"فصل: التوبة" تنقسم إلى توبة بين العبد وبين الله تعالى وهي التي يسقط بها الإثم (^١) وإلى توبة في الظاهر وهي التي يتعلق بها عود الشهادات والولايات فالتوبة
_________________
(١) "قوله: وهي التي يسقط بها الإثم" قولية كانت أو غير قولية.
[ ٩ / ٢٨٧ ]
"المسقطة للإثم أن يندم على ما فعل (^١) " من حيث إنه معصية (^٢) "ويتركه" في الحال "ويعزم" على "أن لا يعود (^٣) " إليه وأن لا يغرغر (^٤) "وأن يخرج عن المظالم والزكاة" الواجبة عليه إن كانت وذلك بأن "يردها" إلى مستحقها إن بقيت
"ويغرم" بدلها "إن تلفت أو يستحل من المستحق" لها "أو من وارثه" فيبرئه قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي ندموا ولم يصروا على ما فعلوا أي عزموا أن لا يعودوا على ما فسر به بعضهم وقال ﷺ: "من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل يؤخذ منه بقدر مظلمته وإلا أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" رواه مسلم (^٥) وقول المصنف أو من وارثه من زيادته ولا حاجة إليه لدخوله في المستحق وعطف الزكاة على المظالم من عطف الخاص على العام "و" أن "يعلمه" بها "إن لم يعلم فإن لم يكن" مستحق "أو انقطع خبره سلمها إلى
_________________
(١) "قوله أن يندم على ما فعل" لخبر "الندم توبة" رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده
(٢) "قوله من حيث إنه معصية" خرج به ما لو تاب عن معصية مالية لشحه مثلا أو عار لحقه أو تعب بدن
(٣) "قوله ويعزم على أن لا يعود" قال في المهمات أهمل شرطا رابعا وهو أن يكون ذلك لله تعالى حتى لو عوقب على جريمة فندم وعزم على عدم العود لما حل به وخوفا من وقوع مثله لم يكف قاله أصحابنا الأصوليون ومثلوه بما إذا قتل ولده وندم لكونه ولده أو بذل شحيح مالا في معصية وندم للغرم ولا بد منه وقال البلقيني هذا الإيراد عندنا غير معتبر لأن التوبة عبادة والعبادة لا بد أن تكون لله وإذا لم يكن ذلك فلا توبة ولا عبادة قلت هذا التوجيه فيه اعتراف باعتبار الإيراد غ وإنما يعتبر العزم على ترك العود فيمن يتمكن من مثل ما قدمه فلا يصح العزم من المجبوب على ترك الزنا ولا من الأخرس ومقطوع اللسان على ترك القذف وتوبة العاجز عن العزم صحيحة
(٤) "قوله وأن لا يغرغر" أو يصل إلى الاضطرار كطلوع الشمس من مغربها وهو واضح وكتب أيضا وأن يتوب قبل طلوع الشمس من مغربها فإن تاب بعده وكان مجنونا عنده أو ولد بعده قبلت توبته قاله القرطبي في تفسيره وإنما لا تقبل توبة من كان كافرا أو مصرا على الذنب وقته وأن يتوب قبل الاحتضار
(٥) رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له، حديث" ٢٤٤٩".
[ ٩ / ٢٨٨ ]
قاض أمين فإن تعذر تصدق بها" على الفقراء "ونوى الغرم" له إن وجده "أو يتركها" عنده والتصريح بتركها من زيادته قال الإسنوي ولا يتعين التصدق بها بل هو مخير بين وجوه المصالح كلها قال الأذرعي وقد يقال إذا لم يكن للقاضي الأمين صرف ذلك في المصالح إذا لم يكن مأذونا له في التصرف فكيف يكون ذلك لغيره من الآحاد.
