قال أبو شجاع ﵀: «وَاَلَّذِي يَفْطُرُ بِهِ الصَّائِمُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ:
١ - مَا وَصَلَ عَمْدًا إِلَى الْجَوْفِ»، إذا صحَّ الصَّومُ بشروطِه فلبطلانِه أسبابٌ، منها: ما وصل إلى الجوفِ من غذاءٍ وغيرِه،
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٩٥).
(٢) رواه أحمد (١٠٤٦٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، وقال الترمذي: قال محمد: «لا أراه محفوظًا».
[ ١٥٢ ]
حتى لو ابتلع خردلةً أو حصاةً؛ أفطرَ بها، إلَّا أنْ يكونَ ناسيًا، فيكون على صومِه، وأراد صاحبُ المتنِ بالجوفِ البطنَ، ولهذا ذكرَه مُعرفًا، فساغَ له بعدَ ذلك ذكْرُ الرأسِ والحقنةِ في أحد السبيلينِ.
٢ - «أَوْ الرَّأْسِ»، كمن كانت برأسِه شَجَّةٌ فأدخل دواءً إلى باطنِ الرَّأسِ؛ أفطر، وإنْ لم يصلْ إلى باطنِ الأمعاءِ؛ لأنَّه جَوْفٌ.
٣ - «وَالْحُقْنَةُ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ»، المراد: ما يُحقَنُ به المريضُ في قُبُلٍ أو دبُرٍ، وهو من المفطِّراتِ -أيضًا- لأنَّه جوفٌ.
٤ - «وَالْقَيْءُ عَمْدًا»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (^١).
٥ - «وَالْوَطْءُ عَمْدًا فِي الْفَرْجِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال مُبلِّغًا عن ربِّه - ﵎ - يمدحُ الصَّائمَ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (^٢).
٦ - «الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ»؛ للحديثِ السَّابقِ.
٧ - «وَالْحَيْضُ»؛ لحديثِ معاذةَ بنت عبد الله العدوية قالت: سألْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: «أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟»، قلتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) رواه البخاري (١٧٩٥).
[ ١٥٣ ]
أَسْأَلُ، قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (^١).
٨ - «وَالنِّفَاسُ»؛ قياسًا على الحيضِ.
٩ - «وَالْجُنُونُ»؛ لرفْعِ القلمِ عمَّن تلبَّسَ به.
١٠ - «وَالرِّدَّةُ»؛ لأنَّها محبطةٌ للعملِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
١ - تَعْجِيلُ الْفِطْرِ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (^٢).
ولحديثِ أبي ذرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (^٣).
٢ - «وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ»؛ للحديثِ السَّابقِ.
٣ - «وَتَرْكُ الْهُجْرِ مِنَ الْكَلَامِ»، الهُجْرُ: الفُحْشُ من الكلامِ، فيصونُ المسلمُ لسانَه، وخاصَّةً الصائمَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (^٤).
ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٥).
(٢) رواه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٠٩٨).
(٣) رواه أحمد (٢١٣٥٠).
(٤) رواه البخاري (١٨٠٥)، ومسلم (١١٥١).
[ ١٥٤ ]
لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ صِيَامُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: الْعِيدَانِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ: «نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الأَضْحَى، ويَوْمِ الْفِطْرِ» (^٢).
ولحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ»، يومُ الشكِّ: يومُ الثلاثينِ من شعبانَ، الذي يَشُكُّ فيه النَّاسُ: هل هو مِن شَعْبانَ أو مِن رمضَانَ؟ يقولُ عمارُ بنِ ياسرٍ ﵁: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ» (^٤).
وتنتفِي حرمةُ صومِ الشَّكِّ إذا وافق عادةً له؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ» (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٠٤).
(٢) رواه مسلم (١١٣٨).
(٣) رواه مسلم (١١٤٢)
(٤) رواه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٤٥)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٥) رواه مسلم (١٠٨٢).
[ ١٥٥ ]
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا فِي الْفَرْجِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: بينما نحن جلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، هلكتُ، قال: «مَالَكَ؟» قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فقال رسول اللهِ ﷺ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟»، قال: لا، قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قال: لا، فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قال: لا، قال: فمكَثَ النبيُّ ﷺ، فبينا نحنُ على ذلكَ، أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -والعَرَقُ الْمِكْتَل- قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟»، فقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ من أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (^١).
وجاء في روايةٍ لسلمانَ بنِ صخرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه مِكْتَلًا فيه خمسةَ عشرَ صاعًا، فقال: «أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١١١١)، وقوله: «وقعت على امرأتي»؛ أي: جامعتها، و«المكتل»: وِعاءٌ يُنسجُ من ورقِ النخلِ، و«الحرتين»: مثنى حرَّةٍ، وهي أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سوداءَ، و«بدت أنيابُه»؛ أي: ظهرت من ضحكِه ﷺ.
(٢) رواه الطبراني في «الكبير» (٦٣٣٠).
[ ١٥٦ ]
قال الشافعيُّ ﵀: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتي بِعَرَقِ تَمْرٍ فدفعَه إلى رجلٍ، وأمرَه أنْ يُطعِمَه ستينَ مسكينًا، والعَرَقُ فيما يقدَّرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وذلكَ ستُّونَ مُدًّا لكلِّ مسكينٍ مدٌّ» (^١).
ويكونُ المُدُّ من غالبِ قُوتِ أهلِ البلدِ، وهو يُساوي بالوزنِ (٦٠٠) جرامًا تقريبًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدًّا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» (^٢).
وفي رواية: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَعَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ لِمِسْكِينٍ» (^٣).
وقال ابنُ عباسٍ ﵄: «إذا مرِضَ الرَّجلُ في رمضانَ، ثمَّ ماتَ ولم يَصُمْ؛ أُطْعِمَ عنه» (^٤).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالشَّيْخُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا»، يقول عطاءٌ ﵀: سمعتُ ابنَ عباسٍ ﵄ يقرأُ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، قال:
_________________
(١) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (١٠/ ٥٤).
(٢) رواه الترمذي (٧١٨)، وقال: «لا نعرفُه مرفوعًا إلا من هذا الوجهِ، والصحيحُ عن ابنِ عمرَ موقوفٌ».
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٥٣١).
(٤) رواه أبو داود (٢٤٠١).
[ ١٥٧ ]
«ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أنْ يصومَا، فيُطعِمانِ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقضَاءُ، فَإِنْ خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ»؛ إذا خافت الحاملُ أو المرضعُ على أنفسِهما ضررًا بَيِّنًا من الصومِ، مثلَ الضررِ الناشئِ للمريضِ من المرضِ؛ أفطرتَا، وعليهما القضاءُ كالمريضِ، وسواءٌ تضرَّرَ الولدُ أم لا، ولا فديةَ كالمريضِ، وإنْ خافتَا على ولديْهما -بسببِ إسقاطِ الولدِ في الحاملِ، وقلةِ اللبنِ في المرضعِ- أفطرتَا وعليهما القضاءُ للإفطارِ، والفديةُ على أظهرِ الأقوالِ لكلِّ يومٍ مدٌّ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قولِه تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، «كانت رخصةً للشيخِ الكبيرِ، والمرأةِ الكبيرةِ، وهما يُطِيقانِ الصيامَ أنْ يُفطِرَا، ويُطعِمَا مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، والحُبْلَى والمرضعُ إذا خافتَا»؛ قال أبو داودَ: «يعنِي على أولادِهما أفطرتَا وأَطْعمَتَا» (^٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ سَفَرًا طَوِيلًا يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٣٥).
(٢) رواه أبو داود (٢٣١٨).
[ ١٥٨ ]