العَصَباتُ في اللُّغةِ: جَمْعُ عَصَبةٍ، وهم جمعُ عَاصبٍ، من العَصْبِ، وهو الشَّدُّ، ومنه عصابةُ الرَّأسِ؛ لأنَّه يُعْصَبُ بها؛ أيْ: يُشَدُّ، والعَصَبُ؛ لأنَّه يَشُدُّ الأعضاءَ، وعصابةُ القومِ لاشتدادِ بعضِهم ببعضٍ، و﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]؛ أيْ: شديدٌ، فسُمِّيَت القرابةُ عَصَبَةً؛ لشدَّةِ الأَزْرِ.
والعَصَبةُ في الاصطلاحِ: هم من يَرِثُونَ بغيرِ نصيبٍ مقدَّرٍ،
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٠٩)، وابن ماجه (٢٦٤٥)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ لا يصحُّ والعملُ على هذا عندَ أهلِ العِلمِ».
(٢) رواه البخاري (٦٣٨٣)، ومسلم (١٦١٤).
[ ٢٧٦ ]
بسببِ ارتباطِهِم بالميِّتِ؛ إمَّا بقرابةٍ مباشِرةٍ في النَّسبِ عن طريقِ الذُّكورِ، أو من يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُم بسببِ الولاءِ، فإذا انفردَ أخذَ جميعَ المالِ، وإن كانَ معه صاحبُ فرضٍ أَخَذَ الباقيَ بعدَه، وإن استغرقتِ الفروضُ التَّركةَ سَقَطَ؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (^١).
وتنقسمُ العَصَبَاتُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
١ - العَصَبَةُ بالنَّفْسِ: وهم جميعُ الذُّكورِ الوارِثينَ منَ الأصولِ، والفروعِ، والحواشي (^٢)؛ إلَّا الإِخوةَ من الأمِّ، وكذلك من يَرِثُ بالولاءِ، سواءٌ كانَ ذَكرًا أو أُنثى، كالمعتِقِ والمعتِقةِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (^٣).
٢ - العَصَبَةُ بالغيرِ: وهنَّ البناتُ، وبناتُ الابنِ، والأخواتُ الشَّقيقاتُ، والأخواتُ لأبٍ مع ذَكرٍ مماثلٍ لهنَّ؛ درجةً ووصفًا، مثالُه: تُوُفِّيَ شخصٌ وتركَ زوجةً وابنًا وبنتًا، فإنَّ الزَّوجةَ تأخذُ الثُّمُنَ فَرْضًا، والابنُ والبنتُ يأخذانِ الباقيَ تعصيبًا، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٦١٥).
(٢) الأقاربُ: أصولٌ، وفروعٌ، وحواشٍ، فالأصولُ: من تَفَرَّعْتَ منهم من آباءٍ وأمَّهاتٍ، والفروعُ: من تفرَّعوا منك من بنينَ وبناتٍ، والحواشي: من تفرَّعوا من أصولِك، فيدخُلُ فيهم الإخوةُ، والأعمامُ، والأخوالُ.
(٣) رواه الشَّافعيُّ في «مسنده» (٢٣٧)، وابن حبَّان في «صحيحه» (١٨٩٦).
[ ٢٧٧ ]
٣ - العَصَبَةُ مع الغيرِ: هنَّ الأخواتُ الشَّقيقاتُ، والأخواتُ لأبٍ مع إناثِ الفروعِ، فكلُّ أختٍ شقيقةٍ أو أختٍ لأبٍ تُصْبِحُ العَصَبَةَ مع البنتِ أو بنتِ الابنِ فتُجعلُ الأخواتُ الشَّقيقاتُ بمنزلةِ الإخوةِ الأشقَّاءِ، والأخواتُ لأبٍ بمنزلةِ الإخوةِ لأبٍ، مثالُهُ: تُوُفِّيَ شخصٌ وتَرَكَ زوجةً وبنتًا وأختًا، فإنَّ الزَّوجةَ تأخذُ الثُّمُنَ، والبنتَ تأخذُ النِّصفَ فَرْضًا، والأختَ الشَّقيقةَ تأخذُ الباقيَ تعصيبًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْعَمُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ ابْنُهُ، فَإِنْ عُدِمَتِ الْعَصَبَاتُ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ»، أَقْرَبُ العَصَباتِ منَ النَّسبِ هي العَصَبةُ بالنَّفْسِ، وهمُ: الابنُ، ثمَّ ابنُ الابنِ وإنْ سَفَلَ، ثمَّ الأبُ، ثم الجَدُّ وإنْ عَلا، ثمَّ الأخُ الشَّقيقُ، ثمَّ الأخُ لأبٍ، ثمَّ ابنُ الأخِ الشَّقيقِ، ثمَّ ابنُ الأخِ لأبٍ، ثمَّ العمُّ الشَّقيقُ، ثمَّ العمُّ لأبٍ، ثمَّ ابنُ العمِّ الشَّقيقِ، ثمَّ ابنُ العمِّ لأبٍ، فإذا عُدِمَتِ العَصَباتُ منَ النَّسبِ الَّذينَ يتعصَّبونَ بأنفُسِهم فالمَوْلى المعتِقُ، والمعتِقُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأنثى لإطلاقِ حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: قالَ: «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (^١).
فجهاتُ العُصوبةِ خمسٌ، وهي على التَّرتيبِ: بنوَّةٌ، ثمَّ أُبوَّةٌ، ثمَّ أُخوَّةٌ، ثمَّ عمومةٌ، ثمَّ ولاءٌ.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٤)، ومسلم (١٥٠٤).
[ ٢٧٨ ]
فالبنوَّةُ يدخُلُ فيها الأبناءُ وأبناؤُهم وإنْ نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ، وكذا البناتُ وبناتُ الابنِ مع ذَكَرٍ مُعَصِّبٍ لهنَّ.
والأبوَّةُ يَدْخُلُ فيها الأبُ وآباؤُه وإن عَلَوْا بمحضِ الذُّكورِ.
والأُخوَّةُ يَدْخُلُ فيها الإخوةُ لغيرِ أمٍّ وأبناؤُهم وإن نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ، وكذا الأخواتُ لغيرِ أمٍّ إذا كنَّ عَصَبَةً بالغيرِ، أو مع الغيرِ.
والعمومةُ يَدْخُلُ فيها الأعمامُ لغيرِ أمٍّ، وأبناؤُهم وإن نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ.
والولاءُ يَدْخُلُ فيه المعتِقُ، وعَصَبَتُه المتعصِّبونَ بأنفُسِهم.
ويُقَدَّمُ في التَّعصيبِ الأسبقُ جهةً، فإنْ كانوا في جهةٍ واحدةٍ، قُدِّمَ الأقربُ مَنزلةً، فإن كانوا في مَنزلةٍ واحدةٍ، قُدِّمَ الأقوى، وهو من يُدْلي بالأبوينِ على الذي يُدْلي بالأبِ وَحْدَه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (^١).
فالابنُ أَوْلى من الأبِ؛ لأنَّه أَسْبَقُ جهةً، والأبُ أَوْلى من الجَدِّ؛ لأنَّهُ أقْربُ مَنزلةً، والأخُ الشَّقيقُ أَوْلى من الأخِ لأبٍ؛ لأنَّه أقوى.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٦١٥).
[ ٢٧٩ ]
«فَصْلٌ»