"والمعسر ينوي الغرم" إذا قدر بل يلزمه التكسب لإيفاء ما عليه إن عصى به لتصح توبته "فإن مات معسرا طولب" في الآخرة "إن عصى بالاستدانة" كما يقتضيه ظواهر السنة الصحيحة "وإلا فالظاهر" أنه "لا مطالبة (^١) " فيها إذ لا معصية منه "والرجاء في الله تعويض الخصم وتباح الاستدانة للحاجة لا في سيف" ولا غيره من سائر المعاصي "إذا رجا الوفاء" من جهة أو سبب ظاهر "ومن ارتكب" ما يوجب "حد الله" تعالى كأن زنى أو شرب "فالأفضل" له إن لم يثبت عليه "أن يستر على نفسه" لخبر "من أتى من هذه القاذورات شيئا (^٢) ". . . السابق في باب الزنا
"فإن ثبت" عليه "فات الستر وأتى" حينئذ ندبا فيما يظهر "الإمام ليقام عليه الحد" لم يعبر الأصل بالثبوت بل بالظهور قال ابن الرفعة والمراد به الشهادة قال وألحق به ابن الصباغ ما إذا اشتهر بين الناس "وإن كان" موجب ما ارتكبه "قصاصا أو قذفا" أي عقوبته "أعلم المستحق" له به "ومكنه من الاستيفاء" فيأتي إليه فيقول أنا الذي قتلت أو قذفت ولزمني موجبهما فإن شئت فاستوف وإن شئت فاعف لما في حقوق الآدميين من التضييق.
"ويستغفر الله" تعالى "من الغيبة" إن لم يعلم صاحبها بها "فإن علم صاحبها" بها "استحل منه لا من وارثه" بعد موته عبارة الأصل فإن تعذر استحلاله لموته أو تعسر لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة
_________________
(١) "قوله وإلا فالظاهر أنه لا مطالبة" ما تفقهه النووي لا خلاف فيه كما جزم الأنصاري تلميذ الإمام في شرح الإرشاد فقال فأما إذا حيل بينه وبين تسليم النفس أو المال بمنع وحبس ظالم له وحدوث أمر يصده عن التمكن سقط ذلك عنه وإنما يجب عليه العزم على التسليم إذا تمكن قال وهذا مما لا خلاف فيه ا هـ
(٢) رواه مالك في الموطأ "٢/ ٨٢٥" حديث "١٥٠٨".
[ ٩ / ٢٨٩ ]
"ويستغفر" الله تعالى "من الحسد" وهو أن يتمنى زوال نعمة غيره ويسر ببليته وعبارة الأصل والحسد كالغيبة وهي أفيد "ولا يخبر صاحبه" أي لا يلزمه إخبار المحسود قال في الروضة بل لا يسن ولو قيل يكره لم يبعد (^١) وفي الاستحلال من الغيبة المجهولة كلام تقدم في الضمان
"فصل من مات وله ديون" أو مظالم على شخص "ولم تصل إلى الورثة" ومات المدين "طالب بها" مستحقها الأول "في الآخرة لا آخر وارث" من ورثته (^٢) أو ورثة ورثته وإن نزلوا "وإن دفعها إلى الوارث" عند انتهاء الاستحقاق إليه قال القاضي أو أبرأه الوارث "خرج عن مظلمة غير المطل" بخلاف مظلمة المطل
"فصل" في التوبة في الظاهر "وإنما تعود عدالة التائب عن الفسق (^٣) " الناشئ عن المعصية التي لا تقتضي الكفر كالزنا والشرب "بمدة يغلب على الظن فيها أنه قد صلح" عملا وسريرة لا بإظهار التوبة منه إذ لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غائلة وغرض فاسد فاعتبرت مدة لذلك "وهي سنة" لأن لمضيها المشتمل على الفصول الأربعة أثرا بينا في تهييج النفوس لما تشتهيه فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة ومحله في ظاهر الفسق (^٤) فلو كان يخفيه وأقر به ليقام عليه
