"لا يجوز" للقاضي "أن يتخذ شهودا معينين لا يقبل غيرهم (^٢) " لما فيه من التضييق على الناس إذ قد يتحمل الشهادة غيرهم فإذا لم يقبل ضاع الحق ولإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] "بل من عرف عدالته" وقد شهد عنده "قبله (^٣) " ولم يحتج إلى تعديل (^٤)، وإن طلبه الخصم "أو" عرف "فسقه رده" ولم يحتج إلى بحث "وإن جهله" أي جهل "استزكاه" هـ أي طلب تزكيته وجوبا وإن لم يطعن فيه الخصم; لأن الحكم بشهادته فيجب البحث عن شرطها كما لو طعن الخصم ولا يكتفي بأن الظاهر من حال المسلم العدالة أو من حال من بدارنا الإسلام ويكتفي بقول الشاهد أنا مسلم بخلاف قوله أنا حر; لأنه يستقل بالإسلام دون الحرية "ولو أقر الخصم بعدالتهما" الأنسب بعدالته بأن قال
_________________
(١) "قوله لا يقبل غيرهم" أفهم أنه لو عين قوما مع قبول غيرهم لم يحرم وبه صرح الماوردي وقال لم يكره
(٢) "قوله بل من عرف عدالته قبله" قال شيخنا محله في قاض له القضاء بعلمه
(٣) "قوله ولم يحتج إلى تعديل ولو في حدود الله تعالى" ومحل الاكتفاء في التعديل بعلمه في غير أصله وفيهما وجهان في أصل الروضة بلا ترجيح وقال البلقيني الأرجح عندنا تفريعا على أنه لا تقبل تزكيته لأصله ولا لفرعه كما هو الصحيح في زيادة الروضة أنه لا يجوز أن يحكم بشهادة أصله ولا فرعه إذا علم عدالته ولم تقم عنده بينة بها وقوله وقال البلقيني الأرجح عندنا إلخ أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٨١ ]
هو عدل لكنه أخطأ في شهادته (^١) فإنه لا بد من الاستزكاء; لأنه حق لله تعالى; ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق وإن رضي الخصم; لأن الحكم بشهادته يتضمن تعديله والتعديل لا يثبت بقول واحد "كقوله" للشاهد "قبل" أداء "الشهادة أنت عدل فيما تشهد به علي" فإنه لا بد فيه من الاستزكاء لذلك فقول الروضة تبعا لبعض نسخ الرافعي إنه تعديل للشاهد رد بأنه لا بد في التعديل من قوله أشهد أنه عدل فكيف يجعل ذلك تعديلا فلو صدقه فيما شهد به حكم بإقراره واستغنى عن البحث عن حال الشاهد "فلو قامت البينة" العادلة عليه "وأقر" وفي نسخة فأقر وعبارة الأصل ثم أقر بما شهدت به عليه "قبل الحكم" عليه "لا بعده فالحكم بالإقرار لا بالشهادة"; لأنه أقوى منها بخلاف ما لو أقر بعده فإن الحكم قد مضى مستندا إلى الشهادة وإن وقع إقراره قبل تسليم المال للمشهود له وما ذكره من أن الحكم بالإقرار فيما قاله هو ما نقله الأصل عن تصحيح الهروي (^٢) وأقره، وهو يخالف ما قدمته عن الماوردي في باب الزنا من أن الأصح عنده اعتبارا سبقهما
"فصل ينبغي أن يكون له مزكون" وهم المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود "عقلاء" أي وأقر العقول لئلا يخدعوا "بريئون من الشحناء" والعصبية في النسب والمذهب خوفا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق "وأن يخفيهم" لئلا يشتهروا في الناس بالتزكية ولئلا يستمالوا أو يتوقفوا عن جرح من يخاف شره "و" أن يكون له "أصحاب المسائل" الأولى مسائل "وهم رسله إليهم" أي إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا وربما فسروا في لفظ الشافعي بالمزكين; لأنهم مسئولون وباحثون "ويكتب" وفي نسخة فيكتب ندبا إذا أراد البحث عن حال الشهود إلى المزكين "اسم الشاهد ويصفه بما يميزه" من كنية وولاء واسم أب وجد وحلية وحرفة ونحوها لئلا يشتبه بغيره "واسم المشهود له و" اسم المشهود "عليه" فقد يكون
_________________
(١) "قوله لكن أخطأ في شهادته" ذكر تصويرا للمسألة بأن يكون مع اعترافه بعدالتهما باقيا على الإنكار أما لو قال هما عدلان فيما شهدا به علي أو صادقان فيه فيحكم عليه بغير تزكية لإقراره بالحق ومثله ما لو شهد به واحد فالحكم بالإقرار لا بالشهادة أي في غير حدود الله تعالى وتعازيره. "فرع" قال الهروي لو قال الشاهد أنا مجروح قبل قوله أي، وإن لم يفسد الجرح كما قال الماوردي والروياني ومحل هذا قبل الحكم بشهادته
(٢) "قوله هو ما نقله الأصل عن تصحيح الهروي" وأقره، وهو الصحيح
[ ٩ / ١٨٢ ]
الشاهد بعض المشهود له أو عدو المشهود عليه.
