وفيه طرفان: الأول: في التولية و" في "الفتوى والقضاء" أي توليه (^١) "فرض كفاية (^٢) " في حق الصالحين له "كالإمامة" بالإجماع ولما يتعلق بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
"ومن تعين عليه (^٣) " بأن لم يوجد في ناحيته صالح للقضاء غيره "لزمه طلبه وقبوله" إذا ولي للحاجة إليه فيها (^٤) "ولا يعذر" المتعين "لخوف ميل" منه أي جور بل يلزمه أن يطلب ويقبل ويحترز من الميل كسائر فروض الأعيان "ولا
_________________
(١) "قوله أي تولية" أما إيقاع التولية للقاضي ففرض عين على الإمام وعلى قاضي الإقليم في المعجوز عنه فإن لم يبلغ الإمام الخبر لبعده عنه تعين فرض التولية على القاضي، وإن بلغه فالفرض عليهما فأيهما ولي سقط الفرض ذكره الماوردي، وأما إيقاع القضاء بين المتنازعين ففرض عين على الإمام بنفسه أو نائبه وإذا ارتفعا إلى النائب فإيقاع القضاء بينهما فرض عين عليه ولا يحل له الدفع إذا كان فيه تعطيل وتطويل نزاع ذكره البلقيني
(٢) "قوله فرض كفاية"; لأن القضاء إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو هما وهما فرض كفاية
(٣) "قوله ومن تعين عليه لزمه طلبه" ولو توقف على بذل مال لزمه وشمل كلامه ما لو كان الإمام جائرا ولو غلب على ظنه أنه لا يجاب لما علمه من فساد الزمان وأئمته فالظاهر أنه لا يجب عليه الطلب غ وقوله فالظاهر أنه لا يجب أشار إلى تصحيحه
(٤) قوله للحاجة إليه فيها" أي الناحية
[ ٩ / ٩٦ ]
يفسق بالامتناع" من ذلك "لتأوله (^١) " في امتناعه، وإن أخطأ "ويجبر" على القبول لاضطرار الناس إليه كإطعام المضطر وسائر فروض الكفايات عند التعين، وأما خبر "أنا لا نكره على القضاء أحدا" فحملوه على حال عدم التعين مع أنه غريب "فإن كان هناك أفضل منه (^٢) غير ممتنع" من القبول "كره" للمفضول "الطلب (^٣) " لخبر الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة حيث قال له النبي ﷺ: "لا تسأل الإمارة (^٤) "
"وجاز" له "القبول" إذ ولي مع كراهته فلو قال والقبول كان أولى ويكره للإمام أن يبتدئه بالتولية أما إذا كان الأفضل يمتنع من القبول فكالمعدوم واستثنى الماوردي (^٥) من كراهة ما ذكر ما إذا كان المفضول أطوع (^٦) وأقرب إلى القبول والبلقيني ما إذا كان أقوى في القيام في الحق "وإن كان هناك مثله وكان هذا مشهورا" ينتفع بعلمه "مكفيا" بغير بيت المال "كره له طلبه وقبوله" وعلى هذا حمل امتناع السلف "وإلا" بأن لم يكن مشهورا أو مكفيا "استحب" له
_________________
(١) "قوله ولا يفسق بالامتناع لتأوله" فإن قيل قد يمتنع بلا تأويل فيفسق فلا بد بعد توبته من مضي مدة الاستبراء فالجواب أن الفاسق متى حصل بتوبته العلم بزوال الفسق صحت في الحال كما قلنا في العاضل أنه يزوج في الحال من غير مدة; لأنه بالتزويج يرتفع فسقه، وهذا مثله وله نظائر ع
(٢) "قوله فإن كان هناك أفضل منه إلخ" قال المفتي هذا غير مستقيم إذ كيف يكون متعينا وهناك أفضل منه فزدت بعد قوله ويجبر لفظة وإلا إلخ ليستقسم الكلام ا هـ يجاب بأن هذا قسيم قوله ومن تعين فالضمير في منه ليس عائدا على من تعين
(٣) "قوله كره للمفضول الطلب إلخ" قال البلقيني: محل ولاية المفضول مع الفاضل في المجتهدين أو المقلدين العارفين بمدارك مقلدهما فإن كان الفاضل مجتهدا وأو مقلدا عارفا بمدارك إمامه والمفضول ليس كذلك لم تجز توليته ولا قبوله ويدل لذلك توجيه الأصحاب بأن تلك الزيادة خارجة عن الحد المطلوب
(٤) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب من سأل الإمارة وكل إليها حديث "٧١٤٧" ومسلم كتاب الإيمان، حديث"١٦٥٢" كلاهما عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁، مرفوعا.
