"النوع السابع: الخصومات" ونحوها "لو حلف لا يرى منكرا (^١) إلا رفعه إلى القاضي وعينه بر بالرفع إليه" ولو "على التراخي ولو" كان الرفع "برسول وكتاب" وبدون حضور مرتكب المنكر "فإن مات أحدهما بعد التمكن" من الرفع إليه "حنث" لتفويته البر باختياره وإلا لم يحنث "لا إن عزل" القاضي فلا يحنث بل يبر بالفرع إليه كما قال "ويرفع إليه" حالة كونه "معزولا (^٢) " سواء أراد عين الشخص بذكر القضاء تعريفا له، وهو ظاهر أم أطلق تغليبا للعين كما لو قال: لأدخل دار زيد هذه فباعها يحنث بدخولها; لأنه عقد اليمين في الصورتين على العين وكل من الوصف والإضافة يطرأ أو يزول وبهذا يندفع استشكال ذلك بما لو حلف لا يكلم هذا العبد فكلمه بعد العتق; لأن العبودية ليس من شأنها أن تطرأ وتزول "لا إن أراد" أن يرفعه إليه "وهو قاض" أو تلفظ به كما فهم بالأولى وصرح به الأصل "فيصير" أي فلا يبر بالرفع إليه معزولا ولا يحنث، وإن تمكن من الرفع إليه بل يصير "فقد يتولى" ثانيا فيرفع ذلك إليه فإن مات أحدهما، وقد تمكن من الرفع إليه، وهو قاض قبل أن يتولى تبين الحنث وما في المنهاج كأصله من أنه إذا عزل بعد تمكنه من الرفع إليه حنث حمل على عزل اتصل بالموت ولا حاجة إلى هذا فإن المنهاج كأصله قيد بدوام كونه قاضيا (^٣) فلا يخالف ما هنا
_________________
(١) "قوله حلف لا يرمي منكرا أو غيره" كلقطة
(٢) "قوله فلا يبر بالرفع إليه معزولا" لو كان القاضي غير أهل ولم تنعقد ولايته باطنا أو انعقدت وانعزل باطنا بسبب يقتضيه والحالف يعلم ذلك بعد حلفه هل يبر بالرفع إليه أو يكون كالعدم وكما لو انعزل ظاهرا لم أر فيه شيئا وفيه احتمال ويجوز أن يفرق بين كون الحالف فقيها وعاميا وأن ينظر إلى ظاهر الحال ويعلق الحكم به وهو بعيد غ وقوله أو يكون كالعدم يكون كالعدم إلخ أشار إلى تصحيحه قوله ولا حاجة إلى هذا القيد أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله فإن المنهاج كأصله قيد بدوام كونه قاضيا إلخ"; لأن الديمومة تقتضي الدوام وتعاقب الأزمنة كما نقله الرافعي في آخر الطلاق فقوله ما دام قاضيا أي في الولاية التي هو فيها كما لو حلف لا يدخل دارا ا ما دام زيد فيها فانتقل زيد ثم عاد إليها ودخل. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ٧٨ ]
أصلا
"ولو لم يعين القاضي" بأن حلف لا يرى منكرا إلا رفعه إلى القاضي "بر بمن قضى" أي بالرفع إلى القاضي "في بلده" الذي حلف فيه (^١) دون قضاء بقية البلاد حملا له على المعهود سواء أكان هو الموجود عند الحلف أم لا حتى لو عزل من كان قاضيا أو مات وولي غيره بالرفع إلى الثاني لا إلى المعزول "ولو علمه" أي القاضي المنكر "من غيره" أي الحالف قبل رفعه إليه سواء أعلمه من مخبر آخر أم من رؤيته بين يديه فإنه إنما يحصل البر بالرفع إليه وقيل لا حاجة للرفع في الثانية والترجيح فيها من زيادته (^٢)
"وإن كان" في بلده "قاضيان كفى الرفع إلى أحدهما" نعم إن اختص كل منهما بناحية من البلد فينبغي أن يتعين قاضي الناحية (^٣) التي فيها فاعل المنكر، وهو الذي تجب عليه إجابته إذا دعاه قاله ابن الرفعة، وقد يتوقف فيه إذا رفع المنكر إلى القاضي منوط بإخباره كما مر لا بوجود إجابة فاعله على أن المعتبر إنما هو ناحية الحالف أخذا مما مر من أن المعتبر بلده
