاهر أنه كالحاضر في البلد وقد يزيد زمن تعطيل العين الحاضرة بالبلد على زمن تعطيل المحضرة من عمل قاض آخر إما لإحضار الشهود مجلس الحكم ليشهدوا بالعين المدعاة وإما لاستزكائهم أو غير ذلك مما يتوقف إنهاء الخصومة عليه وحينئذ فالقياس أنه إن كان لمثل العين المحضرة أجرة وجبت وإلا فلا من غير فرق بين الحاضرة بالبلد والمحضرة من بلد أو عمل آخر لظهور التفويت في الحالتين أو يقال إن أفضى التعطيل إلى تفويت منفعة لها وقع وجب غرمها في الحالين وإلا فلا وهذا كله إذا ألزم الحاكم الخصم بإحضار العين المدعاة ليشخصها الشهود أما لو أحضرها من تلقاء نفسه فلا أجرة له بحال فيما يظهر وقد يقال إن أجرة المحضرة إنما وجبت لرفع يد صاحبها عنها بخلاف الحاضرة في البلد غ.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
يوجبوها للخصم، وإن لم يثبت ذلك للمدعي; لأن مثل ذلك يتسامح به توفيرا لمجلس القاضي ومراعاة للمصلحة في ترك المضايقة مع عدم زيادة الضرر بخلاف الغائب عن البلد ولا يجب للخصم أجرة منفعته، وإن أحضره من غير البلد للمسامحة بمثله ولأن منفعة الحر لا تضمن بالفوات أما إذا وجدت عين أخرى بتلك الصفات فقد صار القضاء مبهما وانقطعت المطالبة في الحال كما مر في المحكوم عليه صرح به الأصل.
"وأما إن كانت العين في البلد (^١) وإحضارها متيسر فإنها تحضر (^٢) لتقوم البينة على عينها" إذ بذلك يتوصل المدعي إلى حقه فوجب إحضارها كما يجب على الخصم الحضور عند الطلب "ولا تسمع" البينة "على الأوصاف (^٣) " كما في
_________________
(١) "قوله وأما العين إذا كانت في البلد" أو على مسافة العدوى في عمل القاضي.
(٢) "قوله وإحضارها متيسر فإنها تحضر إلخ" قال البلقيني: هذا إذا كان الذي يتيسر إحضاره يعرفه المدعي والشهود ويشخصه المدعي فإن كانت الدعوى في ثياب مشتبهة كالنصافي والبعلبكي وغير ذلك مما لا يعرفه المدعي فلا يأمر المدعى عليه بإحضارها; لأن المدعي لم يشخص شيئا والمدعى عليه منكر وقد قال الغزالي: في الكرباس نحو ذلك فقال إذ المنكر لا يلزمه إحضار الكرباس; لأنه يتماثل، وإن أحضر أي لأن العين التي أحضرت لم تقع الدعوى بها مشخصة فالتماثل حاصل، وإن حصل الإحضار بعد الغيبة بخلاف الحاضرة في ابتداء الأمر المشخصة في الدعوى إذا شهد الشهود على عينها لا يتأتى فيها التباس وقال إمام الحرمين: إن المدعى به إذا لم يمكن تمييزه بالوصف كأذرع من كرباس كأن قال المدعي لي في يد هذا عشرة أذرع من الكرباس فقال في يدي ألف ذراع من الجنس الذي قال فأحضر منها أيها فهذا قسم لا يتصور فيه الوصول إلى التعيين ولا يكلف إحضار عين إلا أن يصادف المدعي عينا في يد المدعى عليه فيدعيها ا هـ ومراد الإمام أن تكليفه إحضار عشرة أذرع مما في يده من غير ذكر صفة تمييز لا وجه له، وكذلك تكليفه إحضار جميع ما في يده قد يؤدي إلى عسر ومشقة.
