النوع "الرابع: الأوصاف" والإضافات لو "حلف لا يدخل داره (^٥) حنث بدار يملكها"، وإن لم يسكنها; لأنه مقتضى الإضافة إلى من يملك بدليل الإقرار والشهادة "لا بما يسكنه بإجارة (^٦) " أو إعارة أو نحوهما لعدم الملك "إلا إن أراده (^٧) " فيحنث عملا بنيته
"أو" حلف "لا يدخل مسكنه حنث بما يسكنه ولو غصبا إلا بما يملكه ولا يسكنه"; لأنه ليس بمسكنه حقيقة "إلا إن أراده" فيحنث عملا بنيته "أو لا
_________________
(١) "قوله لو حلف لا يدخل داره" لو حلف لا يدخل بيته لم يحنث بدخول داره أو لا يدخل داره حنث بدخول بيته
(٢) "قوله حنث بدار يملكها لا بما يسكنه بإجارة إلخ" شمل ما لو حلف بالفارسية، وهو كذلك فقد قال الرافعي: بعد نقله عن القاضي حمله على مسكنه لا يكاد يظهر فرق في ذلك بين الفارسية والعربية
(٣) "قوله إلا إن أراده" هذا في الحلف بالله تعالى فإن كان بطلاق أو إعتاق قبل فيما عليه لا فيما له قال الأذرعي وأفتيت فيمن قال لغيره تعال إلى قريتي فحلف بالطلاق أنه لا يأتيها ثم أتى قرية يسكنها القائل، وهي لغيره أنه يحنث ولا شك عندي في ذلك. ا هـ.
[ ٩ / ٥٩ ]
يدخل دار مكاتبه حنث بدخولها"; لأنه مالك نافذ التصرف
"وإن حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده فباعهما" يعني فأزال ملكهما أو ملك بعضهما "ثم دخلها" أي الدار "وكلمه" أي العبد "لم يحنث"; لأنه لم يدخل دار زيد ولم يكلم عبده (^١) حقيقة "فإن دخل ما" أي دارا "اشتراها" زيد "بعد لم يحنث" بدخولها "إن أراد الأولى، وإن أراد ملكه" بأن أراد أي دار تكون في ملكه حنث بالثانية وكذا إن أطلق كما ذكره الماوردي والبغوي (^٢) وابن الصباغ وغيرهم، وإن أراد أي دار جرى عليها ملكه حنث بهما (^٣)
"ولو قال" لا أدخل "دار زيد هذه حنث بدخولها ولو بعد البيع" تغليبا للإشارة دون الاسم (^٤) "كمن حلف لا يكلم زوجة فلان هذه (^٥) وكلمها مطلقة (^٦) " حنث بتكليمها (^٧) "أو لا آكل لحم هذه البقرة" مشيرا "لشاة حنث بأكلها" بخلاف قوله لا آكل لحم هذه السخلة فكبرت وأكل لحمها أو لا أكلم هذا
_________________
(١) "قوله; لأنه لم يدخل دار زيد ولم يكلم عبده" ضابط هذا النوع أن يحلف على شيء غير معين مضافا إلى غيره
(٢) "قوله كما ذكره البغوي إلخ" هو أصح الوجهين خلافا للعبادي
(٣) "قوله، وإن أراد أي دار جرى عليها ملكه حنث بهما" يجري هذا التفصيل فيما يتجدد له من عبد أو زوجة أو نحوهما
(٤) "قوله تغليبا للإشارة دون الاسم"; لأنه حلف على عينها ووصفها بإضافة تطرأ وتزول فغلب الأقوى، وهو التعيين وضابط هذا النوع أن يحلف على شيء بعينه مضافا إلى غيره
(٥) "قوله كمن حلف لا يكلم زوجته هذه" أو ينوي في هذه والتي قبلها م
(٦) "قوله فكلمها مطلقة إلخ" استشكل الإمام على صورة الكتاب ما لو قال لا آكل لحم هذه السخلة فكبرت لا يحنث على الأصح مع أنه سمى وأشار ولم يجعلوا زوال الإضافة كزوال التسمية قال والفرق عسر وفرق غيره بأنه لا يلزمه من عدم اعتبار الإضافة لعروضها عدم اعتبار الأسماء والصفات للزومها وعدم عروضهما وزوالهما بعد ذلك إنما هو بتغير يحصل إما بعلاج أو بخلقة فلذلك اعتبر الاسم مع الإشارة فعلقت اليمين بمجموعهما ولم يوجد بعد ذلك إلا أحدهما، وهو بعض ما علق به اليمين لا كله ولا كذلك في دار زيد هذه المعول الإشارة فقط، وهي موجودة ابتداء ودواما. ا هـ.