"وكذا قدر المال (^١) " المشهود به فقد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير فيكتب "لكل مزك نسخة" بذلك ويرسلها "على يد صاحب مسألة (^٢) سرا" بأن يخفيها عن غير من أرسلها إليه وغير من أرسله إليه احتياطا لئلا يسعى المشهود له في التزكية والمشهود عليه في الجرح "فإن عاد إليه الرسل بجرح" من المزكين "توقف" عن الحكم "وكتمه" أي الجرح "وقال" للمدعي "زدني" في الشهود "أو" عادوا إليه "بتعديل دعا مزكيين ليشهدا" عنده به "مشيرين إليه ليأمن" بذلك "الغلط" من شخص إلى آخر فالحكم إنما يكون بقولهم لا بقول أرباب المسائل; لأنهم الأصل وأولئك رسل يشهدون على شهادة فلا تقبل مع حضور الأصل على ما يأتي "و" لكن "من نصب من أرباب المسائل حاكما في الجرح والتعديل كفى أن ينهى إليه" أي إلى القاضي "وحده" ذلك فلا يعتبر العدد; لأنه حاكم فالحكم مبني على قوله وكذا لو أمر القاضي صاحب المسألة بالبحث فبحث وشهد بما بحثه لكن يعتبر العدد; لأنه شاهد وما تقرر هو ما
_________________
(١) قوله وكذا قدر المال" لو قال وما شهدوا به لكان أعم ليتناول النكاح والقتل وغيرهما
(٢) "قوله ويرسلها على يد صاحب مسألة" قال البلقيني الواجب طلب عدالة الشاهد ليرتب الحكم على شهادته بالطريق المعتبر عنده وسواء طلب البيان بهذا الطريق أم بغيره وفي النهاية لا يستريب فقيه في أن كتابة ذلك ليس أمرا مستحقا فلو اتفق الهجوم على السؤال لفظا لما امتنع غير أن الأحسن ما قدمناه، وإن لم يكن في زمن الماضين لخبث الزمان. وقال أيضا كتابة المشهود له وعليه ليس من الواجب في الاستزكاء، وإن ذكره الشافعي والأصحاب وفي المطلب أن اعتباره لينجز الحكم ولا يقف على استكشاف عداوة ولا قرابة ولا شركة تمنع من قبول الشهادة وإلا فذاك ليس من الاستزكاء في شيء حتى لو أغفله وثبتت العدالة بقي على القاضي النظر فيما وراء التعديل وقوله غير أن الأحسن ما قدمناه وجرى الماوردي على السؤال باللفظ واعتبر فيه ترتيبا حسنا فقال كيفية سؤال البعوث أن يسألوا أولا عن أحوال الشهود فإن وجدوهم مجروحين لم يسألوا عن غيره، وإن عدلوا سألوا عمن شهدوا له فإن ذكروا أن بينه وبينهم ما يمنع من شهادتهم له لم يسألوا عما عداه وإن ذكر جواز شهادتهم له فيسألوا عن المشهود عليه فإن ذكروا ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه، وإن ذكروا جواز شهادتهم له فيسألوا عن المشهود عليه فإن ذكروا ما يمنع من شهادتهم عليه لم يسألوا عما عداه، وإن ذكروا جواز شهادتهم عليه ذكروا حقيقة العدو الذي شهدوا عليه به وعلى الرسل أن يشهدوا بما عرفوه في هذه الأحوال الأربعة إن اجتمعت وافترقت
[ ٩ / ١٨٣ ]
