«فَصْلٌ»
في الضَّمَان
الضَّمانُ في اللُّغةِ: الالتزامُ.
وفي الاصطلاحِ: التزامُ حقٍّ ثابتٍ في ذِمَّةِ الغيرِ.
والأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
ومن السُّنَّةِ حديثُ سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بجنازةٍ ليُصَلِّي عليها، فقال ﷺ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قالُوا: ثلاثةُ دنانيرَ، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فقال أبو قَتَادَةَ ﵁ صَلِّ عليه يا رسولَ اللهِ وعَلَيَّ دَيْنُهُ، فصلَّى عليه (^١).
وحديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: تُوُفِّي رجلٌ فغسلنَاه وحنَّطنَاه وكفَّناه، ثمَّ أتَينا به رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عليه، فقُلنا: تُصلِّي عليه؟ فخَطا خُطًى، ثمَّ قال: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قلنا: دينارانِ، فانصرفَ، فتحمَّلهما أبو قتادةَ، فأتيناهُ، فقال أبو قتادةَ: الدينارانِ عليَّ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟»، قال: نعم، فصلَّى عليه، ثمَّ قال بعدَ ذلكَ بيومٍ: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟»، فقال: إنَّما ماتَ أمسِ، قال: فعادَ إليهِ مِنَ الغدِ فقال: قد قضيتُهما، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٦٨).
(٢) رواه أحمد (١٤٥٧٦)، وأصله في «صحيح البخاري»؛ من حديثِ سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ بلفظٍ قريبٍ (٢١٦٨).
[ ٢١٢ ]
وقال أبو أمامةَ ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (^١).
قال ابنُ حجَرٍ ﵀: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ؛ أي: الضَّامِنُ» (^٢).
وقال محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المبَارَكْفُورِي ﵀: «والغُرْمُ أداءُ شيءٍ يَلْزَمُهُ، والمعنى: ضَامنٌ، ومَن ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَه أدَاؤُه» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ ضَمَانُ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي الذِّمَّةِ إِذَا عُلِمَ قَدْرُهَا»، يُشْتَرَطُ لصحَّةِ الضمانِ أنْ يكونَ الدَّيْنُ مستقرًّا وقتَ ضمانِه، وقد سبقَ تعريفُ معنَى «المستقر» في الفصلِ السَّابقِ؛ كما يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ الضَّمانِ -أيضًا- أن يَعْرِفَ الضامنُ قدرَ الدَّيْنِ الذي سيضمنُه، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكان حملُ البعيرِ معلومًا عندَهم كالْوَسْقِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا؛ ما لم يَرِدْ في شَرْعِنا ما يُخالِفُه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنَ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَّا»، لصاحبِ الحقِّ مطالبةُ مَن شاءَ مِن الضَّامنِ والمضمونِ عنه بجميعِ الدَّيْنِ، أو يطالبُ أحدَهما ببعضِه والآخرَ بباقيه؛ أمَّا الضَّامنُ فلحديثِ:
_________________
(١) رواه أحمد (٢٢٣٤٨)، وأبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥)، وابن ماجه (٢٤٠٥)، وقال الترمذي: «حديث حسن».
(٢) «فتح الباري» (٢/ ٥٥٥).
(٣) «تحفة الأحوذي» (٦/ ٣١١).
[ ٢١٣ ]
«الزَّعِيمُ غَارِمٌ»، وأمَّا المضمونُ عنه فلأنَّ الدَّيْنَ باقٍ عليه، ولا ينتقلُ من ذمَّةِ المضمونِ عنه إلا بالأداءِ، وقد حثَّ النبيُّ ﷺ أبا قتادةَ ﵁ على قضاءِ ما ضمِنه، فلمَّا قضَاه، قال له: «الْآنَ بَرَّدتَّ عَلَيْهِ جِلْدَهُ»، فدلَّ على أنَّ الميِّتَ لم يبرأْ منه إلَّا بالقضاءِ.
وقولُ المصنف ﵀: «إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَّا»؛ أي: فيما تقدَّمَ من كونِ الدينِ مُسْتَقِرًّا معلومَ القدرِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا غَرِمَ الضَّامِنُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِإِذْنِهِ»، إذا غرِمَ الضَّامنُ الحقَّ لصاحبِه رجَع بما غرِمَه على المضمونِ عنه إذا كان الضَّمانُ والقضاءُ للدَّينِ بإذنِ المضمونِ عنه، أمَّا إذا ضمِن بغيرِ إذنِه وقضَى بغيرِ إذنِه لم يرجعْ عليه؛ لأنَّه تبرَّعَ بالقضاءِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ، وَلَا مَا لَمْ يَجِبْ؛ إِلَّا دَرْكَ الْمَبِيعِ»، لا يجوزُ ضمانُ الدينِ المجهولِ قدرُه، أو قيمتُه، أو صفتُه؛ لأنَّه غَرَرٌ، والغررُ منهيٌّ عنه كما سبق، وكذلك لا يصحُّ ضمانُ ما لم يجبْ؛ كأنْ يقولَ رجلٌ لآخرَ: «ما تُداينُ به فلانًا فأنا ضامنٌ له»؛ لأنَّ الضَّمانَ وثيقةٌ بالحقِّ، فلا يَسْبِقُ وجُوبَه كالشَّهادةِ، ويُسْتَثْنَى من ذلك «ضمانُ دَرْكِ المبيعِ»، والدَّرْكُ في اللغةِ: اللَّحاقُ والوصولُ إلى الشيءِ، يُقالُ: أدركتُه إدراكًا؛ أي: لحِقتُه، وفي الاصطلاحِ: هو أنْ يضمنَ للمشتري الثمنَ إذا خرجَ المبيعُ مستحقًّا لغيرِ البائعِ، أو معيبًا، ونحوَ ذلك، واسْتُثْنِيَ هذا النَّوْعُ؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليه، فالمعاملةُ مع مَن لا يُعْرَفُ
[ ٢١٤ ]