_________________
(١) قوله ولو قيل يكره لم يبعد" وهو كما قال وهو ما يفهمه نص الشافعي في اختلاف العراقيين غ
(٢) "قوله لا آخر وارث من ورثته إلخ" قال الحناطي إنه يرثه الله تعالى بعدهم ثم يرده إليه في القيامة
(٣) "فصل قوله وإنما تعود عدالة التائب عن الفسق إلخ" قال في التنبيه ومن ردت شهادته لمعصية غير الكفر أو لنقصان مروءة فتاب لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة سنة وفي المطالب ألحق الأصحاب ذلك بالفسق في وجوب الاستبراء وقال البلقيني لم أقف على التصريح به في كلام الأصحاب وله وجه لأن خارم المروءة صار باعتياده سجية له فلا بد من اختبار حاله ويحتمل خلافه وقد عرفت أنه في التنبيه وذكر في المطلب الاحتياج إلى الاستبراء في العداوة أيضا قوله فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة ولهذا اعتبرها الشرع في مدة التغريب والعنة والزكاة والدية والجزية
(٤) "قوله ومحله في ظاهر الفسق إلخ". استثنى البلقيني أيضا قاذف غير المحصن لمفهوم قول الشافعي في الأم فأما من قذف محصنة فلا تقبل شهادته حتى يختبر والصبي إذا فعل ما يقتضي تفسيق البالغ ثم تاب وبلغ تائبا لم يعتبر فيه الاختبار كما يظهر من كلام الشافعي والأصحاب وقال بقي اثنان أنبه عليهما أحدهما العدو إذا زالت العداوة وكانت كبيرة فتاب منها فهل يشترط الاختبار لأنه تائب من فسق أو لا لأن النفوس لا تميل للعداوة غالبا بل تكرهها محل نظر والأرجح الثاني وإذا قال صاحب المطلب بالاختبار في العداوة المجردة عن الفسق ففي المفسقة أولى، الثاني المبادر بناء على أنه مجروح والأصح خلافه لا يحتاج لاستبراء قاله البغوي. ا هـ. ويستثنى ما لو عصى الولي بالفعل ثم تاب فإنه يزوج في الحال ولا يحتاج إلى استبراء وقالوا ناظر الوقف بشرط الواقف لو فسق ثم تاب عادت ولايته ولو حصل خلل في الأصل ثم زال احتاج إلى تحمل الشهادة ثانيا فلم يذكروا مضي المدة وقوله قاذف غير المحصن لا بد من استبرائه وقوله كما يظهر من كلام الشافعي فعل الصبي غير معصية فلا تعتبر توبته منه قوله فلو كان يخفيه وأقر به إلخ وكذا من أسلم بعد ردته لإتيانه بضد المكفر فلم يبق معه احتمال وقيده الماوردي بما إذا أسلم مرسلا فإن أسلم عند تقديمه للقتل اعتبر مضي المدة وشاهد الزنا إذا وجب عليه الحد لنقص العدد ثم تاب على المذهب كما سيأتي
[ ٩ / ٢٩٠ ]
الحد قبلت شهادته عقب توبته لأنه لم يظهر التوبة عما كان مستورا إلا عن صلاح ذكره الروياني وغيره نقله الإسنوي ثم قال وهو ظاهر ثم في كون السنة تحديدية أو تقريبية وجهان في الحاوي والبحر قال الأذرعي والأشبه الثاني (^١) وكلام الجمهور يقتضي الجزم بالأول
"ويشترط في التوبة من" المعصية "القولية القول" كما أن التوبة من الردة بكلمتي الشهادة. "فيقول في" توبته من "القذف: قذفي باطل (^٢) وأنا نادم على ما فعلت (^٣) ولا أعود" إليه أو يقول ما كنت محقا في قذفي وقد ثبت منه أو
_________________
(١) "قوله قال الأذرعي والأشبه الثاني" وقال البلقيني إنه الأرجح والزركشي إنه الظاهر.