(٧) "قوله حنث بتكليمها" إلا أن يريد ما دام ملكه فلا يحنث لزوال الشرط المعلق عليه ويأتي فيه ما سبق من التخصيص بالحلف بالله تعالى ولم يذكر في الروضة هذا الاستثناء ولا بد منه
[ ٩ / ٦٠ ]
الصبي فبلغ وكلمه لزوال الاسم ولا يلزم من اعتبار الاسم المطابق اعتبار غيره ولا يجيء فيه الخلاف في نظيره من البيع إذ باب الإيمان أوسع
"ولو حلف لا يدخلها من هذا الباب فقلع ونصب على منفذ آخر" منها "فالمعتبر" في الحنث "المنفذ لا الخشب" المركب عليه "فحنث بالأول" لأنه المحتاج إليه في الدخول دون الباب المنصوب عليه "لا بالثاني إلا إن نواه (^١) " فيحنث به
"ولو حلف لا يدخل هذه الدار من بابها" أو لا يدخل باب هذه الدار فحول الباب إلى منفذ آخر "ودخل منه حنث" كما يحنث بدخوله من المنفذ الأول; لأن كلا منهما بابها ولا يشترط لما يتناوله اللفظ وجوده عند اليمين بدليل أنه لو قال لا أدخل دار زيد فدخل دارا ملكها بعد اليمين حنث "وإن تسور الجدار" وصار فيها "لم يحنث"; لأنه لم يدخل من بابها
"ولو ملك زيد عبده دابة فركبها رجل حلف لا يركب دابة زيد حنث"; لأنها دابته "أو" حلف لا يركب "دابة عبده لم يحنث"; لأن الإضافة للملك ولا ملك للعبد "إلا إن قال" أردت "ما ملكه عبده" بتشديد اللام فيحنث لوجود التمليك، وإن لم يحصل به ملك "فلو ركب دابة ملكها" العبد "بعد العتق فوجهان" أحدهما رجحه الرافعي في الشرح الصغير يحنث لوجود الملك وثانيهما لا (^٢) إن لم تكن له نية; لأنه إنما ركب دابة حر، وهذا رجحه الأصل تفقها (^٣)، وهو الأوجه (^٤) "أو" حلف "لا يركب سرج هذه الدابة فركبه ولو على" دابة "أخرى وكذا دكان" حلف لا يدخله، وهو "ينسب إلى زيد بلا ملك"، وإنما ينسب إليه نسبة تعريف حنث ومثل ذلك كل ما لا يتصور منه الملك فتكون
_________________
(١) "قوله لا بالثاني إلا إن نواه" فلو نوى كليهما عمل بنيته "فرع" قال الزركشي إذا حلف لا يركب دابة لم يحنث بالحمار، وإن كان العرف مطردا يعني بتسميته دابة
(٢) قوله وثانيهما لا" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله، وهذا رجحه الأصل تفقها" عبارته ويشبه أن يكون على الخلاف فيما إذا حلف لا يكلم هذا العبد فكلمه بعد العتق والأصح فيه عدم الحنث
(٤) "قوله، وهو الأوجه" هو الأصح
[ ٩ / ٦١ ]
الإضافة إليه للتعريف لا للملك كدار العدل ودار الولاية وسوق أمير الجيوش وخان الخليلي بمصر وسوق يحيى ببغداد وخان أبي يعلى بقزوين ودار الأرقم بمكة ودار العقيقي بدمشق فإذا حلف لا يدخل شيئا منها حنث بدخوله، وإن كان من يضاف إليه ميتا لتعذر حمل الإضافة على الملك (^١)