(٥) قوله واستثنى الماوردي إلخ" وقوله والبلقيني إلخ ويلحق بالمفضول فيهما المثل غير المحتاج والحامل
(٦) "قوله ما إذا كان المفضول أطوع إلخ" أو كان الأفضل غائبا أو مريضا
[ ٩ / ٩٧ ]
ذلك "لينتفع بعلمه أو ليكتفي" من بيت المال (^١) "وإن كان هناك دونه استحب له القبول وكذا الطلب"، وإنما يستحبان "إذا وثق بنفسه" أما عند الخوف عليها فيحترز (^٢) ; لأن أهم العزائم حفظ السلامة وبما تقرر علم أنه لو حذف لفظة كذا كان أولى
"وحرم" على الصالح "للقضاء طلب" له (^٣) "وبذل مال لعزل" قاض "صالح" له "ولو" كان "دونه وبطلت" بذلك "عدالته" فلا تصح توليته والمعزول به على قضائه حيث لا ضرورة كما سيأتي; لأن العزل بالرشوة حرام وتولية المرتشي للراشي حرام "ولو وجب أو استحب طلبه جاز بذل المال و" لكن "آخذه ظالم" كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل مال فإن لم يجب ولم يستحب لم يجز له بذل المال ليولى ويجوز له بذله لئلا يعزل ووقع في الروضة أنه يجوز له بذله ليولى، وهو سبق قلم (^٤)
"وكذا يستحب بذله لعزل" قاض "غير صالح" للقضاء لما فيه من تخليص الناس منه لكن آخذه ظالم "ولا يجب" على من تعين عليه القضاء "طلب و" لا "قبول" له "في غير بلده (^٥) " لما فيه من الهجرة وترك الوطن وفارق سائر فروض الكفايات بأنه يمكن القيام بها والعود إلى الوطن والقضاء لا غاية له مع قيام حاجة
_________________
(١) "قوله لينتفع بعلمه أو ليكتفي من بيت المال" قال البلقيني: ويزاد ما إذا كان المثل يرتكب أمورا يضعف مدركها فيندب له الطالب وقد يقوى الإيجاب ولا سيما إذا كانت تلك الأمور ينقض القضاء فيها أو كان لا يقوم بكفاية الناس في خصوماتهم وأحوالهم إلا بجهد وتعب وتكلف وربما تأخر بعض القضايا للكثرة فيندب الطلب لمن يقوم بالمصالح بحيث يزول ما ذكر
(٢) "قوله أما عند الخوف فيحترز إلخ" قال الزركشي: وقضيته جواز الإقدام لكن قطع في الذخائر بوجوب الامتناع، وهو الأشبه
(٣) "قوله وحرم طلب له" أي وقبول كما صرح به في الحاوي الصغير
(٤) "قوله، وهو سبق قلم" تبع فيه بعض النسخ السقيمة والذي رأيته في الروضة فلا يجوز له
(٥) "قوله ولا يجب طلب ولا قبول في غير بلده" قال الأذرعي: ويتعين حمل كلام الأئمة الذي نقله الرافعي على ما إذا كان في المبعوث إليها أو بقربها صالح للقضاء وكلام ابن الصباغ وغيره على عكس ذلك وحينئذ لا ريب في وجوب ذلك على الإمام ووجوب امتثال أمره لا يلزم منه ضرر لا يحتمل
[ ٩ / ٩٨ ]
بلد المتعين إليه وظاهر كلامه أنه لو كان (^١) ببلد صالحان وولي أحدهما ما لم يجب على الآخر ذلك في بلد آخر ليس به صالح والأوجه الوجوب عليه لئلا تتعطل البلد الأخرى إن لم يشملها حكم الأول مع انتفاء حاجة بلده إليه هذا واقتصاره على البلد من تصرفه والذي في الأصل اعتبار البلد (^٢) والناحية وفي الحقيقة المعتبر في ذلك الناحية فقط كما اقتصر عليها المنهاج
"وإن صلح" له بفتح اللام وضمها "جماعة وقام" به "أحدهم سقط به الفرض" عن الجميع "وإن امتنعوا" منه "أثموا" كسائر فروض الكفايات "وأجبر الإمام واحدا" منهم عليه لئلا تتعطل المصالح هذا كله إذا لم يكن هناك قاض "وإن كان هناك قاض" فإن كان "غير مستحق" للقضاء "فكالمعدوم، وإن كان مستحقا" له "فطلب عزله حرام"، وإن كان مفضولا "فإن فعل" أي عزل "وولى" غيره "نفذ للضرورة" أي عندها، وأما عند تمهد الأصول الشرعية فلا ينفذ صرح به الأصل فيما إذا بذل مالا لذلك والظاهر أنه بدونه كذلك