(٢) "قوله فيقول في القذف قذفي باطل" يصح قوله قذفي باطل وإن كان صادقا فيه بمعنى أن الشرع حظره ومنعني من التفوه به وعبارة الحاوي إن أكذب نفسه أن يقول قذفي له بالزنا كان باطلا
(٣) "قوله وأنا نادم على ما فعلت" لم يذكر قوله وأنا نادم على ما فعلت في الأم والمختصر ولا الشيخ أبو حامد ولا أتباعه قال البلقيني وقل من ذكرها والظاهر أنها تأكيد والمذهب أنها لا تعتبر لأن المدار على إظهار ضد القذف كما في إظهار ضد الكفر وقال إن الأرجح عدم اعتبار قوله ولا أعود وهو مقتضى نصوص الشافعي فلم يعتبر في شيء منها هذه المقالة وقال عندي يكتفى من الشاهد بأن يقول رجعت عن شهادتي عليه بالزنا لما روى الشافعي أن عمر لما جلد الثلاثة استتابهم فرجع اثنان فقبل شهادتهما قال الرافعي وتبعه في الروضة ويشبه اشتراط كون هذا الإكذاب عند القاضي أي إن كان قذف بصورة الشهادة كما صرح به الأصفوني وغيره وقال الأذرعي ما قاله الرافعي ظاهر فيمن بحضرة القاضي أو اتصل به قذفه ببينة أو اعتراف وإلا ففي جواز إتيانه القاضي وإعلامه بالقذف بعد لما فيه من الأذى بل مقتضى كلام الغزالي أنه يكذب بنفسه عند من قذفه بحضرته ووجهه ظاهر وذكر في الخادم نحو ذلك أو اتصل به قذفه ببينة أو اعتراف وإلا ففي جواز إتيانه القاضي وإعلامه بالقذف بعد لما فيه من الأذى بل مقتضى كلام الغزالي أنه يكذب بنفسه عند من قذفه بحضرته ووجهه ظاهر وذكر في الخادم نحو ذلك
[ ٩ / ٢٩١ ]
نحو ذلك ليندفع عار القذف وتبع في عطفه لا أعود بالواو الأصل كالجمهور ولكن عبر البغوي في تعليقه بأو "ولا يشترطه" فيها "أن يقول كذبت" فيما قذفته به "فقد يكون صادقا" فكيف يؤمر بالكذب وأما خبر توبة القاذف إكذابه نفسه فغريب وبتقدير شهرته فمحمول على الرجوع والإقرار ببطلان ما صدر منه فإنه نوع إكذاب "سواء كان" القذف "بصورة الشهادة عند القاضي" بأن لم يكمل عدد الشهود "أو بالسب والإيذاء و" لكن لو "كان قذفه في شهادة لم تكمل" عددا "فليتب" أي يشترط أن تكون توبته "عند القاضي ولا يشترط" حينئذ "مضي المدة" إذا كان عدلا قبل القذف
"وإن كان" قذفه "بالسب والإيذاء اشترط مضيها" لأن ذلك فسق مقطوع به بخلاف الفسق عند الشهادة ولهذا تقبل رواية من شهد بالزنا وإن لم يتب وتخصيصه وجوب التوبة عند القاضي بالقذف بصورة الشهادة من زيادته وصرح به الزركشي قال وكلام الغزالي في الإحياء يشير إليه قال في الأصل واعلم أن اشتراط التوبة بالقول في القذف مشكل وإلحاقه بالردة ضعيف (^١) فإن اشتراط كلمتي الشهادة مطرد في الردة القولية والفعلية كإلقاء المصحف في القاذورات زاد الرافعي وبالجملة فلم يشترط في القول أن يقول ما كنت محقا في قول كذا ولم يشترط في الفعل ما كنت محقا في فعل كذا.