"أو" حلف "لا يلبس ثوبا من" أي أنعم "به عليه فلان فباعه ثوبا وأبرأه من ثمنه أو حاباه" فيه "لم يحنث" بلبسه; لأن المنة في الثمن لا في الثوب "وإن وهبه له أو أوصى له به حنث" بلبسه "إلا أن يبدله" قبل لبسه "بغيره" ثم يلبس الغير فلا يحنث; لأن الأيمان تبنى على الألفاظ لا على المقصود التي لا يحتملها اللفظ وقوله فباعه إلى آخره يقتضي وقوعه بعد اليمين وليس مرادا إذ وقوعه بعدها لا حنث فيه مطلقا; لأنه عبر في حلفه بالماضي فلو قال كأصله (^٢) فلبس ثوبا باعه له أو وهبه إلخ كان أولى وسيأتي بسط ذلك لكن ما اقتضاه كلامه بحثه الأذرعي والزركشي قالا: وينبغي التفصيل بين اللغوي وغيره "وإن من" أي عدد "عليه" النعم غيره "فحلف لا يشرب له ماء من عطش فشرب ماءه بلا عطش أو أكل له طعاما" أو لبس له ثوبا "لم يحنث"; لأن اللفظ لا يحتمله، وإن كان قد يقصد في مثل ذلك الامتناع من الجميع (^٣)
"وإن قال لا ألبس ثوبا من غزل فلانة فلبس ثوبا سداه" بفتح السين "من غزلها (^٤) " ولحمته من غيره "لم يحنث"; لأنه ما لبس من غزلها بل منه ومن غيره "وإن قال لا ألبس من غزلها حنث به لا بثوب خيط" بخيط "من غزلها"
_________________
(١) "قوله لتعذر حمل الإضافة على الملك" فتعين أن يكون للتعريف
(٢) "قوله فلو قال كأصله إلخ" فالفاء للترتيب الذكري
(٣) "قوله، وإن كان يقصد في مثل ذلك الامتناع من الجميع" ولو قال والله ما ذقت لفلان ماء لم يحنث، وإن أكل طعامه قال الإمام ولو نوى الطعام لم يحنث أيضا; لأن حمل الماء على الطعام ميل بعيد عن موجب اللفظ فلا أثر للنية
(٤) "قوله أو حلف لا يلبس من غزلها" هل المراد بغزلها ما غزلته، وإن لم تملكه أو المراد غزل هو ملكها، وإن لم تغزله ظاهر عبارة الإرشاد وأصله وغيرهما الأول كما في قوله مما غزلته وصرح الروياني في الكافي بالثاني فقال لو حلف لا يلبس من غزل فلانة يحمل على الملك ولو قال مما غزلت يحمل على الفعل ا ث وقوله أو المراد غزل هو ملكها أشار إلى تصحيحه وكذا قوله يحمل على الملك
[ ٩ / ٦٢ ]
لأن الخيط لا يوصف بأنه ملبوس "فإن قال" لا ألبس "مما غزلته لم يحنث بما تغزله" بعد اليمين بل ما غزلته قبلها "أو عكسه فعكس حكمه" أي قال لا ألبس مما تغزله لم يحنث بما غزلته قبل اليمين بل بما تغزله بعدها "أو" قال: لا ألبس "من غزلها حنث بهما" أي بما غزلته وبما تغزله لصلاحية اللفظ لهما وبذلك علم ما صرح به الأصل أنه يراعى في الحلف مقتضى اللفظ في تناوله الماضي والمستقبل أو أحدهما فإذا قال لا ألبس ما من به علي فلان فإنما يحنث بلبس ما من به فلان قبل اليمين بهبة أو غيرها لا بما يمن به بعدها وعكسه عكس حكمه وتقدم فيه بحث الأذرعي والزركشي
"وإن حلف لا يلبس ثوبا حنث بقميص ورداء وسراويل وجبة قباء ونحوها" مخيطا كان أو غيره "من قطن وكتان وصوف وإبريسم" سواء ألبسه بالهيئة المعتادة أم لا بأن ارتدى أو اتزر بالقميص أو تعمم بالسراويل لتحقق اسم اللبس والثوب "لا بالجلود والقلنسوة" والحلي لعدم اسم الثوب قال الأذرعي ويشبه أنه إذا كان (^١) من أهل ناحية يلبسونها ويعدونها ثيابا يحنث بها "ولا بوضع الثوب على الرأس و" لا "افتراشه" تحته "وكذا لو تدثر به"; لأن ذلك لا يسمى لبسا، وإنما حرم افتراش الحرير; لأنه نوع استعمال فكان