"و" إن قال والله لا رأيت منكرا "إلا رفعته إلى قاض فكل قاض" ببلده أو غيره "كاف" في البر بالرفع إليه سواء أكان قاضيا عند الحلف أم لا "وإن حلف
_________________
(١) =الحالف لم يحنث قال العراقي: سئلت عمن حلف لا يزرع الأرض الفلانية ما دامت في إجارة فلان فأجرها فلان لغيره ثم زرع فيها الحالف هل يحنث بذلك أم لا فأجبت بأنه إن أراد ما دام مستحقا لمنفعتها لم يحنث لانتقال المنفعة عنه، وإن أراد ما دام عقد إجارته باقيا لم تنقض مدته حنث; لأن إجارته باقية لم تفرغ ولم تنفسخ، وإن أطلق فالذي يظهر أنه لا يحنث; لأن أهل العرف لا يريدون بكونها في إجارته إلا أنه هو المستحق لمنفعتها وقد انتقل عنه الاستحقاق وأيضا قد فهم من غرض الحالف أنه يريد أن لا يكون له تحكم عليه في أرض يزرعها وقد زال التحكم بانتقال المنفعة لغيره
(٢) "قوله بر بمن قضى في بلده الذي حلف فيه" فعلم أنه إنما يبر إذا رفعه إليه، وهو في محل ولايته فإن كان في غيرها لم يبر إذ لا يمكنه إقامة موجبه
(٣) قوله والترجيح فيها من زيادته" قال البلقيني نص في الأم على نحوه فهو المعتمد
(٤) "قوله فينبغي أن يتعين قاضي الناحية إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه ووجهه أن المقصود من الرفع إلى القاضي الزجر عنه لنفوذ حكمه على مرتكبه وحيث لم يكن بمحل ولايته انتفى ذلك ا ب
[ ٩ / ٧٩ ]
لا يفارق غريمه حتى يستوفي منه" حقه "ففارقه" قبل استيفائه منه "كفرقة المتبايعين" عن مجلس البيع عالما "مختارا حنث" وإلا فلا لوجود المحلوف عليه شرعا في الشق الأول دون الثاني "فإن فارقه الغريم" وفر منه "فلا حنث (^١)، وإن أذن له" في المفارقة أو تمكن من متابعته ولم يتبعه أو فارق الحالف بمكانه بعد ذلك; لأنه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غريمه "فإن تماشيا ووقف أحدهما حنث" الحالف; لأنه إن وقف الغريم فقد فارقه الحالف بمشيه أو الحالف فقد فارقه بالوقوف; لأنه الحادث فنسبت المفارقة إليه بخلاف ما إذا كانا ساكنين فمشى الغريم دونه; لأن الحادث ثم المشي
"فإن قال" والله "لا تفارقني حتى أستوفي" منك حقي أو حتى توفيني حقي "ففارقه الغريم" عالما "مختارا" ولو بالفرار "حنث الحالف، وإن لم يختر" فراقه; لأن اليمين على فعل (^٢) الغريم، وهو مختار في المفارقة "فإن نسي الغريم" الحالف "أو أكره" على المفارقة "ففارق فلا حنث" إن كان ممن يبالى بتعليقه كنظيره في الطلاق نبه عليه الإسنوي وقس عليه ما يأتي
"ولو فر الحالف منه لم يحنث"، وإن أمكنه متابعته; لأن اليمين على فعله "فإن قال لا نفترق حتى أستوفي منك" حقي "حنث بمفارقة أحدهما" الآخر عالما "مختارا وكذا" إن قال "لا افترقنا" حتى أستوفي منك لصدق الافتراق بذلك فإن فارقه ناسيا أو مكرها لم يحنث "ثم" بعد ذلك "ينظر في الاستيفاء" للحق "فإن أبرأه" منه الحالف "حنث" بالإبراء، وإن لم يفارقه "لتفويته البر" باختياره "وكذا" يحنث "لو أحال" الغريم الحالف "به" أي بالحق "أو" أحال هو أجنبيا "عليه" به "أو اعتاض عنه"، وإن كانت قيمة العوض أكثر من حقه; لأن ذلك ليس استيفاء حقيقة فهو مفوت للبر باختياره "إلا إن نوى" بيمينه "أن لا يفارقه وعليه حقه" فلا يحنث بشيء من ذلك.