وقد ذكر ذلك في المطلب ثم تعقبه (^٢) بما يطول ذكره وقد نبه عليه الأذرعي مع
_________________
(١) "قوله قال في الأصل واعلم أن اشتراط التوبة بالقول في القذف مشكل وإلحاقه بالردة ضعيف إلخ" ويلزمهم اشتراط القول في كل قول كشهادة الزور والغيبة والنميمة قال وقد صرح صاحب المهذب به في شهادة الزور فقال التوبة منها أن يقول كذبت ولا أعود. ا هـ. وحكاه الغزالي في المبادرة بالشهادة أيضا عن بعض الأصحاب ونقله الرافعي في موضعه وأسقطه في الروضة وأجاب في المطلب بأن الردة بالقول إلى آخر ما سيأتي
(٢) "قوله وقد ذكر ذلك في المطلب ثم تعقبه" أي بأن الردة بالقول هي الحقيقة والفعل ملحق به فقياس الشافعي على الأصل قال ولا نسلم الاكتفاء في الردة الفعلية بالقول إذا لم يزل المصحف من ذلك مع إمكانه ثم الفرق بين القذف وغيره أنه أشد ضررا لأنه يكسبه عارا بخلاف شهادة الزور والغيبة والنميمة وأجاب البلقيني عن ذلك كما سيأتي عنه من أن اعتبار القول في المعاصي القولية إنما هو فيما أبرزه قائله على أنه محق فيه ولا يأتي ذلك في معاصي الأفعال لأنه متى أبرزه على أنه حق كفر وقال إنه من النفائس وهنا أمور أحدها حمل البلقيني كلامهم على ما أتى به على صورة أنه محق فيه فأما غيره كاللعن، وقوله يا خنزير ونحوه فلا يشترط في التوبة منه القول قطعا لعدم المعنى المقتضي لذلك قال ولم أر من نبه على ذلك ثانيها أن عبارة الشافعي في الأم والمحرر والروضة وأصلها القذف باطل. وذكر البلقيني أن قذفي باطل لا يساويه لاحتمال الإضافة للمفعول ثالثها ذكر الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق أنه يقول القذف باطل حرام قال البلقيني وظاهره اعتبار الجمع بينهما وله وجه قوي فإن الباطل يطلق على الهدر ومنه ذهب دمه بطلا وعلى اللهو وممن اعتبر الجمع بينهما ابن الصباغ في الشامل واقتصر المحاملي في التجريد على قوله حرام وهو حسن وقال الأذرعي لعله لما أظهر القذف وجاهر به حسن أن يجب الرجوع عنه بالقول جبر القلب المقذوف وصونا لما انتهكه من عرضه وأما المعصية الفعلية فالحق في التوبة عنها متمحض لله تعالى فلم يحتج إلى التلفظ بها إذ العمدة فيها الصدق باطنا وذلك المعنى معدوم هنا وأما الردة وكونه لا بد فيها من التلفظ في الحالين ففيه تعبد من الشارع ألا ترى أنه لو كفر بالنية المجردة فلا بد من التلفظ بالشهادتين ولو قذف بقلبه لم يحتج إلى لفظ ألبتة فيما نعتقده بل ولو قذف خاليا بحيث لا يسمعه إلا الله تعالى
[ ٩ / ٢٩٢ ]
زيادة ولا يشترط في التوبة من الردة مدة وفرقوا بينها وبين سائر المعاصي بأنه إذا أسلم فقد أتى بضد الكفر فلم يبق بعد ذلك احتمال بخلاف سائر المعاصي فتقبل شهادته بعد إسلامه وقيده الماوردي والروياني (^١) بما إذا أسلم مرسلا فإن أسلم عند تقديم القتل اعتبر مضي المدة
"فرع لو قذفه وأقام بينة على زناه قبلت شهادته" لإظهار صدقه بالبينة "ولم يقدح" قذفه "فيه" أي في قبول شهادته والتصريح بهذا من زيادته "وكذا الحكم إن اعترف" به "المقذوف أو قذف زوجته ولاعن" قال الأذرعي أو طلب المقذوف الحد فطلب القاذف يمينه على أنه لم يزن فنكل "ولا يشترط" في رد شهادة القاذف "إحصان المقذوف بل قذفه لعبده ترد به شهادته" ويكفي تحريم القذف سببا للرد "وشاهد الزور يقول" في توبته من شهادته "كذبت فيما قلت ولا أعود (^٢) " إلى مثله لتبين كذبه بالعلم بأنه شهد زورا فليس فيه أمره بالكذب
_________________
(١) "قوله وقيده الماوردي والروياني إلخ" وهو حسن ر
(٢) "قوله وشاهد الزور يقول كذبت فيما قلت ولا أعود" علم منه أنه لو قامت بينة على إقراره بالزور فأنكر لا تقبل شهادته ما دام منكرا لأنه في الظاهر مصر على ما حدث منه وكتب أيضا قال البلقيني وإذا ثبت زور الشاهد بإقراره فقد اعترف بلسانه بزوره فأي فائدة في إعادته وإذا ثبت بغير إقراره فيكفيه أن يقول ثبت من شهادة الزور ولا يعتبر في القول شيء غير ذلك. ثم قال والمعتمد أنه لا يعتبر في شاهد الزور القول بخلاف القذف لظهور زوره بالطريق المعتبر فلا حاجة إلى أن يقول ذلك في توبته حتى أن شاهد الزور لو ظهر زوره في شهادة القذف بأن شهد أنه رآه يزني أول يوم من المحرم سنة كذا وظهر بالطريق المعتبر أن الشاهد ذلك اليوم كان بمصر أو أن المشهود عليه كان بمكة فلا أعتبر في التوبة من ذلك القول لظهور بطلانه بغير ذلك وزال ما كان يلحق المقذوف من العار بما هو أشد في الإزالة من القول. ا هـ.