بحثه الأصل (^١) رافعا به الخلاف في أن الحكم بقول المزكين أو بقول هؤلاء والذي نقله عن الأكثرين أنه بقول هؤلاء، وهو المعتمد. واعتذر ابن الصباغ (^٢) عن كونه شهادة على شهادة مع حضور الأصل بالحاجة; لأن المزكين لا يكلفون الحضور (^٣) "ويشترط فيه" أي فيمن نصب حاكما في الجرح والتعديل "علمه بذلك" واتصافه بسائر صفات القضاة الذين يتولون ذلك وعبارة الأصل تعتبر فيه صفات القضاة "وفي المزكي صفات الشهود مع العلم بموجب العدالة والجرح" أي بسببهما (^٤) "وأن يكون المعدل خبيرا بالباطن (^٥) " أي بباطن حال من يعدله بصحبة وجوار ومعاملة ونحوها فعن عمر ﵁ أن اثنين شهدا عنده فقال لهما: "إني لا أعرفكما ولا يضركما أني لا أعرفكما ائتيا بمن يعرفكما فأتيا برجل فقال له عمر: كيف تعرفهما؟ قال: بالصلاح والأمانة قال: هل كنت جارا لهما؟
_________________
(١) "قوله وما تقرر هو ما بحثه الأصل إلخ" هو منطبق على قول القاضي شريح الروياني والقاضي أبي سعيد الهروي والمعدلون الذين يشهدون بعدالة الشهود ثلاث أضرب الأول الذين ولاهم الحاكم التعديل يستحب اثنان ويكتفى بواحد ولا يشترط لفظ الشهادة ويجوز بلفظ الخبر; لأنه حاكم يخبر حاكما ولا بد من كونه ممن يصلح للقضاء ويقول المعدل إذا شهد عنده عدلان بعدالة الشهود قبلتها ويخبر بها الحاكم. الضرب الثاني: أن يقول الحاكم لاثنين اذهبا وتفحصا بأنفسكما فيذهبان ويبحثان عن الحال ويخبران الحاكم فهذان يشهدان بها ولا بد من اثنين ولفظ الشهادة في هذا الموضع شرط. الضرب الثالث: إذا جاء اثنان إلى المعدل فشهدا بعدالة الشاهد فطريق ذلك طريق الشهادة على الشهادة ولا تجوز إلا عند غيبة الأصل أو مرضه. ا هـ
(٢) "قوله واعتذر ابن الصلاح إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله; لأن المزكين لا يكلفون الحضور" ولا يجب على الحاكم أن يحضرهم ليسألهم فصار هذا عذرا في قبول شهادة أصحاب المسائل على شهادة المسئولين كالمرض والغيبة في شهادة شاهدي الفرع على شاهد وهذا هو المذهب
(٤) "قوله أي بسببهما"; لأن به يتم مقصود ما فوض إليه
(٥) "قوله وأن يكون المعدل خبيرا بالباطن" أي في وقت الأداء وقريب منه والمعنى فيه أن الإنسان يخفي أسباب الفسق غالبا فلا بد من معرفته بباطن حاله وهذا كما أن في الشهادة على الإفلاس تعتبر فيها الخبرة الباطنة; لأن الإنسان مشغوف بإخفاء المال وفي الشهادة على أنه لا وارث له سواه تعتبر الخبرة الباطنة; لأنه قد يتزوج في السفر أو في الحضر خفية فيولد له وإنما اعتبرت الخبرة في التعديل لأنه لا يمكن الوصول فيه إلى اليقين; لأن الناس يخفون عوراتهم فلا أقل من الظن أما الجرح فلا يشترط فيه الخبرة الباطنة
[ ٩ / ١٨٤ ]
تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ومخرجهما؟ قال: لا، قال: هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي تعرف بها أمانات الرجال؟ قال: لا، قال: هل صاحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفهما ائتيا بمن يعرفكما"، والمعنى فيه أن أسباب الفسق خفية غالبا فلا بد من معرفة المزكي حال من يزكيه وهذا كما في الشهادة بالإفلاس.