"فإن أفلس" الغريم أو ظهر أنه مفلس "ففارقه" عالما مختارا "حنث"، وإن كان تركه واجبا شرعا كما لو قال لا أصلي الفرض فصلى حنث، وإن وجبت
_________________
(١) "قوله فإن فارقه الغريم فلا حنث إلخ" هذا عند إطلاق اليمين فإن نوى أن لا يدعه يفارقه ونحوه فعلى ما نواه
(٢) "قوله; لأن اليمين على فعله" أي الغريم
[ ٩ / ٨٠ ]
الصلاة عليه شرعا لعدم وجود المحلوف عليه "فإن منعه الحاكم" من ملازمته ففارقه "فمكره" أي فكمكره فلا حنث "وإن استوفى" حقه "من وكيله" أي من وكيل غريمه "أو" من "متبرع" به وفارقه "حنث إن" كان "قال" لا أفارقك حتى أستوفي حقي "منك وإلا" بأن لم يقل منك "فلا" يحنث "فإن استوفى" حقه ثم فارقه "ثم وجده معيبا لم يحنث" إن كان من جنس حقه; لأن العيب لا يمنع من الاستيفاء نعم إن كان الأرش كثيرا لا يتسامح بمثله حنث قاله الماوردي وتبعه ابن الرفعة (^١) قال الماوردي فإن قيل نقصان الحق موجب للحنث فيما قل وكثر فهلا كان نقصان الأرش كذلك قلنا; لأن نقصان الحق محقق ونقصان الأرش مظنون "فإن بان غير جنس حقه" كمغشوش أو نحاس "ولم يعلم" بالحال "فجاهل" فلا يحنث وإلا حنث "وإن حلف" الغريم فقال والله "لا أوفيك حقك فسلمه" له "مكرها" أو ناسيا "لم يحنث أو لا استوفيت" حقك مني "فأخذه مكرها" أو ناسيا "فكذلك" أي لم يحنث بخلاف ما إذا أخذه عالما مختارا، وإن كان المعطي مكرها أو ناسيا
"وإن حلف ليضربنه لم يكف وضع سوط ويد" وغيرهما عليه "بلا اسم ضرب" فإن سمي ذلك ضربا كفى (^٢) "ولا يكفي عض" لا "نتف شعر" ولا قرص ولا خنق; لأن ذلك لا يسمى ضربا ولهذا يقال ما ضربه ولكن عضه ونتف شعره وقرصه وخنقه "فلو لطم أو لكم فضرب" فيكفي "ولا يشترط" في الضرب "الإيلام" لصدق الاسم بدونه; ولهذا يقال ضربه ولم يؤلمه "بخلاف العقوبة" من حد أو تعزير فإنه يشترط فيها الإيلام; لأن المقصود بها الزجر، وهو لا يحصل إلا بذلك واليمين يتعلق بالاسم نعم إن وصف الضرب بالشدة (^٣) فقال ضربا شديدا فلا بد من الإيلام كما جزم به المنهاج كأصله تبعا للإمام قال ويرجع في الشدة إلى العرف وتختلف باختلاف حال المضروب "ويبر" الحالف
_________________
(١) "قوله قال الماوردي وتبعه ابن الرفعة" أشار إلى تصحيحه "تنبيه" ولو حلف ليقضين حقه قبل أن يفارقه أو لا يفارقه حتى يقضي حقه فالقول في مفارقته مختارا أو مكرها وفي الحوالة والمصالحة وغيرها على ما سبق
(٢) "قوله فإن سمى ذلك ضربا كفى"، وهو الصدم بما يعرض منه وقوع الألم حصل الألم أو لم يحصل وكتب أيضا فيعتبر فيه الصدم بما يؤلم أو يتوقع منه إيلام
(٣) قوله نعم إن وصف الضرب بالشدة" أو نوى ضربا شديدا
[ ٩ / ٨١ ]
"بضرب السكران والمجنون" والمغمى عليه; لأنهم محل للضرب "لا" بضرب "الميت"; لأنه ليس محله