"ويشترط" فيمن يتولى القضاء "أن يكون مسلما (^٣) حرا ذكرا إذا رأى مجتهدا (^٤) " أي "غير مقلد" فلا يولاه كافر ولو على كفار كما سيأتي لعدم عدالته لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ولا من فيه رق لنقصه ولا أنثى ولو فيما تقبل شهادتها فيه إذ لا يليق بها مجالسة الرجال ورفع صوتها بينهم ولخبر البخاري "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (^٥) "
_________________
(١) "قوله وظاهر كلامه أنه لو كان إلخ" أشار إلى تصحيحه وقال شيخنا: وهو كذلك
(٢) "قوله والذي في الأصل اعتبار البلد" أشار إلى تصحيحه وكذا قوله والظاهر أنه بدونه كذلك
(٣) "قوله ويشترط أن يكون مسلما إلخ" أي سميعا بصيرا ناطقا عدلا كما سيأتي
(٤) "قوله مجتهدا" قال القفال: في زمانه لا يوجد المجتهد المطلق، وأما المجتهد المقيد الذي ينتحل مذهب واحد من الأئمة وقد عرف مذهبه وصار حاذقا فيه بحيث لا يشذ عنه شيء من أصول مذهبه أي منصوصاته بحيث إذا سئل عن مسألة لا يعرف فيها نصا لإمامه اجتهد فيها وخرجه على أصوله وأفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده فهذا أعز من الكبريت الأحمر
(٥) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي ﷺ إلى كسرى، حديث "٤٤٢٥" ومسلم، كتاب الجماد والسير، باب غزوة أحد، حديث "١٧٩١".
[ ٩ / ٩٩ ]
ولا خنثى (^١) كالأنثى ولا مقلدا كما في الإفتاء وسيأتي أن القضاء ينفذ عند الضرورة من المقلد وقوله إذا رأى يغني عنه قوله بعد وأن يكون كافيا مع أن الأصل إنما ذكره في المندوبات الآتية.
"والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة (^٢) وعرف" منهما "الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين" والنص والظاهر (^٣) "والناسخ والمنسوخ"
وعرف "من السنة المتواتر والآحاد والمرسل والمتصل وعدالة الرواة وجرحهم"; لأن أهلية الاجتهاد لا تحصل إلا بمعرفة ذلك
"و" عرف "أقاويل الصحابة فمن بعدهم إجماعا وغيره" لئلا يخالفهم في اجتهاده
"و" عرف "القياس (^٤) جليه وخفيه" وسيأتي بيانهما في الباب الثاني "وصحيحه وفاسده" لما علم مما مر
"و" عرف "لسان العرب لغة وإعرابا" لورود الشريعة به; ولأن به يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده وإجماله وبيانه
_________________
(١) "قوله ولا خنثى" كالأنثى، وإن زال إشكاله وبان رجلا أما إذا بانت رجوليته قبل التولية صح تقليده جزما قاله في البحر قال الأذرعي: ويظهر أن محله ما إذا بانت بغير قوله.
(٢) "قوله والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة" أي لا جميعهما وأي الأحكام كما ذكره الماوردي والبندنيجي وغيرهما خمسمائة آية واعترض بأن الأحكام كما تستنبط من الأوامر والنواهي تستنبط من القصص والمواعظ ونحوهما وعن الروياني أن عدة أحاديث الأحكام خمسمائة كعدد الآي ولعل الحافظ عبد الغني جعل عدته خمسمائة حديث لذلك وليس بصحيح فإن أحاديث الأحكام أكثر من ذلك بكثير بل اعترض على ابن الجوزي حيث قال في كلامه على مشكل الصحيحين أن عدتها ثلاث آلاف وخمسمائة بأنها تكون أكثر من ذلك وغالب الأحاديث لا يكاد يخلو عن حكم شرعي وأدب شرعي وسياسة دينية وكل ذلك أحكام شرعية ولعل المراد الأحكام التي هي محال النظر والاجتهاد والخفاء ونحو ذلك
(٣) "قوله والظاهر" أي والمؤول والمنطوق والمفهوم ومقتضيات الترجيح عند اختلاف الأدلة.