(٣) "قوله ولا تسمع البينة على الأوصاف" أفهم الاقتصار على نفي سماع البينة بالصفة جواز الدعوى بها وبه صرح في البسيط فقال والدعوى بالعبد الذي لا يعرفه القاضي بعينه مسموعة على الوصف لا محالة إذ قد لا يقدر المدعي على إحضار العبد، وهو في يد الخصم ونبه الزركشي على أنه لا تسمع شهادة بصفة يخالفه ما نقله الرافعي بعد ذلك وجزم به في الروضة من أنه لو شهدوا بأنه غصب منه عبدا بصفة كذا فمات العبد استحق قيمته بتلك الصفة
[ ٩ / ٢٠٩ ]
الخصم الغائب عن المجلس في البلد لعدم الحاجة إلى ذلك بخلافه في الغائب عن البلد "وأما العقار فيوصف ويحدد" في الدعوى وتقام عليه البينة بتلك الحدود إذ لا يتيسر إحضاره "وقد تكفي شهرته" عن تحديده "ويحكم به" للمدعي كما مر نظيره في الغائب عن البلد "وكذا العبد" مثلا "المشهور" للناس "لا يحتاج إلى إحضاره" كما مر في العقار "وكذا إن عرفه القاضي" وحكم بعلمه "بناء على جواز حكمه بعلمه فإن كانت" حجته التي يحكم بها "بينة أحضر" لتشاهده البينة بناء على أنها لا تسمع بالصفة وتبع في هذه أصله حيث نقل عن الغزالي أنه يحكم بالعبد الذي يعرفه القاضي بلا إحضار ثم اعترضه بأن هذا بعيد فيما إذا جهل وصفه وقامت به بينة; لأنها لا تسمع بالصفة لكن أجاب عنه ابن الرفعة (^١) بأن الممنوع (^٢) إنما هو الشهادة بوصف لا يحصل للقاضي به معرفة الموصوف معه دون ما إذا حصلت به كما هنا (^٣) "وما تعسر إحضاره لثقل" فيه "أو إثبات" له "في جدار" أو أرض وضر قلعه "وصفه المدعي" إن أمكن وصفه.
"ثم يأتيه القاضي أو نائبه لتقع الشهادة على عينه" فإن لم يمكن وصفه حضر القاضي أو نائبه للدعوى على عينه "وكذا إذا عرف الشهود العقار دون الحدود يحضره" هو "أو نائبه" لتقع الشهادة على عينه "فإن وافقت الحدود" ما ذكره المدعي "في الدعوى حكم له" وإلا فلا "وإن أنكر المدعى عليه العين" المدعاة بأن أنكر اشتمال يده عليها "وحلف فله" أي للمدعي "أن يدعي عليه قيمتها فلعلها
_________________
(١) "قوله لكن أجاب ابن الرفعة بأن البينة قد تشير إليه في الغيبة"، وإن لم يكن مشهورا بأن علمت أن القاضي رآه في وقت مخصوص رؤية يتميز بها عنده عن غيره فشهدت على العبد الذي رآه ذلك الوقت قال وأيضا فقد يقال الممنوع إلخ
(٢) "قوله بأن الممنوع إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله دون ما إذا حصلت به كما هنا" وقال الحسباني الظاهر أنه أراد العبد المعروف بين الناس وفي كلام الإمام ما يدل على أنه المراد فإنه قال إنه لو تعين المدعى به للقاضي فيجوز سماع البينة عليه، وإن لم يكن حاضرا في مجلس القضاء وجها واحدا أي بخلاف المدعى عليه الحاضر بالبلد قال والفقه فيه أن الخصم المتعين إذا لم يحضر فسماع البينة لم يمتنع للجهالة وإنما امتنع المسلك الأقرب ولا يتحقق في العبد المعين الذي يعرفه القاضي والشهود
[ ٩ / ٢١٠ ]
بلغت، وإن نكل" عن اليمين "وحلف المدعي أو قامت بينة" حين أنكر (^١) "ولم يحضر العين حبس" لإحضارها "فإن ادعى التلف" لها "صدق بيمينه (^٢) "، وإن كان على خلاف قوله الأول "لئلا يخلد عليه الحبس" مع إمكان صدقه "ويسلم القيمة" عنها "فإن غصبه عينا أو أعطاه" إياها "ليبيعها" فطالبه بها "فجحدها ولم يدر أباقية هي" فيطالبه بها "أم لا" فيطالبه بقيمتها في الصورتين أو بثمنها إن باعها في الثانية "فقال" في دعواه عليه بها "ادعى عليه عينا يلزمه ردها (^٣) إلا إن كانت باقية أو قيمتها إن تلفت أو ثمنها إن باعها (^٤) سمعت" دعواه وإن كانت مترددة للحاجة وقيد ابن الرفعة تبعا للغزالي (^٥) الثانية بما إذا أعطاها له ليبيعها بأكثر من قيمتها، وفيه نظر فيما إذا أعطاها له ليبيعها بدون قيمتها.
