الاستسقاءُ في اللُّغةِ: طلبُ السُّقْيَا، أيْ طلبُ إنزالِ الغيثِ.
وفي الاصطلاحِ: طلبُ إنزالِ المطرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى بكيفيَّةٍ مخصوصةٍ عندَ الحاجَةِ إليه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَسْنُونَةٌ، فَيَأْمُرُهُمُ الْإِمَامُ بِالتَّوْبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَمُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ، وَاسْتِكَانَةٍ وَتَضَرُّعٍ، وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ»، الاستسقاءُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عندَ الحاجَةِ إليه، فإذا أَجْدَبَتِ الأرضُ، أو انْقَطَعَتِ
_________________
(١) رواه البخاري (٩٩٧)، ومسلم (٩٠١).
(٢) رواه الترمذي (٥٦٢)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٣) رواه البخاري (١٠١٦)، ومسلم (٩٠١).
[ ١١٣ ]
المياهُ، أو قلَّتْ؛ وَعَظَ الإمامُ النَّاسَ وأَمَرَهُم بالتَّوبةِ والصَّدقةِ ومصالَحَةِ مَن كانَ بينهم وبين أحدٍ مِنَ المسْلمينَ عداوةٌ دنيويَّةٌ، ويَأْمُرُهم بالصِّيامِ ثلاثةَ أيَّامٍ، كما نَقَلَه الشَّافعيُّ ﵀ عن بعضِ أئِمَّةِ السَّلَفِ، فقال: «وَبَلَغَنا عن بعضِ الأئمَّةِ أنَّه كانَ إذا أرادَ أنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فصاموا ثلاثةَ أيَّامٍ متتابِعَةٍ، وتَقَرَّبوا إلى اللهِ - ﷿ - بما استطاعوا مِن خيرٍ ثمَّ خرَجَ في اليومِ الرَّابعِ فاستسقى بهم، وأنا أُحِبُّ ذلك لهم، وآمُرُهُم أنْ يَخْرُجُوا في اليومِ الرَّابعِ صيامًا مِنْ غيرِ أنْ أُوجِبَ ذلك عليهم، ولا على إمامِهِم» (^١).
وكذلك يَخْرُجُونَ في ثيابِ بِذْلَةٍ، وهي ثيابُ المهنةِ والخدمةِ؛ ليَكونوا على هيئةِ السَّائلِ، وعليهم السَّكينةُ في مِشيتِهِم، وكلامِهِم وجلوسِهِم.
يقولُ إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كِنانَةَ: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في الاستسقاءِ، فقال: «خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ متواضعًا متبذِّلًا متخشِّعًا مترسِّلًا متضرِّعًا، فصلَّى رَكْعَتَيْنِ كما يصلِّي في العيدِ» (^٢).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ الأنصاريُّ ﵁: «خَرَجَ
_________________
(١) «الأُم» (١/ ٢٨٣).
(٢) رواه أحمد (٢٠٣٩)، وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨)، والنسائي (١٥٠٨)، وابن ماجه (١٢٦٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح»، وقولُه: «مترسِّلًا»؛ أي: متأنِّيًا، يقال: ترسَّلَ الرَّجُلُ في كلامِهِ ومَشْيِه إذا لم يُعَجِّلْ، وقولُه: «كما يصلِّي العيدَ»؛ أي: في التَّوقيتِ والكيفيَّةِ، فوقتُها يبدأُ من ارتفاعِ الشَّمسِ قِيدَ رمحٍ إلى الزَّوالِ، ويُكبِّرُ في الرَّكعِة الأولى سبعًا، وفي الثانيةِ خمسًا؛ كما سَبَقَ.
[ ١١٤ ]
النَّبيُّ ﷺ يَستسقي فَتَوَجَّهَ إلى القِبلةِ يدعو وحوَّلَ رداءَهُ ثم صلَّى ركعتينِ جَهَرَ فيهما بالقراءةِ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَهُمَا، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، وَيُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: «خرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ يومًا يَستسقي، فصلَّى بنا ركعتينِ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، ثم خَطَبَنا، ودعا اللهَ، وحَوَّلَ وَجْهَهُ نحوَ القِبلةِ رافعًا يديْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رداءَهُ؛ فَجَعَلَ الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ» (^٢).
