_________________
(١) "فصل" "قوله لا تقبل شهادته على عدو له" وإن كان أصله أو فرعه وكتب أيضا قال البلقيني مقتضاه إن محل رد الشهادة ظهور العداوة وليس كذلك بل ما دل على العداوة من المخاصمة ونحوها كاف في ذلك كما نص عليه في مختصر المزني فقال في كتاب الشهادات لا تجوز شهادته على خصمه لأن الخصومة موضع عداوة وهل قاذف أم رجل أو زوجته عدو له وجهان أصحهما أنه عدو له. "تنبيه" تزكية من شهد على العدو بحق هل ترد كما ترد شهادته على عدوه قال في المطلب في باب دعوى الدم كان بعض مشايخنا يقول بسماعها لأنه أثبت بالتزكية أمرا عاما لا يختص بالعدو وقال هنا يشبه أن يكون كشهادة العاقلة بتزكية من شهد بجرح شهود القتل خطأ ولو شهد على الميت وهو خصم وارثه هل تسمع شهادته قال في المطلب يحتمل وجهين أحدهما لا تسمع لأن الضرر يعود إلى الورثة لأنهم لا يستحقون التركة مع بقاء الدين فهي شهادة الخصم في الحقيقة والثاني تسمع لأنها على الميت لا على الوارث ولو كان الشاهد خصما للميت دون الوارث فعلى الوجه الأول تقبل وعلى الثاني لا قال ابن الرفعة ويظهر أن يخرج على هذا ما إذا ادعى أولاد ميت على شخص بدين ورثوه من أبيهم فأسقط أحدهم حقه وأراد أن يشهد به فعلى الثاني لا تسمع لأنها شهادة للأب وعلى الأول ينبغي أن تسمع وقوله وقال هناك يشبه إلخ أشار إلى تصحيحه وكذا قوله أحدهما لا تسمع.
[ ٩ / ٢٨٠ ]
تقبل شهادة ذي (^١) غمر بكسر الغين المعجمة أي عدو حقود على أخيه" رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن (^٢) وعدو المرء من "يتمنى زوال نعمته (^٣) ويفرح بمصيبته ويحزن بمسرته" وذلك قد يكون من الجانبين وقد يكون من أحدهما فيختص برد شهادته على الآخر وإن أفضت العداوة إلى الفسق ردت شهادته مطلقا كما علم مما مر والمراد العداوة (^٤) الظاهرة لأن الباطنة لا يعلمها إلا مقلب القلوب
"وإن عادى من سيشهد عليه وبالغ في خصامه ولم يجبه ثم شهد" عليه "لم ترد شهادته" لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى ردها وهذا في غير القذف كما يعلم مما يأتي "ولا تقبل شهادته على قاذفه" ولو قبل طلب الحد لظهور العداوة كما نبه عليه بقوله "والنص يقتضي أن الطلب" للحد "ليس بشرط (^٥) " في عدم قبول الشهادة "ولا" تقبل شهادته "على من ادعى" عليه "أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله" وحاصل كلام الأصل نقلا عن النص أن كلا من القاذف والمقذوف في الأولى ومن المدعي والمدعى عليه في الثانية لا تقبل شهادته على الآخر "فإن قذفه" المشهود عليه "بعد الشهادة" عليه "لم يؤثر" في قبولها فيحكم بها الحاكم
_________________
(١) "قوله للتهمة ولخبر لا تقبل شهادة إلخ" والمعنى فيه أن العداوة تفضي إلى الشهادة بالباطل فإنها عظيمة الوقع في النفوس تسفك بسببها الدماء وتقتحم العظائم
(٢) ص"١٦١" حسن: رواه أبو داود "٣/ ٣٠٦" كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته، حديث "٣٦٠٠" وابن ماجه "٢/ ٧٩٢" حديث "٢٣٦٦" كلاهما عن عائشة ﵂، مرفوعا.
(٣) "قوله يتمنى زوال نعمته" قال البلقيني تمني زوال نعمته ليس تفسيرا للعداوة وإنما هو الحسد وهو حرام وقد ينتهي الحال فيه إلى الفسق والكلام في عداوة لا يفسق بها قال شيخنا تمني ذلك لفظا ليس بشرط بل الشرط أن يكون من شأنه ذلك
(٤) "قوله والمراد العداوة" أي الدنيوية
(٥) "قوله والنص يقتضي أن الطلب ليس بشرط" في تعليق الشيخ أبي حامد وغيره أن الشافعي صور العداوة الموجبة للرد بما إذا قذف رجل رجلا أو ادعى عليه أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله فقال يصيران عدوين فلا تقبل شهادة أحدهما على الآخر فاكتفى بالقذف ولم يتعرض لطلب الحد وعد الماوردي من الأسباب المقتضية للعداوة القذف
[ ٩ / ٢٨١ ]
"فرع البغض لله" المعبر عنه في الأصل بالعداوة الدينية "ليس قدحا" في الشهادة "فمن أبغضته لفسقه قبلت شهادتك عليه كشهادة المسلم على الكافر" والسني على المبتدع "وجرح العالم الراوي الحديث" أو نحوه كالمفتي "نصيحة" كأن قال لا تسمعوا الحديث من فلان فإنه مخلط أو لا تستفتوه فإنه لا يعرف الفتوى "لا يقدح في شهادته" لأنه نصيحة للناس "وتقبل الشهادة" من العدو "للعدو" إذا لم يكن بعضه إذ لا تهمة والفضل ما شهدت به الأعداء.