[ ٩ / ٢٩٣ ]
"ويستبرئ" مع ذلك "سنة" كسائر الفسقة "ثم" إذا ظهر صلاحه "يقبل" في شهادته "في غير تلك الشهادة" عبارة الأصل في غير تلك الواقعة "ومن غلط في شهادة لم يستبرأ" أي لم يجب استبراؤه "بل تقبل شهادته في غير واقعة لغلط" ولا تقبل فيها
"فصل تجب التوبة من المعصية (^١) على الفور" بالاتفاق "وتصح من ذنب دون ذنب وإن تكررت" توبته "وتكرر منه العود" إلى الذنب "ولا تبطل" توبته "به" بل هو مطالب بالذنب الثاني دون الأول "وإن كانت" توبته "من القتل" الموجود للقود "صحت" توبته في حق الله تعالى قبل تسليمه نفسه ليقتص منه "ومنعه القصاص" حينئذ عن مستحقه "معصية جديدة لا تقدح في التوبة (^٢) " بل تقتضي توبته منها "ولا يجب عليه تجديد التوبة كلما ذكر الذنب" وقيل يجب لأن تركه حينئذ استهانة بالذنب والأول يمنع ذلك والترجيح من زيادته
"وسقوط الذنب بالتوبة مظنون" لا مقطوع به "و" سقوطه "بالإسلام مع الندم مقطوع به" وثابت بالإجماع قال في الأصل وليس إسلام الكافر توبة من كفره وإنما توبته ندمه على كفره ولا يتصور إيمانه بلا ندم فتجب مقارنة الإيمان للندم على الكفر.
_________________
(١) قوله تجب التوبة من المعصية" شمل قوله المعصية الكبائر والصغائر ولكن الصغائر قد تمحى بغير توبة بالصلوات الخمس وصلاة الجمعة والصيام والوضوء وغيرها من الحسنات قال ابن الصلاح وقد تكفر الصلوات والجمع وصيام رمضان بعض الكبائر إذا لم توجد صغيرة
(٢) "قوله لا يقدح في التوبة" إنما صحت التوبة في هذه مع بقاء ظلامة الآدمي لأن الشخص لا يكاد يسمح بتلف نفسه والعفو عنها مندوب إليه وهذا المنع طريق إليه
[ ٩ / ٢٩٤ ]
"فصل" لو "حكم" القاضي "بشهادة اثنين فبانا (^١) " له "كافرين أو عبدين أو امرأتين أو فاسقين" أو خنثيين أو صبيين أو نحو ذلك "نقض حكمه" أي أظهر بطلانه (^٢) لأنه تيقن الخطأ كما لو حكم باجتهاده فوجد النص بخلافه "وينقضه غيره" إذا بان له ذلك قال في الأصل فإن قيل (^٣) قد اختلف العلماء في شهادة العبيد فكيف نقض الحكم في محل الخلاف والاجتهاد قلنا لأن الصورة مفروضة فيمن لا يعتقد الحكم بشهادة العبيد وحكم بشهادة من ظنهما حرين فلا اعتداد بمثل هذا الحكم ولأنه حكم بخلاف القياس الجلي لأن العبد ناقص في الولايات وسائر الأحكام فكذا في الشهادة "وإن شهدا ثم فسقا أو ارتد قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بشهادتهما" لأن ذلك يوقع ريبة فيما مضى ويشعر بخبث كأمن ولأن الفسق يخفى غالبا فربما كان موجودا عند الشهادة
"وإن" شهدا ثم "ماتا أو جنا أو عميا أو خرسا حكم" بشهادتهما لأن هذه الأمور لا توقع ريبة فيما مضى "بل يجوز التعديل" لهما "بعد حدوثها" ثم يحكم بشهادتهما "ولو فسقا" أو ارتدا "بعد الحكم" بشهادتهما "وقبل استيفاء المال استوفى كما ورجعا" عن شهادتهما كذلك وخرج بالمال الحدود فلا يستوفى
