من غيرِ حاجةٍ، ومعنى الغَررِ: الخطرُ والغُرُورُ والخداعُ، واعلمْ أنَّ بيعَ الملامسةِ، وبيعَ المنابذةِ، وبيعَ حبَلِ الحَبَلَةِ، وبيعَ الحَصاةِ، وعَسْبِ الفحْلِ، وأشباهِها من البُيوعِ التي جاء فيها نصوصٌ خاصَّةٌ؛ هي داخلةٌ في النَّهيِ عن الغَرَرِ، ولكن أُفرِدت بالذِّكرِ ونُهِيَ عنها؛ لكونِها من بياعاتِ الجاهليَّةِ المشهورةِ (^١).
«فَصْلٌ»
في الخِيَار
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، بالخيارِ؛ أي: له أنْ يفسخَ العقدَ ويردَّ البيعَ؛ ما لم يتفرَّقَا؛ أي: يغادرُ أحدُهما مجلسَ العقدِ، فإنْ غادرَ أحدُهما لَزِمَ العقدُ، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيار المجلسِ»، ودليلُه حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (^٢).
_________________
(١) «بَيْعُ الْمُلَامَسَةُ»؛ هو أنْ يقولَ البائعُ للمشترِي: إذا لمستَ المبيعَ فقد وجبَ البيعُ بيننا بكذا، و«بَيْعُ الْمُنَابَذَةُ»؛ من هذا المعنى -أيضًا- وهو أنْ يقولَ البائعُ للمشتري: إذا نبذَتُ إليك الثَّوبَ فقد وجبَ البيعُ، وليس له الخيارُ بعدَ ذلك، و«بَيْعُ حَبَلِ الحَبَلَةِ»: هو نتاجُ النِّتاجِ؛ أي: ولَدُ الجنينِ، فقد كانوا في الجاهليةِ يتبايعون الجزورَ أو غيرَها إلى أنْ تُنتجَ الناقةُ، ثم تنتجَ التي في بطنِها، و«بَيْعُ الْحَصَاةِ»: هو أنْ يقولَ البائعُ للمشتري: ارمِ هذه الحصاةَ؛ فعلى أي سلعةٍ وقعت فهي لك بكذا، و«بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ»؛ أي: مائِه؛ فرسًا كان أو بعيرًا أو غيرَهما، وعسْبُه -أيضًا-: ضِرَابُه، يُقالُ: عَسَبَ الفحلُ الناقةَ يعْسِبُهَا عَسْبًا، وإنَّما نُهِي عنه؛ لأنَّه يكونُ بيعًا لشيءٍ ما وُجِد بعدُ.
(٢) رواه البخاري (١٩٧٣)، ومسلم (١٥٣٢).
[ ١٩١ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيار الشَّرطِ» وهو أنْ يشترطَ أحدُ المتعاقدينَ أنَّ له الخيارَ خلالَ مدَّةٍ معلومةٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ رجلًا ذكرَ للنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخْدَعُ في البيوعِ، فقال: «إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» (^١).
وفي روايةٍ: «إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ»، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيارَ العيبِ»، ودليلُه حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠١١)، ومسلم (١٥٣٣).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٣٥٥)، وقوله ﷺ: «بَايَعْتَ»؛ أي: بعتَ واشتريتَ، و«لَا خِلَابَةَ»؛ أي: لا غشَّ ولا خداعَ.
(٣) رواه البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١٥١٥)، وقوله ﷺ: «لَا تُصَرُّوا»، على وزن «لَا تُزَكُّوا»، من التَّصريةِ، وهي: الجمعُ، ومنه قولُ العربِ: صرَّيت الماءَ في الحوضِ؛ أي: جمعتُه، والمرادُ: لا تجمعوا اللبنَ في ضروعِ البهيمةِ عندَ إرادةِ بيعِها حتى يعظمَ، فيظنُّ المشتري أنَّ كثرةَ لبنِها عادةٌ لها مستمرةٌ، وجوَّز البعضُ: «لَا تَصُرُّوا» بفتح التَّاءِ وضمِّ الصادِ وتشديدِ الراءِ، من الصرِّ؛ بمعنى: الشدِّ والربطِ؛ أي: لا تشُدوا الضُّروعَ وتربطوها لأجلِ ذلك، فمن اشتراها بعد أن فُعِلَ بها التصريةُ، فله أن يختارَ أنفعَ الرأيين له: إن شاء أمسك ورضي بالبيعِ، وإنْ شاء ردَّها وصاعًا من تمرٍ؛ ليكونَ بدلًا عن اللبنِ الذي كان في الضَّرعِ حين اشتراها، وخصَّ النبيُّ ﷺ التمرَ؛ لأنَّه كان يومئذٍ غالبَ قوتِهم.
[ ١٩٢ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» (^١).
وفي روايةٍ أنَّه ﷺ قال: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ رَطْبًا إِلَّا اللَّبَنَ»، لا يجوزُ بيعُ شيءٍ فيه الرِّبا بجنسِه من المطعوماتِ حالَ كونِه رطبًا؛ لأنَّ المماثلةَ شرطٌ في بيعِ الربويِّ بجنسِه، ووقتُ اعتبارِ المماثلةِ هو الوقتُ الذي يبلغُ فيه الرِّبويُّ حالَ الكمالِ، فـ «البلحُ» -مثلًا- حالَ كونِه رُطَبًا لم يبلغْ حالَ الكمالِ، فلا يجوزُ بيع «البلحِ» رُطَبًا بجنسِه؛ سواءٌ كان رُطَبًا برُطَبٍ، أو رُطَبًا بيابسٍ، ويُقاسُ على ذلك، فلا يُباعُ عِنَبٌ بِعِنَب، ولا عِنَبٌ بزبيبٍ؛ لأنَّ حالَ الكمالِ في العنبِ أنْ يصلَ إلى مرحلةِ الزَّبيبِ؛ فيباعُ الزَّبيبُ بالزَّبيبِ، وكذلك أجناسُ الفاكهةِ؛ كالمُشمُشِ والتِّينِ، فلا يُباعُ شيءٌ منها بجنسِه حتى ييْبسَ، فلا يُباعُ منه رَطْبٌ بِرَطْبٍ ولا رَطْبٌ بيابسٍ، يقولُ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٨٢)، ومسلم (١٥٣٤)، وقوله: «حتى يبدوَ صلاحُها»: يظهرَ نضجُها.
(٢) رواه مسلم (١٥٣٤)، وقوله ﷺ: «وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفةُ»؛ أي: العاهةُ التي تصيبُ الزرعَ أو الثمرَ ونحوَه فتفسدُه.
[ ١٩٣ ]