"و" أن "يعلم القاضي منه ذلك" أي أنه خبير بباطن الحال في كل تزكية خفية أي يبنى على الظاهر قال في الأصل: إلا إذا علم من عادته أنه لا يزكي إلا بعد الخبرة ولا يعتبر في خبرة الباطن التقادم في معرفتها لئلا يتضرر المتداعيان بالتأخير الطويل بل يكتفي "بشدة الفحص عن الشخص ولو غريبا يصل" المزكي بفحصه "إلى ذلك" أي كونه خبيرا بباطنه "فحين يغلب على ظنه عدالته باستفاضة" من جمع من أهل الخبرة بباطن حاله "شهد بها" إقامة لخبرتهم مقام خبرته كما أقيم في الجرح رؤيتهم مقام رؤيته
"ويعتمد" المزكي "في الجرح المعاينة" بأن يراه يزني أو يشرب الخمر أو نحو ذلك "والسماع بأن يسمعه يقذف" شخصا "أو يقر" على نفسه "بكبيرة" أو نحو ذلك وتعبيره بكبيرة أعم من تعبير أصله بزنا أو شرب خمر "وكذا إن سمع من غيره وتواتر أو استفاض" لحصول العلم أو الظن بذلك بخلاف ما لو سمع من عدد لا يحصل به تواتر ولا استفاضة لكنه يشهد على شهادتهم بشرطه.
"وليبين" في تجريحه غيره "سبب الجرح" من زنا أو سرقة أو نحوهما; لأن أسبابه مختلف فيها وقد يظن الشاهد (^١) أن ما ليس بجرح عند القاضي جرحا ولا
_________________
(١) "قوله وقد يظن الشاهد إلخ" ولهذا أن مالكا يفسق الحنفي بشرب النبيذ غير المسكر ونحوه ونحن لا نفسقه، وإن حددناه وهذا في غير المنصوب للجرح والتعديل أما هو فليس للحاكم سؤاله عنه وقال في المطلب هذا إذا سمع القاضي الجرح لا من أصحاب المسائل أما إذا سمعه منهم فقد قال ابن الصباغ ليس للحاكم أن يقول لهم من أين تشهدون بل يسمع ذلك كما يسمع شهادتهم في سائر الأشياء ولو قال الشاهد أنا مجروح قبل قوله على نفسه من غير تفسير قال الهروي لكن في البحر قال رجل للحاكم لا تقبل شهادتي لأني جرحت أو جرحت نفسي لم يرده ما لم يتيقن قال في الخادم وهذا هو الأشبه إذا قال ذلك بعد الشهادة لتعلق حق غيره
[ ٩ / ١٨٥ ]
حاجة إلى بيان سبب التعديل (^١) ; لأن أسبابه غير منحصرة قال الإسنوي: وليس المراد بعدم قبول الشهادة بالجرح من غير ذكر سببه أنها لا تقبل أصلا حتى تقدم عليها بينة التعديل بل المراد أنه يجب التوقيف عن العمل بها إلى بيان السبب كما ذكره النووي في شرح مسلم في جرح الراوي ولا فرق في ذلك بين الرواية والشهادة قال الأذرعي: وفي عدم الفرق وقفة للمتأمل وفي اشتراط ذكر ما يعتمده المزكي في الجرح من المعاينة والسماع وجهان أحدهما، وهو الأشهر نعم وثانيهما، وهو الأقيس لا (^٢)، ذكر ذلك في الأصل وظاهر صنيع المصنف اعتماد الثاني
"فإن شهد بأنه زنا لم يجعل قاذفا (^٣) "، وإن لم يوافقه غيره لعذره "لأنه مسئول" عن شهادته "والجواب منه فرض كفاية" أو عين وبذلك فارق ما لو شهد دون أربعة بالزنا فإنه يجعل قاذفا; لأنه مندوب إلى الستر فهو مقصر "ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين الآخر (^٤) " لقيامه بأحد الشطرين فلا يقوم بالآخر "ولا والده و(^٥) " لا "ولده" كالحكم لهما "وإن جهل مزك زكى" فلو شهد
_________________
(١) "قوله ولا حاجة إلى بيان سبب التعديل إلخ" ينبغي أن يكون هذا في العارف أما العامي إذا شهد بالعدالة فلا بد من بيان سبب التعديل; لأن غالبهم يجهل ذلك وقد قال الإمام في كتاب الشهادات ومعظم شهادة العوام يشوبها غرة وجهل، وإن كانوا عدولا فيتعين الاستفصال فيها ثم رأيت الماوردي ذكر أن القائلين بأنه لا يشترط ذكر سبب التعديل شرطوا كون الشاهد من أهل الاجتهاد.
