الإحياءُ في اللُّغةِ: جعْلُ الشَّيءِ حيًّا، والمَواتُ: ما لا رُوحَ فيه؛ والمرادُ به: الأرضُ التي لم تُعمَّرْ، ولا مالكَ لها.
وفي الاصطلاح: عمارةُ الأرضِ الخَرِبَةِ التي لا مالكَ لها، ولا ينتفعُ بها أحدٌ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٤٩).
[ ٢٤٩ ]
الأصلُ في مشروعيَّتِه حديثُ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» (^١).
وحديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ جَائِزٌ بِشَرْطَيْنِ:
١ - أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي مُسْلِمًا»، كلُّ مَن جاز له أن يتملَّكَ الأموالَ جاز له الإحياءُ، ويملِكُ به المُحيَا؛ لأنَّه ملكَ بفعلٍ، فأشبهَ الاصطيادَ والاحتطابَ، ولا فرقَ في حصولِ المِلكِ له بين أن يأذنَ الإمامُ أم لا؛ اكتفاءً بإذنِ سيدِ الأولينِ والآخرينِ محمدٍ ﷺ، ويُشترطُ أن يكونَ المُحيِي مسلمًا، فلا يجوزُ الإحياءُ للكافرِ الذِّميِّ الذي يُقيمُ في دارِ الإسلامِ؛ لأنَّه نوعُ تمليكٍ ينافيه الكفرُ، كالإرثِ من المسلمِ.
٢ - «وَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ حُرَّةً لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ»،
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨)، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وقد رواه بعضُهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا»، وروى البخاري في «صحيحه» (٢/ ٨٢٢)؛ معلقًا بصيغةِ الجزمِ عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ قال: «مَن أحيَا أرضًا ميتةً فهي له»، قال البخاري ﵀: «ويُروَى عن عمرَ وابنِ عوفٍ عن النبيِّ ﷺ قال: (فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ)، ويُروَى فيه عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ»، والمرادُ بـ «ابنِ عوفٍ»؛ عمرُو بنُ عوفٍ المزنيُّ ﵁، وقولُه ﷺ: «وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ»؛ «العرقُ» أربعةٌ: الغراسُ والبناءُ والنَّهرُ والبئرُ، والمرادُ أنه ليس لمن غرسَ أو بنَى أو شقَّ نهرًا أو حفر بئرًا في أرض غيره بدون إذنِه حقٌّ في إبقاءِ ما فعلَه لأنَّه ظالمٌ ومتعدٍّ على حقِّ غيرِه.
(٢) رواه البخاري (٢٢١٠).
[ ٢٥٠ ]
يُشترطُ في الأرضِ التي يرادُ تملُّكُها بالإحياءِ أن تكونَ حرَّةً؛ أي: لم يَجرِ عليها ملكٌ لمسلمٍ، فإن جرى ذلك حرُم التعرُّضُ لها بالإحياءِ وغيرِه؛ إلا بإذنٍ شرعيٍّ، ففي حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (^١).
ولا يجوزُ إحياءٌ في عرفةَ ولا المزدلفةِ ومنًى؛ لتعلُّقِ حقِّ الوقوفِ بالأولِ والمبيتِ بالآخرَيْنَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ: مَا كَانَ فِي الْعَادَةِ عِمَارَةً لِلْمُحْيَا»، صفةُ الإحياءِ التي يُملَكُ به المواتُ شرعًا تختلفُ بحسبِ الغرضِ المقصودِ من الأرضِ، ويُرجَعُ فيها إلى العرفِ، والضابطُ: التهيئةُ للمقصودِ.
فإنْ أراد إحياءَ المواتِ مَسكنًا؛ اشْتُرِطَ فيه تحويطُ البقعةِ بآجُرٍّ أو لَبِنٍ أو قصبٍ بحسبِ عادةِ ذلك المكانِ، والمعتمدُ أنه لا يكتفى بالتحويطِ من غيرِ بناءٍ، بل لا بدَّ من البناءِ، ويُشتَرطُ سَقْفُ بعضِ الأرضِ؛ ليتهيأَ للسُّكنَى، ونصبُ بابٍ؛ لأنَّ العادةَ في المنازلِ أن يكونَ لها أبوابٌ، ولا تصلحُ الأرضُ للسُّكنَى بما دونَ ذلك.
وإن أراد إحياءَ المواتِ زريبةَ دوابَّ أو نحوَها، كحظيرةٍ لجمعِ ثمارٍ وغلَّاتٍ وغيرِها، فيُكتفَى بالتحويطِ بالبناءِ بحسبِ
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٢٠)، ومسلم (١٦١٠).
[ ٢٥١ ]
العادةِ، ولا يُشترطُ سقْفُ شيءٍ؛ لأنَّ العادةَ فيها عدمُه، ولا بدَّ فيه من تركيبِ بابٍ مع البناءِ.
وإن أراد إحياءَ المواتِ مزرعةً، فيُطلَبُ جمعُ الترابِ حولَها، وتسويةُ الأرضِ، وترتيبُ ماءٍ لها بشقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو بحفرِ بئرٍ أو قناةٍ أو نحوِها، إنْ لم يكفِها المطرُ المعتادُ.
وإن أراد إحياءَ المواتِ بُستانًا، فيُشترطُ جمعُ الترابِ حولَ الأرضِ كالمزرعةِ، والتحويطُ حيث جرت العادةُ به عملًا بها، وتهيئةُ ماءٍ كما تقرَّرَ في المزرعةِ، ويُشترطُ -أيضًا- في البستان غرسُ البعضِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - «أَنْ يَفْضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ»، تجبُ التخليةُ بين الماءِ وبين طالبِه بشروطٍ ثلاثةٍ، الأولُ: أن يفْضُلَ عن حاجتِه لنفسِه وماشيتِه وشجرِه وزرعِه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ» (^١).
ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٣٠)، ومسلم (١٠٨)، وتمامُ الحديثِ: «وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ»، ثمَّ قرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
[ ٢٥٢ ]