(٤) "قوله وعرف القياس" يشترط أيضا معرفته تصحيح حساب المسائل الفقهية على الأصح كما قاله النووي في أوائل شرح المهذب ومقتضيات الترجيح عند اختلاف الأدلة
[ ٩ / ١٠٠ ]
"و" عرف "أصول الاعتقاد" قال الغزالي: وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم ولا يشترط معرفتها على طرق المتكلمين (^١) وأدلتهم; لأنها صناعة لم يكن الصحابة ينظرون فيها "ولا يشترط حفظ جميع القرآن" ولا بعضه عن ظهر القلب بل يكفي أن يعرف مظان أحكامه في أبوابها فيراجعها وقت الحاجة إليها "ولا" يشترط "التبحر في هذه العلوم بل يكفي جل" أي معرفة جل منها.
"و" أن يكون له في كتب الحديث أصل "مصحح يجمع أحاديث الأحكام" أي غالبها كسنن أبي داود فيعرف كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به "ولا يشترط ضبط كل مواضع الإجماع" والاختلاف "ويكفيه" الأولى بل يكفيه "أن يعرف أو يظن (^٢) " في المسألة التي يفتي فيها "أن قوله لا يخالف الإجماع لموافقته غيره" أو أن المسألة لم يتكلم فيها الأولون بل تولدت في عصره كما صرح به الأصل "ويكتفي" عن البحث في الأحاديث "بما قبله" منها "السلف وتواترت أهلية رواته" من العدالة والضبط وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهيل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل والضبط ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع
"ويجوز أن يتبعض الاجتهاد" بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه
"ويشترط" فيمن يتولى أيضا "أن يكون بصيرا (^٣) مكلفا عدلا (^٤) فلا يولى
_________________
(١) "قوله ولا تشترط معرفتها على طرق المتكلمين إلخ" الأول نقله الغزالي عن الأصوليين وخالفهم وممن جزم بعدم اشتراط الكلام البيضاوي في منهاجه ونقله في الخادم عن الجمهور قال الأذرعي: ولم أر فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب عدم معرفة أصول الدين من شروط الاجتهاد وقوله وممن جزم بعدم اشتراط الكلام البيضاوي أشار إلى تصحيحه.
(٢) "قوله ويكفيه أن يعرف أو يظن إلخ" وعلى هذا قياس معرفة الناسخ والمنسوخ
(٣) "قوله ويشترط أن يكون بصيرا" أما القاضي الذي ينزل أهل القلعة على حكمه فيجوز كونه أعمى كما مر في موضعه ولو كان يبصر ليلا فقط قال الأذرعي: ينبغي منعه ولو كان في بصره ضعف بحيث يرى الإنسان ولا يفرق بين الصور فكالأعمى
(٤) "قوله عدلا"; لأن الفسق إذا منع النظر في مال الابن مع عظم الشفقة فمنع ولاية القضاء التي بعضها حفظ مال اليتيم أولى وسواء كان فسقه بما لا شبهة فيه أم بما له فيه شبهة
[ ٩ / ١٠١ ]
فاسق" ولا أعمى (^١) ولا غير مكلف كما في الشهادة "ولا كافر" ولو "في كفار" لما مر.
