«فَصْلٌ»
في الحَجْر
الحَجْرُ في اللُّغةِ: المنعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]؛ أي: لذي عقلٍ، وسُمِّيَ العقلُ حِجْرًا؛ لأنَّه يمنعُ صاحبَه من فعلِ القبائح، وما يضرُّ في العاقبةِ.
وفي الاصطلاحِ: المنعُ من التصرُّفِ في المالِ لأسبابٍ مخصوصةٍ.
والحَجْرُ على الإنسانِ نوعانِ: حجرٌ لمصلحةِ نفسِه، وحجرٌ لمصلحةِ الغيرِ، فالذي لمصلحةِ نفسِه ثلاثةٌ، وهم: «الصبيُّ، والمجنونُ، والسفيهُ»، والذي لحقِّ الغيرِ ثلاثةٌ، وهم: «المفلسُ والمريضُ والعبدُ»، وسيأتي تفصيلُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَجْرُ عَلَى سِتَّةٍ:
١ - الصَّبِيُّ»، وهو مَن لم يبلغْ، وللبلوغِ أربعُ علاماتٍ؛ ثلاثٌ منها يشتركُ فيها الذَّكرُ والأنثى، وهي: الاحتلامُ، ونباتُ الشعرِ الخَشِنِ حولَ العانةِ، وبلوغُ خمسَ عشرةَ سنةً، وتزيدُ الأنثى بعلامةٍ رابعةٍ، وهي الحيضُ.
ودليلُ الحَجرِ على الصبيِّ قولُه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
واليتيمُ: مَن مات أبوه قبلَ بلوغِه؛ سواءٌ كانت أمُّه باقيةً أم لا.
٢ - «وَالْمَجْنُونُ»، وهو فاقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كان بشكلٍ جزئيٍّ
[ ٢٠٠ ]
أو كليٍّ، ودليلُ الحَجرِ عليه الآيةُ السابقةُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى دفعَ المالَ إليهم على شرطَين؛ وهما: البلوغُ، والرُّشدُ.
٣ - «وَالسَّفِيهُ الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ»، وهو الذي ينفقُه فيما لا يعودُ عليه بمنفعةٍ عاجلةٍ أو آجلةٍ؛ كأنْ ينفقَه في اللَّذاتِ المحرَّمةِ الضَّارةِ بالبدنِ والعِرْضِ والدينِ؛ كالزِّنا وشربِ الخمرِ، أو يضيِّعَه بسوءِ تصرُّفِه؛ كأنْ يبيعَ ويشتريَ بالغبنِ الفاحشِ.
ودليلُ الحَجرِ على السَّفيهِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، والمرادُ بقولِه تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ أي: «أموالهم»، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ أي: أموالَ بعضِكم، وبدليلِ أمرِهِ تعالى بالإنفاقِ عليهم منها، ولا يجبُ الإنفاقُ عليهم من غيرِ أموالِهم.
٤ - «وَالْمُفْلِسُ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ الدُّيُونُ»، وهو الذي لا يفِي مالُه بديونِه، ودليلُه حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ ﵁ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ» (^١).
٥ - «وَالْمَرِيضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ»، وهو ثُلثَا التَّركةِ؛ لأجلِ حقِّ الورثةِ، ودليلُه حديثُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعُودُني عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِن
_________________
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٥٩٣٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢٣٤٨)، وصححه، وأقره الذهبي.
[ ٢٠١ ]
وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَ، قَد بَلَغَ بي مِن الوجَعِ ما تَرَى، وأنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ لي، أفَأَتَصَدُّقُ بثُلُثَي مَالِي؟ قال: «لَا»، فقلت: بالشَّطْرِ؟ فقال: «لَا، الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (^١).
