قال أبو شجاع ﵀: «وَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وَإِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ»، ذكرت الآيةُ مُستحقِّي الزَّكاةِ، وهم:
الفقراءُ: وحدُّ الفقيرِ ألَّا يكونَ له مالٌ ولا كسْبٌ، أو له مالٌ أو كسبٌ ولكن لا يقعُ موقعًا من حاجتِه، كمن يحتاجُ إلى عشَرةٍ -مثلًا- ولا يملكُ إلا درهمينِ، وملْكُ الدَّارِ التي يسكنُها والثَّوبِ الذي يتجمَّلُ به لا يسلبُه اسمَ الفقرِ.
والمساكينُ: وحدُّ المسكينِ أن يكونَ له شيءٌ يسدُّ مسدًّا مِن
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٣٩).
(٢) رواه الدارقطني (٢٠٧٨)، و«تمونون»؛ أي: تلزمُكم مئونتُهم ونفقتُهم، وقد سبق الكلامُ عن الصاعِ، وقدرِه بالوزنِ، وأنَّه يختلفُ باختلافِ الأنواعِ.
[ ١٤٦ ]
حاجتِه، ويقعُ موقعًا من كفايتِه، ولكنَّه لا يكفِيه، كمَن يحتاجُ إلى عشَرةٍ فلا يجدُ إلا ثمانيةً.
والعاملون عليها: وهم العمالُ والجُبَاةُ الذين يستعينُ بهم الإمامُ في جمْعِ الزَّكاةِ وتوزيعِها.
والمؤلفةُ قلوبهم: وهم المسلمون حديثُو العهدِ بالإسلامِ، والذين يُتوقَّعُ بإعطائِهم أنْ يقوَى إسلامُهم.
وفي الرِّقابِ: وهم المكاتَبونَ الذين تعاقدوا مع المالِكين لهم على أنْ يجلِبوا إليهم أقساطًا من المالِ، فإذا أدَّوها صاروا أحرارًا.
والغارمون: وهم الذين أثقلتْهم الديونُ، وعجزوا عن وفائِها، وأدائِها.
وفي سبيلِ اللهِ: وهم الغزاةُ المتطوعون بالجهادِ دفاعًا عن الإسلامِ، وليس لهم عطاءٌ من بيتِ المالِ.
وابنُ السبيلِ: وهو المسافرُ يريدُ أنْ يرجعَ إلى بلدِه، وقد فقَدَ نفقتَه التي تُبلِّغُه مقصِدَه.
والمرادُ بالصدقاتِ: الزَّكاةُ المفروضةُ، بدليلِ قولِه تعالى في آخرِ الآيةِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَّا الْعَامِلَ»، يجبُ استيعابُ الأصنافِ الثَّمانيةِ عندَ القدرةِ، فإنْ فرَّقَ بنفسِه أو فرَّقَ الإمامُ وليس هناك عاملٌ فرَّقَ على سبعةٍ، وأقلُّ ما يُجزِئُ أنْ يدفعَ إلى ثلاثةٍ من كلِّ صِنفٍ؛ لأنَّ اللهَ
[ ١٤٧ ]
تعالى ذكرَهم بلفظِ الجمعِ، إلَّا العاملَ، فإنَّه يجوزُ أنْ يكونَ واحدًا، يعني: إذا حصلت به الكفايةُ، ولو لم يجدْ إلَّا دُونَ الثلاثةِ من كلِّ صِنفٍ أعطَى مَن وَجَد.
قال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةٌ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِمْ:
١ - الْغَنِيُّ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» (^١).
وفي روايةٍ لعبدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ ﵁: «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (^٢).
٢ - «وَالْعَبْدُ»؛ لأنَّ نفقتَه على سيدِه، وأيضًا لأنَّه لا يملكُ.
٣ - «وَبَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ»؛ لحديثِ عبدِ المطلبِ بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» (^٣).
ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ ﵄ أخذَ تمرةً من تمرِ الصَّدقةِ، فجعلها في فِيهِ، فقال النبيُّ: «كَخْ (^٤) كَخْ
_________________
(١) رواه أحمد (٦٥٣٠)، وأبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢)، وقال: «حديث حسن»، والمِرَّة: القوةُ والقدرةُ على الكسبِ.
(٢) رواه أحمد (١٨٠٠١)، وأبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٢٥٩٨).
(٣) رواه مسلم (١٠٧٢)، والمراد بآل محمد ﷺ بنو هاشم وبنو المطلب، ومقابل تحريم الزَّكاة عليهم؛ يُعطَون خُمسَ الخمسِ من الغنيمةِ، كما سيأتي في كتابِ الجهادِ.
(٤) وقوله ﷺ: «كَخْ كَخْ»؛ هي بفتحِ الكافِ وتسكينِ الخاءِ، ويجوزُ كسرُها مع التَّنوينِ، وهي كلمةٌ يُزْجرُ بها الصبيانُ عن المستقذراتِ.
[ ١٤٨ ]
-ليطرَحَها، ثمَّ قال-: ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!» (^١).
٤ - «وَالْكَافِرُ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لمعاذٍ ﵁ لما أرسلَه إلى اليمنِ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (^٢).
والمرادُ أغنياءُ المسلمينَ وفقراؤُهم، فكما أنَّها لا تؤخذُ من أغنياءِ غيرِ المسلمينَ، فلا تدفعُ لفقراءِ غيرِهم.
٥ - «وَمَنْ تَلْزَمُ الْمُزَكِّي نَفَقَتُهُ لَا يَدْفَعُهَا إِلَيْهِمْ بِاسْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ»؛ أي: لا يجوزُ دفعُها لهم إنْ كانوا فقراءَ ومساكينَ؛ لأنَّهم يستغُنون بالنَّفقةِ الواجبةِ لهم على المزكِّي، ويجوزُ دفعُها لهم بغيرِ هذينِ الوصفينِ، كما إذا كانوا غارمينَ، أو مجاهدين، وانظر فيمن تلزمُ نفقتُهم فصلَ النَّفقاتِ في النِّكاحِ.
واللهُ تعالى أعلمُ.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٢٠)، ومسلم (١٠٦٩).
(٢) رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩).
[ ١٤٩ ]