كسائر أنواع الاستعمال قال في المهمات: ومحل ما ذكر في التدثر إذا كان بقميص أو نحوه كما صور به في الوجيز أما إذا تدثر بقباء أو فرجية ففي أصل الروضة عن الإمام في محرمات الإحرام أنه إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسه لزمته الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا وحينئذ يحمل إطلاقهم (^٢) هنا على ذلك انتهى. ورد بما فيه نظر (^٣)
_________________
(١) "قوله قال الأذرعي ويشبه أنه إذا كان إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله وحينئذ يحمل إطلاقهم إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله ورد بما فيه نظر" قال في التعقبات وفيه نظر; لأن وجوب الكفارة مداره على الستر، وإن لم يعد لابسا والمراد هنا على اللبس عرفا واللبس العرفي أن يحيط القباء ببدنه والتدثر ستر وليس بلبس وكل لبس ستر ولا عكس وقول الإمام إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسه معناه أنه إذا جعل بعضه فوقه وبعضه تحته ولم يدخل يديه في كميه; لأنه في هذه الحالة إذا قام استمسك القباء عليه بما تركب منه على منكبيه وإلا فمتى وضع جنبه الواحد على الأرض وتدثر به على الآخر فهذا لا يعد لابسا; لأنه إذا قام سقط عنه. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ٦٣ ]
"ويحنث في" الحلف على لبس "الحلي لا" الحلي "المتخذ من الذهب والفضة واللؤلؤ والجواهر ولو منطقة محلاة" وسوارا وخلخالا وطوقا ودملجا وخاتما سواء أكان الحالف رجلا أو امرأة "لا بسيف محلى"; لأنه ليس حليا "و" يحنث "بالخرز والسبج" بفتح المهملة والموحدة وبالجيم، وهو الخرز الأسود كما في الصحاح "إن كان من" قوم يعتادون التحلي بهما مثل "أهل السواد وإلا فوجهان" قال في الأصل كما لو حلف غير البدوي لا يدخل بيتا فدخل بيت شعر وقضيته ترجيح الحنث لكن جزم الماوردي بعدمه (^١) "لا بالمتخذ من شبه" بفتح السين المعجمة والموحدة أي نحاس "وحديد" قال الأذرعي ويشبه أنه إذا كان (^٢) من قوم يتحلون بذلك ويعدونه حليا حنث به كما ذكر في المخدة وكما مر في الخرز ثم رأيت الروياني قال ولو تحلى بالخرز والصفر فإن كان في عرفهم حليا كأهل البوادي وسكان السواد حنث وإلا فلا
"وإن حلف لا يلبس شيئا حنث بالجلود والنعل والقلنسوة والدرع ونحوها" من سائر ما يلبس لصدق الاسم "أو لا يلبس قميصا" منكرا أو معرفا كهذا القميص "فارتدى" أو اتزر "به حنث" لتحقق اسم اللبس والقميص كما مر نظيره في الحلف على لبس الثوب "لا" إن ارتدى أو اتزر به "بعد فتقه" لزوال اسم القميص فلو أعاده على هيئته الأولى فكالدار المعادة بنقضها وسيأتي "ولو قال لا ألبس هذا الثوب" وكان قميصا أو رداء "فجعله" نوعا آخر مثل "سراويل حنث" بلبسه لتعلق اليمين بعين ذلك الثوب إلا أن ينوي ما دام بتلك الهيئة كما صرح به الأصل "أو لا ألبس هذا القميص" أو الثوب "قميصا فارتدى" أو اتزر أو تعمم "به لم يحنث" لعدم صدق الاسم "بخلاف" ما لو قال "لا ألبسه، وهو قميص" فأتى بذلك فإنه يحنث; لأنه لبسه، وهو قميص
