قال أبو شجاع ﵀: «الْمِيَاهُ الَّتِي يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهَا سَبْعُ مِيَاهٍ»، المياهُ جَمْعُ ماءٍ، وَجَمَعَهُ وهو اسمُ جنسٍ يُطْلَقُ على القليلِ والكثيرِ؛ لاختلافِ أنواعِه، والجادَّةُ أنْ يَقولَ: «سبعةُ مِياهٍ»؛ لأنَّ مياه جَمْعُ ماءٍ، وهو مُذَكَّرٌ، والعددُ من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ يخالِفُ المعدودَ؛ كما هو معلومٌ.
١ - «مَاءُ السَّمَاءِ»؛ أي: المطر؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ
[ ١٣ ]
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وغَيْرِها مِنَ الآياتِ.
٢ - «وَمَاءُ الْبَحْرِ»؛ أي: المالح؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رجلًا سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نَرْكَبُ البحرَ، ونَحْمِلُ معنا القليلَ مِنَ الماءِ، فإنْ تَوَضَّأْنا به عَطِشْنا، أَفَنَتَوَضَّأُ بماءِ البحرِ؟ فقالَ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^١).
٣ - «وَمَاءُ النَّهْرِ»؛ أي: العذب، كالنيل والفرات وغيرهما؛ للإجْمَاع على جواز التَّطَهُّرِ به.
٤ - «وَمَاءُ الْبِئْرِ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّه قيلَ للنَّبيِّ ﷺ: أنتوضَّأُ مِن بئرِ بُضاعَةَ، وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها الحِيَضُ ولحمُ الكلابِ والنَّتْنُ؟ فقالَ ﷺ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (^٢).
٥ - «وَمَاءُ الْعَيْنِ»، كالنَّابعةِ مِنَ الأرضِ أو الجبلِ، والأصلُ فيه الحديثُ السَّابقُ، والقياسُ على ماءِ البئرِ، وهو طاهرٌ بالإجماعِ.
٦ - «وَمَاءُ الثَّلْجِ»؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا كبَّرَ في الصَّلاةِ سَكَتَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقراءةِ هُنَيَّةً، فقالَ أبو هُريرةَ بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ سُكوتَكَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقِراءةِ، ما تَقولُ؟ قالَ ﷺ أَقولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا
_________________
(١) رواه أحمد (٨٧٢٠)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٢) رواه أحمد (١١٢٧٥)، وأبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حَسَن»، و«الحِيَضُ»: جمع حِيضة، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض لتمسحه بها، أو لتشد فرجها بها لتمنع سيلان الدم.
[ ١٤ ]
بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ» (^١).
٧ - «وَمَاءُ الْبَرَدِ»؛ للحديثِ السَّابقِ.
ولو قالَ المصنِّفُ ﵀: ما نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، أو نَبَعَ مِنَ الأرضِ؛ لكانَ أَخْصَرَ مِن ذلك وأَعَمَّ، ولعلَّ عذرَهُ الوفاءُ بما سُئِلَ مِنْ أنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّقسيماتِ.
قال أبو شجاع ﵀: «ثُمَّ الْمِيَاهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
١ - طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ»؛ أيْ: طاهرٌ في نَفْسِه مطهِّرٌ لغَيْرِه، غيرُ مكروهٍ فِي سائرِ الاستعمالات، كالوُضوءِ والغُسلِ، وإزالةِ النَّجاسةِ مِن بَدَنٍ، أو ثوبٍ أو بُقْعَةٍ.
والماءُ المُطْلَقُ: هو ما يُطْلَقُ عليه ماءٌ؛ مِن غيرِ زيادةٍ على هذه الكلمةِ، فالماءُ الَّذي لم يُذْكَرْ معه لفظٌ آخَرُ، أو ذُكِرَ معه لَفْظٌ آخَرُ لكنَّه يُمْكِنُ الاستغناءُ عنه؛ كماءِ البحرِ، وماءِ البئرِ؛ إذْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كلٍّ منهما: ماءٌ، مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذِكرِ كلمةِ بحرٍ، أو بئرٍ، فهذا يُسَمَّى ماءً مُطْلَقًا، أمَّا الماءُ الَّذي يُذْكَرُ معه لفظٌ آخَرُ لا يُمْكِنُ حَذْفُه؛ كماءِ الوَرْدِ، وماءِ العِنَبِ؛ فلا يُعْتَبَرُ ماءً مُطْلَقًا؛ إذْ لا يُمكِنُ أنْ يُقالَ في كلٍّ منهما: ماءٌ مِن غيرِ لفظِ الوَرْدِ أو العِنَبِ.
٢ - «وَطَاهِرٌ مُطَهِّرٌ مَكْرُوهٌ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ»، أيْ طاهرٌ
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨).
[ ١٥ ]
في نَفْسِه، مطهِّرٌ لغيرِه، مكروهٌ استعمالُه في البَدَنِ، وُضوءًا وغُسلًا، وإزالةَ نجاسةٍ عنه، لا في الثَّوبِ ونحوِه، والمشمَّسُ: أيِ المسخَّنُ بِحَرِّ الشَّمسِ، ويَكونُ مكروهًا بثلاثةِ شُروطٍ:
أ- أنْ يَكونَ ببلادٍ حارَّةٍ.
