قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَائِعٍ خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ إِلَّا الْمَنِيَّ»، كلُّ مائعٍ خَرَجَ مِنَ السَّبيليْنِ مُعتادًا كانَ كالبولِ والغائطِ، أو نادرًا، كالدَّمِ والقَيْحِ؛ نَجِسٌ؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: أتى النَّبيُّ ﷺ الغائطَ فأمَرَني أنْ آتِيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدتُ حَجَرَيْنِ، والتمستُ الثَّالثَ فلم أَجِدْهُ، فأخذتُ رَوْثَةً، فأتيتُه بها، فأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وألقى الرَّوثةَ، وقال: «هَذَا رِكْسٌ» (^٢).
ولحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ أعرابيًّا بالَ في المسجِدِ، فقامَ إليه بعضُ القومِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ»، قال: فلمَّا فَرَغَ دعا بدلوٍ مِن ماءٍ فصَبَّه عليه (^٣).
ولحديثِ عليٍّ ﵁ قال: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، فاستحييتُ أنْ أسألَ رسولَ اللهِ ﷺ، فأمرتُ المِقْدادَ بنَ الأسودِ فَسَأَلَه، فقال: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (^٤).
_________________
(١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٩٩٤)، وقال: «إسنادُه صحيح».
(٢) رواه البخاري (١٥٥).
(٣) رواه البخاري (٥٦٧٩)، ومسلم (٢٨٤).
(٤) رواه البخاري (٢٦٦)، ومسلم (٣٠٣)، وقولُه: «مَذَّاءٌ»: كثيرُ خروجِ المَذْيِ، وهو ماءٌ أصفرُ رقيقٌ يَخْرُجُ عندَ ثورانِ الشَّهوةِ، بسببِ الملاعَبَةِ والتقبيلِ ونحوِ ذلك، وفي حكمِه الوَدْيُ، وهو ماءٌ أبيضُ ثخينٌ يخرجُ عقيبَ البولِ أو عندَ حملِ شيءٍ ثقيلٍ.
[ ٤٩ ]
فدَلَّتْ هذه الأحاديثُ على نجاسةِ الأشياءِ المذكورةِ، لغَسْلِهِ ﷺ لها أو الأمرِ بغَسْلِها أو التَّصريحِ بنجاسَتِها، ويُقاسُ ما لم يُذْكَرْ فيها ممَّا يَخْرُجُ مِنَ السَّبيلَيْنِ، على ما ذُكِرَ.
وقولُهُ: «إِلَّا الْمَنِيَّ»؛ أيْ: إلَّا المَنيَّ فإنَّه طاهرٌ، وليس بنَجِسٍ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «لقد رأيتُني أَفْرُكُهُ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا فيصلِّي فيه» (^١)، فلو كانَ نجِسًا لم يَكْفِ فَرْكُه.
وأمَّا روايةُ الغَسلِ، وهي قولُ عائشةَ ﵂: كنتُ أَغْسِلُ الجنابةَ مِن ثوبِ النَّبيِّ ﷺ فَيَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثَوْبِه» (^٢)، فمحمولةٌ على النَّدْبِ والاستحبابِ.
يَقولُ ابنُ حِبَّانَ ﵀: «كانت عائشةُ ﵂ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثوبِ رسولِ اللهِ ﷺ إذا كانَ رَطْبًا؛ لأنَّ فيه استطابةً للنَّفْسِ، وتَفْرُكُه إذا كانَ يابسًا، فيصلِّي ﷺ فيه، فهكذا نقولُ ونختارُ: إنَّ الرَّطْبَ منه يُغْسَلُ لطِيبِ النَّفْسِ، لا أنَّه نَجِسٌ، وإنَّ اليابسَ منه يُكْتَفى منه بالفَرْكِ اتبِّاعًا للسُّنَّةِ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَغَسْلُ جَمِيعِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٨)
(٢) رواه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٨٩)
(٣) «صحيح ابن حبَّان» (٤/ ٢٢١).