"وإن حلف لا يأكل هذه وأشار إلى حنطة فأكلها ولو خبزا حنث (^٣) "
_________________
(١) = الثوب ولو جعل كمي القميص مما يلي رجليه وذيله مما يلي كتفيه وتدثر به فهو كالرداء إذا تدثر به والله أعلم
(٢) قوله لكن جزم الماوردي بعدمه" هو الأصح
(٣) "قوله قال الأذرعي ويشبه أنه إن كان إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله، وإن حلف لا يأكل هذه وأشار إلى حنطة فأكلها ولو خبزا حنث" كلامهم. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ٦٤ ]
تغليبا للإشارة "أو لا يأكل حنطة (^١) أو هذه الحنطة أو من هذه الحنطة فأكلها حبا ومقلية ومطبوخة" مع بقاء حبها (^٢) ومبلولة "لا مطحونة" ومعجونة ومخبوزة "حنث إن أكلها" لصدق الاسم "لا" إن أكل "بعضها" فلا يحنث به "إلا في الثالثة"، وهي لا آكل من هذه الحنطة فيحنث، وإنما لم يحنث بأكلها مطحونة أو معجونة أو مخبوزة أو مطبوخة مع عدم بقاء حبها لزوال اسم الحنطة وظاهر أن أكل الكل أو البعض في الأولى غير مراد (^٣) لعدم تأتيه فيها لتنكيره الحنطة "والدقيق غير العجين والخبز غيرهما" فلو قال لا آكل هذا الدقيق فأكل عجينه أو خبزه أو هذا العجين فأكل خبزه أو هذا الخبز فدقه بعد يبسه وأكل دقيقه لم يحنث وذكر الأخيرة من زيادته وبها صرح ابن الرفعة تفقها
"وإن حلف لا يلبس هذا الغزل فلبسه ثوبا أو لا يأكل لحم هذا الخروف (^٤) فذبحه وأكله حنث"; لأن الغزل هكذا يلبس ولحم الخروف
_________________
(١) = مصرح في هذه الصورة وأشباهها بأنه إنما يحنث بأكل الجميع وقالوا لو قال لا آكل هذا الرغيف فبقي منه ما يمكن التقاطه وأكله لم يحنث فأفهم أنه إذا بقي مالا يمكن التقاطه وأكله أنه يحنث ولا شك أن الحنطة إذا طحنت يبقى في ثقوب حجر الرحى منها بقية دقيق ويطير إلى الجدران منه شيء وإذا عجنت يبقى في المعجن غالبا منها بقية وإذا أكل الخبز قد يبقى منه فتات يسير، وهذا كله يوجب توقفا في الحنث بأكل خبزها عند من ينظر إلى حقيقة اللفظ ويطرح العرف ولا سيما إذا كان دقيقها قد نخل ثم عجن وخبز وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في الحنطة المشار إليها بين أن تكون قليلة يمكنه أكلها ولو في زمن طويل أو لا يمكن لكثرتها وفيه للنظر مجال ومما يرشح النظر إلى اعتبار اللفظ والوقوف معه ما ذكره أبو بكر بن العربي المالكي في فوائد رحلته قال كنت كثيرا في مجلس الشاشي يعني صاحب الحلية فيأتي إليه الرجل يقول حلفت بالطلاق أن لا ألبس هذا الثوب وقد احتجت إلى لبسه فيقول سل منه خيطا مقدار شبر أو أصبع ثم يقول البس لا شيء عليك قال ابن العربي خطر لي وقد أبى القلب هذا قوله تعالى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ أنه دليل على اعتبار اللفظ لا المعنى المفهوم من العرف ا هـ ولا أحسب ما نقله عن فتوى الشاشي محل وفاق للأصحاب ق و، وقوله ثم يقول البس ولا شيء عليك أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله أو لا يأكل حنطة إلخ" هذا عند الإطلاق فإن نوى شيئا اعتبرت نيته
