"فصل ينعقد" اليمين "بأسماء الله" تعالى "وصفاته" أي بواحد منها وأسماؤه تعالى ثلاثة أنواع ما لا يحتمل غيره سواء كان من أسمائه تعالى الحسنى كالله والرحمن أم لا كالذي أعبده أو أسجد له وما يحتمل غيره والغالب إطلاقه عليه تعالى وما يحتمل غيره وإطلاقه عليهما سواء وقد أخذ في بيانها وبيان أحكامها فقال: "وما لا يحتمل غيره ك والذي أعبده" أو أصلي له "والذي فلق الحبة" أو نفسي بيده "والأسماء المختصة بالله (^١) كوالله والإله والرحمن ورب العالمين (^٢) ومالك يوم الدين ونحوه" كخالق الخلق والحي الذي لا يموت "لا
_________________
(١) "قوله المختصة بالله" فيه دخول الباء على المقصور عليه والأفصح دخولها على المقصور "فائدة" قال البندنيجي أكثر أهل العلم على أن الاسم الأعظم هو الله
(٢) "قوله ورب العالمين" سئل المزني عن مسألة وردت عليه من المحلة عن شخص قال ورب يس أفعل كذا فأجاب بأنه لا يحنث; لأن يس من كلام الباري تعالى وكلام الله صفته والصفة ليست مربوبة لكونها قديمة قال البلقيني وبالأولى أن يفصل فإن قصد الحالف برب معنى الصاحب حنث، وإن قصد معنى التربية لا يحنث واستشهد بقوله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ على أن المراد بالعزة صفته القديمة، وإن أريد صفة الفعل على معنى أنه يعز من يشاء لم تنعقد; لأنها صفة حادثة سئلت عما يحلف به أهل مصر من قولهم والجناب الرفيع فقلت إن نوى به الله تعالى فهو يمين، وإن نوى به النبي ﷺ فليس بيمين; لأنه يطلق عليهما إطلاقا واحدا بل قد يغلب في حق النبي ﷺ ج وكتب أيضا قال العراقي سئلت عمن حلف بالجناب الرفيع وأراد به الله تعالى هل تنعقد يمينه وتلزمه الكفارة إذا حنث فأجبت بأنها لا تنعقد; لأن مدلول جناب الإنسان فناء داره ولا يجوز أن يطلق ذلك على الله ﷿ وإطلاقه على الله تعالى إلحاد في أسمائه فإن قلت قد ذكر بعضهم أن من أسمائه تعالى الرفيع وفي التنزيل ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ والرفيع، وإن أطلق على غيره لكن قد اقترنت النية بإرادته فوجب صرف اللفظ إليه قلت كيف يعمل بالنية في ذلك مع اقترانه لفظا بما ينافي ذلك، وهو الجناب ولو اقتصر على الرفيع وأراد به الله تعالى أجرينا فيه الخلاف في نظائره من المؤمن والموجود ونحوهما أما بعد أن قرن به ما ينافيه الله تعالى فلا. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٢ ]
يقبل الصرف عن اليمين" قد تقدم أنه يقبله فالوجه الموافق لكلام أصله (^١) لا يقبل الصرف عن الله تعالى إلى غيره لا ظاهرا ولا باطنا، وإن نواه; لأن اللفظ لا يصلح لغيره وأطلق كالأكثرين الحكم في الإله وقيده الماوردي بما إذا كان الحالف من أهل الملك فإن كان من غيرهم كعبدة الأوثان انعقدت يمينه بها ظاهرا ويتوقف باطنا على إرادته; لأنهم يجعلون هذا الاسم مشتركا بين الله وأوثانهم انتهى ويأتي مثله في والذي أعبده أو أصلي له أو أسجد له أو نحوها
"وما لا يختص" بالله "وهو لله أغلب كالجبار والحق والمتكبر والبارئ" التصريح به من زيادته "والقادر والخالق والرازق والرحيم" والرب "لا ينصرف عن اليمين إلا بنية" بأن ينوي به غير الله فينصرف عن اليمين لاحتمال اللفظ له وقد نواه "وكذا قوله وحق الله وحرمته بالكسر" لا ينصرف عن اليمين إلا بنية لذلك وخرج بالكسر والمراد الجر الرفع والنصب فلا يكون ذلك يمينا إلا بنيتها وقد صرح به بعد في وحق الله
"أما الذي يطلق على الله و" على "غيره (^٢) سواء" أي مستويا "كالحي والموجود والمؤمن والكريم والغني فكناية" إن نوى به اليمين (^٣) فيمين; لأنه اسم يطلق على الله تعالى وقد نواه "ومنه والسميع والبصير والعليم والحكيم "
_________________
(١) = يصح أن تعمل النية المضادة للفظ وقوله قال البلقيني والأولى إلخ كتب عليه شيخنا ما ذكره البلقيني ظاهر وكتب على قول العراقي فأجبت بأنها إلخ هو كما قال
(٢) "قوله فالوجه الموافق لكلام أصله إلخ" هو محمل كلام المصنف لما قدمه من قوله فإن قال تالله بالمثناة إلى آخره "تنبيه" قال ابن الرفعة كلام المحاملي وابن الصباغ والماوردي والروياني يقتضي أن الحلف بالطالب الغالب يمين صريحة وقال بعض المتأخرين إن الحلف بذلك غير مشروع; لأن أسماء الله تعالى توقيفية ولم ترد التسمية بذلك وإنما استحسن الأصحاب ذكرهما في الأيمان ليقع الردع بهما للحالف وفي مشكل الوسيط في باب اليمين في الدعاوى جواز إطلاق ذلك على الله في التسبيح والتحميد والتمجيد
(٣) "قوله أما الذي يطلق على الله وعلى غيره إلخ" استفدنا من كلامهم هنا جواز التسمية بأسماء الله تعالى التي لا تختص به أما المختص به فيحرم وبذلك صرح النووي في شرح مسلم.
