قال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا:
١ - الْكَلَامُ الْعَمْدُ»؛ لحديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ ﵁ قال: «كنَّا نتكلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحبَه وهو إلى جَنْبِه في الصَّلاةِ، حتَّى نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا
_________________
(١) رواه أبو داود في «المراسيل» (٨٧).
(٢) «تفسير ابنِ كَثير» (٦/ ٤٥).
[ ٨٧ ]
لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسُّكوتِ، ونُهِينَا عنِ الكلامِ» (^١).
٢ - «وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ»، بخلافِ العملِ القليلِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «جئتُ ورسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي في البيتِ، والبابُ عليه مُغْلَقٌ، فمشى حتَّى فَتَحَ لي، ثمَّ رَجَعَ إلى مكانِه»، وَوَصَفَتِ البابَ في القِبلةِ (^٢).
ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ» (^٣).
ولحديثِ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي وهو حاملٌ أمامَةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ بنِ عبدِ شمسٍ فإذا سَجَدَ وَضَعَهَا وإذا قامَ حَمَلَها» (^٤).
ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَلَعَ نعليْهِ وهو في الصَّلاةِ، عندما أَخْبَرَهُ جبريلُ - ﵇ - أنَّ بهما أذًى، فَوَضَعَهما عن يَسارِهِ، وسيأتي قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
_________________
(١) رواه البخاري (١١٤٢)، ومسلم (٥٣٩).
(٢) رواه أحمد (٢٤٠٧٣)، وأبو داود (٩٢٢)، والترمذي (٦٠١)، والنسائي (١٢٠٦)، وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب».
(٣) رواه أحمد (٧١٧٨)، وأبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (١٢٠٣)، وقال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ صحيح».
(٤) رواه البخاري (٤٩٤)، ومسلم (٥٤٣).
[ ٨٨ ]
فالعملُ القليلُ يُباحُ للحاجَة، وأمَّا الكثيرُ فيُبْطِلُ الصَّلاةَ، والمَرْجِعُ في معرفةِ القلَّةِ والكثرةِ هو العُرْفُ والعادةُ، فما يَعُدُّهُ النَّاسُ قليلًا فقليلٌ، وما يَعُدُّونَهُ كثيرًا فكثيرٌ، فالخَطوتانِ المتوسِّطتانِ، والضَّربتانِ، ونحوُهُما قليل، والثَّلاثُ مِن ذلك أو غَيْرِه كثيرٌ إنْ توالت، سواءٌ أكانتْ مِن جنسِ الخَطواتِ، أمْ أجناسٍ؛ كخَطوةٍ، وضَرْبةٍ، وخلعِ نعل، وسواءٌ أكانتِ الخَطواتُ الثَّلاثُ بقدرِ خَطوةٍ واحدةٍ أمْ لا، كما تَبْطُلُ الصَّلاةُ بالفعلةِ الفاحشةِ؛ كالوثبةِ لمنافاتِها للصَّلاةِ، ويُستثنى مِن ذلك صلاةُ الخوفِ في القِتالِ فيُحْتَمَلُ فيها الرَّكضُ والعَدْوُ عندَ الحاجَةِ؛ كما سيأتي إنْ شاءُ اللهُ تعالى.
٣ - «وَالْحَدَثُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (^١).
٤ - «وَحُدُوثُ النَّجَاسَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ولأنَّ إزالةَ النَّجاسةِ مِنَ الطَّهارةِ الَّتي هي شرطٌ لصحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، فإنْ وَجَدَ نَجاسةً فَأَزالَها في الحالِ صحَّتْ صلاتُه؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: بينما رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي بأصحابِه إذ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُما عن يسارِه، فلمَّا رأى ذلك القومُ أَلْقَوْا نعالَهُم، فلمَّا قضى رسولُ اللهِ ﷺ صلاتَه، قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟»، قالوا: رأيناك أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فأَلْقَيْنَا نِعالَنا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥).
[ ٨٩ ]
فِيهِمَا قَذَرًا»، أو قال: «أَذًى»، وقال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» (^١).
٥ - «وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ»؛ لأنَّ سَتْرَ العورةِ شرطٌ في صحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، فإنْ كَشَفَها عمدًا بَطَلَتْ صلاتُه، أمَّا إنْ كَشَفَتْها الرِّيحُ أو انْحَلَّ الإزارُ أو غيرُ ذلك؛ فاستترَ في الحالِ فلا تَبْطُلُ صلاتُه، كما ذَكَرْنا في إزالةِ النَّجاسةِ، ولأنَّهُ لم يَتَعَمَّدِ الكشفَ، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التَّغابن: ١٦].
٦ - «وَتَغْيِيرُ النِّيَّةِ»؛ لقولِهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٢).
٧ - «وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ»؛ لأنَّ استقبالَ القِبلةِ من شروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، قالَ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
٨ - «وَالْأَكْلُ»؛ لأنَّه عملٌ من غيرِ جِنسِ الصَّلاةِ.
٩ - «وَالشُّرْبُ»، للسَّببِ السَّابقِ.
١٠ - «وَالْقَهْقَهَةُ»، وهي الضَّحِكُ بالصَّوْتِ، ومنافاتُها للصَّلاةِ أَشَدُّ مِن منافاةِ الكلامِ، فكانت بالإبطالِ أَوْلى.
١١ - «وَالرِّدَّةُ»، لأنَّها محبِطةٌ للأعمالِ.
_________________
(١) رواه أحمد (١١١٦٩)، وأبو داود (٦٥٠)، وابنُ خُزيمة (١٠١٧)، وابن حبَّان (٢١٨٥)، والحاكم (٩٥٥)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي.
(٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
[ ٩٠ ]
«فَصْلٌ»