(٣) "قوله ومطبوخة مع بقاء حبها" بخلاف ما إذا طبخت بحيث زال اسم الحنطة عنها
(٤) "قوله وظاهر أن أكل الكل أو البعض في الأولى غير مراد" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله أو لا آكل لحم هذا الخروف" قال الإمام: ولو أشار إلى سخلة وقال لا آكل لحم هذه البقرة حنث بأكلها قطعا تغليبا للإشارة وفي كلام الأصحاب دلالة عليه;. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ٦٥ ]
هكذا يؤكل والأولى ترك لفظة لحم كما تركها الأصل "فلو ذبحه، وقد صار كبشا" وأكله "لم يحنث" لزوال اسم الخروف فكان الثاني غير الأول (^١)
"ولو قال" مشيرا "لصبي أو عبد لا أكلم هذا فكلمه حرا أو بالغا حنث" والتصريح بمسألة الصبي من زيادته "أو" قال لا أكلم "هذا العبد أو" هذا "الصبي فكلمه حرا أو بالغا لم يحنث" لزوال الاسم "وكذا" لا يحنث لو قال "لا آكل هذا الرطب فصار تمرا أو هذا التمر فجعل حبسا" بأن خلطا بعد نزع نواه وعجنه شديدا بسمن وأقط وأكله كذلك
"ولو حلف لا يلبس الخاتم فجعلها" الأولى قول أصله فجعله "في غير خنصره" من أصابعه "حنثت المرأة لا الرجل"; لأنه العادة في حقها دونه أما جعله في الخنصر فيحنث به كل منهما وما قاله تبع فيه ابن الرفعة وغيره أخذا من كلامهم في الوديعة بل نقله ابن الرفعة (^٢) عن الجامع الكبير ردا على قول الأصل فعن المزني في الجامع أنه لا يحنث; لأنه لا يلبس عادة في غير الخنصر وتابعه البغوي وقاسه على ما لو حلف لا يلبس القلنسوة فجعلها في رجله والذي حكاه الروياني عن الأصحاب أنه يحنث أي مطلقا قال الأذرعي: وهو الراجح لوجود حقيقة اللبس وصدق الاسم قال: والظاهر أنه لا فرق بين لبسه في الأنملة العليا
_________________
(١) = لأن العبارة التي وجدت غير صحيحة فصارت كالمعدومة ونزل ذلك منزلة قوله لا آكل لحم هذه بخلاف ما تقدم فإن العبارة فيها صحيحة فأمكن اعتبارها ويخالف ما إذا قال بعتك هذه السخلة فإذا هي بقرة; لأن في البيع تعبدات وإذا فسد بعض الصيغة فسد كلها
(٢) "قوله فكان الثاني غير الأول" خرج بذلك ما لو قال لا آكل لحم هذه السخلة أو الخروف فصار كبشا فذبحه وأكله فإنه يحنث على الأصح والفرق أن المحلوف عليه في مسألة السخلة اللحم ولم يزل اسمه بكبرها بل حدثت فيه زيادة "تنبيه" لو قال لا آكل من هذه البقرة تناول لحمها دون ولد ولبن قال الأذرعي هكذا نقلا المسألة عن القاضي الحسين والاقتصار على ذكر اللحم قد يفهم تخصيص الحنث به وفي فتاوى القاضي أنه لو حلف لا يأكل من هذه الشاة يحمل على اللحم والشحم والألية دون لبنها وما اتخذ منه قلت والظاهر أن الكرش والكبد والرئة والقلب والمخ والدماغ ونحوها من أجزائها في حكم اللحم هنا ولم أر فيه شيئا.