ويستغفرُ في خُطْبَتَيْهِ بَدَلَ التَّكبيراتِ الَّتي في خُطبتيِ العيدينِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١].
و﴿مِدْرَارًا﴾؛ أي: متواصِلةَ الأمطارِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَدْعُو بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَلَا تَجْعَلْهَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا مَحْقٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مُرِيعًا، سَحًّا عَامًّا، غَدَقًا طَبَقًا مُجَلِّلًا، دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ
_________________
(١) رواه البخاري (٩٧٨)، ومسلم (٨٩٤).
(٢) رواه أحمد (٨٣١٠)، وابن ماجه (١٢٦٨)، وابنُ خُزيمة (١٤٢٢)، وقولُه: «قَلَبَ رداءَه فَجَعَلَ الأيمنَ على الأيسرِ والأيسرَ على الأيمنِ»، تفاؤلًا أنْ يَقْلِبَ اللهُ تعالى الحالَ من جَدْبٍ إلى خِصَبٍ.
[ ١١٥ ]
وَالْبِلَادِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ؛ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» (^١).
قال الشافعي ﵀: وأحب أن يدعو الإمام بهذا، ولا وقت في الدعاء، ولا يجاوزه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَغْتَسِلُ فِي الْوَادِي إِذَا سَالَ»؛ لحديثِ يَزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهادِ ﵁ قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا سالَ السَّيْلُ يقولُ: «اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذي جَعَلَهُ اللهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَنَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهِ» (^٢).
وقالَ أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: أصابَنا ونحنُ مع رسولِ اللهِ ﷺ مطرٌ، فحَسَرَ رسولُ الله ﷺ ثوبَهُ حتى أصابه من المطرِ، فقلنا: يا
_________________
(١) رواه الشَّافعُّي في «الأُم» (١/ ٢٨٦)، وهو مُرْسَلٌ؛ كما قالَ البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٦٤٤٣)، و«الظِّرابُ»، جمعُ ظَرِبٍ، وهي صغارُ الجبالِ، و«الآكامُ»، جمعُ أَكَمَةٍ، وهي التَّلُّ المرتفعُ مِنَ الأرضِ، و«غيثًا»، مطرًا، و«مُغيثًا»، منقِذًا مِنَ الشِّدَّةِ، و«هنيئًا»، طيِّبًا لا يُنَغِّصُه شيءٌ، و«مَريئًا»، محمودَ العاقبةِ منمِّيًا، و«مَريعًا»، مُخَصِّبًا، و«سَحًّا»، شديدَ الوقوعِ على الأرضِ، و«غدَقًا»، كثيرًا، و«طبَقًا»، مستوعِبًا لنواحي الأرضِ، و«مُجلِّلًا»، يُجَلِّلُ الأرضَ ويَعُمُّها، و«دائمًا»، مستمرًّا نَفْعُه، و«القانطينَ»، الآيسينَ بتأخيرِ المطرِ، و«الجَهدُ»، المشقَّةُ، و«الضَّنْكُ»، الضِّيقُ والشِّدَّةُ، و«مِدْرارًا»، متواصلةَ الأمطارِ.
(٢) رواه الشَّافعيُّ في «الأُمّ» (١/ ٢٨٩)، والبيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٦٢٤٩)، وقال: «مُنْقَطِعٌ».
[ ١١٦ ]
رسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قال: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَبِّحُ لِلرَّعْدِ وَالْبَرْقِ»، أي يُسَبِّحُ اللهَ تعالى عِنْدَهُما؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أنَّه كانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الحديثَ وقال: «سبحانَ الَّذي ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرَّعد: ١٣]» (^٢).
«فَصْلٌ»