"فرع" لو "حلف ليضربنه مائة عود" أو عصا أو خشبة "فشدها" وضربه بها مرة "أو ضرب" هـ "بعثكال" بكسر العين على المشهور وبالمثلثة أي عرجون "عليه مائة" من الأغصان "مرة بر"; لأنه وفى بموجب اللفظ "ويكفيه" في البر "تثاقل الكل عليه" بحيث يناله ثقل الجميع "ولو شك" في إصابته (^١) وفرقوا بينه وبين ما لو حلف ليدخلن الدار اليوم إلا أن يشاء زيد فلم يدخل ومات زيد ولم تعلم مشيئته حيث يحنث بأن الضرب سبب ظاهر في الانكباس والمشيئة لا أمارة عليها والأصل عدمها وفارق أيضا نظيره في الحدود بأن المقصود فيها الزجر والتنكيل وفي البر حصول الاسم، وهو حاصل بالشك
"لكن الورع أن يكفر" عن يمينه "وإن حال" بين بدنه وما ضرب به "ثوب أو غيره مما لا يمنع تأثر البشرة بالضرب" فإنه يكفي فلا يضر كون بعض العثكال أو نحوه حائلا بين بدنه وبين بعضه الآخر كالثياب وغيرها مما لا يمنع التأثر "ولو قال" لأضربنه "مائة سوط لم يبر بالعثكال (^٢) " المذكور; لأنه لا يسمى سياطا "و" إنما
_________________
(١) "قوله ولو شك في إصابته" قال الزركشي: مراده بالشك استواء الطرفين فإنه قال في الروضة: كذا فرض الجمهور مسألة الخلاف فيما إذا شك وذكر الدارمي وابن الصباغ والمتولي أنه إذا شك حنث وحمل النص على ما إذا غلب على ظنه إصابة الجميع، وهو حسن لكن الأول أصح; لأنه بعد هذا الضرب يشك في الحنث والأصل عدمه ا هـ وتناول الشك أيضا ما إذا ترجح عدم إصابة الجميع بناء على اصطلاح الفقهاء في حمل الشك على خلاف اليقين وقال في المهمات: لا يمكن القول وكلام الأصحاب متفق على اشتراط الظن هنا تصريحا وتلويحا وبعبارة أخرى لو شك في إصابة الجميع لكن ترجح عدمها فمقتضى كلام الأصحاب كما في المهمات عدم البر، وهو الراجح
(٢) "قوله ولو قال مائة سوط لم يبر بالعثكال إلخ" فإن قلت كيف للسيد أن يبر في يمينه إذا حلف ليضربن عبده مائة سوط فإن ذلك معصية فقد حلف على مستحيل شرعا قال الشيخ برهان الدين لم أجد تصريحا في المنقول بذلك وقد يقال الإيلام ليس بشرط فللسيد أن يضربه مائة لا إيلام فيها فإنه لا ضرر على العبد في ذلك قال الأذرعي، وهذا عجب إنما المقصود أن البر يحصل وكونه يعصى به أو لا كلام آخر كما لو حلف ليفعلن أمرا من قتل أو سرقة أو شرب خمر أو غيرها ففعل ذلك يخلص من الحنث وليس في كلامهم تعرض لتجويز ضرب المائة أصلا فلا حاجة إلى هذا التكلف
[ ٩ / ٨٢ ]
"يبر بسياط مجموعة بشرط عمله إصابتها" بدنه ما مر ولو حلف ليضربنه مائة خشبة فشد مائة سوط وضربه بها لم يبر قياس التي قبلها وما وقع في الأصل من أنه يبر فكلام سقط صدره، وهو، ولو حلف ليجلدنه مائة سوط نبه عليه الأذرعي (^١) وغيره وما جزم به المنهاج كأصله من أنه يبر بالعثكال في الأولى ضعيف، وإن زعم الإسنوي أنه الصواب وأن ما في الأصل خلاف المعروف "ولو قال" لأضربنه "مائة مرة أو" مائة "ضربة لم يبر با" لمائة "المجموعة"; لأنه لم يضربه بها إلا مرة أو ضربة (^٢) قال ابن الرفعة: وعليه يعتبر فيه التوالي ذكره الإمام
