قال أبو شجاع ﵀: «الصَّلاةُ الْمَفْرُوضَةُ خَمْسَةٌ:
١ - الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهَا زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مَثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ»، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ يَعْنِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقال: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» (^١).
قالَ الشَّافعيُّ ﵀: «وأوَّلُ وقتِ الظُّهرِ إذا اسْتَيْقَنَ الرَّجُلُ بزوالِ الشَّمسِ عن وَسَطِ الفَلَكِ، وظِلُّ الشَّمسِ في الصَّيْفِ يَتَقَلَّصُ
_________________
(١) رواه أحمد (٣٠٨١)، وأبو داود (٣٩٣)، والحاكم (٦٩٥)، وصَحَّحه، وأَقَرَّه الذَّهبي، و«الشِّرَاك»، سير من سيور النعل التي تكون على وجهها، وقدره هنا ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يبين إلا بأقل ما يرى من الظل وكان حينئذ بمكة هذا القدر، و«الشَّفَق»، هو الحُمرةُ الَّتي تَظْهَرُ بعدَ غروبِ الشَّمسِ.
[ ٦١ ]
حتَّى لا يَكونَ لشيءٍ قائمٍ مُعتدِلٍ نِصْفَ النَّهارِ ظِلٌّ بحالٍ، وإذا كانَ ذلك فَسَقَطَ للقائمِ ظِلٌّ، ما كانَ الظِّلُّ فقد زالتِ الشَّمسُ وآخِرُ وَقْتِها في هذا الحينِ إذا صارَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَهُ فإذا جاوَزَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه بشيءٍ ما كانَ فقد خَرَجَ وقتُها ودَخَلَ وقتُ العصرِ لا فَصْلَ بيْنهما إلا ما وَصَفْتُ» (^١).
٢ - «وَالْعَصْرُ: وَأَوَّلُ وَقْتِهَا الزِّيَادَةُ عَلَى ظِلِّ الْمِثْلِ، وَآَخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى ظِلِّ الْمِثْلَيْنِ، وَفِي الْجَوَازِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (^٢).
قال الغزي ﵀: «وللعصرِ خمسةُ أوقات، أحدها: وقت الفضيلة، وهو فعلُها أوَّلِ الوقت؛ والثاني: وقت الاختيار، وأشار له بقوله: (وَآخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى ظِلِّ الْمِثْلَيْنِ)، والثالث: وقت الجواز، وأشار له بقوله: (وَفِي الْجَوَازِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ)؛ والرابع وقت جواز بلا كراهة، وهو مِن مصيرِ الظِّلِّ مثلين إلى الاصفرار؛ والخامس: وقت تحريم، وهو تأخيرها إلى أن يبقى مِن الوقتِ ما لا يسعها» (^٣).
_________________
(١) «الأُم» (٢/ ١٥٧).
(٢) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٠٨).
(٣) «فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب» (ص: ٦٧).
[ ٦٢ ]
٣ - «وَالْمَغْرِبُ: وَوَقْتُهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ: غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَبِمِقْدَارِ مَا يُؤَذِّنُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ السَّابقِ وفيه: أنَّ جبريلَ - ﵇ - صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ المَغْرِبَ في اليوميْنِ حينَ أَفْطَرَ الصَّائمُ.
٤ - «وَالْعِشَاءُ: وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا غَابَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ، وَآخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي»؛ لحديثِ أبي قَتادةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» (^١).
فدلَّ على أنَّ وقتَ الصَّلاةِ لا يَخْرُجُ إلَّا بدُخولِ وقتِ غيْرِها، وَخَرَجَتِ الصُّبحُ مِن هذا العمومِ بدليلٍ فَبَقِيَ الحديثُ على مقتضاهُ في غَيْرِها.
وقالَ النَّوويُّ ﵀: «للعِشاءِ أربعةُ أوقاتٍ: فضيلةٌ، واختيارٌ، وجَوازٌ، وعُذْرٌ، فالفضيلةُ؛ أوَّلُ الوقتِ، والاختيارُ؛ بَعْدَهُ إلى ثُلُثِ اللَّيلِ في الأصحِّ، وفي قولٍ؛ نِصْفَهُ، والجَوازُ؛ إلى طلوعِ الفجرِ الثَّاني، والعُذرُ وقتُ المَغْرِبِ لمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أوْ مَطَرٍ» (^٢).
٥ - «وَالصُّبْحُ: وَأَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَآخِرُهُ فِي
_________________
(١) رواه مسلم (٦٨١).
(٢) «المجموع» (٣/ ٤٠).
[ ٦٣ ]
الِاخْتِيَارِ إِلَى الْإِسْفَارِ، وَفِي الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ»، الفجرُ الثَّاني: هو المُنْتَشِرُ ضَوْؤُه مُعْتَرِضًا بالأفقِ، وهذا يُسَمَّى بالفجرِ الصَّادقِ، أمَّا الفجرُ الأوَّلُ؛ فإنَّهُ يَطْلُعُ قبلَ ذلك مستطيلًا ذاهبًا في السَّماءِ، وله ضوءٌ طويلٌ كذَنَبِ الذِّئبِ، ثُمَّ تَعْقُبُه ظُلْمَةٌ، وهذا يُسَمَّى الفجرَ الكاذبَ.
قال الغزي ﵀: وللصبحِ «خمسةُ أوقات: أحدها: وقت الفضيلة، وهو أول الوقت؛ والثاني: وقت الاختيار، وذكره المصنف في قوله: (وَأَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَآخِرُهُ فِي الِاخْتِيَارِ إِلَى الْإِسْفَارِ)، وهو الإضاءة؛ والثالث: وقت الجواز، وأشار له المصنف بقوله: (وَفِي الْجَوَازِ)؛ أي: بكراهة، (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ والرابع: جواز بلا كراهة إلى طلوع الحُمرة؛ والخامس: وقت تحريم، وهو تأخيرها إلى أن يبقى من الوقت ما لا يسعها.
«فَصْلٌ»