ب- أنْ يَكونَ موضوعًا بأوانٍ قابلةٍ للطَّرْقِ، كالحديدِ والنُّحاسِ؛ لأنَّ الشَّمسَ إذا أَثَّرَتْ فيها خَرَجَ منها زُهومةٌ تعلو على وجهِ الماءِ، يُخْشَى إذا لاقتِ البدنَ أن تُسَبِّبَ البرص على ما قيل، ولا يَتأتَّى ذلك في إناءِ الذَّهبِ والفِضَّةِ؛ لصفاءِ جوهرِهِما، لكنَّهُ يَحْرُمُ استعمالُهُما على ما سيَأتِي ذِكْرُه إن شاء اللهُ تعالى.
جـ- أنْ يَكونَ استعمالُه في البَدَنِ.
ودليل كراهَتِه ما رُوِيَ عن عائشةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ وقد سَخَّنْتُ ماءً في الشَّمسِ فقال: «لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (^١).
٣ - «وَطَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَالْمُتَغَيِّرُ بِمَا خَالَطَهُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ»؛ أيْ: طاهرٌ في نَفْسِه غَيْرُ مطهِّرٍ لغَيْرِه، وهو الماءُ المُسْتَعْمَلُ في رَفْعِ حَدَثٍ، كماءِ الوُضوءِ والغُسلِ؛ لحديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ»، فسئل أبو هريرة ﵁، كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولًا (^٢).
_________________
(١) رواه الدَّارقُطْنِي (٢)، وضَعَّفَه، والبيهقي (١٥)، وقال: «لا يصح».
(٢) رواه مسلم (٢٨٣)، وأفاد الحديث: أن الاغتسال في الماء يخرجه عن طهوريته؛ وإلا لم ينه عنه؛ وهو محمول على الماء القليل. وحكم الوضوء في هذا حكم الغسل، لأن المعنى فيهما واحد، وهو رفع الحدث.
[ ١٦ ]
والمتغيِّرُ بما خالَطَهُ مِنَ الطَّاهراتِ: أيِ الَّذي تَغَيَّرَ أَحَدُ أوصافِه مِن لونٍ أو طَعْمٍ أو ريحٍ بشيء من الطاهرات، كالمِلحِ والعَسَلِ والزَّعفرانِ ونحوِ ذلك، مما لا يُمْكِنُ فَصْلُها عنه بعدَ المخالَطةِ، أمَّا المتغيِّرُ بطُولِ المُكْثِ، أو بمخالِطٍ لا يَسْتَغْني عنه، كطُحْلَبٍ وغَيْرِه؛ فإنَّه باقٍ على طَهُورِيَّتِه.
٤ - «وَمَاءٌ نَجِسٌ وَهُوَ الَّذي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ، وَالْقُلَّتَانِ: خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ»، الماءُ النَّجِسُ: أيِ المُتَنَجِّسُ بما حَلَّ فيه مِنَ النَّجاسةِ، وهو دُونَ القُلَّتينِ؛ لحديثِ ابنِ عُمرَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الماءِ يَكونُ بالفَلاةِ مِنَ الأرضِ، وما يَنُوبُه مِنَ السِّباعِ والدَّوابِّ، فقال: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (^١).
وفي رواية: «لَا يَنْجُسُ» (^٢).
و«الفَلاةُ»: الصَّحْراءُ ونحوُها، و«يَنُوبُهُ»: أيْ يَرِدُ عليه، و«السِّباعُ»: كُلُّ حيوانٍ له نابٌ يَفْتَرِسُ به.
و«القُلَّةُ»: الجَرَّةُ الكبيرةُ، وجمعُها قُلَلٌ، وقِلَالٌ، والمقصودُ قِلالُ هَجَرَ -وهي قريةٌ قريبةٌ مِنَ المدينةِ النَّبويَّةِ- و«الخَمْسُمائةِ
_________________
(١) رواه أحمد (٤٩٦١)، وأبو داود (٦٣)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧)، وابن حبَّان (١٢٤٩)، والحاكم (٤٥٨)، وصَحَّحَه، وأَقَرَّه الذَّهبي.
(٢) رواه أبو داود (٦٥).
[ ١٧ ]
رِطلٍ»: ما يُساوي (١٩٠) لِترًا تقريبًا، أو سِعةَ مُكَعَّبٍ طُولُ حَرْفِه (٥٨) سَنتيمترًا، وبالمساحةِ سِعةَ ذراعٍ ورُبُعٍ طُولًا وعَرْضًا وعُمْقًا بذراعِ الآدميِّ، وهو شِبرانِ تقريبًا.
ومفهومُ الحديثِ: أنَّه إذا كانَ أَقَلَّ مِن قُلَّتَيْنِ فإنَّه يَنْجُسُ ولو لم يَتَغَيَّرْ، ودَلَّ على هذا المفهومِ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (^١).
فقد نَهى المستيقِظَ مِن نومِه عنِ الغَمْسِ؛ خَشيةَ تلوُّثِ يَدِه بالنَّجاسةِ غيرِ المرئيَّةِ، ومعلومٌ أنَّ النَّجاسةَ غيرَ المرئيَّةِ لا تُغَيِّرُ الماءَ، فلولا أنَّها تنجِّسُه بمجرَّدِ المُلاقاةِ لم يَنْهَهُ عن ذلك.
وقولُه: «أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتَغَيَّرَ»، قال النَّوَوِيُّ ﵀: «أَجْمَعُوا أنَّ الماءَ القليلَ أو الكثيرَ، إذا وَقَعَتْ فيه نجاسةٌ، فغَيَّرَتْ طَعمًا أو لونًا أو ريحًا، فهو نَجِسٌ» (^٢).
«فَصْلٌ»