الأصلُ في وجوبِ صلاةِ الجُمعةِ قولُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجُمُعة: ٩].
وما رواه مسْلمٌ عن ابنِ عمرَ وأبي هُرَيْرَةَ ﵄ أنَّهما سمِعا النَّبيَّ ﷺ يقولُ على أعوادِ مِنبرِه: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ
_________________
(١) رواه البخاري (٥١٨)، ومسلم (٧٠٥)، وأيُّوبُ، هو: السَّخْيتانيُّ، والمقولُ له: جابرُ بنُ زيدٍ.
[ ١٠٢ ]
الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ:
١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تَجِبُ على الكافِرِ.
٢ - «الْبُلُوغُ»، فلا تَجِبُ على الصَّبيِّ.
٣ - «وَالْعَقْلُ»، فلا تَجِبُ على المجنونِ، وهذه الشُّروطُ الثَّلاثةُ لغيرِ الجُمعةِ مِنَ الصَّلواتِ -أيضًا- وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ عليها في أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ.
٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تَجِبُ على العبدِ المملوكِ؛ لحديثِ طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» (^٢).
٥ - «وَالذُّكُورِيَّةُ»، فلا تَجِبُ على المرأةِ؛ للحديثِ السَّابقِ.
٦ - «وَالصِّحَّةُ»، فلا تَجِبُ على المريضِ؛ للحديثِ السَّابقِ.
٧ - «وَالِاسْتِيطَانُ»، فلا تَجِبُ على المسافرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ فِعْلِهَا ثَلَاثَةٌ:
١ - أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً»، تَنْعَقِدُ الجُمُعةُ في
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٧٠٥)، وقولُه ﷺ: «وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»؛ أي: تَرْكِهِم.
(٢) رواه أبو داود (١٠٦٧)، والحاكم (١٠٦٢)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.
(٣) رواه الطَّبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٨١٨)، عن ابنِ عمرَ ﵄ مرفوعًا، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥٤٢٩)، موقوفًا، وقال: «هذا هو الصَّحيحُ؛ موقوفٌ»، قلتُ: وله حكمُ الرَّفعِ؛ إذ لا يُقالُ من قِبَلِ الرأيِ.
[ ١٠٣ ]
الأمصارِ، والقرى المجتمِعةِ البناءِ، ووجهُ اشتراطِ ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه - ﵃ - لم يُصَلُّوها إلَّا هكذا، وكانت قبائلُ الأعرابِ مُقِيمينَ حَوْلَ المدينةِ وما كانوا يُصَلُّونها، ولم يَأْمُرْهُمُ النَّبيُّ ﷺ بها، ولو جازت في غيرِ ذلك لفُعِلَتْ ولو مَرَّةً، ولو فُعِلَتْ لنُقِلَ.
يقولُ عطاءٌ ﵀: «إذا كنتَ في قريةٍ جامعةٍ فنُودِيَ بالصَّلاةِ من يومِ الجُمُعةِ؛ فحقٌّ عليك أنْ تَشْهَدَها، سَمِعْتَ النِّداءَ أو لم تَسْمَعْه» (^١).
٢ - «وَأَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْجُمَعَةِ»؛ لحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁: أنَّ أَوَّلَ مَن جَمَّعَ بهم أسعدُ بنُ زُرارةَ ﵁، وكانوا يَوْمَئِذٍ أربعينَ (^٢).
وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ ﵀: «كلُّ قريةٍ فيها أَرْبعونَ رجلًا فعليهم الجمعةُ» (^٣).
وقالَ أبو المَليحِ الرَّقِّيُّ ﵀: أتانا كتابُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: «إذا بَلَغَ أهلُ القريةِ أربَعِينَ رجلًا فَلْيُجَمِّعُوا» (^٤).
٣ - «وَأَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ عُدِمَتِ الشُّرُوطُ؛ صُلِّيَتْ ظُهْرًا»، من شروطِ صحَّةِ الجمعةِ أنْ تَقَعَ في
_________________
(١) «صحيح البخاري» (١/ ٣٠٦).
(٢) رواه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢)، وابنُ خُزيمةَ (١٧٢٤)، وابن حبَّان (٧٠١٣)، والحاكم (١٠٣٩)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.
(٣) رواه الشَّافعيُّ في «مُسندِه» (٣٨٦).
(٤) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٥٤٠٠).
[ ١٠٤ ]
الوقتِ، ووقتُها وقتُ الظُّهرِ، لما جاءَ في حديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ: «كانَ يصلِّي الجُمُعةَ حينَ تَميلُ الشَّمسُ» (^١).