"فصل" في حنث الناسي والجاهل والمكره "لا يحنث ناس" ليمينه "وجاهل" بأن ما أتى به هو المحلوف عليه "ومكره" عليه "في يمين" بالله تعالى وطلاق وعتق لخبر "رفع عن أمتي الخطأ أو النسيان وما استكرهوا عليه (^٣) " "ولا تنحل اليمين" بالإتيان بالمحلوف عليه ناسيا أو جاهلا أو مكرها; لأنا إذا لم نحنثه لم نجعل يمينه متناولة لما وجد إذ لو تناولته لحنث قال الإسنوي: قد تقدم في أوائل تعليق الطلاق أنه لو قال أنت طالق قبل أن أضربك بشهر فضربها قبل مضيه لم تطلق وانحلت اليمين وهذه مع مسألتنا على حد سواء فإن المحلوف عليه قد وجد في كل منهما إلا أنه لم يحنث لمانع، وهو النسيان مثلا هنا واستحالة الحنث قبل اليمين هناك فالمتجه ما هناك، وهو الانحلال (^٤) لوجود المعلق عليه حقيقة انتهى
_________________
(١) "قوله نبه عليه الأذرعي" أي وغيره
(٢) "قوله; لأنه لم يضربه لها إلا مرة أو ضربه" بدليل ما لو رمى الجمار السبع دفعة
(٣) صحيح: رواه ابن ماجه "١/ ٦٥٩" كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، "٢٠٤٣" وقد انفرد به ابن ماجه.
(٤) "قوله والمتجه ما هناك، وهو الانحلال إلخ" أمكن الناسي والمكره لم يتعلق بفعلهما معنى الحنث والمنع فلا تنحل به اليمين ت وقوله لم يتعلق بفعلهما معنى الحنث إلخ أشار إلى تصحيحه ثم أجاب الأصل بأنه يتبع اللغة تارة إلخ قالوا في الأيمان أنها تبنى أولا على اللغة على العرف، وهذا كله مخالف لكلام الأصوليين أنه يقدم الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي والجواب أن كلام الأصوليين إنما هو في الحقائق والأدلة التي استنبط منها الأحكام فيقدم فيها الشرعي على العرفي كبيع الهازل وطلاقه فإنه نافذ، وإن كان أهل العرف لا ينفذونه ويقدم العرفي فيهما على اللغوي عند التعارض; لأن العرف طارئ على اللغة فهو كالناسخ لها وكتب أيضا وقال ابن عبد السلام قاعدة الأيمان البناء على العرف إذا لم يضطرب فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة
[ ٩ / ٨٣ ]
يجاب بأن وجود الفعل في تلك معتد به شرعا حتى يترتب عليه أحكامه من الانحلال وغيره، وإن امتنع الحنث به للاستحالة المذكورة بخلافه هنا ليس معتدا به شرعا
"وإن حلف لا يدخل الدار مختارا ولا مكرها ولا ناسيا حنث بذلك كله" عملا بتعليقه "فلو انقلب" الحالف "من نومه" بجنب الدار "فحصل فيها أو حمل" إليها "و" لو "لم يمتنع لم يحنث" إذ لا اختيار له في الأولى ولا فعل منه في الثانية "أو" حمل إليها "بأمره حنث" كما لو ركب دابة ودخلها ويصدق حينئذ أن يقال دخلها على ظهر فلان كما يصدق أن يقال دخلها راكبا
"فصل" لو "حلف لا يدخل على زيد فدخل على قوم هو فيهم حنث، وإن استثناه" بلفظه أو بقلبه لوجود صورة الدخول على الجميع; ولأن الفعل لا يدخله الاستثناء لما يأتي "بخلاف" نظيره في "السلام" والفرق أن الدخول لكونه فعلا لا يتبعض إذ لا ينتظم أن يقال دخلت عليكم إلا فلانا بخلاف السلام والكلام "فإن لم يعلم أنه فيهم فقولا" حنث "الجاهل" فلا يحنث على الأصح "ولو دخل عالما به لشغل حيث هو" أي زيد أي في المكان الذي هو فيه "حنث" بخلاف ما لو دخل جاهلا به "فإن دخل عليه زيد لم يحنث ولو استدام" الحالف; لأن اليمين إنما انعقدت على فعله لا على فعل زيد