(٤) "قوله إن نوى به اليمين إلخ" إذ لا تكفي نية اليمين اتفاقا
[ ٩ / ١٣ ]
"وينعقد" اليمين "بقوله وعلم الله (^١) وقدرته وحقه وعظمته وسمعه وبصره (^٢) " ونحوها من سائر صفات الذات (^٣) "إلا إن أراد بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور وبالحق العبادات" وبالعظمة ما يأتي وبالسمع المسموع وبالبصر المبصر فلا ينعقد; لأن اللفظ محتمل له ولهذا يقال في الدعاء اغفر علمك فينا أي معلومك ويقال انظر إلى قدرة الله أي مقدوره فيكون كقوله ومعلوم الله ومقدوره وخلقه ورزقه وسائر صفات الفعل وذلك ليس بيمين والفرق بين صفتي الذات والفعل أن الأولى ما استحقه في الأزل والثانية ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل يقال علم في الأزل ولا يقال رزق في الأزل إلا توسعا باعتبار ما يؤول إليه الأمر "وكذا" قوله "وعظمته وكبريائه وعزته وجلاله" وبقائه ومشيئته فينعقد بها اليمين إلا أن يريد بها ظهور آثارها على الخلق "فقد يقال" في ذلك "عاينت عظمته وكبرياءه" وعزته وجلاله "ويراد مثل ذلك" وقوله وحقه وعظمته مكرر
"وقوله وكلام الله وكتابه وقرآنه يمين" كما لو حلف بالعلم والقدرة "وكذا" قوله "والمصحف (^٤) ولو أطلق" بأن لم يرد به حرمته أو حرمة ما هو مكتوب فيه أو القرآن; لأنه إنما يقصد به الحلف بالقرآن المكتوب فكان هو المتبادر عند الإطلاق (^٥) "لا إن أراد" به "الرق والجلد" أو أحدهما فلا يكون يمينا "ولو أراد
_________________
(١) "قوله وتنعقد بقوله وعلم الله إلخ" لم يفرقوا بين الصفات المعنوية الزائدة على الذات وغيرها هذا هو المذهب الذي قطع به الجمهور في هذه الصفات
(٢) "قوله وبصره" أي وحرمته
(٣) "قوله ونحوها من سائر صفات الذات" الصفات الذاتية ككونه تعالى أزليا وأنه واجب الوجود، وهي كالزائدة على الذات ومنها السلبية كقوله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في جهة ولم أر فيها شيئا والظاهر انعقاد اليمين بها; لأنها قديمة متعلقة بالله ر
(٤) "قوله وكذا والمصحف" أي والقرآن وكتب أيضا إذا حلف المسلم بآية منسوخة من القرآن أو بالتوراة أو بالإنجيل انعقدت يمينه; لأنه كلام الله ومن صفات الذات قاله القاضي الحسين في باب موضع اليمين من تعليقه قال الزركشي وينبغي أن تكون المنسوخة على الخلاف في أنه هل يحرم على المحدث مسه وهل تبطل الصلاة بقراءته والصحيح لا يحرم وتبطل وبه يقوى عدم الانعقاد لانتفاء الحرمة
(٥) "قوله فكان هو المتبادر عند الإطلاق" ويؤيده أن الشافعي استحسن التحليف بالمصحف واتفق الأصحاب عليه ولو لم تنعقد به اليمين عند الإطلاق لم يحلف به
[ ٩ / ١٤ ]
بالقرآن الخطبة (^١) والصلاة (^٢) " أو أحدهما أو بالكلام الحروف والأصوات الدالة عليه "لم ينعقد" يمينه
"وإن قال أقسم بالله أو أحلف" أو حلفت "أو أولي" أو آليت "أو أقسمت" بالله "فيمين ولو أطلق"; لأنه عرف الشرع قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (^٣) "فإن قال أردت" بالمضارع "الوعد" بالحلف "و" بالماضي "الإخبار" عن حلف ماض "قبل" ظاهرا وباطنا ولو في الإيلاء كما صرح به الأصل فلا يكون يمينا لاحتمال ما قاله ولا ينافي هذا ما مر أول الباب من أنه لو قال لم أقصد اليمين لم يصدق في الإيلاء; لأنه هنا ادعى ما يوافقه ظاهر الصيغة من أقسمت أو أقسم أو نحوه بخلافه فيما مر إذ قوله والله لا فعلت كذا لا يوافق ما ادعاه "وإن حذف" من ذلك "اسم الله لغا" فلا يكون يمينا لا صريحا ولا كناية "وإن نوى" اليمين; لأنه لم يحلف باسم الله تعالى ولا بصفة من صفاته "ولو" كان ذلك "في الإيلاء" التصريح بهذا من زيادته ولو جعله بعد والأخبار كان موافقا لأصله ولعل تأخيره من النساخ ومع هذا فالأمر قريب والكل صحيح ويحتمل أنه حذفه ثم للإشكال الذي أجيب عنه لما لم يظهر له عنه جواب