"فرع فإن قال الحاكم بعد الحكم بان لي أنهما كانا فاسقين" ولم تظهر بينة بفسقهما "نقض" حكمه أيضا "إن جوزنا قضاءه بالعلم" وهو الأصح "ولم يتهم فيه ولو قال أكرهت على الحكم" بشهادتهما "وأنا أعلم فسقهما قبل" قوله "من غير قرينة" على الإكراه وتعبيره بالقرينة لا يوافق تعبير أصله بالبينة الموافق لقولهم لا يقبل قول الشخص أنه أكره إلا بقرينة قال الأذرعي وينبغي أن يكون محل
_________________
(١) "قوله لو حكم بشهادة اثنين فبانا" أي عند الشهادة أو عند الحكم وقوله كافرين إلخ لو بان أحدهما كان الحكم كذلك ولا يستثنى منه ما إذا كان الحق مما يثبت بشاهد ويمين وحلف يمين الاستظهار وتبرع بأن تفرض فيها لصدق شاهديه على الأرجح عند البلقيني من تردد له لأن مستند الحكم لا بد أن يتعين للحاكم ولم يتعين له أن الشاهد واليمين مستند الحكم
(٢) "قوله أي أظهر بطلانه" فتكون الفوائد الحادثة من العين المحكوم بها من وقت الحكم إلى أن نقض لربها
(٣) "قوله قال في الأصل فإن قيل إلخ" قال البلقيني وكذا لو اعتقد قبول الكافر أما على مثله أو في الوصية في السفر قاله جمع من العلماء
[ ٩ / ٢٩٥ ]
قبول قوله (^١) إذا كان الإكراه مما يسوغ الإقدام على ذلك الحكم وإلا فهو معترف على نفسه بالخطأ فلا يتعدى اعترافه إلى غيره.
"وينقض" الحكم بشهادة اثنين "إن بانا والدين أو ولدين للشهود له أو عدوين للمشهود عليه" وقول الأصل بانا بالبينة الظاهر أنه ليس بقيد (^٢) فلهذا تركه المصنف ولو قال الحاكم كنت يوم الحكم فاسقا فالظاهر أنه لا يلتفت إليه كما لو قال الشاهدان كن عند عقد النكاح فاسقين ذكره الأذرعي وغيره ويفارق ما مر في قوله بان لي فسق الشاهدين بأنه أعرف بصفة نفسه منه بصفة غيره فتقصيره في حق نفسه أكثر
_________________
(١) "قوله قال الأذرعي وينبغي أن يكون محل قبول قوله إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب في قواعد ابن عبد السلام أنه لو أكره بالقتل على شهادة زور أو على حكم بباطل فإن كان ما أكره على الشهادة أو الحكم به قتلا أو قطع عضو أو إحلال بضع محرم لم تجز الشهادة ولا الحكم وإن كانت الشهادة أو الحكم بمال لزمه إتلافه حفظا لمهجته كما يلزمه حفظها بأكل مال الغير وقال بعد هذا لو أكره على شهادة الزور بالقتل أو بما يؤدي إليه كقطع عضو فإن كان المشهود به يتضمن قتل نفس معصومة أو زنا أو لواطا لم تجز الشهادة وإن كانت الشهادة بغير ذلك جازت لحرمة النفس والإكراه على الحكم كهو على شهادة الزور وصور ﵁ وقت البحث وقوع ذلك في اللواط بأن يكرهه بأن يشهد بأن هذا غلامه وهو يعلم أنه إذا شهد له بذلك لاط به بعد استيلائه عليه وكذلك الزنا بالأمة
(٢) "قوله الظاهر أنه ليس بقيد" أشار إلى تصحيحه وكذا قوله فالظاهر أنه لا يلتفت إليه
[ ٩ / ٢٩٦ ]