[ ٥٠ ]
وَاجِبٌ، إِلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الَّذي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ»، سَبَقَ الكلامُ على الأبوالِ والأرواثِ، وأمَّا بولُ الصَّبِيِّ الَّذي لم يَأْكُلِ الطَّعامَ؛ فإنَّه يَطْهُرُ بِرَشِّ الماءِ عليه؛ فلحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في بولِ الغلامِ الرَّضيعِ: «يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ» (^١).
ولحديثِ أُمِّ قيسِ بنتِ مِحْصَنٍ ﵂: «أنَّها أتتْ بابنٍ لها صغيرٍ لم يَأْكُلِ الطَّعامَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رسولُ اللهِ ﷺ في حِجْرِهِ، فبالَ على ثَوْبِه، فدعا بماءٍ، فَنَضَحَه ولم يَغْسِلْه» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلَّا الْيَسِيرَ مِنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ»، كَدَمِ البراغيثِ، ونحوِه؛ ممَّا تَعُمُّ به البلوى ويَشُقُّ الاحترازُ منه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ؛ إِذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ وَمَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ»؛ أي: لا دَمَ لها سائلٌ؛ كذُبابٍ ونحلٍ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» (^٣).
_________________
(١) رواه أحمد (٥٦٣)، وأبو داود (٣٧٧)، والترمذي (٦١٠)، وابن ماجه (٥٢٥)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن».
(٢) رواه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٧)، ونَضَحَهُ: أي رشَّه.
(٣) رواه البخاري (٣١٤٢).
[ ٥١ ]
ووجهُ الاستدلالِ: أنَّه لو كانَ يُنَجِّسُه لم يَأْمُرْ بِغَمْسِه، ويُقاسُ على الذُّبابِ كلُّ ما في معناه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ إِلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا»؛ أيْ: جميعُ الحيواناتِ طاهرةُ العينِ حالَ الحياةِ، إلَّا الكلبَ والخِنزيرَ؛ لأنَّ كلًّا منهما نَجِسُ العينِ؛ لقولِه تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وللحديثِ الآتي، والذي فيه الأمرُ بالتَّطهيرِ مِن وُلوغِ الكلبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَيْتَةُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إِلَّا السَّمَكَ، وَالْجَرَادَ، وَالْآدَمِيَّ»، أيْ جميعُ المَيْتاتِ نَجِسَةٌ إلا ما اسْتُثْنِيَ، وطهارةُ مَيْتَةِ السَّمكِ والجرادِ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أُحِلَّتْ لكم مَيْتتانِ ودَمَانِ، فأمَّا المَيْتتانِ، فالحوتُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ، فالكَبِدُ والطِّحالُ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَيُغْسَلُ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ مَرَّةً تَأْتِي عَلَيْهِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ»، غَسْلُ الإناءِ مِن وُلوغِ الكلبِ سبعَ مرَّاتٍ؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ
_________________
(١) رواه أحمد (٥٧٢٣) وابن ماجه (٣٣١٤) عن ابنِ عمرَ ﵄ مرفوعًا، ورواه البيهقيُّ في «السُّننِ الكبرى» (١٨٧٧٦) موقوفًا على ابنِ عمرَ، وقال: «هذا هو الصَّحيحُ»، وهو في حكمِ المرفوعِ.
[ ٥٢ ]
بِالتُّرَابِ» (^١).
ويُقاسُ الخِنزيرُ على الكلبِ؛ لأنَّ نجاسَتَهُ أَغْلَظُ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الْخَمْرَةُ بِنَفْسِهَا طَهُرَتْ»؛ لأنَّ عِلَّةَ النَّجاسةِ الإسكارُ، وقد زالت بالتَّخَلُّلِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا لَمْ تَطْهُرْ»؛ لأنَّ ما يُطْرَحُ فيها يَتَنَجَّسُ بملاقاتِها، ويَبقى متنجِّسًا، فإذا انقلبتْ خَلًّا وهو فيها نَجَّسَها.
«فَصْلٌ»