"فإن" أقر بشيء فذاك، وإن "أنكر حلف" يمينا "أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها ولا ثمنها فإن نكل" عن اليمين وردها على المدعي "فقيل يحلف كما ادعى" أي على التردد "وقيل يشترط التعيين" في حلفه والأوجه الأول (^٦)، وهذا ذكره الأصل في أوائل الدعاوى وظاهر أن ما ذكره من الدعوى بالقيمة محله في المتقوم (^٧) أما المثلي فيدعي فيه بالمثل ويرتب عليه حكمه "ومن أثبت" أي أقام بينة "بعبد موصوف ثم مات العبد فله قيمته بتلك الصفة"
"فرع لو كان الخصم حاضرا والعين غائبة" عن البلد "سمع" القاضي "البينة ولا يحكم" بها كما لو كان الخصم غائبا أيضا "بل يأمره" أي المدعى عليه
_________________
(١) "قوله أو قامت بينة حين أنكر" صرح الغزالي بأن المراد بينة على أن في يده مثله أو يحتمل أن المراد الشهادة على إقراره أو بما يعرفه القاضي من عين تشخصت له في وقت كما تقدم.
(٢) "قوله فإن ادعى التلف صدق بيمينه على التفصيل" المار في الوديعة
(٣) "قوله يلزمه ردها" إن كانت باقية حية يلزمه ردها في مكان الدعوى
(٤) "قوله أو ثمنها إن باعها" قال البلقيني قد يكون باعه وتلف الثمن أو الثوب في يده تلفا لا يقتضي تضمينه وقد يكون باعه ولم يسلمه ولم يقبض الثمن والدعوى المذكورة ليست جامعة لذلك والقاضي إنما يسمع الدعوى المردودة حيث اقتضت الإلزام على كل وجه فلو أتى ببقية الاحتمالات لم يسمعها الحاكم; لأن فيها ما لا إلزام فيه قال ولم أر من تعرض لذلك
(٥) "قوله وقيد ابن الرفعة تبعا للغزالي إلخ" هو تمثيل جريا فيه على الغالب
(٦) "قوله والأوجه الأول" هو الأصح
(٧) "قوله محله في المتقوم" أشار إلى تصحيحه وكتب أو المثلي إذا ظفر به في غير محل التلف وللنقل مؤنة بياض بالأصل
[ ٩ / ٢١١ ]
"بإحضارها إلى مجلسه" ليشهد الشهود على عينها كما يفعله القاضي المكتوب إليه عند غيبة الخصم "فإن أحضرت ولم يشهدوا" بها "للمدعي لزمه مؤنة الإحضار" والرد "وأجرة المثل" لمدة الحيلولة كما مر فيما إذا كان الخصم غائبا أيضا
[ ٩ / ٢١٢ ]