منها، فإنْ لم يوجدْ معه مالٌ، ولا عُرِف له مالٌ؛ فنفقتُه حينئذٍ من بيتِ المالِ، وللاقِطِه استقلالٌ بحفظِ مالِه كحفظِه، وإنَّما يمونُه منه بإذنِ الحاكمِ؛ لأنَّ ولايةَ المالِ لا تثبتُ لغيرِ أبٍ وُجَدٍّ من الأقاربِ فالأجنبيُّ أَوْلى، فإنْ لم يَجِدِ الحاكمَ أنفقَ عليه بإشهادٍ، فإن أنفقَ بدونِ ذلك ضمِنَ.
«فَصْلٌ»
في الوَدِيعَة
الوَديعةُ في اللُّغةِ: تركُ الشَّيءِ عندَ غيرِ صاحبِه ليحفَظَه، مأخوذةٌ منَ الوَدْعِ وهو التَّركُ. ومنه حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ - ﵃ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (^١).
والمرادُ بقولِه ﷺ: «وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»: تركُهم.
والوديعةُ في الاصطلاحِ: هي المالُ الموضوعُ عندَ الغيرِ ليحفظَه.
والأصلُ في مشروعيَّتِها مِنَ الكتابِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
ومن السُّنَّةِ حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٥).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، والحاكم (٢٢٩٦)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.
[ ٢٦٦ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا لِمَنْ قَامَ بِالْأَمَانَةِ فِيهَا»، مَنْ عُرِضَ عليه شيءٌ ليُستودَعَه، نَظَرَ إلى حالِ نفْسِه؛ إنْ كانَ يعجِزُ عن حفظِها حَرُمَ عليه قبولُها، وإنْ كانَ أمينًا قادرًا على حفظِها اسْتُحِبَّ له أن يَقْبَلَها؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي»، الوديعةُ أمانةٌ في يدِ المودَعِ، فلا يَضْمَنُ إلَّا بالتَّعدِّي. ومن صُوَرِ التَّعدِّي أنْ يَنْقُلَها من محلَّةٍ ودارٍ لأخرى دُونَها حِرْزًا، أو يُودِعَها غيرَه بلا إذنٍ مِنَ المودِعِ ولا عُذْرَ له، بخلافِ ما لو أَوْدَعَها غيرَهُ لعذرٍ، كمرضٍ أو سَفَرٍ، وله استعانةٌ بمن يَحْمِلُها لحِرْزٍ، أو يَعْلِفُها، أو يَسقيها؛ لأنَّ العادةَ جرت بذلك، وعليه ردُّها لمالكِها أو وكيلِه لعذرٍ، كإرادةِ سفرٍ أو مَرضٍ، فإن فَقَدَهُما رَدَّها للقاضي، وعليه أخذُها، فإن فَقَدَه ردَّها لأمينٍ، ولا يُكَلَّفُ تأخيرَ السَّفرِ، ويُغني عن الرَّدِّ إلى القاضي أو الأمينِ الوصيَّةُ بها إليه، فهو مخيَّرٌ عندَ فقدِ المالكِ ووكيلِه بينَ ردِّها للقاضي والوصيَّةِ بها إليه، وعندَ فقدِ القاضي بينَ ردِّها للأمينِ والوصيَّةِ بها إليه، فإنْ لم يَرُدَّها ولم يُوصِ بها لمن ذُكِرَ؛ كما ذُكِرَ ضَمِنَ إنْ تَمَكَّنَ من ردِّها أو الإيصاءِ بها؛ لأنَّه عرَّضَها للفَوَاتِ، وكذلك يَضْمَنُ بمخالَفةِ حفظِ مأمورٍ به، كقولِ المالكِ له: لا تَرْقُدْ على الصُّندوقِ الذي فيه الوديعةُ فَرَقَدَ وانكسرَ
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٩٩).
