قال أبو شجاع ﵀: «وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبَةٌ»، القَسْمُ: مصدرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: جَزَّأْتُه، والمرادُ به هنا العدلُ والتَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ في المبيتِ، حتى لو كانَ بالمرأةِ عذرٌ مِن مرضٍ أو حيضٍ أو نحوِ ذلك؛ لأنَّ المقصودَ الأُنْسُ لا الوطءُ، فيَجعلُ لكلِّ زوجةٍ يومًا وليلةً، وعِمَادُ القَسْمِ اللَّيلُ، والنَّهارُ تابعٌ له؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا، والنَّهارَ للتَّردُّدِ في المَصالِحِ، وهذا حُكمُ غالبِ النَّاسِ، أمَّا مَن يَعملُ ليلًا، كالحارسِ ونحوِه؛ فعمادُ قَسْمِه النَّهارُ، واللَّيلُ تابعٌ له.
والاقتصارُ في القَسْمِ على اللَّيلةِ أفضلُ من الزِّيادةِ عليها؛ اقتداءً بالنَّبيِّ ﷺ، ولكي يَقْرُبَ عَهْدُه بهنَّ، ويَجوزُ ليلتانِ وثلاثٌ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٤٢٩).
(٢) رواه مسلم (١٤٣٢).
[ ٣١٦ ]
بغيرِ رِضَاهُنَّ، ولا تَجوزُ الزِّيادةُ عليها بغيرِ رضاهُنَّ؛ لئلَّا يؤدِّيَ إلى المهاجَرةِ والإيحاشِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْسُومِ لَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ»؛ لا يَدْخُلُ الزوجُ على الزوجةِ الغيرِ مقسومٍ لها نهارًا لغيرِ حاجةٍ؛ لما فيه من إبطالِ حقِّ صاحبةِ النَّوبةِ، فإن فَعَلَ وطالَ مُكْثُهُ لَزِمَه لصاحبةِ النَّوبةِ القضاءُ بقدرِ ذلك من نَوبةِ المدخولِ عليها، أمَّا دخولُه لحاجةٍ كوضعِ متاعٍ، أو أخذِه، أو تسليمِ نفقةٍ، أو تعريفِ خَبرٍ؛ فجائزٌ ولا يقضي؛ لأنَّ النَّهارَ تابعٌ، تقولُ عائشةُ ﵂: «قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا» (^١).
أمَّا اللَّيلُ فَيَحْرُمُ الدُّخولُ على غيرِ صاحبةِ النَّوبةِ، ولو لحاجةٍ؛ إلَّا للضَّرورةِ القصوى، كمرضِها المَخُوفِ، فإن طالَ مُكثُه عُرفًا قضى من نَوبةِ المدخولِ عليها مِثلَ مُكثِه؛ لأنَّ حَقَّ الآدميِّ لا يَسقطُ بالعذرِ.
فإذا دَخَلَ لغيرِ حاجةٍ وقَصُرَ مُكثُهُ عُرفًا لم يَقْضِ؛ لكنَّه يأثمُ، وقد جاءَ في حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (^٢).
وفي روايةٍ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤٨٠٩)، وأبو داود (٢١٣٥).
(٢) رواه أبو داود (٢١٣٣).
[ ٣١٧ ]
يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ» (^١)؛ أيْ: أحدُ جنبيهِ مفلوجٌ مشلولٌ -والعياذُ باللهِ-.
وقد كانَ يُطافُ بالنَّبيُّ ﷺ محمولًا في مرضِه -الذي ماتَ فيه- على نسائِه كلَّ يومٍ وليلةٍ، حتَّى أَذِنَ له أزواجُه - ﵅ - أن يَكونَ حيثُ شاءَ، فكانَ في بيتِ عائشةَ ﵂ حتَّى قَبَضَه اللهُ تعالى ورَأْسُه ﷺ بين سَحْرِها ونَحْرِها (^٢).
فإذا ساوى الرَّجلُ بينَ زوجاتِه في المبيتِ والكسوةِ والنَّفقةِ والأمورِ الظَّاهرةِ؛ لم يؤاخَذْ بزيادةِ ميلِ قلبِه إلى بعضِهِنَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: ﵄ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أيْ: «فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ» (^٣).