"ومن نصب منهم" أي من الكفار عليهم كما جرت به عادة الولاة من نصب حاكم لهم "فهو تقليد رياسة لا" تقليد "حكم"، وإنما يلزمهم حكمه بالتزامهم لا بإلزامه
"و" يشترط "أن يكون ناطقا سميعا" فلا يكفي كونه أصم "ولا أخرس"، وإن فهمت إشارته "ولا يضر ثقل سمعه" لحصول المقصود معه "و" يشترط "أن يكون كافيا (^٢) " في القضاء "ولو" كان "أميا" لا يكتب ولا يحسب ولا يقرأ المكتوب وتعبيره كالرافعي بالأمي أعم من قول الروضة ولا يشترط أن يحسن الكتابة على الأصح واختار الأذرعي مقابل الأصح للحاجة إلى ذلك ثم قيد محل الخلاف بما إذا كان من يتولى بمحل فيه من يقوم بذلك ممن يثق هو به من أهل العدالة وإلا لضاعت حقوق ومصالح كثيرة
"ولا" الأولى فلا "يجزئ ضعيف رأي" لتغفل أو اختلال رأي بكبر أو مرض أو نحوه "وندب" لتولي القضاء "قرشي ومراعاة العلم والتقى أولى من" مراعاة "النسب" وندب "ذو حلم وتثبت ولين وفطنة وتيقظ وكتابة" والتصريح بندب الكتابة من زيادته "و" ندب "صحة حواس" وأعضاء "ومعرفة بلغة البلد" الذي يقضي لأهله "قنوع سليم من الشحناء صدوق" وافر العقل ذو وفاء وسكينة ووقار كما صرح بها الأصل
وإذا عرف الإمام أهلية أحد ولاه وإلا بحث عن حاله "وبتولية من لا يصلح" للقضاء "مع وجود الصالح" له والعلم بالحال "يأثم الولي" أي ولي الأمر، وهو المولي بكسر اللام "والمولى" بفتحها "ولا ينفذ قضاؤه، وإن أصاب" فيه
_________________
(١) "قوله ولا أعمى" ولا من لا يبصر نهارا ولا محجورا عليه بسفه
(٢) "قوله وأن يكون كافيا" الكفاية كلمة جامعة، وهي شرط في صحة كل ولاية قال البلقيني ويشترط أن يكون غير محجور عليه بسفه قطعا; لأن مقتضى القضاء التصرف على المحجور عليهم وشرط ابن أبي عصرون كونه عالما بلغة أهل ولايته; لأنه لا يتمكن من الحكم بينهم إلا بمعرفتها لكن الجمهور جعلوا ذلك من الآداب وجرى عليه الشيخان وحمل الحسباني كلام ابن أبي عصرون على ما إذا كان لا يفهم عنهم ولا يفهمون عنه وكلام الجمهور على ما إذا عرف مصطلحاتهم في مخاطبتهم وأقاريرهم ونحو ذلك
[ ٩ / ١٠٢ ]
"هذا هو الأصل" في الباب "لكن مع عدمه" أي الصالح للقضاء كما في زمننا لخلوه عن المجتهد "نفذوا" أي الأصحاب "للضرورة قضاء من ولاه" سلطان "ذو شوكة (^١)، وإن جهل وفسق (^٢) " لئلا تتعطل المصالح ولهذا ينفذ قضاء قاضي البغاة كما مر قال البلقيني ويستفاد من ذلك (^٣) أنه لو زالت شوكة من ولاه بموت ونحوه انعزل لزوال الضرورة وأنه لو أخذ شيئا من بيت المال (^٤) على ولاية القضاء أو جوامك في نظر الأوقاف استرد منه; لأن قضاءه إنما نفذ للضرورة ولا كذلك في المال الذي يأخذه فيسترد منه قطعا انتهى وفيه وقفة (^٥) وكلام المصنف كأصله قد يقتضي أن القضاء ينفذ من المرأة والكافر إذا وليا بالشوكة وقال الأذرعي وغيره الظاهر أنه لا ينفذ منهما (^٦) "وللقاضي العادل" الأولى وللعادل
_________________
(١) "قوله لكن مع عدمه نفذوا للضرورة قضاء من ولاه ذو شوكة" أي ولو صبيا أو امرأة وقد صرح الشيخ عز الدين بتنفيذ حكم الصبي والمرأة للضرورة