"فرع حب الرجل لقومه ليس عصبية" حتى ترد شهادته لهم بل تقبل مع أن العصبية وهي أن يبغض الرجل لكونه من بني فلان لا تقتضي الرد بمجردها وإنما تقتضيه إن انضم إليها دعاء الناس وتألفهم للإضرار به والوقيعة فيه كما يؤخذ من قوله "فإن ألب" بتشديد اللام أي جمع جماعة "على أعدائهم" أي قومه "ووقع" معها "فيهم ردت شهادته عليهم وتقبل" الشهادة "للصديق والأخ (^١) " وسائر الحواشي وإن كانوا يصلونه ويبرونه لانتفاء التهمة ولأن الصداقة مندوب إليها بخلاف العداوة فعوقب العدو على عداوته
"فرع تقبل شهادة أهل البدع (^٢) " كمنكري صفات الله وخلقه أفعال عباده وجواز رؤيته يوم القيامة لاعتقادهم أنهم مصيبون في ذلك لما قام عندهم "إلا
_________________
(١) "قوله وتقبل للصديق والأخ" قال البلقيني محله ما لم يشهد له بالنسب على المنكر من الورثة فإن شهد بذلك فالأرجح أنها لا تقبل شهادته لأن فيها الشهادة لنفسه بنسب المشهود له قال وفي تعليق الشيخ أبي حامد ما يخالف ذلك وفي زيادة الروضة في آخر الإقرار بالنسب عن القاضي أبي الطيب من غير مخالفة قبول شهادة الأخوين على المنكر بإخوة رابع لأن فيها ضررا عليهما فشهادتهما أولى من شهادة الأجنبيين قال البلقيني وهو مردود بما إذا شهد اثنان من الورثة بزوجية أمها وبقية الورثة منكرون فإنها لا تقبل شهادتهما لأمهما وإن كان فيها ضرر عليهما كذلك لا تقبل شهادتهما لنفسهما بالإخوة وإن كان في ذلك ضرر عليهما. انتهى والفرق بينهما ظاهر وقوله وفي زيادة الروضة إلخ أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله تقبل شهادة أهل البدع" أي الذين لا نكفرهم لقوله ﷺ "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" رواه أبو داود بإسناد صحيح قال الخطابي فيه دلالة على أنهم غير خارجين من الملة لأنه جعل الكل من أمته وأن المتأول لا يخرج عن الملة وإن أخطأ في تأويله فإذا لم نكفره وانضم إليه التقوى المانعة من الإقدام على ما يعتقد تحريمه فالموجب للقبول موجود ولا خلاف أن أهل البدع إذا لم نكفرهم هم فساق وشمل كلامهم الداعية وهو كذلك وإن قيل برد روايته
[ ٩ / ٢٨٢ ]
الخطابية" وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي الكوفي كان يقول بألوهية جعفر الصادق ثم ادعى الألوهية لنفسه فلا تقبل شهادتهم لمثلهم وإن علمنا أنهم لا يستحلون دماءنا وأموالنا "لتجويزهم الشهادة لمن صدقوه" في دعواه أي لأنهم يرون جواز شهادة أحدهم لصاحبه إذا سمعه يقول لي على فلان كذا فيصدقه بيمين أو غيرها ويشهد له اعتمادا على أنه لا يكذب إذ الكذب عندهم كفر "و" إلا "منكري العلم" لله تعالى "بالمعدوم والجزئيات" ومنكري حدوث العالم والبعث والحشر للأجسام فلا تقبل شهادتهم "للكفر" لإنكارهم ما علم مجيء الرسول به ضرورة "لا من قال بخلق القرآن أو نفي الرؤية" وما ورد من كفرهم مؤول بكفران النعمة لا الخروج عن الملة بدليل أنهم لم يلحقوهم بالكفار في الإرث والأنكحة ووجوب قتلهم وقتالهم وغيرها "فلو قال الخطابي" في شهادته "رأيت أو سمعت قبلت" شهادته لتصريحه بالمعاينة النافية لاحتمال اعتماده على إخبار المشهود له "وتقبل شهادة من يسب الصحابة" والسلف "لأنه يقوله اعتقادا لا عداوة" وعنادا "فلا نكفر متأولا" بماله وجه محتمل "نعم قاذف" عائشة ﵂ "كافر" فلا تقبل شهادته "لأنه كذب الله" تعالى في أنها محصنة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣] الآية وقذف سائر المحصنات يوجب رد الشهادة فقذفها أولى
[ ٩ / ٢٨٣ ]