"فصل: ولا تقبل شهادة المغفل (^١) الذي لا يضبط" أصلا أو غالبا إذ لا يوثق بقوله "فإن فسر" شهادته "وبين وقت التحمل ومكانه قبلت (^٢) " لزوال التهمة "وكثير الغلط والنسيان ترد شهادته" للتهمة ولا يضر قليل الغلط والنسيان
_________________
(١) "فصل" "قوله ولا تقبل شهادة المغفل" قال البلقيني إنه لا يستقيم التعبير به لأن معنى غفله غيره وما كان تعديه بالتضعيف لا يكون التضعيف فيه دالا على كثرة ذلك الشيء من الذي وقع عليه هذا الفعل فلا يناسب المقام قال وفي تفسير ابن عطية ما يقتضي أن البناء المذكور يقتضي المبالغة فقال في قوله في البقرة مسلمة أنه بناء مبالغة من السلامة قال شيخنا أبو حيان وقال غير ابن عطية وليس كما ذكر لأن التضعيف الذي في مسلمة ليس لأجل المبالغة بل هو تضعيف النقل والتعدية فليس إذا بناء مبالغة بل هو مرادف للبناء المتعدي بالهمزة وما قاله شيخنا هو الصواب والذي اعتبره الشافعي في ذلك كثرة الغفلة. ا هـ.
(٢) "قوله فإن فسر وبين وقت التحمل ومكانه قبلت" قال في الخادم إن هذا أخذه الرافعي من البغوي وهو إنما ذكره فيمن يكثر غلطه ونسيانه والشيخان أطلقا منعه
[ ٩ / ٢٨٣ ]
إذ لا يسلم منه أحد
"فصل وإن شهد فاسق (^١) " ولو معلنا بفسقه "أو عدو فردت" شهادته "ثم حسنت توبته وأعادها لم تقبل للتهمة (^٢) " بدفع عار رد شهادته الأولى عنه نعم إن لم يصغ القاضي إلى شهادة المعلن قبلت شهادته المعادة بناء على الأصح في الشرح الصغير وأصل الروضة من أن القاضي لا يصغي إليها كما لا يصغي إلى شهادة العبد والصبي فما أتى به أولا ليس بشهادة في الحقيقة (^٣) "بخلاف الكافر المعلن (^٤) والعبد والصبي إذا" شهدوا شهادة ثم "أعادوها بعد الكمال قبلت" لأن شهادتهم الأولى لم تكن في الحقيقة شهادة حتى توصف بالرد والقبول ولأنهم لا يتعيرون برد شهادتهم فلا يتهمون لأن نقص العبد والصبي ليس إليهما والكافر لا يعتقد كفره نقصا بل يفتخر به ولا يبالي برد شهادته بخلاف الفاسق والعدو وخرج بالكافر المعلن المسر بكفره فلا تقبل شهادته المعادة بعد إسلامه للتهمة
"ولو شهد" السيد "لمكاتبه" أو مأذونه "بمال" أو غيره "أو لمورثه بجراحة قبل اندمال (^٥) " لها "فردت" شهادته "ثم أعادها بعد العتق والاندمال لم تقبل.
_________________
(١) "قوله وإن شهد فاسق إلخ" ألحق البلقيني بمن لم يصغ القاضي إلى شهادته ما لو كان فسقه مختلفا فيه أو كان مع فسقه أهلا للشهادة عند قوم محكي عنهم قبول شهادة الفاسق الذي لا يكذب وشهد عند من يرى فسقه أو يرى أنه لا تقبل شهادته وإن كان لا يكذب ولم يحكم برد شهادته وإنما توقف ليستبرئ ثم تاب وأعاد تلك الشهادة فإنها تقبل لأنه لا يدفع عن نفسه عار الكذب ولا عار الرد لأنه لم يوجد رد. ا هـ. وذكر التنبيه مع الفاسق من لا مروءة له ثم حسنت حاله ويندرج فيه أصحاب المكاسب الدنيئة إذا رددنا شهادتهم ولو شهد الخنثى فيما لا تقبل فيه النساء فرد فعاد وقال أنا رجل فيحكم بذكورته ولا تقبل شهادته المردودة لأنه متهم في الإقرار إلا أن يزول إشكاله بعلامة قطعية أو ظنية
(٢) "قوله للتهمة" ولأن رد شهادة الفاسق ثبت بالاجتهاد مع جواز صدقه فرده تعلق باجتهاد القاضي فلو قبلت شهادته المعادة لأجل عدالته وهي أيضا مدركة بالاجتهاد نقض الاجتهاد بالاجتهاد
(٣) قوله فما أتى به أولا ليس بشهادة في الحقيقة" فهو مفهوم من قولهم شهدوا
(٤) "قوله بخلاف الكافر المعلن ولو مرتدا" وفي فتاوى القفال إن المرتد لو شهد فردت شهادته ثم أعادها بعد الإسلام قبلت كالكافر الأصلي بخلاف الفاسق ولعله أراد المرتد المظهر للردة أو يكون عنده أنه لا فرق بين المسر للكفر والمعلن به