(٢) "قوله، وإن جهل وفسق" قال ابن الرفعة: الحق أنه إذا لم يكن ثم من يصلح للقضاء نفذ حكمه قطعا وإلا فتردد وقال البلقيني: في تصحيح المنهاج التعذر فيما ذكر غير معتبر فإن السلطان ذا الشوكة إذا ولى فاسقا نفذ قضاؤه للضرورة، وإن لم يتعذر جميع هذه الشروط وإذا تعذر فتولية المقلد صحيحة، وإن صدرت من غير ذي الشوكة والعبارة السديدة في ذلك، وإن تعذر المجتهد صح تولية المقلد، وإن لم يتعذر وولى سلطان له شوكة مقلدا مع وجود جاهل أو جاهلا مع وجود عالم أو فاسقا نفذ قضاؤه للضرورة. ا هـ. وهو في غاية التحقيق وكتب أيضا وخرج بالسلطان ما إذا ولى قاضي القضاة مثلا في النواحي من ليس بأهله فالأظهر أنه لا ينفذ ويفارق السلطان بخوف سطوته وبأسه بخلاف القاضي غالبا وقد أطلق الرافعي أنه إذا استخلف من لا يصلح للقضاء فأحكامه باطلة ولا يجوز نفاذها وقال شيخنا يؤخذ من التعليل أن القاضي لو كان له شوكة كما في زماننا فهو كالسلطان
(٣) "قوله قال البلقيني: ويستفاد من ذلك إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله وأنه لو أخذ شيئا من بيت المال إلخ" ليس كذلك
(٥) "قوله وفيه وقفة" قال شيخنا: هي ظاهرة فحيث نفذ قضاؤه لم يسترد ما أخذه
(٦) "قوله قال الأذرعي: وغيره الظاهر أنه لا ينفذ منهما" ما ذكره في الكافر ظاهر وكتب أيضا قال في المهمات، وهو ظاهر. وقال البلقيني: تنفذ أحكامها للضرورة وفي البحر عن جده رواية وجهين في أن المرأة إذا قلدت القضاء على مذهب أبي حنيفة فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه فحكمت هل يحل للحاكم الشافعي نقض حكمها أحدهما: نعم، وهو اختيار الإصطخري والثاني لا; لأنه مجتهد فيه قال البلقيني: وكذا ينفذ حكم الأعمى للضرورة فيما يعرفه وينضبط له قال ومقتضى كلام الخوارزمي في العبد والصبي المنع جزما قال والذي عندي في العبد أنه تنفذ أحكامه للضرورة بخلاف الصبي لعدم الصحة. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٠٣ ]
"تولي القضاء من" الأمير "الباغي" فقد سئلت عائشة عن ذلك لمن استقضاه زياد فقالت إن لم يقض لهم خياركم قضى لهم شرارهم
"فرع يحرم" بمعنى لا يحل ولا يصح "تقليد مبتدع ترد شهادته" القضاء "و" كذا تقليد "من ينكر الإجماع وأخبار الآحاد والاجتهاد" المتضمن إنكاره إنكار القياس والمراد من ينكر واحدا منها
"فصل في" بيان "المفتي (^١) فإن لم يكن" في الناحية "غيره تعين عليه" الفتوى "وإن كان فيها غيره فهي فرض كفاية" كنظيره في القضاء وغيره "ومع هذا لا يحل التسارع إلى ما لا يتحقق" هـ فقد كانت الصحابة ﵃ مع مشاهدتهم الوحي يحيل بعضهم على بعض في الفتوى ويحترزون عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن
"فصل" "قوله في بيان المفتي" هو العدل المقبول الرواية المجتهد في الأحكام الشرعية
"ويشترط" في جواز الفتوى وقبولها "إسلام المفتي وعدالته (^٢) " الظاهرة "فترد فتوى الفاسق" والكافر وغير المكلف إذ لا يقبل خبرهم "ويعمل" الفاسق "لنفسه باجتهاده ويشترط" فيما ذكر أيضا "تيقظ (^٣) وقوة ضبط" فترد فتوى
_________________
(١) = عبارته وقد دخل جميع هذه الصور في قول الحاوي فإن تعذر فمن ولاه ذو شوكة وصرح الشيخ عز الدين بتنفيذ حكم الصبي والمرأة للضرورة وينبغي تقييد التنفيذ بما إذا علم به الإمام فلو لم يعلم ذلك فلا وجه للتنفيذ ولا ضرورة لاحتمال بنائه على أنه أهل وقوله قال البلقيني: تنفذ أحكامها إلخ أشار إلى تصحيحه وكذا قوله فلا وجه للتنفيذ "تنبيه" حيث نفذ قضاء من ولاه ذو شوكة قال الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي: ليس له أن يحكم بعلمه قطعا بل ببينة أو بإقرار الخصم وكذا قال الأذرعي قال الفقيه إسماعيل الحضرمي ولا يجوز له حفظ مال الطفل بل يتركه عند عدل ولا يجوز له أن يكتب إلى قاض آخر فإنه كالشاهد، وهو إذا شهد لا تقبل شهادته قال ويجوز أن يطالب القاضي الفاسق بالحكم أو الإثبات في الأصح وما ذكره من عدم قبول شهادته نحوه في جواهر القمولي لكن ذكر الإسنوي في الطراز أنه يجوز نصب أهل البدع قضاة وتقبل شهادتهم على الأصح والمتجه أنه لا تجوز تزكية غيره له; لأنه كذب محض وقوله ليس له أن يحكم بعلمه قطعا إلخ أشار إلى تصحيحه وكذا قوله ولا يجوز له حفظ مال الطفل إلخ