(٣) قوله وما قاله تتبع فيه ابن الرفعة" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ٦٦ ]
والوسطى (^١) والسفلى
"فصل" لو "حلف لا يخرج فلان إلا بإذنه (^٢) " أو بغير إذنه أو حتى يأذن له "فخرج بلا إذن" منه "حنث أو بإذن فلا" يحنث "ولو لم يعلم" بإذنه لحصول الإذن "وانحلت اليمين في الحالين" أي حالتي الحنث وعدمه حتى لو خرج بعد ذلك بغير إذن أو بإذن لم يحنث "ولو كان" الحلف "بطلاق" كأن قال لزوجته: إن خرجت أو إن خرجت أبدا بغير إذني فأنت طالق "فخرجت وادعى الإذن" لها في الخروج وأنكرت ولا بينة له "فالقول قولها" بيمينها (^٣) "وتنحل" اليمين "بخرجة" واحدة سواء أكانت بإذن أم لا; لأنها تعلقت بخرجة واحدة إذ ليس فيها ما يقتضي التكرار فصار كما لو قيدها بواحدة; ولأن لهذه اليمين جهة بر، وهي الخروج بإذن وجهة حنث، وهي الخروج بدونه; لأن الاستثناء يقتضي النفي والإثبات جميعا وإذا كان لها جهتان ووجدت إحداهما تنحل اليمين بدليل ما لو حلف لا يدخل اليوم الدار وليأكلن هذا الرغيف فإنه إن لم يدخل الدار في اليوم بر، وإن ترك أكل الرغيف، وإن أكله بر، وإن دخل الدار وليس كما لو قال إن خرجت لابسة حريرا فأنت طالق فخرجت غير لابسة لا تنحل حتى يحنث بالخروج ثانيا لابسة له; لأن اليمين لم تشتمل على جهتين، وإنما علق الطلاق بخروج مقيد فإذا وجد وقع الطلاق "لا في" التعليق بلفظ "كلما" أو كل وقت فلا ينحل بخرجة واحدة بل يتكرر الحنث بتكرر الخروج لاقتضائه التكرار هذا إن كانت مدخولا بها وإلا فلا تكرار
_________________
(١) "قوله قال والظاهر أنه لا فرق بين لبسه في الأنملة العليا والوسطى" والسفلى قال ابن العماد محله أيضا ما إذا لبسه في الأنملة السفلى المتصلة بالكف فإن لبسه في الأنملة العليا منها لم يحنث وقد ذكر القاضي في فتاويه التي رتبها البغوي أنه لا يكون متختما إذا لبسه في غير الأنملة السفلى
(٢) "قوله لو حلف لا يخرج فلان إلا بإذنه" حذف المصنف قوله أصله لو قال إن خرجت بغير إذني لغير عيادة فأنت طالق فخرجت لعيادة وعرضت لها حاجة فاشتغلت بها لم تطلق، وإن خرجت لها ولغيرها ففي الشامل عن الأم أنه لا يحنث وذكر البغوي أنه الأصح قال النووي: قلت الصواب الجزم بأنه لا يحنث وقال في المهمات هنا أن ما ذكره النووي هنا من أنه لا يحنث قد ذكر في كتاب الطلاق خلافه
(٣) "قوله فالقول قولها بيمينها" وقال ابن كج القول قوله بيمينه
[ ٩ / ٦٧ ]
"وكذا لو قال إن خرجت أو مهما خرجت" أو نحوهما "غير لابسة خفا أو حريرا (^١) " فأنت طالق "فخرجت لابسة" له "انحلت" يمينه لما مر "وإن قال كلما" خرجت بغير إذني فأنت طالق "فطريقه" في عدم تكرر وقوع الطلاق أن يجدد الإذن لكل خرجة ويغنيه عن ذلك "أن يقول أذنت لك في الخروج كلما أردت فإن أذن لها" في الخروج "ثم رجع" عن الإذن "فخرجت" بعد "لم يحنث في قوله" في تعليقه "حتى" أو إلى أن "آذن" لك; لأنه جعل إذنه غاية اليمين، وقد حصل الإذن "ويحنث في قوله" فيه "بغير إذني" أو إلا بإذني أو بلا إذني; لأن خروجها بعد رجوعه خروج بغير إذن ولا مانع قال البغوي في فتاويه ولو قال لا أخرج حتى أستأذنك فاستأذنه فلم يأذن فخرج حنث; لأن الاستئذان لا يغني لعينه بل للإذن ولم يحصل نعم إن قصد الإعلام لم يحنث
_________________
(١) "قوله غير لابسة خفا أو حريرا" أو إلا لابسته
[ ٩ / ٦٨ ]