الاستنجاءُ في اللُّغةِ: القَطْعُ، مأخوذٌ مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، وأَنْجَيْتُها إذا قطعتَها، فكأنَّه يَقْطَعُ الأذى عنه.
وفي الاصطلاحِ: إزالةُ ما يَخْرُجُ مِنَ السَّبيلينِ؛ سواءٌ بالغَسلِ، أو المَسحِ بالحِجارةِ ونحوِها عن مَوْضِعِ الخُروجِ وما قَرُبَ منه.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٣٤).
(٢) رواه الترمذي (٥٥).
[ ٢٧ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ يُتْبِعَهَا بِالْمَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يُنْقِي بِهِنَّ الْمَحَلَّ، فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ»، الأفضلُ في الاستنجاءِ أنْ يَكونَ بالأحجارِ ثُمَّ إتباعُها بالماءِ؛ لما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: «نَزَلَتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فَسَأَلَهُم رسولُ اللهِ ﷺ، فقالوا: إنَّا نُتْبِعُ الحِجارةَ الماءَ (^١).
ويَجوزُ أنْ يَقْتَصِرَ على ثلاثةِ أحجارٍ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» (^٢).
وقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: أتى النَّبيُّ ﷺ الغائطَ فَأَمَرَني أنْ آتِيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدْتُ حَجَرَيْنِ، والتمستُ الثَّالثَ فلم أَجِدْهُ، فأخذتُ رَوْثةً، فأتيتُه بها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وألقى الرَّوْثةَ، وقال: «هَذَا رِكْسٌ» (^٣).
_________________
(١) رواه البَزَّار، كما في «كَشْف الأستارِ عن زوائِدِ البَزَّار» (٢٤٧)، وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزَّوائِد» (١/ ٤٩٨): «رواه البَزَّارُ وفيه محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ الزُّهريُّ، ضَعَّفَه البخاري والنَّسائيُّ وغيرُهما، وهو الَّذي أشارَ بجَلْدِ مالكٍ».
(٢) رواه أحمد (٢٥٠٥٦)، وأبو داود (٤٠)، والنسائي (٤٤)، والدَّارقُطْنِي (١٤٦)، وقال: «إسنادُه صحيح».
(٣) رواه البخاري (١٥٥)، وقال الحافظ في «الفتح» (١/ ٢٥٨): «(هَذَا رِكْسٌ)؛ بكسر الراء، وإسكان الكاف، قيل: هي لغة في رجس، بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم، وقيل: الركس: الرجيع، رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطابي وغيره، والأولى أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث»، وقال ابن الأثير في «النهاية» (٢/ ٢٥٩): «(إِنَّهُ رِكْسٌ)، هو شبيه المعنى بالرجيع، يقال: ركست الشيء وأركسته إذا رددته ورَجَعته».
[ ٢٨ ]
وقالَ سَلْمانُ الفارسيُّ ﵁: «نَهَانَا النَّبيُّ ﷺ أنْ نَسْتَقْبِلَ القِبلةَ لغائطٍ، أو بولٍ، أو أنْ نستنجيَ باليَمينِ، أو أنْ نَستنجيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نَستنجيَ برَجِيعٍ أو بعَظْمٍ» (^١).
فإذا اقْتُصِرَ على أَحَدِهِما فالماءُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه يُزيلُ عَينَ النَّجاسةِ وأَثَرَهَا، ولحديثِ أنسٍ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا خَرَجَ لحاجَتِه أَجيءُ أنا وغُلامٌ ومعنا إداوةٌ مِن ماءٍ يَستنجي به» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجْتَنِبُ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَجْتَنِبُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَتَحْتَ الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ، وَالثَّقْبِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا»، ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ عن أبي أيُّوبَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا»، قالَ أبو أيُّوبَ: فقَدِمْنا الشَّامَ فَوَجَدْنا مَراحيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلةِ، فَنَنْحَرِفُ ونَسْتَغْفِرُ اللهَ تعالى (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢)، والرَّجِيع: العَذِرة والرَّوث، سُمِّيَ رَجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو عَلَفًا.