"ولو قال أشهد" أو شهدت "أو أعزم" أو عزمت "بالله فليس بيمين إلا إن نوى" فيمين قالوا لورود الشرع به في أشهد قال تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [المنافقون: ١] إذ المراد نحلف بقرينة قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] وقيس به الباقي فعلم من كلامه أن ذلك لا يكون يمينا إذا نوى غيرها، وهو ظاهر أو أطلق لتردده وعدم إطراد عرف شرعي أو لغوي به
"ولو قال الملاعن" في لعانه "أشهد بالله" وكان "كاذبا لزمته الكفارة"، وإن نوى غير اليمين إذ لا أثر للتورية في مجلس الحكم قال الرافعي ولك أن تقول إنما لا تؤثر التورية حينئذ في الأحكام الظاهرة والكفارة حكم بينه وبين الله تعالى
_________________
(١) "قوله ولو أراد بالقرآن الخطبة" كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾
(٢) "قوله والصلاة" كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾
(٣) "قوله قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾
[ ٩ / ١٥ ]
فيشبه أن يقال لا تلزمه إذا لم ينو اليمين ورد بأن ما يتعلق باليمين (^١) من التحريم والإثم حكم بينه وبين الله ومع ذلك لا يرتفع بالتورية قطعا قال البلقيني وإذا أوجبنا الكفارة تعددت قطعا بخلاف الأيمان على المستقبل الواحد; لأن كل مرة في الماضي حلف وكذا في القسامة (^٢) انتهى والأولى أن يفرق بأن الحنث في الماضي مقارن لليمين بخلافه في المستقبل
"وقوله لاه الله" بالمد والقصر كناية إن نوى به اليمين فيمين وإلا فلا (^٣)، وإن كان مستعملا في اللغة لعدم اشتهاره وكذا قوله و"أيم الله" بضم الميم أشهر من كسرها ووصل الهمزة ويجوز قطعها "وأيمن الله"، وإنما لم يكن كل منهما يمينا إذا أطلق; لأنه، وإن اشتهر في اللغة وورد في الخبر لا يعرفه إلا الخواص "ولعمر الله" والمراد منه البقاء والحياة، وإنما لم يكن صريحا; لأنه يطلق مع ذلك على العبادات والمفروضات "وكذا" قوله "وعلى عهد الله وميثاقه وأمانته وذمته وكفالته" أي كل منها كناية سواء أضاف المعطوفات إلى الضمير كما مثل أم إلى الاسم الظاهر والمراد بعهد الله إذا نوى به اليمين استحقاقه لإيجاب ما أوجبه علينا وتعبدنا به وإذا نوى به غيرها العبادات التي أمرنا بها (^٤) وقد فسر بها الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] "فإن نوى اليمين بالكل انعقدت" يمين "واحدة والجمع" بين الألفاظ "تأكيد" كقوله والله الرحمن الرحيم فلا يتعلق بالحنث فيها إلا كفارة واحدة ولو نوى بكل لفظ يمينا كان يمينا ولم يلزمه إلا كفارة واحدة كما لو حلف على الفعل الواحد مرارا ونوى بكل مرة يمينا صرح به الأصل "وإن قال وحق الله (^٥) بالرفع أو النصب فكناية (^٦) " لتردده بين استحقاق الطاعة والإلهية
_________________
(١) "قوله ورد بأن ما يتعلق باليمين إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله وكذا في القسامة" حتى لو حلف فيها خمسين يمينا كاذبا لزمته خمسون كفارة
(٣) "قوله إن نوى به اليمين فيمين وإلا فلا" مثله ما لو قال ورب الدابة لا أفعل كذا
(٤) "قوله العبادات التي أمر بها" متعلق بقوله استحقاقه
(٥) "قوله، وإن قال وحق الله" أو وعلم الله
(٦) "قوله بالرفع أو النصب فكناية" لم يفرقوا بين النحوي وغيره ومعلوم أن العامي لا يفرق بين الجر والرفع والنصب في الجميع فيجوز حمل إطلاقه على اليمين إلا أن يفسره بخلافه ع
[ ٩ / ١٦ ]