قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ»؛ لحديثِ المغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ قال: كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ في مَسِيرٍ، فقالَ لي: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟»، قلتُ: نعم، فَنَزَلَ عن راحِلَتِه، فمشى حتى توارى في سَوادِ الليلِ، ثم جاءَ فَأَفْرَغْتُ عليه مِنَ الإداوةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وعليه جُبَّةٌ مِن صوفٍ، فلم يَسْتَطِعْ أن يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ منها حتَّى أَخْرَجَهُما مِن أَسْفَلِ الجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذراعيهِ، ومَسَحَ برأسِهِ، ثم أهويتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ، فقال: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، ومَسَحَ عليهما (^١).
وأمَّا كيفيَّةُ المسحِ؛ فقد قالَ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهَذَّبُ»: «والمُسْتَحَبُّ أنْ يَمْسَحَ أعلى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ فيَغْمِسَ يَدَيْهِ في الماءِ ثُمَّ يَضَعَ كَفَّهُ اليُسْرى تَحْتَ عَقِبِ الخُفِّ وكَفَّهُ اليُمْنَى على أطرافِ أصابِعِه ثم يُمِرَّ اليُمْنى إلى ساقِه واليُسرى إلى أطرافِ أصابِعِهِ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٤٦٣)، ومسلم (٢٧٤).
(٢) «المهذَّب» (١/ ٤٨).
[ ٤٢ ]
قال النوويُّ ﵀ في «شَرْحُ الْمُهَذَّبِ»: «وكَيْفِيَّتُهُ كما ذَكَرَ المُصَنِّفُ ﵀؛ لكونِهِ أَمْكَنَ وَأَسْهَلَ، ولأنَّ اليدَ اليُسْرى لمباشَرَةِ الأقذارِ والأذى، واليُمنى لغيرِ ذلك، فكانتِ اليُسرى أَلْيَقَ بِأَسْفَلِه واليُمْنى بأعلاه» (^١).
٢ - «وَأَنْ يَكُونَا سَاتِرَيْنِ لِمَحَلِّ غَسْلِ الْفَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ»؛ لأنَّهما إنْ لم يَكونا ساتريْنِ، فَسَيَكُونُ ما ظَهَرَ مِنَ القَدَمِ حُكْمُهُ الغَسْلُ، وما اسْتَتَرَ مِنَ القَدَمِ حُكْمُهُ المَسْحُ، ولا قائلَ بالجَمْعِ بَيْنَهُما.
٣ - «وَأَنْ يَكُونَا مِمَّا يُمْكِنُ تَتَابُعُ الْمَشْيِ عَلَيْهِمَا»، أي يَكونا قويَّيْنِ بحيثُ يَمنعانِ نُفوذَ الماءِ إلى القَدَمَيْنِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ يُحْدِثُ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ؛ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ»؛ لحديثِ شُرَيْحِ بنِ هانئٍ، قال: أتيتُ عائشةَ ﵂ أَسْأَلُها عن المسحِ على الخُفَّيْنِ، فقالتْ: عليكَ بابنِ أبي طالبٍ، فَسَلْهُ فإنَّه كانَ يُسافِرُ مع رسولِ اللهِ ﷺ فسألناه فقال: «جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا وليلةً للمُقيمِ» (^٢).
وابتداءُ مُدَّةِ المسح تُحسبُ من حين يحدث؛ لا من وقت
_________________
(١) «المَجْموع شَرْح المُهَذَّب» (١/ ٥١٨).
(٢) رواه مسلم (٢٧٦).
[ ٤٣ ]