قال أبو بكرِ بنُ العربيِّ ﵀: «وصَدَقَ؛ فإنَّ ذلك لا يَمْلِكُه أحدٌ؛ إذْ قلبُه بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، يُصْرِّفُه كيفَ يشاءُ، وكذلك الجماعُ فإنَّه قد ينشطُ للواحدةِ ما لا ينشطُ للأخرى، فإذا لم يكنْ ذلك بقصدٍ منه فلا حَرَجَ عليه فيه، فإنَّه مما لا يستطيعُه
_________________
(١) رواه الترمذي (١١٤١)، والحاكم (٢٧٥٩)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.
(٢) رواه البخاري (٤١٨٥)، ومسلم (٢٤٤٣). والنَّحرُ: موضعُ القلادةِ، والسَّحرُ: الرِّئةُ؛ أيْ: إنَّه ﷺ توفِّيَ وهو مستندٌ إلى صدرِها - ﵂ -.
(٣) رواه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (١٤٥١٧).
[ ٣١٨ ]
فلم يَتَعَلَّقْ به تكليفٌ» (^١).
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: ﵄ «لَا مُطَلَّقَةٌ، وَلَا ذَاتُ بَعْلٍ» (^٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: إن تَعْدِلوا في قَسْمِكم بينَ الزَّوجاتِ، وما فَرَضَ اللهُ لهنَّ عليكم من المبيتِ، والكسوةِ، والنَّفقةِ، والعِشرةِ بالمعروفِ، ونحوِ ذلك من الأمورِ الظَّاهرةِ؛ فإنَّ اللهَ يَغْفِرُ لكم ما دونَ ذلك ممَّا لا يَدْخُلُ فى اختياركِم، كالحُبِّ وزيادةِ الإقبالِ ونحوِ ذلك.
تقولُ عائشةُ ﵂ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، ويقولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ وَخَرَجَ بِالَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» (^٤).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَزَوَّجَ جَدِيدَةً خَصَّهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَبِثَلَاثٍ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁
_________________
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٥٢٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (١٦٦٨٧).
(٣) رواه أبو داود (٢١٣٤)، وقال: «(فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ)؛ يعني: القلبَ».
(٤) رواه البخاري (٢٤٥٣)، ومسلم (٢٧٧٠).
[ ٣١٩ ]
أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا خَافَ نُشُوزَ الْمَرْأَةِ وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبَتْ إِلَّا النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ هَجَرَهَا وَضَرَبَهَا»، إذا ظَهَرَ من المرأةِ أماراتُ النُّشوزِ سواءٌ كانَ بالقولِ، كأن تجيبَه بكلامٍ خشنٍ بعد أن كانَ بِلِينٍ، أو بالفعلِ كأن يَجِدَ منها إعراضًا وعُبوسًا بعدَ لطفٍ وطلاقةِ وجهٍ، وَعَظَها بالكلامِ كأن يقولَ لها: «اتَّقِي اللهَ في الحقِّ الواجبِ لي عليكِ واحذري العقوبةَ»، فلعلَّها تُبدي عذرًا أو تتوبُ مما وَقَعَ منها بغيرِ عذرٍ، ويَحْسُنُ أنْ يَبَرَّهَا ويستميلَ قلبَها، ويُذَكِّرَها بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (^٢).
وحديثِ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ، وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» (^٣).
فإن أبتِ المرأةُ مع وَعْظِه لها إلا النُّشوزَ، هَجَرَها في المَضْجَعِ؛ أيْ: تَرَكَ مضاجعتَها في الفِراشِ.
فإن أقامت على النُّشوزِ بعدَ الوعظِ والهجرِ، ضرَبَها ضربًا غيرَ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩١٥)، ومسلم (١٤٦١).
(٢) رواه البخاري (٤٨٩٨)، ومسلم (١٤٣٦).
(٣) رواه الترمذي (١١٦١)، وابن ماجه (١٨٥٤)، والحاكم (٧٣٢٨)، وصحَّحه، وأقرَّه الذَّهبي.
[ ٣٢٠ ]