(٢) "قوله في بيان المفتي" هو العدل المقبول الرواية المجتهد في الأحكام الشرعية
(٣) "قوله ويشترط إسلام المفتي وعدالته" ولا تشترط المروءة; لأنه إخبار عن الحكم وليس كالشهادة لقبوله من العبد والمرأة
(٤) "قوله ويشترط تيقظ" بأن يكون متيقظا فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٠٤ ]
من يغلب عليه الغفلة والسهو "وأهلية اجتهاد" أي التأهل له "فمن عرف" من العامة "مسألة أو مسائل بأدلتها لم يجز فتواه بها ولا تقليده" فيها سواء كانت أدلتها نقلية أم قياسية "وكذا من لم يكن" من العلماء "مجتهدا" لا تجوز فتواه على ما يعلم مما يأتي ولا تقليده "ولو مات المجتهد لم تبطل فتواه" ومذهبه "بل يؤخذ بقوله" كما يؤخذ بشهادة الشاهد بعد موته; ولأنه لو بطل قوله بموته لبطل الإجماع بموت المجمعين ولصارت المسألة اجتهادية; ولأن الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم فلو منعنا تقليد الماضين لتركنا الناس حيارى "فعلى هذا من عرف مذهب مجتهد وتبحر فيه" لكن لم يبلغ رتبة الاجتهاد "جاز" له "أن يفتي بقول ذلك المجتهد (^١) وليضف" ما يفتي به "إلى" صاحب "المذهب" وفي نسخة وليضف المذهب إلى صاحبه "إن لم يعلم أنه يفتى عليه" فإن علم أنه يفتي عليه كفاه إطلاق الجواب
"ولا يجوز لغير المتبحر" أن يفتي; لأنه ربما ظن ما ليس مذهبا له مذهبه لقصور فهمه وقلة اطلاعه على مظان المسألة واختلاف نصوص ذلك المذهب والمتأخر منها والراجح "إلا في مسائل معلومة من المذهب" علما قطعيا كوجوب النية في الوضوء والفاتحة في الصلاة والزكاة في مال الصبي والمجنون وتبييت النية في صوم الفرض وصحة الاعتكاف بلا صوم فيجوز له ذلك
"فرع ليس لمجتهد تقليد مجتهد"، وإن خاف الفوات لضيق الوقت لقدرته على معرفة الحكم "ولو حدثت واقعة" لمجتهد "قد اجتهد فيها" قبل "وجب" عليه "إعادته" أي الاجتهاد فيها كنظيره في القبلة "إن نسي الدليل" الأول "أو تجدد" له "مشكك" وفي نسخة مشكل أي ما قد يوجب رجوعه بخلاف ما إذا كان ذاكرا
_________________
(١) = صحيح التصرف والاستنباط ويستوي في ذلك الحر والعبد والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته كما سيأتي
(٢) قوله جاز له أن يفتى بقول ذلك المجتهد" فيعتمد مسطرات مذهبه من نصوص إمامه وتفريع المجتهدين في مذهبه وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كثير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه والفتوى به وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى به ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور إذ يبعد كما قال إمام الحرمين أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت ضابط
[ ٩ / ١٠٥ ]
للدليل ولم يتجدد له ذلك