"فصل" في أصول تتعلق بالكتاب "لا تنعقد يمين صبي و" لا "مجنون و" لا "مكره" لعدم صحة عبارتهم شرعا "ويمين سكران كطلاقه" فتنعقد "وتنعقد من كافر" كمسلم "ومن حلف" على شيء ولم يتعلق به حق آدمي "وقال أردت شهرا" أو نحوه مما يخصص اليمين "قبل" منه ظاهرا وباطنا; لأنه أمين في حقوق الله تعالى "لا في حق آدمي كطلاق" وعتاق "وإيلاء" فلا يقبل قوله ظاهرا "ويدين" فيما بينه وبين الله تعالى "أو" حلف "لا يكلم أحدا وقال أردت زيدا" مثلا "لم يحنث بغيره" عملا بنيته قال في الأصل: قال الشيخ أبو زيد: لا أدري ماذا بنى الشافعي ﵁ عليه مسائل الإيمان إن اتبع اللغة فمن حلف لا يأكل الرءوس ينبغي أن يحنث بكل رأس، وإن اتبع العرف فأصحاب القرى لا يعدون الخيام بيوتا ولم يفرق بين القروي والبدوي ثم أجاب الأصل بأنه يتبع اللغة تارة عند ظهورها وشمولها، وهو الأصل والعرف أخرى عند اطراده
[ ٩ / ٨٤ ]
وحذف المصنف هذا للعلم به مما يأتي
"فرع اللفظ الخاص" في اليمين "لا يعمم" بنية ولا بغيرها "والعام قد يخصص فالأول مثل أن يمن عليه رجل" بما نال منه "فحلف لا يشرب له ماء من عطش لم يحنث بغيره" من طعام وثياب وماء من غير عطش وغيرها "وإن نواه" وكانت المنازعة بينهما تقتضي ما نواه لانعقاد اليمين على الماء من عطش خاصة، وإنما تؤثر النية إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يتجوز بها "ويخصص الثاني" أي العام "إما بالنية كلا أكلم أحدا ونوى زيدا أو بالاستعمال كلا آكل الرءوس أو بالشرع كلا أصلي حمل" الأخير "على الصلاة الشرعية" والأول على ما نواه والثاني على المستعمل عرفا في الرءوس
"فرع قد يصرف اللفظ" من الحقيقة "إلى المجاز بالنية كلا أدخل دار زيد ونوى مسكنه دون ملكه فيقبل" قوله "في غير حق آدمي" بأن حلف بالله لا في حق الآدمي كأن حلف بطلاق أو عتاق "و" قد يصرف إليه "بالعرف" بأن يكون متعارفا والحقيقة بعيدة "كلا آكل من هذه الشجرة يحمل" اللفظ "على" أكل "الثمر لا" على أكل "الورق" والأغصان "وقد تكون الحقيقة متعارفة" والمجاز بعيدا "كلا آكل من هذه الشاة يحمل" اللفظ "على" أكل "لحمها (^١) لا" على "اللبن و" لحم "الولد، وإن قال والله لا دخلت الدار وأعادها" أي اليمين مرة "ناويا" بها يمينا "أخرى" أو أطلق "فيمينان بكفارة واحدة"; لأن الكفارة تشبه الحدود المتحدة الجنس فتتداخل كما مر وتقدم الفرق بينه وبين نظيره في الطلاق حيث يتعدد وفرق بينه وبين نظيره في الظهار حيث تتعدد فيه الكفارة بأن الظهار من الكبائر فناسب أن يزجر عنه بالكفارة لرفع الإثم بخلاف اليمين، وإن كانت على فعل محرم; لأن كفارتها لا تجب في مقابلتها بل في مقابلة انتهاك حرمة اسم الله تعالى، وهو لا يحصل إلا بالحنث والحنث لا يحصل إلا بالفعل، وهو متحد، وأما اليمين الغموس فملحقة بالظهار; لأنها من الكبائر كما مر "وإن كرر" قوله "لا دخلت الدار فقط" أي دون قوله والله "فيمين" واحدة، وإن
