الجِنازةُ بالكسرِ والفتحِ: الميِّتُ بسريرِه، وقِيل: بالكسرِ السَّريرُ، وبالفتحِ المَيِّتُ، وقال النَّوويُّ ﵀: «الجِنازةُ مُشْتَقَّةٌ مِن جَنَزَ إذا سَتَرَ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَلْزَمُ فِي الْمَيِّتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: غَسْلُهُ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ»، أَجْمَعَ المسْلمونَ على وجوبِ هذه الأمورِ الأربعةِ وجوبًا كِفائيًّا، والدَّليلُ على لزومِها الإجماعُ المستنِدُ إلى ما وَرَدَ مِنَ الأحاديثِ، والَّتي سيأتي بعضُها إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٦٢)، ومسلم (٢٠٧٦)، و«الحِكَّةُ»، داءٌ يَكونُ بالجِلْدِ.
(٢) رواه أحمد (٢٠٢٨٣)، وأبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٥١٦١)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن»، و«الكُلَابُ»، اسمُ ماءٍ للعربِ مشهورٍ، ويومُه؛ يومُ الوقْعةِ الَّتي كانت عليه.
(٣) «شرح النَّووي على صحيح مُسْلِم» (٦/ ٢١٩).
[ ١٢٠ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَاثْنَانِ لَا يُغَسَّلَانِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا:
١ - الشَّهِيدُ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ في قَتْلى أُحُدٍ بدفْنِهِم في دمائِهم، ولم يُغَسَّلُوا ولم يُصَلَّ عليهم» (^١).
٢ - «وَالسُّقْطُ الَّذي لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ» (^٢).
وقال جابرٌ ﵁ قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوُرِثَ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُغْسَلُ الْمَيِّتُ وِتْرًا، وَيَكُونُ فِي أَوَّلِ غُسْلِهِ سِدْرٌ، وَفِي آخِرِهِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ»؛ لحديثِ أمِّ عطيَّةَ الأنصاريَّةِ ﵂ قالت: دَخَلَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن نُغَسِّلُ ابنَتَهُ فقال: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ؛ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، قالت: فلمَّا فَرَغْنا آذنَّاهُ، فألقى إلينا حَقْوَهُ، فقال: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»، قالت: فَضَفَّرْنا شَعْرَها ثلاثةَ قرونٍ وأَلْقَيْنَاها
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٧٨).
(٢) رواه الترمذي (١٠٣٢)، و«يَسْتَهِلُّ»، من الاستهلالِ، وهو الصِّياحُ، أو العُطاسُ، أو حركةٌ يُعْلَمُ بها حياتُه.
(٣) رواه ابن ماجه (١٥٠٨)، والحاكم (٨٠٢٣)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.
[ ١٢١ ]
خَلْفَها» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: كُفِّنَ رسولُ اللهِ ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ يَمانيَّةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ، مِن كُرْسُفٍ، ليس فيها قَمِيصٌ ولا عِمَامةٌ (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُكَبَّرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَعى النَّجاشيَّ في اليوم الَّذي ماتَ فيه، خَرَجَ إلى المصلَّى فصفَّ بهم وكَبَّرَ أربعًا» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ الْأُولَى»؛ لحديثِ طلحةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عوفٍ قال: صلَّيتُ خَلْفَ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ على جِنازةٍ، فقرأَ بفاتحةِ الكِتابِ، فقال: «لِيَعْلموا أنَها سُنَّةٌ» (^٤).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ ﷺ بَعْدَ الثَّانِيَةِ»؛ لحديثِ أبي أُمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵁ قال: أَخْبَرَنِي
_________________
(١) رواه البخاري (١١٩٥)، ومسلم (٩٣٩)، وجاءَ في روايةٍ: «وابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا»، وقولُه ﷺ: «فِي الْآخِرَةِ»، أيْ: في الغَسلةِ الأخيرةِ، و«آذِنَّنِي»؛ أي: أَعْلِمْنَني، و«حَقْوَه»، بفتحِ الحاءِ وكسرِها لغتان، يَعني إزارَه، وأصلُ الحَقْوِ مَعْقِدُ الإزارِ، وسُمِّيَ به الإزارُ؛ لأنَّه يُشَدَّ فيه، و«أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ»؛ أي: اجْعَلْنه شِعارًا لها، وهو الثَّوبُ الَّذي يلي الجسدَ، وسُمِّيَ شِعارًا؛ لأنَّه يلي شعرَ الجسدِ، والحكمةُ من ذلك التَّبَرُّكُ بإزارِه ﷺ.