أيْ: تَميلُ إلى جهةِ الغربِ، وتَزولُ عن وَسَطِ السَّماءِ، وهو وقتُ صلاةِ الظُّهرِ؛ كما سَبَقَ، وكذلك حديث سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ قال: «كنَّا نصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ الجُمعةَ، ثمَّ نَنْصَرِفُ وليس للحيطانِ ظلٌّ نستظلُّ فيه» (^٢).
وفي روايةٍ: «كنَّا نُجَمِّعُ مع رسولِ اللهِ ﷺ إذا زالتِ الشَّمسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» (^٣).
وقال سهلُ بنُ سعدٍ ﵁: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلَّا بعدَ الجُمُعةِ» (^٤).
فإنْ خَرَجَ الوقتُ أو ضاقَ عنها بحيثُ لم يبقَ منه ما يكفي خُطْبَتَيْها ورَكْعَتَيْها، أو عُدِمتِ الشُّروطُ أو بعضُها؛ كأنْ فُقِدَ العددُ، أو الاستيطانُ؛ صُلِّيَتْ ظُهرًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُهَا ثَلَاثَةٌ:
١ - خُطْبَتَانِ يَقُومُ فِيهِمَا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُما» (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٨٦٢).
(٢) رواه البخاري (٣٩٣٥)، ومسلم (٨٦٠).
(٣) «صحيح مسلم» (٨٦٠).
(٤) رواه البخاري (٨٩٧)، ومسلم (٨٥٩).
(٥) رواه البخاري (٨٨٦).
[ ١٠٥ ]
وأركانُ الخُطبةِ خمسةٌ؛ وهي: حَمْدُ اللهِ تعالى، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ، والوصيَّةُ بالتَّقوى، وقراءةُ آيةٍ في إحدى الخُطْبَتَيْنِ، والدُّعاءُ للمؤْمنينَ والمؤْمناتِ في الخُطبةِ الثَّانيةِ (^١).
٢ - «وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا»، للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄أيضًا- أنَّه قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائمًا، ثمَّ يَقْعُدُ، ثمَّ يَقومُ؛ كما تَفْعَلونَ الآنَ» (^٢).
٣ - «وَأَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ»؛ لحديثِ عمرَ ﵁ قال: «صلاةُ الجُمُعةِ ركعتانِ على لسانِ محمَّدٍ ﷺ» (^٣).
وكونُها في جماعةٍ؛ لحديثِ طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ» (^٤).
قال أبو شجاع ﵀: «وَهَيْئَاتُهَا أَرْبَعُ خِصَالٍ:
١ - الْغُسْلُ وَتَنْظِيفُ الْجَسَدِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (^٥).
٢ - «وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ»؛ لحديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبِيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ
_________________
(١) «روضة الطَّالبين» (١/ ٥٢٩).
(٢) رواه البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٦١).
(٣) رواه أحمد (٢٥٧)، والنسائي (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٠٦٤)، وابنُ خُزيمةَ (١٤٢٥)، وابن حبَّان (٢٧٨٣).
(٤) رواه أبو داود (١٠٦٧)، والحاكم (١٠٦٢)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.
(٥) رواه البخاري (٨٣٧)، ومسلم (٨٤٤).
[ ١٠٦ ]
وَأَطْيَبُ» (^١).
٣ - «وَأَخْذُ الظُّفُرِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يُقَلِّمُ أظفارَه، ويَقُصُّ شاربَه يومَ الجُمعةِ قبلَ أنْ يَخْرُجَ إلى الصَّلاةِ» (^٢).
٤ - «وَالطِّيبُ»؛ لحديثِ سَلمانَ الفارسيِّ ﵁ قال: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ الْإِنْصَاتُ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ»، للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (^٤).
وفي روايةٍ: «وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ» (^٥).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٠٢٣١)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦)، وابن ماجه (٣٥٦٧)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٢) رواه البَزَّارُ (٨٢٩١)، والطَّبرانيُّ في «الأوسط» (٨٤٢)، وقال الهيثميُّ في «المَجْمَع» (٢/ ٣٨٤): «رواه البَزَّارُ والطَّبرانُّي في الأوسطِ، وفيه: إبراهيمُ بنُ قُدامةَ، قال البَزَّارُ: ليس بحُجَّةٍ إذا تَفَرَّدَ بحديثٍ، وقد تَفَرَّدَ بهذا، قلتُ: ذَكَرَه ابن حبَّان في الثِّقاتِ».
(٣) رواه البخاري (٨٤٣).
(٤) رواه البخاري (٨٩٢)، ومسلم (٨٥١)، واللَّغوُ ما لا يَحْسُنُ منَ الكلامِ.
(٥) رواه أبو داود (١٠٥١)، وفيه راوٍ لم يُسَمَّ.
[ ١٠٧ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (^١).
«فَصْلٌ»