"فرع المنتسبون إلى مذهب إمام إما عوام فتقليدهم" أي فجواز تقليدهم له "مفرع على" جواز "تقليد الميت، وقد مر" جوازه "وإما مجتهدون فلا يقلدون" غيرهم حتى الإمام المنتسبين إليه، وإنما انتسبوا إليه; لأنهم جروا على طريقته في الاجتهاد واستعمال الأدلة ووافق اجتهادهم اجتهاده وإذا خالف أحيانا لم يبالوا بالمخالفة وعبر عن هذا بقوله "فإن وافق اجتهادهم اجتهاده فلا بأس، وإن خالفه أحيانا و" أما "من لم يبلغ رتبة الاجتهاد بل وقف على أصول إمامه" في الأبواب "وتمكن من قياس ما لم ينص عليه على المنصوص" عليه "فليس بمقلد في نفسه" بفتح اللام لمن يأخذ بقوله من العوام "بل هو واسطة (^١) " بينه وبين الإمام المذكور ومقلد للإمام "فإن نص صاحب المذهب على الحكم والعلة ألحق" المتمكن من القياس "بها" أي بالعلة "غير المنصوص" بالمنصوص "ولو نص على الحكم فقط فله أن يستنبط العلة ويقيس" بواسطتها على المنصوص "وليقل" بالبناء للمفعول أي والأولى أن يقال "هذا قياس مذهبه" أي الإمام "لا قوله" ومنه القول المخرج مع أن الأصل لم يذكر ذلك إلا فيه عقب قوله "وإن اختلف نص إمامه في" مسألتين "مشتبهتين فله التخريج" للحكم "من إحداهما إلى الأخرى (^٢) " وبالعكس
"فرع للمفتي أن يغلظ" في الجواب "للزجر" والتهديد في مواضع الحاجة "متأولا كما إذا سأله من له عبد عن قتله" له "وخشي منه" المفتي "أن يقتله
_________________
(١) "قوله بل هو واسطة إلخ" قال في المجموع: ووراءه نوع ثالث، وهو المنحط عن رتبة التخريج، وهو قسمان أحدهما فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها لكن قصر عن أولئك في الحفظ والاستنباط ومعرفة الأصول ونحوها وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى آخر المائة الرابعة ولا تبلغ فتاويهم فتاوى أصحاب الوجوه والثاني قائم بحفظ المذهب ونقله وفهمه لكنه يضعف عن تقرير أدلته فيعتمد فتواه نقلا وإلحاقا بمعنى المنقول إن كان يدرك بغير كثير فكر وإلا فلا قال أبو عمرو وينبغي أن يكفي لهما حفظ معظم المذهب ولا يجوز لمفت على مذهب الشافعي أن يكتفي في نقله بمصنف أو مصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين لكثرة اختلافهم ا هـ والفرق بين هذا وبين تخيير المستفتي عند اختلاف المفتيين واضح
(٢) "قوله فله التخريج من إحداهما إلى الأخرى" وشرط العمل بالمخرج أن لا يكون بين المسألتين فرق فإن كان فلا ويقرر النصان على حالهما
[ ٩ / ١٠٦ ]
جاز أن يقول" له "إن قتلته قتلناك متأولا" له "لقوله ﷺ "من قتل عبده قتلناه (^١) ""; ولأن القتل له معان وكما روي عن ابن عباس (^٢) ﵄ أنه سئل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له وسأله آخر فقال له توبة ثم قال أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فقد قتل وجاء يطلب المخرج فلم أقنطه "وهذا إذا لم يترتب على إطلاقه" الجواب "مفسدة" وإلا فلا يجوز إطلاقه "واختلاف المفتيين" في حق المستفتي "كالمجتهدين" أي كاختلافهما في حق المقلد وسيأتي أنه يقلد من شاء منهما فللمستفتي ذلك على ما يأتي; لأن الأولين كانوا يسألون علماء الصحابة ﵃ مع تفاوتهم في العلم والفضل ويعملون بقول من سألوه من غير إنكار; ولأن كلا منهما أهل
_________________
(١) ضعيف: رواه أبو داود "٤/ ١٧٦" كتاب الديات، باب من قتل عبده، حديث "٤٥١٥" والترمذي "٤/ ٢٦" حديث "١٤١٤" والنسائي "٨/ ٢٠" حديث "٤٧٣٦" وابن ماجه "٢/ ٨٨٨" حديث "٢٦٦٣" كلها عن الحسن بن سمرة ﵁، مرفوعًا.
(٢) "قوله وكما روي عن ابن عباس إلخ" وكما إذا سئل أفي سب الصحابي قتل؟ فواسع أن يقول روي عن النبي ﷺ "من سب أصحابي فاقتلوه"
[ ٩ / ١٠٧ ]