المَهرُ هو اسمٌ للمالِ الواجبِ للمرأةِ على الرَّجلِ بالنِّكاحِ، قال تعالى: ﴿وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصَّدُقَاتُ: جمعُ صَدُقة، وسُمِّيَ المَهرُ صَداقًا؛ لإشعارِه بصدقِ رغبةِ باذلِه في النِّكاحِ الذي هو الأصلُ في إيجابِه عليه. والنِّحلةُ: الهِبةُ والعطيَّةُ، وسُمِّيَ المَهرُ نِحْلَةً؛ لأنَّ المرأةَ تَستمتعُ بالزَّوجِ كما يَستمتعُ بها؛ فجُعِلَ الصَّداقُ لهنَّ كأنَّه عطيَّةٌ من غيرِ عِوَضٍ، وقيلَ: نِحْلَةٌ؛ أيْ: عطيَّةٌ من اللهِ تعالى.
ويُسَمَّى المَهرُ -أيضًا-: أجرًا، وفريضةً، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى:
_________________
(١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٤٠٦٧).
[ ٣١٢ ]
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ أيْ: سَمَّيْتُمْ لهنَّ مَهرًا.
والأصلُ في وجوبِه قبْلَ الإجماعِ الآياتُ السَّابقةُ، وقولُ النَّبيِّ ﷺ لمريدِ التَّزويجِ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يعقِدْ إلَّا بمسمًّى، ولأنَّه أَدْفَعُ للخصومةِ والاختلافِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ صَحَّ الْعَقْدُ وَوَجَبَ الْمَهْرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
١ - أَنْ يَفْرِضَهُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ»؛ أيْ: قبْلَ الدُّخولِ، ولها حَبْسُ نفْسِها ليَفْرِضَ لها؛ لتَكونَ على بصيرةٍ قبلَ تسليمِ نفْسِها، ولها بعدَ الفرضِ حبسُ نفْسِها لتسليمِ المفروضِ الحالِّ، أمَّا المؤجَّلُ فليس لها حبسُ نفْسِها.
٢ - «أَوْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ»؛ وذلك عندَ امتناعِ الزَّوجِ من الفَرْضِ، أو عندَ التَّنازعِ في القَدْرِ المفروضِ، فيَفْرِضُ الحاكمُ مَهرَ المِثْلِ بنقدِ البلدِ حالًّا لا مؤجَّلًا؛ كما في قِيَمِ المتلَفَاتِ، ويُشترطُ عِلمُ الحاكمِ بقدرِ مَهرِ المِثلِ لا يَزيدُ عليه ولا يَنْقُصُ؛ إلَّا بالتَّفاوتِ اليسيرِ.
٣ - «أَوْ يَدْخُلَ بِهَا فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَا
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٤١)، ومسلم (١٤٢٥)، وقد سبق كاملًا في أوَّلِ كتابِ النِّكاحِ.
[ ٣١٣ ]
اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ولحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا» (^١).
ومَهرُ المِثْلِ؛ أيْ: مَهرُ أمثالِها من النِّساءِ عادةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَيْسَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، والقِنطارُ: مالٌ كثيرٌ، فدَلَّ على أنَّه لا حَدَّ للمَهرِ في الكثرةِ، وجاءَ في حديثِ عامرِ بنِ ربيعةَ ﵁ أنَّ امرأةً من بَني فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ على نَعْلَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟»، قالت: نَعَمْ، فأجازَه (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ»، كتعليمِها شيئًا من القرآنِ، أو القيامِ بعملٍ مُعَيَّنٍ، يقولُ سهلُ بنُ سعدٍ ﵁: أتتِ النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالت: إنَّها قد وَهَبَتْ نَفْسَها للهِ ولرسولِه ﷺ، فقالَ: «مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ»، فقال رجلٌ: زَوِّجْنِيها، قالَ: «أَعْطِهَا ثَوْبًا»، قالَ: لا أَجِدُ، قالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فاعْتَلَّ له، فقالَ: «مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قالَ: كذا وكذا، قالَ: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (^٣).
_________________
(١) «الأم» للشَّافعي (٧/ ٢٤٩).
(٢) رواه أحمد (١٥٧١٧)، والترمذي (١١١٣)، وابن ماجه (١٨٨٨)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٣) رواه البخاري (٤٧٤١)، ومسلم (١٤٢٥)، وقد سبق كاملًا في أوَّل كتاب النِّكاح.
[ ٣١٤ ]