_________________
(١) قوله يحمل اللفظ على أكل لحمها" وقال ابن النقيب كذا في الروضة فما أدري هل يختص به أو يتناول الشحم والألية والكبد وغيرها مما يؤكل منها والذي يظهر التناول، وإنما ذكر اللحم لإخراج اللبن والولد في الجلد احتمال وجزم البلقيني في تصحيح المنهاج بتناوله. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ٨٥ ]
نوى الاستئناف
"فرع" اليمين المعقودة على المملوك المضاف يعتمد المالك دون المملوك والمعقودة على غير المملوك يعتمد المضاف دون المضاف إليه فلو "حلف لا يكلم عبيد فلان حنث بما سيملكه" من العبيد "أو حلف لا يكلم أولاده لم يحنث بما سيولد (^١) " له من الأولاد; لأنهم لم يكونوا موجودين وقت اليمين بخلاف المالك في الأولى فإنه كان موجودا وقت اليمين - - "أو" قال والله "لا أكلم الناس حنث بواحد (^٢) " كما لو حلف لا يأكل الخبز يحنث بما أكل منه وأل للجنس وقال البلقيني: المعتمد أنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة وأيده بنص الشافعي ﵀ "أو" لا أكلم "ناسا فبثلاثة" يحنث كما لو حلف لا يتزوج نساء (^٣) أو لا يشتري عبيدا قال الخوارزمي: وفيه نظر (^٤) والذي يقتضيه المذهب أنه يحنث بواحد كما لو حلف لا يأكل خبزا فإنه يحنث بأكل شيء منه، وإن قل
"فرع" المعرفة المقرونة بالنكرة في اليمين لا تدخل تحت النكرة لتغايرهما فلو "قال" والله "لا يدخل داري أحد فدخل هو لم يحنث أو غيره حنث" قال في الأصل نقلا عن كتب الحنفية، وإنما لم يحنث بدخوله; لأنه صار معرفا بإضافة
_________________
(١) = جميع ما يؤكل منها وصرح أبو علي في شرح التلخيص والقاضي الحسين والخوارزمي بأنه يتناول اللحم والشحم والألية في الشاة وقوله والذي يظهر التناول أشار إلى تصحيحه وكذا قوله وجزم البلقيني إلخ وكتب أيضا الشحم والألية والكرش والكبد والرئة والقلب والمخ والدماغ ونحوها من أجزائها كاللحم
(٢) "قوله أو أولاده لم يحنث بما سيولد" والفرق أن اليمين تنزل على ما للمحلوف قدرة على تحميله واستشكل على هذا الفرق ما لو حلف لا يمس شعر فلان فحلقه ثم ثبت شعر آخر فمسه فإنه يحنث كما قاله صاحب الكافي
(٣) "قوله كما لو حلف لا يتزوج نساء" ولا يشتري عبيدا أو يوافقه قول الحنفية أن لفظ الجمع مع لام التعريف للجنس ومنكرا للعدد
(٤) قوله أو لا أكلم الناس حنث بواحد" من الرجال أو النساء أو الأطفال أو المجانين
(٥) "قوله قال الخوارزمي وفيه نظر" قال الماوردي في الحاوي والروياني في البحر إذا حلف على معدود كالناس والمساكين فإن كانت يمينه على الإثبات كقوله لأكلمن الناس ولأتصدقن على المساكين لا يبر إلا بثلاثة اعتبارا بأقل الجمع، وإن كانت على النفي حنث بالواحد اعتبارا بأقل العدد والفرق أن نفي الجميع ممكن وإثبات الجميع متعذر فاعتبر أقل الجمع في الإثبات، وأقل العدد في النفي. ا هـ.