(٢) رواه البخاري (١٤٩)، ومسلم (٢٧١)، و«الإداوةُ»: إناءٌ صغيرٌ من جِلْدٍ.
(٣) رواه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٢٦٤).
[ ٢٩ ]
قال المُزَنِيُّ ﵀: «وذلك في الصَّحارى؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد جَلَسَ على لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بيتِ المَقْدِسِ، فدَلَّ أنَّ البِناءَ مُخالفٌ للصَّحارى» (^١).
والحديثُ الَّذي اسْتَشْهَدَ به المُزَنِيُّ هو حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ» (^٢).
ويُجْتَنَبُ البولُ في الماءِ الرَّاكدِ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «نَهى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكدِ» (^٣).
والتَّغَوُّطُ أَقْبحُ وأَوْلى بالنَّهْيِ.
وكذلك تحتَ الشَّجَرةِ المُثْمرةِ، صِيانةً للثمرة عن التَّلويثِ عندَ الوقوعِ فتعافُها النَّفْسُ.
وكذلك في الطَّريقِ، والظِّلِّ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (^٤).
وكذلك في الثَّقْبِ؛ لحديثِ قَتادةَ عن عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ ﵁ قال: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُبالَ في الجُحْرِ»، قالوا لقَتادةَ ﵀: ما
_________________
(١) «مُخْتَصر المُزَنِي» (ص: ١٠).
(٢) رواه البخاري (١٤٧)، ومسلم (٢٦٦).
(٣) رواه مسلم (٢٨١).
(٤) رواه مسلم (٢٦٩)، وقولُه: «اللَّعَّانَيْنِ»؛ أي: الأمْرَيْنِ الجالِبَيْنِ لِلَّعنِ.
[ ٣٠ ]
يُكْرَهُ من البولِ في الجُحْرِ؟ قال: كانَ يُقالُ: إنَّها مَساكنُ الجِنِّ (^١).
ويُجْتَنَبُ الكلامُ على البولِ والغائِطِ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللهَ - ﷿ - يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (^٢).
ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ رَجُلًا مَرَّ ورسولُ اللهِ ﷺ يَبولُ، فَسَلَّمَ، فلمْ يَرُدَّ عليه» (^٣).
وقولُهُ: «وَلَا يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهُمَا»، اسْتَدَلُّوا له بحديثِ: «نَهى أنْ يَبولَ الرَّجلُ، وفَرْجُه بادٍ إلى الشَّمسِ والقمرِ» (^٤).
فائدةٌ: يُسْتَحَبُّ لقاضي الحاجَةِ أنْ يَقولَ قبلَ الدُّخولِ إلى الخَلاءِ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (^٥)، ويَقولَ بعدَ الخُروجِ: «غُفْرَانَكَ» (^٦)؛ لثُبوتِ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠٧٩٤)، وأبو داود (٢٩)، والنسائي (٣٤)، والحاكم (٦٦٦)، (٦٦٧)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبيُّ، و«الجُحْرُ»: هو الثَّقبُ في الأرض.
(٢) رواه أحمد (١١٣٢٨)، وأبو داود (١٥)، وابن ماجه (٣٤٢)، وابن حبَّان (١٤٢٢)، والحاكم (٥٦٠)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبيُّ.
(٣) رواه مسلم (٣٧٠).
(٤) رواه الحكيمُ الترمذي في «المَنْهِيَّات» (ص: ٣٣)، وقالَ ابنُ حَجَرٍ في «التَّلْخيص الحَبِير» (١/ ١٨٠): «هو حديثٌ باطلٌ لا أَصْلَ له».
(٥) رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، من حديثِ أنسٍ ﵁، و«الخُبُثُ»: جمعُ خبيثٍ، و«الخبائثُ»: جمعُ خبيثةٍ، والمرادُ ذكورُ الشَّياطينِ وإناثُهم.
(٦) رواه أحمد (٢٥٢٦١)، والبخاري في «الأدب المُفْرَد» (٦٩٣)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠)، وابن حبَّان (١٤٤٤)، من حديثِ عائشة - ﵂ -.
[ ٣١ ]
«فَصْلٌ»