(٢) رواه البخاري (١٢٠٥)، ومسلم (٩٤١)، و«سَحُوليَّةٌ»، أيْ: بِيضٌ نقيَّةٌ، و«كُرْسُفٌ»؛ أي: قُطْنٌ.
(٣) رواه البخاري (١١٨٨)، ومسلم (٩٥١).
(٤) رواه البخاري (١٢٧٠).
[ ١٢٢ ]
رجالٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الصَّلاةِ على الجِنازةِ، «أنْ يُكَبِّرَ الإمامُ، ثم يُصَلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ، ويُخْلِصَ الصَّلاةَ في التَّكبيراتِ الثَّلاثِ، ثم يُسَلِّمَ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ، خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا، وَمَحْبُوبُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ فِيهَا؛ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ، كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا؛ اللَّهُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إِلَيكَ شُفَعَاءَ لَهُ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا؛ فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا؛ فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ، حَتَّى تَبْعَثَهُ آمِنًا إِلَى جَنَّتِكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ»، هذه الأدعيةُ الْتَقَطَها الشَّافعيُّ ﵀؛ من مجموعِ الأحاديثِ، وربَّما ذَكَرَ بَعْضَها بالمعنى (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا صلَّى على جِنازةٍ يقولُ: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ» (^٣).
_________________
(١) رواه الشَّافعيُّ (٥٨١)، والحاكم (١٣٣١)، وقال: «صحيحٌ على شرطِ الشَّيخين».
(٢) قاله ابنُ حَجَرٍ ﵀ في «نتائج الأفكارِ» (٤/ ٤٠٠)، وانظر: «الأُم» (١/ ٣٢٣).
(٣) رواه أبو داود (٣٢٠١)، والنَّسائي في «السُّنن الكبرى» (١٠٨٥٢)، وابن ماجه (١٤٩٨)، وابن حبَّان (٣٠٧٣).
[ ١٢٣ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَلِّمُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ»؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفْعَلُ التَّسليمَ على الجِنازةِ مِثْلَ التَّسليمِ في الصَّلاةِ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُدْفَنُ فِي لَحْدٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ»؛ لحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ أنه قالَ في مَرَضِ مَوْتِه: «الْحَدُوا لي لَحْدًا، وانْصِبُوا عليَّ اللَّبِنَ نَصبًا؛ كما صُنِعَ برسولِ اللهِ ﷺ» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ»؛ لحديثِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ أنَّ الحارثَ أوصى أنْ يُصَلِّيَ عليه عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ الخَطْميُّ الصَّحابيُّ ﵁، فصلَّى عليه، ثمَّ أَدْخَلَه القبرَ مِن قِبَلِ رِجْلَيِ القَبْرِ، وقال: «هذا مِنَ السُّنَّةِ» (^٣).
فيكونُ رأسُ الميِّتِ عندَ رِجْلِ القبرِ، ثم يُسَلُّ في القبرِ مِن قِبَلِ رأسِه سَلًّا رفيقًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَقُولُ الَّذي يُلَحِّدُهُ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا وَضَعَ الميِّتَ في القبرِ قال: «بِسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ» (^٤).
_________________
(١) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٦٧٨٠)، وسندُه جيِّدٌ؛ كما قال النَّوويُّ ﵀ في «خُلاصة الأحكام» (٣٥٠٧).