[ ٩ / ٨٦ ]
الدار إليه "وكذا" لو عرف نفسه لم يحنث بإضافة الفعل إليه كأن قال والله "لا ألبس هذا القميص أحدا" فألبسه نفسه لم يحنث أو ألبسه غيره حنث "أو عرف" غيره بالإضافة إليه كأن قال والله "لا يدخل دار زيد أحد حنث بغير زيد" أي بدخول غيره بخلاف دخوله وحاصله أنه لا يدخل في اليمين المضاف إليه في الصورتين; لأنه صار معرفا
"أو" قال والله "لا يقطع هذا اليد أحد يعني يده فقطعها هو لم يحنث" لذلك "أو" قال "لأدخلن هذه" الدار "أو هذه" الدار الأخرى "بر بواحدة" أي بدخول واحدة منهما; لأن أو إذا دخلت بين إثباتين اقتضت ثبوت أحدهما "أو لا أدخل" هذه الدار أو هذه الدار "لم يحنث إلا بدخولهما" لا بدخول أحدهما; لأن أو إذا دخلت بين نفيين (^١) كفى للبر أن لا يدخل واحدة منهما ولا يضر دخوله الأخرى كما أنها إذا دخلت بين إثباتين كفى للبر أن يدخل إحداهما ولا يضر أن لا يدخل الأخرى، وهذا ما رجحه الأصل رادا به ما نقله من أنه يحنث بأيهما دخل; لأن أو إذا دخلت بين نفيين اقتضت انتفاءهما كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الانسان: ٢٤] وزعم البلقيني أن ما رجحه الأصل غير مستقيم (^٢) وأن المعتمد أنه يحنث بدخوله إحداهما "أو" قال "لا أدخل هذه الدار أبدا أو لأدخلن" الدار "الأخرى اليوم فدخل الدار الأخرى اليوم بر، وإن لم يدخل الأخرى اليوم ولا الأولى بر أيضا" أي لم يحنث قال الرافعي ولو قال لا أدخل هذه الدار (^٣) أبدا ولأدخلن هذه الدار الأخرى اليوم فمضى اليوم ولم يدخل واحدة منهما حنث; لأن عدم دخول الأولى
_________________
(١) "قوله; لأن أو إذا دخلت بين نفيين إلخ" يخالفه ما حكاه بعده عن الماوردي أنه لو قال لا أكلت خبزا أو لحما يرجع إلى مراده منهما فتتعلق به اليمين وظاهره أنه أراد بالمراد تعيين ما شاء وعبارته ظاهرة فيه فإنه عبر بالتعيين فقال: فتتعين يمينه فيه
(٢) "قوله وزعم البلقيني أن ما رجحه الأصل غير مستقيم إلخ" عبارته أن أو لأحد الشيئين أو الأشياء فإذا كانت في الإثبات حصل البر بواحد وإذا كانت في النفي كان المنفي فعل واحد لا بعينه وذلك يقتضي الحنث بواحد فقوله كفى للبر أن لا يدخل واحدة منهما غير مستقيم بل طريق البر أن لا يدخلهما; لأن الحلف على نفي الدخول لواحدة مبهمة يستلزم ذلك وبحث الرافعي ضعيف جدا
(٣) "قوله أو لا يدخل هذه الدار" أو دارا والبيت كالدار
[ ٩ / ٨٧ ]
أبدا شرط للبر وعدم دخول الثانية في اليوم شرط للحنث فإذا وجد شرطه حنث
[ ٩ / ٨٨ ]