[ ٢٦٧ ]
بثِقَلِه وتَلِفَ ما فيه بانكسارِه؛ أمَّا إذا تَلِفَ بغيرِ ذلك كسرِقةٍ فلا يَضْمَنُ، وكذلك يَضْمَنُ إذا خالَفَ مالكَها فيما أمَرَه به في حفظِها، وتَلِفَتْ بسببِ المخالَفةِ؛ أو خَلَطَها بمالِ نفْسِه، أو انتَفعَ بها كأنْ كانت دابَّةً فركِبَها، أو ثيابًا فلَبِسَها بغيرِ عذرٍ، أو سافرَ بها مع وجودِ مالكِها أو وكيلِه، ثمَّ الحاكمِ، ثمَّ الأمينِ، وكذلك يَضْمَنُها بالمَطْلِ في تخلِّيه بيْنَها وبيْنَ مالكِها من بعدِ طَلَبِها من غيرِ عذرٍ ظاهرٍ؛ فإنْ ماطلَ في تخليتِها لعذرٍ ظاهرٍ؛ كصلاةٍ أو طهارةٍ أو أكلٍ، أو لقضاءِ حاجةٍ أو حمَّامٍ، أو ملازمةِ غريمٍ يَخافُ هربَه، أو نحوِها ممَّا لا
يَطولُ زمنُه، أو لغيرِ عذرٍ ولكن لم يَطْلُبْها مالكُها لم يَضْمَنْها؛ لعدمِ تقصيرِه، ولو أَعْلَمَ بالوديعةِ من يُصَادِرُ أموالَ المالكِ ويأخذُها ضَمِنَ، ولو أخذَ الوديعةَ ظالمٌ لم يَضْمَنْ؛ كما لو سُرِقَتْ ولو طَالَبَ ظالمٌ المودَعَ بالوديعةِ لَزِمَه دفعُه بالإنكارِ والإخفاءِ بكلِّ قُدرتِه، فإن تَرَكَ الدَّفعَ مع القدرةِ ضَمِنَ؛ لتقصيرِه، وإن أَنْكَرَ فحَلَّفه الظَّالمُ جازَ له أن يَحْلِفَ لمَصلحةِ حفْظِ الوديعةِ، وتَلْزَمُه الكفَّارةُ، وإن أَكْرَهَه على الحلِفِ بالطَّلاقِ تَخَيَّرَ بينَ الحلِفِ وبينَ الاعترافِ، فإنِ اعْتَرَفَ وسلَّمَ ضَمِنَ؛ لأنَّه فدَى زوجتَه بالوديعةِ، وإنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ طُلِّقَتْ زوجتُه على المَذْهَبِ؛ لأنَّه فدى الوديعةَ بزوجتِه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَقَوْلُ الْمُودَعِ مَقْبُولٌ فِي رَدِّهَا عَلَى الْمُودِعِ»، قولُ المودَعِ مقبولٌ في ردِّها على المودِعِ بيمينِه، وإنْ أَشْهَدَ عليه بها عندَ دفعِها؛ لأنَّه ائتمنَه، وما ذكَرَه المصنِّفُ يَجري في كلِّ أمينٍ، كوكيلٍ وشريكٍ وعاملِ قراضٍ. وضابطُ الذي يُصَدَّقُ بيمينِه في الرَّدِّ هو كلُّ أمينٍ ادَّعى الرَّدَّ على من ائتمنَه صُدِّقَ بيمينِه؛
[ ٢٦٨ ]
إلَّا المرتهِنَ والمستأجِرَ فإنَّهما لا يُصَدَّقَانِ في الرَّدِّ؛ لأنَّهما أَخَذَا العينَ لغرضِ أنفسِهما، فإن ادَّعى الرَّدَّ على غيرِ من ائتمنَه كَوَارِثِ المالكِ أو ادَّعى وارثُ المودَعِ ردَّ الوديعةِ على المالكِ أو أَوْدَعَ المودعُ عندَ سفرهِ أمينًا فادَّعى الأمينُ الرَّدَّ على المالكِ طُولبَ كلٌّ ممن ذُكِرَ بِبَيِّنَةٍ بالرَّدِّ على من ذَكَرَ؛ إذِ الأصلُ عدمُ الرَّدِّ، ولم يَأْتَمِنْه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا»، إذا قَبِلَ شخصٌ وديعةً لَزِمَه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، فتوضَعُ الدَّراهمُ في الصُّندوقِ، والأثاثُ في البيتِ، والغَنمُ في صحنِ الدَّارِ ونحوُ ذلك، وضابطُ حِرْزِ المِثْلِ عُرفيٌّ؛ أيْ: بحسَبِ عادةِ النَّاسِ وما يَرَوْنَه مناسبًا لحفظِ الأشياءِ بحسَبِ نَفاستِها ودناءتِها، وكثرتِها وقِلَّتِها، وهذه الأمورُ تَختلفُ بحسَبِ الأقاليمِ والحواضرِ والبوادي، وباعتبارِ الأزمنةِ والأمكنةِ، وكثرةِ السَّرقةِ في البلدِ أو نُدرتِها ونحوِ ذلك منَ الاعتباراتِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا طُولِبَ بِهَا فَلَمْ يُخْرِجْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ»، إذا طالَبَ المالكُ الوديعَ بردِّ الوديعةِ فلم يردَّها عليه مع القدرةِ عليها وقتَ طَلَبِها حتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَها بِبَدَلِها منْ مِثْلٍ إن كانت مِثْلِيَّةً، أو قيِمةٍ إن كانت متقوَّمَةً؛ لتركِه الواجبَ عليه، وليس المرادُ بردِّ الوديعةِ حمْلَها إلى مالكِها، بل يَحْصُلُ بأن يخلِّيَ بيْنَه وبَيْنَها، وليس له أن يُلزِمَ المالكَ الإشهادَ، وإن كانَ أَشْهَدَ عليه عندَ الدَّفعِ فإنَّه يُصَدَّقُ في الدَّفعِ
[ ٢٦٩ ]
بيمينِه؛ بخلافِ ما لو طَلَبَها وكيلُ المودعِ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ قولُه في دفعِها إليه، ولو قال مَن عندَه وديعةٌ لمالكِها: خذْ وديعتَك لَزِمَه أخذُها، وعلى المالكِ مؤنةُ الرَّدِّ.
واللهُ تعالى أَعْلَمُ.
[ ٢٧٠ ]