(٥) "قوله أو لمورثه بجراحة قبل الاندمال إلخ" مثله ما لو شهد بالجراحة قبل الاندمال وهو وارث ثم حدث للمجروح من يحجبه فأعاد تلك الشهادة ذكره الماوردي وغيره وهو الصحيح
[ ٩ / ٢٨٤ ]
كما لو شهد شفيعان بعفو" الشفيع "الثالث" قبل عفوهما "فردت" شهادتهما "ثم أعاداها بعد عفوهما وإن ردت شهادة الفرع" الشاهد على شهادة أصل "لفسق الأصل فتاب" الأصل "ثم أعادها بنفسه أو بغيره لم تقبل" للتهمة ولو ردت شهادة الفرع لفسقه لم يؤثر في شهادة الأصل قال الأذرعي والأشبه (^١) قبول الشهادة المعادة ممن شهد به خرس ثم زال انتهى ومثلها المعادة ممن شهد به عمى ثم زال
"فصل ولو شهد في غير" شهادة "الحسبة قبل الدعوى وكذا" بعدها لكن "قبل الاستشهاد" به "ردت شهادته" لتهمته بالحرص عليها وفي خبر الصحيحين في معرض الذم "ثم يجيء قوم يشهدون ولا يستشهدون" (^٢) وأما خبر مسلم "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (^٣) فمحمول على ما يجوز المبادرة إليه وهو شهادة الحسبة ولا يصير بذلك مجروحا في شهاداته بل في شهادته "بها" أي بتلك الواقعة "فقط" أي لا في غيرها ولا فيها إذا استشهد "في مجلس آخر" بل أو في مجلس تلك الشهادة كما اقتضاه كلام الأصل والأنوار وعبارته ولو أعادها بالاستشهاد قبلت فقوله من زيادته لا في مجلس آخر زيادة ضرر
"فرع تقبل شهادة من اختبأ" في زاوية "ليستمع" ما يشهد به ولا يحمل على الحرص لأن الحاجة قد تدعوا إليه كأن يقر من عليه الحق إذا خلا به المستحق ويجحد إذا حضر غيره "ويستحب" له "أن يخبر الخصم بأنه اختبأ" وشهد عليه لئلا يبادر إلى تكذيبه إذا شهد فيعزره القاضي "وإن قالا" أي اثنان لثالث "حاسب بيننا" لنتصادق "ولا تشهد" علينا بما يجري "ففعل لزمه أن يشهد" بما جرى والشرط فاسد "وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى" والأصل في قبولها خبر مسلم السابق "كالحدود والمستحب سترها" أي ستر موجباتها على ما
_________________
(١) "قوله قال الأذرعي والأشبه إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، حديث "٢٦٥١" ومسلم، كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة …، حديث "٢٥٣٥" كلاهما عن عمران بن حصين ﵁، مرفوعا.
(٣) مسلم كتاب الأقضية، باب خير الشهود، حديث" ١٧١٩".
[ ٩ / ٢٨٥ ]
مر في الزنا وكالصلاة والصوم بأن يشهد بتركهما.
"وكذا تقبل فيما لله فيه حق مؤكد" وهو ما لا يتأثر برضا الآدمي "كالطلاق" رجعيا كان أو بائنا لأن المغلب فيه حق الله تعالى بدليل أنه لا يرتفع بتراضي الزوجين "لا في مال الخلع" لأنه حق آدمي بخلاف فراقه وقيل لا تقبل في فراقه أيضا لأنه لا ينفك عن المال والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي قال فقد جزم به القاضي واختاره الغزالي وتبعه الحاوي الصغير "وكالعتق والاستيلاد لا" في "عقدي التدبير والكتابة" وفارقهما الاستيلاد بأنه يفضي إلى العتق لا محالة بخلافهما "و" لا في "شراء القريب" الذي يعتق به وإن تضمن العتق لكون الشهادة على الملك والعتق تبع وليس كالخلع لأن المال فيه تابع وفي الشراء مقصود فإثباته دون المال محال "لا" شهادتها "بالعتق" الحاصل بها أي بالتدبير والكتابة وشراء القريب أي بكل منها فتقبل وذكر هذا في الثالثة من زيادته
"وتقبل في العفو عن القصاص" لما في قبولها فيه من سلامة النفس "وفي الوصية والوقف إذا عمت جهتهما" ولو أخرت الجهة العامة فيدخل نحو ما أفتى به البغوي من أنه لو وقف دارا على أولاده ثم على الفقراء فاستولى عليها ورثته وتملكوها فشهد شاهدان حسبة قبل انقراض أولاده بوقفيتها قبلت شهادتهما لأن آخره وقف على الفقراء "لا إن خصت" جهتهما فلا تقبل فيهما لتعلقهما بحظوظ خاصة.