٦ - «وَالْعَبْدُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ»؛ لأنَّ مالَ العبدِ لسيدِه، ولا يجوزُ له التصرُّفُ بغيرِ إذنِه، فإذا أَذِنَ له سيِّدُه صحَّ تصرُّفُه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ»؛ أي: في الأمورِ الماليةِ، فلا يصحُّ منهم بيعٌ ولا شراءٌ ولا هبةٌ، ولا عِتْقٌ، ولا غيرُ ذلك من التَّصرفاتِ الماليَّةِ، وكذلك نكاحُ السفيهِ بدونِ إذْنِ وليِّهِ لا يَصحُّ؛ لأنَّه يتضمنُ وجوبَ المالِ، فإذا تزوَّجَ السَّفِيهُ بدونِ إذنِ وليِّه فإنَّ نكاحَه يكونُ باطلًا، ويفرَّقُ بينهما، ولا يلزمُه شيءٌ؛ وإنْ لم تعلمِ الزوجةُ أنَّه سفيهٌ؛ لأنَّها قصَّرت في عدمِ السُّؤالِ عنه، فإذا تزوَّجَ امرأةً بإذنِ وليِّها وأمهرَها مهرَ المثلِ فإنَّ العقدَ يصحُّ؛ فإذا زادَ على مهرِ المثلِ فإنَّ النِّكاحَ يصحُّ وتُلغى الزيادةُ، ويصحُّ طلاقُ السَّفيهِ ومراجعتُه؛ كما يصحُّ خلعُه، ويجبُ دفعُ عوضِ الخُلعِ إلى وليِّه، وحكمُ السفيهِ في العباداتِ الماليَّةِ الواجبةِ كالزَّكاةِ ونفقةِ الزَّوجةِ والأولادِ ونحوِ ذلك كالرَّشيدِ؛ بخلافِ المندوبةِ كصدقةِ التَّطوعِ، والهبةِ ونحوِ ذلكَ،
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (١٦٢٨)، وقوله: «عالةً»؛ أي: فقراءَ، و«يتكفَّفون»؛ أي: يسألون بأكفِّهم.
[ ٢٠٢ ]
فليس هو فيها كالرَّشيدِ، ولا يُفَرِّقُ الزَّكاةَ بنفسِه؛ لأنَّه تصرُّفٌ ماليٌّ، فإذا أذِنَ له ولِيُّه وعيَّنَ له المدفوعَ صحَّ تصرُّفُه، وكذلك الصبيُّ المميِّزُ.
ووليُّ هؤلاءِ الثَّلاثةِ -الصبيِّ والمجنونِ والسَّفيهِ- الأبُ، ثمَّ الجَدُّ لأبٍ، ثمَّ وصيُّهما -ويُشترطُ فيه العدالةُ- ثمَّ القاضِي أو من ينصِّبُه؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (^١).
ولا ولايةَ للأمِّ إلَّا إذا أقامَها الأبُ أو الجدُّ أو القاضِي، والأولَى تقديمُها على الأجنبيِّ إذا كانت صالحةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ دُونَ أَعْيَانِ مَالِهِ»، تصرُّفُ المفْلسِ المحجورِ عليه يصحُّ فيما يتعلقُ بذمتِه دونَ أعيانِ مالِه، فلو باعَ على وجهِ السَّلَمِ، أو اشترَى بثمنٍ في ذمتِه، أو اقترضَ أو استأجرَ صحَّ؛ إذْ لا ضررَ على الغرماءِ، كما يصحُّ نكاحُه؛ ويبقَى المَهرُ دينًا في ذمَّتِه لا في المالِ الذي تحتَ يدِه، وكذلك يصحُّ خُلْعُه وطلاقُه ورجعتُه وما أشبهَ ذلك، أمَّا التصرفُ في أعيانِ مالِه بالبيعِ والشِّراءِ والعتقِ والرَّهنِ والهبةِ والإيجارِ وغيرِ ذلكَ من التَّصرُّفاتِ الماليةِ العينيةِ فإنَّه لا يصحُّ؛ لتضرُّرِ الغُرماءِ.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤٢٥١)، وأبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٣٧٣)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن «.
[ ٢٠٣ ]