(٢) "قوله وثانيهما، وهو الأقيس لا" هو الأصح
(٣) "قوله لم يجعل قاذفا"، وإن علم فيه جارحا غير الزنا
(٤) "قوله ولا يجوز أن لا يزكي أحد الشاهدين الآخر" يجوز لاثنين أن يزكيا اثنين قولا واحدا، وإن كان في شاهدي الفرع قولان ذكره في الحاوي عقب أصحاب المسائل وقد غلط فيها قوم فلتعرف ر
(٥) "قوله ولا والده إلخ" هل يحل له إذا كان القاضي لا يرى ذلك، وهو يجهل أنه أبوه قال ابن رفعة لم أر فيه نقلا ويظهر تخريجه على الوجهين في الفاسق باطنا إذا ادعى للأداء هل يحل له الإقدام ا هـ وقال ابن عبد السلام إذا شهد الوالد لولده والعدو على غيره والفاسق بما يعلمونه من الحق والحاكم لا يشعر بمانع الشهادة ففيه خلاف والمختار جوازه لأنهم لم يحملوا الحاكم على الباطل وإنما حملوه على إيصال الحق لمستحقه وإنما ردت شهادتهم للتهمة، وهي مانعة للحكم من جهة قدحها في ظنه رهنا لا إثم على الحاكم لتوفر ظنه ولا لخصم لأخذ حقه ولا لشاهد لمعونته قال الأذرعي المختار بل الصحيح الجواز نظرا إلى ما في نفس الأمر وقد تقدم له نظائر وسيأتي إن شاء الله تعالى بل أقول يتجه الجزم بالوجوب إن كان فيه منع استحلال بضع أو دم بغير حق.
[ ٩ / ١٨٦ ]
اثنان وعدلهما آخران مجهولان وزكى الآخرين مزكيان للقاضي جاز.
"ولا يكفي" في ثبوت العدالة "رقعة مزك بالتزكية"; لأن الخط لا يعتمد في الشهادة كما مر "بل لا بد من شاهدين معها" إن كان القاضي يحكم بشهادة المزكين فإن ولي بعضهم الحكم بالجرح والتعديل فليكن كتابه ككتاب قاض إلى قاض والرسولان كشاهدين عليه "وأصحاب المسائل فروع فلا يشهدون إلا عند تعذر حضور المزكين" هذا جار على بحث الأصل السابق وقد عرفت ما فيه
"فرع يكفي في التعديل" أن يقول "أشهد أنه عدل" أو مرضي أو مقبول القول أو نحوها وإن لم يقل علي (^١) ولي; لأنه أثبت العدالة التي اقتضاها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولا يكفي قوله لا أعلم منه إلا خيرا; لأنه قد لا يعرف منه إلا الإسلام ولا قوله لا أعلم منه ما ترد به الشهادة; لأنه قد لا يعرف ما يوجب القبول أيضا.
"فصل يستحب" للقاضي "قبل التزكية أن يفرق شهودا ارتاب بهم" أو توهم غلطهم لخفة عقل وجدها فيهم "ويسألهم" أي كلا منهم "عن زمان التحمل" للشهادة عاما وشهرا ويوما وغدوة أو عشية "و" عن "مكانه" محلة وسكة ودارا أو صفة أو صححنا "و" عن "من حضر" معه من الشهود عبارة الأصل ويسأله أتحمل وحده أم مع غيره "و" عن "من كتب" شهادته معه "وبأي مداد كتبوا" عبارة الأصل وأنه كتب بحبر أو بمداد ونحو ذلك ليستدل على صدقهم (^٢) إن اتفقت
_________________
(١) "قوله، وإن لم يقل علي" قال البلقيني قد يكون بينه وبين المعدل عداوة تمنع من قبول شهادته عليه فلا ينبغي أن يلزم العدل أن يقول علي لوجود العداوة المانعة من قبول قوله عليه ولو قال المعدل ذلك على قصد التعميم لم يكن ذلك مقتضيا لانتفاء العداوة بينه وبينه وقال ابن النقيب ينبغي إن لاحظنا ما بين الشاهد والمزكي اتجه اشتراط لي فقط أو ما بينه وبين المشهود عليه من عداوة اتجه اشتراط عليه فقط ويشير إليه أو يسميه أو ما بينه وبين المشهود له من قرابة اتجه اشتراط له فقط ويشير إليه أو يسميه وإن لوحظ الاحتياط اشتراط لي وللمشهود له وعلى المشهود عليه. ا هـ.