"و" تقبل "في الرضاع والنسب وانقضاء العدة وبقائها وتحريم المصاهرة والزكوات والكفارات" بأن يشهد بتركهما "والبلوغ والإسلام والكفر وقطع الطريق والسرقة" وهذان مكرران لدخولهما في الحدود "والإحصان" والتعديل "لا" في حق "الآدمي كالقصاص وحد القذف والبيوع ونحوها لكن إذا لم يعلم صاحب الحق به أعلمه" الشاهد به "ليستشهده" بعد الدعوى "ولا تسمع دعوى الحسبة" فيما تقبل فيه شهادتها اكتفاء بشهادتها ولأنه لا حق للمدعي في المشهود به ومن له الحق لم يأذن في الطلب والإثبات بل أمر فيه بالإعراض والدفع ما أمكن وقيل تسمع لأن البينة قد لا تساعد ويراد استخراج الحق بإقرار المدعى عليه والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي بل ما رجحه نسبه الإمام إلى العراقيين وقضية ما مر في السرقة وآخر القضاء على الغائب ترجيح الثاني وصححه البلقيني ويجب حمله على غير حدود الله تعالى فسيأتي في الدعاوى عدم سماعها فيها لكن
[ ٩ / ٢٨٦ ]
محله كما قال ابن الصباغ والبندنيجي والماوردي وغيرهم إذا لم يتعلق بها حق آدمي فتسمع في السرقة إذا لم يبرأ السارق من المال برد ونحوه وإلا فلا تسمع لتمحض الحق لله تعالى كالزنا فالمعتمد سماعها إلا في محض حدود الله تعالى "ولا" تسمع "شهادتها" أي الحسبة "حتى تقول شهودها" ابتداء "للقاضي نشهد بكذا على فلان فأحضره لنشهد عليه فإن قالوا ابتداء فلان زنى فهم قذفة". نعم إن وصلوا شهادتهم به قال الزركشي فالظاهر أنهم لبسوا بقذفة لكن كلام الروياني يقتضي أنه لا فرق انتهى
"وإنما تسمع عند الحاجة" إليها "فإن شهدوا بحرية" لشخص "قالوا وفلان يسترقه أو" شهدوا "برضاع" محرم لامرأة على رجل "قالوا" وفلان "يريد أن ينكح" ها "أو نكح" ها قال في الأصل نقلا عن فتاوى القفال ولو شهد اثنان بطلاق وقضى القاضي بشهادتهما ثم جاء آخران يشهدان بإخوة بين المتناكحين لم تقبل هذه الشهادة إذ لا فائدة لها في الحال ولا عبرة بكونهما قد يتناكحان بعد انتهى وظاهر أن محله إذا لم يقولا والمطلق يريد أن ينكحها وحذف المصنف ذلك لفهمه مع القيد المذكور من كلامه السابق "وتسمع" البينة "بعتق أحد العبدين" فلو جاء عبدان للقاضي فقالا إن سيدنا أعتق أحدنا وقامت بينة بذلك سمعت وإن كانت الدعوى فاسدة لأن البينة على العتق مستغنية عن تقدم الدعوى
"فصل لا تقبل شهادة الأخرس ولو عقلت إشارته" لأنها ليست بصريحة في الشهادة ونحن في غنية عن شهادته بشهادة غيره (^١) "وتقبل شهادة ولد الزنا ويكون قاضيا لا إماما تعقد له" الإمامة لأن النسب شرط في الإمامة بخلاف الإمامة بالشوكة وقوله لا إماما تعقد له من زيادته على الروضة هنا "و" تقبل "شهادة محدود تاب" عما حد به
_________________
(١) "قوله ونحن في غنية عن شهادته بشهادة غيره" بخلاف العقود فإنها إنما تعرف من جهته إما بعقده أو بإذنه فصححناها للضرورة
[ ٩ / ٢٨٧ ]