(٢) رواه مسلم (٩٦٦)، و«اللَّحدُ»، هو: الشَّقُّ في جانبِ القبرِ.
(٣) رواه أبو داود (٣٢١١)، والبيهقيُّ (٦٨٤٤)، وقال: «هذا إسنادٌ صحيح».
(٤) رواه أحمد (٤٨١٢)، وأبو داود (٣٢١٣)، والترمذي (١٠٤٦)، وابن ماجه (١٥٥٠)، وابن حبَّان (٣١٠٩).
[ ١٢٤ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُضْجَعُ فِي الْقَبْرِ بَعْدَ أَنْ يُعَمَّقَ قَامَةً وَبَسْطَةً»؛ لحديثِ هشامِ بنِ عامرٍ ﵁ قال: قُتِلَ أبي يومَ أُحُدٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَحْسِنُوا» (^١).
وقال عمرُ ﵁: «عَمِّقُوا إلى قَدْرِ قَامَةٍ وبَسْطَةٍ» (^٢).
ولم يُنْكِرْه أَحدٌ مِنَ الصَّحابةِ، وقَدَّرَه العلماءُ بثلاثةِ أذرعٍ ونِصْف، وهو قَدْرُ ما يَقُومُ الرَّجلُ، وَيَبْسُطُ يَدَه مرفوعةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَطَّحُ الْقَبْرُ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ وَلَا يُجَصَّصُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّه قالَ لأبي الهَيَّاجِ الأسديِّ: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (^٣).
ولحديثِ جابرٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ القبرُ، وأن يُقْعَدَ عليه، وأنْ يُبنى عليه» (^٤).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ؛ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ وَلَا شَقِّ جَيْبٍ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بكى على ولدِه إبراهيمَ لمَّا رآهُ يَجودُ بنفْسِه، وقال: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ
_________________
(١) رواه أحمد (١٦٣٠٠)، وأبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٢٠١٨)، وابن ماجه (١٥٦٠)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٢) رواه ابنُ أبي شيبةَ في «المصنَّف» (١١٦٦٣).
(٣) رواه مسلم (٩٦٩).
(٤) رواه مسلم (٩٧٠)، والتجصيص: هو البناء بالجص، وهو النورة البيضاء.
[ ١٢٥ ]
لَمَحْزُونُونَ» (^١).
فلا بأسَ بالبكاءِ؛ لكنْ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ، وَلا شَقِّ جَيْبٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُعَزَّى أَهْلُهُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِن دَفْنِهِ»؛ لأنَّ قُوَّةَ الحزنِ لا تَزيدُ عليها في الغالبِ، وفي حديثِ أمِّ حبيبةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (^٣).
ولا يُعَزَّى بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ إلَّا لمسافرٍ؛ لأنَّ الحزنَ ينتهي بها غالبًا فلا يُسْتَحْسَنُ تجديدُه، والأَوْلى أنْ تَكونَ بعدَ الدَّفنِ لاشتغالِ أهلِ الميِّتِ بتجهيزِهِ، إلَّا إنِ اشتدَّ حُزْنُهم فتقديمُها أَوْلى مواساةً لهم.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِن قَتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثمَّ يقولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟»، فإذا أُشيرَ له إلى أَحَدِهِما؛ قَدَّمَه في اللَّحْدِ، وقال: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٤١)، ومسلم (٢٣١٥).
(٢) رواه البخاري (١٢٩٤)، و«الجيوب»: جمع جيب، وهو فتحة الثوب من أعلاه؛ ليدخل فيه الرأس.
(٣) رواه البخاري (١٢٢١)، ومسلم (١٤٩٠).
[ ١٢٦ ]
هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وأَمَرَ بدَفْنِهِم في دمائِهِم، ولم يُغَسَّلُوا، ولم يُصلَّ عليهم (^١).
واللهُ تعالى أعلم.
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٧٨).
[ ١٢٧ ]