(٢) "فصل قوله يستدل على صدقهم" قيل أول من فرق الشهود دانيال وقيل سليمان بن داود عليهم الصلاة والسلام
[ ٩ / ١٨٧ ]
كلمتهم وإلا فيقف عن الحكم وإذا جاء به أحدهم لم يدعه يرجع إلى الباقين حتى يسألهم لئلا يخبرهم بجوابه "فإن امتنعوا من التفصيل (^١) " ورأى أن يعظهم ويحذرهم عقوبة شهادة الزور "وعظهم" وحذرهم "فإن أصروا" على شهادتهم ولم يفصلوا "وجب" عليه "القضاء" إذا وجدت شروطه ولا عبرة بما يبقى من ريبة وإنما استحب له ذلك قبل التزكية لا بعدها; لأنه إن اطلع على عورة استغنى عن الاستزكاء والبحث عن حالهم وإلا فإن عرفهم بالعدالة قضى وإلا استزكى قال الأذرعي: وينبغي أن يفرقهم فجأة (^٢) قبل أن يفهموا عنه ذلك فيحتالوا فيجعل كل واحد بمكان بمفرده كما صنع علي ﵁ "وإن لم يرتب" بهم ولا توهم غلطهم "فلا يفرقهم ولو طلب" منه "الخصم" تفريقهم; لأن فيه غضا منهم
"فصل تقدم بينة الجرح على بينة التعديل (^٣) "، وإن كانت الثانية أكثر لزيادة علم الجارح "إلا إن شهدت الثانية بتوبته مما جرح به (^٤) " فتقدم على الأولى; لأن معها حينئذ زيادة علم "ولو عدل" الشاهد في واقعة ثم شهد في أخرى "وطال" بينهما "زمن (^٥) استبعده القاضي" باجتهاده "طلب تعديله ثانيا"; لأن طول الزمن يغير الأحوال بخلاف ما إذا لم يطل (^٦) "ولو عدل في مال قليل فهل يعمل
_________________
(١) "قوله فإن امتنعوا من التفصيل إلخ" محل عدم تعين التفصيل على الشاهد إذا علم أنه لو تركه لم يفت بذلك حق من دم أو مال أو بضع أو غيرهما أما لو علم أنه لو لم يفصل لفات بذلك حق المدعي أو المدعى عليه فالوجه أنه يجب عليه التفصيل لا محالة غ
(٢) "قوله قال الأذرعي وينبغي أن يفرقهم فجأة إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله تقدم بينة الجرح على بينة التعديل" لأنه علم ما خفي على المعدل ولأنه مثبت والمعدل ناف والإثبات أولى من النفي ويشبه ذلك بما إذا شهدت بينة بالحق وبينة بالإبراء تقدم بينة الإبراء
(٤) "قوله إلا إن شهدت الثانية بتوبته مما جرح به" فتقدم الأولى كأن جرحه اثنان ببلد ثم انتقل لأخرى فعدله اثنان بعد مضي مدة الاستبراء ومثله ما لو كانتا ببلد واحد وقيده ابن الصباغ بأن يعرف المعدلان ما جرى من جرحه قال الأذرعي، وهو واضح وكلام الجرجاني ظاهر فيه وإليه يشير كلام المنهاج وأصله
(٥) "قوله ولو عدلوا وطال زمن إلخ" قال في الخادم أنه في غير الشهود المرتبين عند الحاكم أما هم فلا يجب طلب التعديل قاله ابن عبد السلام في قواعده
(٦) "قوله بخلاف ما إذا لم يبطل" المرجع في قرب الزمان وبعده إلى العرف الغالب فيعتمد القاضي ما يغلب على ظنه
[ ٩ / ١٨٨ ]
بذلك) أي بتعديله المذكور (في) شهادته بالمال (الكثير) بناء على أن العدالة لا تتجزأ أو لا بناء على أنها تتجزأ (وجهان) قال ابن أبي الدم المشهور من المذهب الأول (^١) فمن قبل في درهم يقبل في ألف نقله عنه الأذرعي وأقره (ولو عدلوا عنده في غير محل ولايته لم يعمل بها) أي بشهادتهم إذا عاد إلى محل ولايته (إذ ليس هذا قضاء بعلم) بل ببينة فهو كما لو سمع البينة خارج ولايته وقيل يعمل بها إن جوزنا القضاء بالعلم والأول قول الأكثر والترجيح مع التعليل من زيادته وصوب الزركشي الثاني محتجا له بقول الأصل في الكلام على القضاء بالعلم وسواء ما علمه في زمن ولايته ومكانها وما علمه في غيرهما وما قاله مردود بما علل به المصنف (وتقبل شهادة الحسبة في الجرح والتعديل)؛ لأن البحث عن حال الشهود ومنع الحكم بشهادة الفاسق حق لله تعالى.
_________________
(١) (قوله المشهور من المذهب الأول) هو الأصح.
[ ٩ / ١٨٩ ]